|
الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة في المؤامرة على العراق بدءا من
عام 1990) |
|
شبكة البصرة |
|
د. صباح محمد سعيد الراوي |
|
ما بعد المؤامرة - بدايات المواجهة وهكذا، انتهت كما قلنا مؤامرة القاهرة، ونتج عنها شرخ كبير في العالم العربي، وانقسم العرب الى قسمين، قسم مؤيد بالكامل للعراق ويرى أن له حق في قضيته مع ال الصباح (لكن وللامانة والانصاف ليس بدخول جيشه الى ارض الكويت) ومتعاطف معه بمواجهة قوات التحالف التي كان عددها يزيد يوما بعد يوم، وقسم مؤيد للنفط وأمواله ومنصاع بالكامل للهيمنة الامريكية. كان بعض العرب يعلم ان هناك عدوانا قادما على اهم دولة عربية، ويعلـم بلا شك أن امريكا لم تأت الى المنطقة بكل ترسـانة الاسـلحة الهائلة التي تملكها لأجـل الكويت أو لأجـل حمـايـة ملك ال سعود كما زعموا، وانما كان مجيء امريكا بقواتها واسلحتها وحاملات طائراتها حماية للكيان الصهيوني أولا، وثانيا لتدمير هذه القوة العراقية العربية الهائلة والمتنامية، والتي ستكون فيما بعد ندا شرسا ومقاتلا عنيدا بوجه الجيش الصهيوني. لم تكن الامة العربية منقسمة بالفكر والفعل والدم على نفسها فحسب، وانما كان الانقسام في أعماق كل فرد من أفرادها، فكما انه لم يكن أحد مطمئن لنوايا أمريكا تجاه العراق، كذلك لم يقبل بنفس الوقت دخول القوات العراقية الى الكويت، وكذلك لم يكن يرضيه ايضا ذلك العذر المستسلم للمقادير، فمن غير المعقول ان يتوقف الحوار بين العرب منذ الايام الاولى للازمة، بينما استمر الكونجرس الامريكي يحاول إيجاد الممكن حتى ما قبل أيام قليلة من وقوع العدوان، وأيضا كان من غير المقبول ان يحصل جورج بوش على نسبة عالية بين العرب الذين ايدوه في مضيه للعدوان على العراق، بينما عارضه حتى النهاية بعض أعضاء مجلس الشيوخ الامريكي في المضي قدما للحرب !!!!!
الواقع كان يقول ان الغرب كله وقف موقفا واحدا خلف الولايات المتحدة التي كانت تحركاتها العسكرية والسياسية قاطعة فيما تعنيه، اما مجلس الامن فقد تحول بين عشية وضحاها لمجرد ختم يقوم بالتصديق على مشروعات قرارات قدمتها الولايات المتحدة تؤكد بها هيمنتها على ما يسمى الشرعية الدولية، ناهيك عن ان الجامعة العربية بمجملها ايضا تحولت الى اداة بيد السياسة المصرية التي رضخت ايضا للسياستين الامريكية والصهيونية على السواء، وحتى الاتحاد السوفييتي والصين بدا وكأنهما على استعداد لمجاراة الولايات المتحدة إلى آخر الشوط.
كانت القيادة العراقية متأكدة بأن معظم الحكومات العربية واقفة ضدها بصف التحالف، وعلى استعداد للتعاون بشكل غير محدود في تطبيق الحصار الذي بدأ يزداد مشكلا طوقا حديديا حول العراق يوشك ان يتحول الى طوق من النار مع مرور الايام، وتحول أصدقاء الامس الى ألد الاعداء بفعل الدولار وشراء الذمم والضمائر والمواقف. في هذه الأثناء، أعلن العراق ضمه للكويت، وقام المهندسون العراقيون بربط شبكة الهاتف في أرض الكويت مع شبكة الهاتف العراقية، وصارت توزع على المواطنين في أرض الكويت بطاقات الهوية العراقية.
