الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة في المؤامرة على العراق بدءا من عام 1990)
الفصل الخامس من الجزء الخامس

شبكة البصرة

 د. صباح محمد سعيد الراوي

ما بعد المؤامرة - بدايات المواجهة

وهكذا، انتهت كما قلنا مؤامرة القاهرة، ونتج عنها شرخ كبير في العالم العربي، وانقسم العرب الى قسمين، قسم مؤيد بالكامل للعراق ويرى أن له حق في قضيته مع ال الصباح (لكن وللامانة والانصاف ليس بدخول جيشه الى ارض الكويت) ومتعاطف معه بمواجهة قوات التحالف التي كان عددها يزيد يوما بعد يوم، وقسم مؤيد للنفط وأمواله ومنصاع بالكامل للهيمنة الامريكية. كان بعض العرب يعلم ان هناك عدوانا قادما على اهم دولة عربية، ويعلـم بلا شك أن امريكا لم تأت الى المنطقة بكل ترسـانة الاسـلحة الهائلة التي تملكها لأجـل الكويت أو لأجـل حمـايـة ملك ال سعود كما زعموا، وانما كان مجيء امريكا بقواتها واسلحتها وحاملات طائراتها حماية للكيان الصهيوني أولا، وثانيا لتدمير هذه القوة العراقية العربية الهائلة والمتنامية، والتي ستكون فيما بعد ندا شرسا ومقاتلا عنيدا بوجه الجيش الصهيوني. لم تكن الامة العربية منقسمة بالفكر والفعل والدم على نفسها فحسب، وانما كان الانقسام في أعماق كل فرد من أفرادها، فكما انه لم يكن أحد مطمئن لنوايا أمريكا تجاه العراق، كذلك لم يقبل بنفس الوقت دخول القوات العراقية الى الكويت، وكذلك لم يكن يرضيه ايضا ذلك العذر المستسلم للمقادير، فمن غير المعقول ان يتوقف الحوار بين العرب منذ الايام الاولى للازمة، بينما استمر الكونجرس الامريكي يحاول إيجاد الممكن حتى ما قبل أيام قليلة من وقوع العدوان، وأيضا كان من غير المقبول ان يحصل جورج بوش على نسبة عالية بين العرب الذين ايدوه في مضيه للعدوان على العراق، بينما عارضه حتى النهاية بعض أعضاء مجلس الشيوخ الامريكي في المضي قدما للحرب !!!!!

 

الواقع كان يقول ان الغرب كله وقف موقفا واحدا خلف الولايات المتحدة التي كانت تحركاتها العسكرية والسياسية قاطعة فيما تعنيه، اما مجلس الامن فقد تحول بين عشية وضحاها لمجرد ختم يقوم بالتصديق على مشروعات قرارات قدمتها الولايات المتحدة تؤكد بها هيمنتها على ما يسمى الشرعية الدولية، ناهيك عن ان الجامعة العربية بمجملها ايضا تحولت الى اداة بيد السياسة المصرية التي رضخت ايضا للسياستين الامريكية والصهيونية على السواء، وحتى الاتحاد السوفييتي والصين بدا وكأنهما على استعداد لمجاراة الولايات المتحدة إلى آخر الشوط.