أما على الناحية الأخرى، فقد كان الحشد العسكري الامريكي وتوابعه متواصلا على أشده، وقرارات الحصار الاقتصادي ضد العراق تتسارع اجراءاتها، فقطع الاسطول الامريكي تشاركها قطع من الاسطول البريطاني توقف البواخر الداخلة والخارجة من ميناء البصرة، وتفتشها وتصادر حمولاتها "وتسرقها" بحجة انتهاكها للحصار، ونفس الشيء حدث لناقلات البترول العراقية، فقد سرقها لصوص الامريكان والانجليز وباعوها لصالحهم وصالح عملائهم، على ان انابيب النفط التي تنقل البترول العراقي توقفت هي الاخرى عن الضخ، فالخط في سوريا متوقف منذ ايام العدوان الفارسي على العراق ووقوف سوريا حافظ الاسد الى جانب الفرس في ذلك العدوان، وكذلك توقف الخط العابر للسعودية وتلقائيا توقف الخط العابر الى تركيا واصبح النفط العراقي ممنوعا بالكامل من الوصول الى الاسواق العالمية. ونتج عن هذا ارتفاع اسعار النفط بسرعة من 12- 13 دولار للبرميل الى 37 – 40 دولار، وكانت الولايات المتحدة قد أعدت مسبقا خطة لهذا الوضع، فتدفقت الى الاسواق كميات من الاحتياطي الاستراتيجي الامريكي، وطلبت امريكا من حلفائها ان يفعلوا نفس الشيء. ثم عقدت دول اوبك اجتماعا تقرر فيه عدم الالتزام بحصص الانتاج واطلاق الحرية للدول الاعضاء لكي تضخ ما تشاء من النفط، فوصل انتاج السعودية من ثلاثة ملايين ونصف المليون برميل يوميا الى 10 ملايين برميل مع نهاية عام 1990. ولم يقف الامر هنا فحسب، بل ان الولايات المتحدة اتخذت قرارا بتجميد الارصدة العراقية والكويتية في الخارج، وبالتالي لم يعد العراق قادرا على شراء شيء من العالم، " سرقت الولايات المتحدة معظم الارصدة العراقية فيما بعد عندما دنست قواتها ارض العراق وازاحت القيادة الشرعية فيه"
ايضا، طلبت الولايات المتحدة من جورباتشوف ان يبعث بخطاب الى الرئيس صدام يبدي فيه موقفه صراحة من قضية دخول الجيش العراقي الى ارض الكويت، وان يكون شجبه لهذا الدخول بعبارات صريحة لاتترك لديه ذرة شك في موقف الاتحاد السوفييتي، فكتب جورباتشوف ذلك الخطاب الى القيادة العراقية والذي راحت تفاصيله تنشر في معظم وسائل الاعلام العالمية، وراح بوش يتصرف بأسلوب الواثق من نفسه ومن هدفه وخطته، وراح بكل وقاحة وقع قانونا يخول المخابرات المركزية صلاحية القيام بأي عمل تراه مناسبا لاسقاط نظام الرئيس صدام حسين والتخلص منه، وكان الشرط الوحيد الذي وضعه هو انه اذا كان محتما اغتيال الرئيس العراقي، فليتم هذا... لكن " بأيد عراقية ".
أما ماذا عن موقف الدول العربية إزاء كل ذلك ؟؟
الواقع ان الدول العربية عاشت ممزقة في ايام تلك الازمة، انقسم العالم العربي بين مع وبين ضد، فلو نظرنا الى دويلات الخليج والحال الذي صارت عليه بعد انتهاء مؤامرة القاهرة، لرأينا أنه بعد أن أطمأن حكامها إلى أن الجيش الامريكي والدائرين في فلك أمريكا صاروا بالمنطقة بالالاف، وبعد أن صارت الاساطيل والبوارج وحاملات الطائرات تمخر عباب الخليج، انقلبوا ثلاثمائة وستون درجة وكأن عصا موسى عليه السلام القيت عليهم فتحولوا الى أفاعي وثعابين تنفث سمومها على العراق وعلى القيادة العراقية ممثلة بالرئيس صدام حسين، فراحت وسائل الاعلام العميلة في تلك الدويلات تخترع الاكاذيب والاقاويل التي لا تدخل حتى في عقول أطفال، وصلت وسائل الاعلام تلك الى الحضيض في القذارة والانحطاط والوضاعة، فصرت ترى المقابلات والفذلكات والتحليلات والفلسفات والكذبات تتوالى من كل حدب وصوب، وصارت سيرة العراق ورئيس العراق على لسان " اللي يسوى واللي ما يسواش" (حسب المثل المصري المشهور)، فاستقوى المستعربون الذين لا يفقهون شيء من اللغة العربية وأصولها على العرب الاصلاء، وعلى من علم العرب الضاد وعلوم اللغة، وتطاول أبناء اللئام على الكرام، وتطاولت السخال على النمور، وتجرأت الغربان على الطيران أمام النسور والصقور، وصار للجاهل مكانا يتكلم فيه على المتعلم المثقف ابن حضارة السبعة الاف عام !!!!! لقد انقلب الاعلام المستعرب على العراق وقيادته انقلابا قذرا، فتذكروا ان الرئيس صدام حسين اسمه صدام التكريتي، وتذكروا ان طارق عزيز مسيحي، فصار اسمه بوسائل إعلامهم " طارق حنا" .... وانتبهوا الى ان سعدون حمادي شيعي، وأن طه ياسين رمضان والدته كردية، وأن صدام حسين اسم والدته صبحة... وهكذا... صاروا لا هم لهم الا العزف على وتر سني وشيعي وكردي وصابئي وعربي و....و.... و........ قذارة وسفالة لايضاهيها الا قذارة الاعلام الامريكي والصهيوني على السواء... ويا سبحان الذي يغير ولا يتغير... كانوا بالامس لا يجرؤون على لفظ اسم صدام الا ومسبوقا بكلمة سيادة الرئيس صدام.... أما حين صار الجيش الامريكي في أراضيهم.... فقد تغير حالهم!!!!! وتبدلت لهجتهم بل واخترعوا أسماءا جديدة للرئيس صدام ولأعضاء قيادته لم يكن يعرفها أي عراقي من قبل......... وصدق الله العظيم حين قال " الأعراب أشد كفرا ونفاقا".
هناك مثل لدى اخواننا المصريين يقول: اللي معاه قرش ومحيره يجيب حمام ويطيره........ وعلى نفس هذا المبدأ، صار أي صحفي أو اعلامي أو اي برنامج تلفزيوني ليس لديه موضوع يجذب الناس، وليس لديه ما يستقطب به الجماهير، فإنه لم يجد أمامه إلا العراق والرئيس صدام حسين مادة دسمة وصيد ثمين للكتابة أو للحديث عنه ما يقرأ وما لايقرأ وما يرى وما لا يرى، وما يسمع وما لايسمع، حتى رساموا الكاريكاتير فإنهم قد وجدوا فرصتهم الذهبية قد حانت للنيل من العراق وقيادته بريشهم السخيفة التافهة... أذكر أنه أتيح لي أنا شخصيا " فيما بعد " أن اطلع على رسم كاريكاتوري رسم في تلك الفترة، يصور الرئيس صدام حسين على ظهر دبابة تسير به الى القطب المتجمد الشمالي ويقول الرسم " تحرير القدس يبدأ من تحرير القطب المتجمد !!!!! هذا يدل على قمة في الغباء لدى عقول المستعربين، صحيح ان العراق اطلق نداءا يقول ان تحرير القدس يبدأ من الكويت، لكن ما معنى هذا ؟ هل معناه ان الجيش العراقي سيتخذ من ارض الكويت طريقا الى القدس كما فهم ذلك الاغبياء المستعربين العملاء ؟؟ بالطبع لا... لأنه منطقيا ثم جغرافيا، أن ارض الكويت في جنوب العراق.... وأين موقع فلسطين على الخريطة من العراق؟؟!!! إنما كان القصد من هذه المقولة، ان تحرير القدس يبدأ بالتخلص أولا من هؤلاء الحكام الخونة العملاء في الخليج .... لأنه حين التخلص من العملاء وترتيب البيت الداخلي لكل دولة، سيسهل بالتالي تحرير القدس...... لان الحاكم الذي سيأتي سيكون وطنيا مخلصا وليس عميلا متأمركا مثل سابقه .... ذلك كان القصد من النداء... لكن الغبي يظل طول عمره غبي... وبعض الحكام العرب واذنابهم اصروا على ان يبقوا أغبياء ....... ولا زالوا بالمناسبة ...... والله ان المرء صار يعجب وقتها من الانحطاط الذي وصل اليه البعض، والذين صموا آذانهم عن سماع اي شيء الا اعلام امريكا ومن دار في فلكها، وغني عن القول ان الكثير من الاكاذيب قيلت وقتها، ناهيك عن أن الكثير من مواطني العراق المقيمين في دويلات الخليج، والذين كان لهم أثر كبير في تأسيس البنية التحتية لهذه الدويلات، تعرضوا لمضايقات من قبل السلطات فيها، وبعضهم تم ترحيله قسرا اما الى العراق او الى خارج الوطن العربي، علما ان غالبية مواطني العراق كانوا يتبوأون مناصب عليا في بعض دويلات الخليج، وأكثريتهم كانوا من فئة المهندسين والاطباء والمستشارين القانونيين والماليين....و.....و..... على أن حكام الخليج، وفي معاملتهم القذرة تلك لمواطني العراق ... فإنهم قد نفذوا الأوامر أمريكية ليس إلا.....
أسلفنا من قبل أن الرئيس صدام حسين وجه نداءا في يوم العاشر من آب/ أغسطس يدعو فيه الى انقاذ مكة المكرمة ومقام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من دنس الكفار الذين بدأوا باحتلال أرض الحرمين الشريفين، وأنه دعا شعوب المنطقة للثورة على حكامها. الواقع أن مثل هذا النداء لم يلق الاستجابة المطلوبة أو المتوقعة على الشكل الذي ينبغي، لأنه كما قلنا أن الاعلام استطاع بحركة ذكية تجييش الشعوب الى جانب الحكام بطريقة سحرية مذهلة، بل ان الاعلام السعودي على سبيل المثال استطاع اقناع الشعب في الجزيرة العربية كلها، أن الجيش العراقي لا بد مكملا طريقه الى كافة دويلات الخليج واحدة تلو الأخرى، وهو الأمر ما كان ممكن الحدوث أبدا "كما اسلفنا". ولكي أجعل الامر سهلا على القاريء العربي، أضرب هذا المثل الذي كنت شاهدا عيانا عليه، فعندما كنت أؤدي خدمة العلم في الجيش العراقي كطبيب في مدينة البصرة، (كان قد مضى علي في الخدمة تقريبا أكثر من سنة) انتدبتني قيادة القاطع الذي كنت فيه "في عز ايام الأزمة" الى قطعة عسكرية مكان تواجدها مجاور للحدود السعودية (وليس على الحدود السعودية) (وهذا النقل يحدث لكل الجهاز الطبي في الجيش العراقي وهو أمر عسكري شائع) ... المهم في هذا المكان، كان يمكن التقاط التلفزيون السعودي، فتحت في إحدى الامسيات لأتفرج على ما يقدم من برامج، واذ بي أمام مهزلة والله لم ار الى الان في حياتي مهزلة مثلها..... مذيع يجري مقابلات في الاسواق مع مواطنين سعوديين يسألهم رأيهم فيما حصل، ويسألهم، شو رأيك باللي عملته حكومة خادم الحرمين الشريفين في استعانتها بالأصدقاء لصد هجوم متوقع من صدام حسين.... هذا صحيح أم لا ؟؟ وهل تؤيد الحكومة" أيدها الله" في عملها هذا ؟؟ تأملوا السؤال ؟؟ صد هجوم متوقع من صدام حسين ؟؟؟؟ كانت اجوبة المواطنين تثير الغثيان...... فهذا يقول مخاطبا الرئيس صدام : يا كلـ.... انت احتليت الكويت..... شنو تريد من السعودية؟؟؟ والثاني يصف الرئيس صدام بابن الحـ...... والثالث بالوغـــ .....والرابع بـ ... أوصاف يعجب المرء من صدورها من أناس يجاورون اقدس مكانين على الكرة الارضية، مكة المكرمة والمدينة المنورة، اكثر من هذا...... ان البرنامج نفسه كان ينتقل من مذيع إلى آخر...... وكل واحد يغطي منطقة من مناطق السعودية...... فهذا في مكة..... والثاني في الرياض...... والثالث في جدة والاخر في المدينة وهكذا..... شيء مقزز يثير القرف والغثيان معا بآن واحد... قلنا لكم ان جيشنا لا ينوي دخول أراضيكم ابدا، ووقعنا معكم معاهدة عدم اعتداء... فمن اين اخترعتم قصة دخول الجيش العراقي اليكم ؟؟؟ صدقتم الامريكان ولم تصدقونا نحن أبناء عمومتكم ؟؟ كم مواطن يحمل الجنسية السعودية اصوله عراقية ؟؟ عائلة الشمري مثلا اليست متواجدة في كلا البلدين ؟؟؟ أما كان هذا يكفي على صدقنا وصدق نوايانا تجاهكم ؟؟!!!!
ولم يقف الأمر عند الاعلام فحسب، بل أن الدولة السعودية وبقية دويلات الخليج جيشت المواطنين والمقيمين لديها وجعلتهم يتطوعون فيما أطلق عليه وقتها جيش الدفاع الشعبي .... لماذا... ؟ قال للدفاع عن بلادهم ضد هجوم من الجيش العراقي !!!!!!!!، فصرت ترى أشباه رجال هنا وهناك يتدربون على المشية العسكرية حاملين البنادق بمختلف أنواعها، وكذلك طلاب المدارس والجامعات وحتى علماء الدين والموظفين و.......و......و...... وكل فرد صار يريد التطوع ليدافع عن بلده ضد صدام حسين!!!!! بل حتى بعض المقيمين الاسيويين في تلك الدول ابدوا استعدادهم للتطوع وللدفاع... ففي سبيل الدولار والدرهم والدينار بات كل شيء ممكن...... وبدأت الفتاوى تصدر من علماء السلاطين والمتأسلمين من هنا وهناك.... أن لا مانع من الاستعانة بالكافر لصد صائل على ديار الاسلام....... واخترع بعض مدعي الفقه والعلم الشرعي مختلف المسميات في سبيل استقدام القوات الامريكية والبريطانية وغيرها فيما عرف وقتها باسم " قوات التحالف ". ولم يقف أمر المتأسلمين عند اصدار الفتاوى لاستقدام الكفار، بل تفتحت قرائحهم ايضا على فتوى تكفر الرئيس صدام حسين وتخرجه من الملة، وانه طاغوت بعثي وجب قتاله لردته عن الاسلام !!!!!!
لكن ماذا عن مواقف الدول العربية الأخرى ؟؟
في سوريا، لم يستطع المواطنون السوريون تقبل فكرة العدوان الامريكي الغربي على العراق، فخرجت بعض المظاهرات المؤيدة للعراق ولحكومته في المدن السورية المجاورة للحدود العراقية انكرتها الحكومة السورية في البداية، ثم ما لبثت ان اعترفت بها بعد أن امتد أثرها الى العاصمة دمشق، على ان وسائل الاعلام السورية بعد بدء العدوان على العراق.... انقلبت وصار حالها حال وسائل الاعلام العربية الاخرى الموالية لدول البترودولار... ولعل مرد ذلك، ان السوريين كانوا يعانون من عزلة دولية فرضتها عليهم مشكلة طائرة العال الصهيونية التي كانت ستنفجر في لندن في العام 1986، والتي كان من نتيجتها اتهام الكيان الصهيوني لسوريا بأنها وراء محاولة التفجير تلك عن طريق عميل إردني الجنسية... وقد صاحب تلك المشكلة قطع العلاقات الدبلوماسية السورية البريطانية وبعض دول غرب أوربا... ثم عقوبات دبلوماسية ضد سوريا كانت مؤثرة بعض الشيء في تطويقها وعزلها... إن على المستوى العربي أو على المستوى العالمي..... فجاءت هذه الازمة واعادت سوريا الى المجتمع الدولي بقوة وبسرعة مذهلة... حتى ان العلاقات السورية البريطانية أعيدت الى سابق عهدها في أثناء الازمة...
في مصر، كان موقف الشعب المصري متموجا، فحين رأى استاذ في السياسة من أبناء الشعب المصري يدعى محمد حسنين هيكل هذا الذي يجري من تحضيرات دولية وعربية للعدوان على أهم بلد عربي، قال كلمة جعلت ال الصباح ينبطحون على الارض منها ومعهم حكام دويلات الخليج، فقد قال في معرض تعليقه: من الخطأ أن نفرط بدولة لأجل دويلة... وكم كان صادقا في هذا، فشتان ما بين حثالة الثرى ال الصباح... وبين الثريا...العراق وعراقته وحضارته ومجده التليد العظيم... أما الطرف الآخر من شعب مصر، فكان بعض المنافقين والموالين للحكومة العميلة والدولار، وقفوا بجانب حكومتهم وبالتالي إلى جانب دويلات البترودولار، فصار العويل والضجيج والنواح كنواح الثكالى في ليل مظلم... ووجدها بعض الكتاب ومن يطلقون على أنفسهم شعراء فرصة لتأليف المسلسلات والكتابات الصحفية والشعر (المنافق الهزيل الذي وضع النقطة على غير مكانها) والمقالات التي جعلت من العراقيين وكأنهم شياطين حمر هجموا في ليلة ظلماء على بلد وديع مسكين اهله من الملائكة والاولياء والصالحين، حتى انهم ألفوا مسرحية اطلقوا عليها اسم (الليالي المحمدية) اختلطت فيها النساء السافرات بأشباه الرجال، وصاروا يقولون فيها الأناشيد المخلوطة بالاغاني والرقص والتمايل....... كلمات وطلاسم تحتاج الى كل قواميس اللغة العربية لفك معانيها وترجمة مبانيها..... المهم انه فيها بكاء وعويل ونحيب والحسين ويزيد..... والماجنة الكويتية سعاد عبد الله..... ومعها بعض الماجنين المخانيث من الخليط العجيب الغريب.... حتى ليقول المرء هذا المثل المشهور ( شنو اللي لم الشامي على المغربي).... ((((المهم ضحكوا على الكويتيين وشفطوا منهم بعض الدولارات)))) وطبق المثل الذي يقول مصائب قوم لدى قوم فوائد.
في السودان، أيضا كان السودان من الدول التي تضررت ظلما وزورا من دويلات الخليج، فقد ابعدوا مواطنيه بالالاف عن دويلاتهم، وانهوا عقود عملهم بالجملة، وذلك نكاية بحكومته التي كانت بصف العراق ورفضت العدوان عليه. وقد كان حماس الشعب السوداني للعراق حماسا لا نظير له. بل ان العراقيون يتذكرون جيدا انه حين بدأ العدوان الثلاثيني عليهم، فإن الرئيس عمر البشير لم يتردد أبدا في القول علانية ان السودان يضع كل امكانياته بتصرف العراق.... وهذا بالواقع موقف مشرف يحسب لهذا القطر العربي الشقيق....
أقول، كم كان صادقا هذا الذي أطلق على هذه الدويلات مسمى (دول الخطأ والخطيئة أو بئر النفط الذي صار دويلة) المشكلة انهم لا يستقوون إلا على ذوي القربى، او على الدول الضعيفة اقتصاديا وسياسيا، فلو حصلت لهم اي مشكلة في احدى دول اوروبا الغربية أو امريكا وصار بينهم وبينها مشاكل سياسية، لما تجرأوا ابدا على معاملة مواطني تلك الدولة المتواجدين على أراضيهم بنفس المعاملة التي يعاملون بها رعايا الدول العربية او بعض الدول الاسلامية، بل على العكس، لربما أكرموا مواطني الغرب وامريكا بدعوى انهم متسامحون ولا يكيلون بمكيالين ويطبقون الاية التي تقول ( ولا تزر وازرة وزر أخرى)... أما مع العرب والمسلمين، فقد تحولوا الى حاقدين كارهين ليس فقط لحكومات الدول العربية التي وقفت ضدهم ايام الازمة، وانما امتد هذا الحقد الى الرعايا العرب الذين هجروا بلادهم وجاؤوا لأجل لقمة العيش... فعاملوهم أسوأ وأقذر معاملة.....
في المغرب العربي، كان المغرب العربي هو الظاهرة الملفتة للنظر بين العرب المؤيدين للعراق، والحاصل انه كان مستودع حماسة للعراق تستحق الدراسة، ولعل السبب راجع الى ان المغرب العربي قريب عهد بالعمل القومي، وفي ايام عز المد القومي في السويس عام 1956 كان المغرب العربي بعيدا الى حد ما، وكان مشغولا بصراعه مع الاستعمار، وكانت دوافع مقاومته دينية اسلامية بالدرجة الاولى، وعندما وقعت الازمة، لم تكن لدى المغرب فرصة كافية لاختبار المقولات والتصرفات، واختلط دخول القوات العراقية للكويت بالغزو الامريكي العسكري للمنطقة على نطاق واسع دون فرصة للامة تتذاكر أمورها، ثم كان ان ظهرت على التصرفات الامريكية والغربية اشارات صليبية كان المغرب العربي على استعداد لفهمها من اول لحظة، فقد قام بعض السفلة من الامريكان بخط عبارات كلها عنصرية وكراهية ضد العرب والاسلام، عندما كتبوا على الصواريخ الامريكية عبارات من مثل: نادوا على الله فإن لم يستجب لكم... نادوا على يسوع !!!!!!!! وهكذا.... فإن أزمة الخليج طرحت نفسها في المغرب العربي كنوع من التحدي للارادة الغربية الغالبة والمتحكمة، وكنوع من التصدي لروح صليبية اوربية أمريكية لاتخفي تعمدها إذلال العرب والمسلمين ونهب مواردهم وسفك دماؤهم. وقد شهدت الجزائر وتونس والرباط وليبيا مظاهرات ضخمة مؤيدة للعراق، وكانت المظاهرات في ليبيا بقيادة العقيد القذافي، وشاع كثيرا بين ابناء الجزائر المولودين في تلك الازمة اسم صدام حسين وتحمست احدى فرق الغناء الجزائري فألفت اغنية عن الرئيس صدام حسين.
الأزمة من ناحية أخرى
على ان موقف الاتحاد السوفييتي هذا لم يقل عن موقف الصين، التي بدأ صوتها ايضا يعلوا في انتقاد ما قام به العراق... لكن ما الذي دعا كلا الصين والاتحاد السوفييتي في اتخاذ هذا الموقف المحابي لأمريكا ؟؟
الذي دعا كليهما للوقوف الى جانب الولايات المتحدة ضمنيا هو ما قدمته دول النفط لكلا الدولتين، فالسعودية قدمت اربعة مليارات دولار للاتحاد السوفييتي... قيل يومها انه على شكل قروض ميسرة... وما اسهل الكلام حين يكون عن رشاوي.. يتم تغليفها بمختلف الاوصاف والنعوت... وراحت الصحف تكتب المقال تلو المقال عن العلاقات (الحميمة) التي تربط بين البلدين الصديقين، وخرجت صحيفة الشرق الاوسط بمقال في صفحة كاملة يحمل صورة فهد وجورباتشوف.... وان العلاقات بين الدولتين ازلية والصداقة قديمة، علما بأن الصحف السعودية نفسها كانت الى فترة ما قبل الازمة بقليل تصف الاتحاد السوفييتي بالدولة الكافرة لانه شيوعيي ملحد !!!!!!اما الصين فقد اشتروها بستة مليارات دولار، وفيما بعد، ذهب سعود الفيصل بنفسه ليقدم المبلغ – عفوا الرشوة - ولحضور افتتاح اولمبياد اسيا في سبتمبر من عام 1990 في سابقة لم تحدث قبلا... ففي سبيل امريكا والتحالف والحفاظ على الملك كل شيء جائز وكل شيء ممكن وغير الممكن يصبح ممكنا، وكانت اللجنة الاولمبية الاسيوية بعد شرائها ورشوتها ايضا..... قد قررت ابعاد العراق عن المشاركة في الالعاب.... وذلك في قرار جائر محايد للطرف الآخر وغير منصف... لم يسبق له مثيل... وأيضا غير قانوني وغير صحيح، لكن الدولار بوسعه ان يفعل كل شيء... فالمهم ان يخرج أحمد الفهد مبتسما ورافعا اشارة النصر على انه تم ابعاد العراق من المشاركة في مجمل تلك الالعاب !!!!!!!
لقد استطاعت امريكا بأموال النفط شراء معظم دول العالم وجرها الى جانبها في تحالف عدواني ثلاثيني لم يسبق له مثيل في تاريخ الدول، وراحت الوعود تلقى هنا وهناك بالحصول على صفقة ما " من دويلات الخليج وخصوصا ال الانبطاح وال سعود" او على عقد خيالي ما أو على مبلغ ما، بل وحتى على نفط مجاني لفترة معينة، المهم زيادة عدد قوات التحالف وإظهار ان العالم كله متوحدا ضد العراق، حتى ولو انضمت جزيرة منسية في عرض البحر الى ذلك الصف التآمري، فقد صارت أمريكا ومعها دويلات النفط، يرفعون صوت كل حثالة يقول انه يريد الاشتراك في ذلك التحالفـ، الى العلالي، حتى ولو كان من الدول التي تقول عنها أمريكا انها دول الحشرات الضارة والذباب والفئران والامراض المعدية.... سنتناول في الفصل القادم إن شاء الله ( الفصل الاول من الجزء السادس) التحركات العربية وغيرها التي حصلت لمحاولة فعل شيء لحل الازمة. Ibnbaghdad_3@hotmail.com كييف – أوكرانيا |
|
شبكة البصرة |
|
السبت 1 رجب 1426 / 6 آب 2005 |
|
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس |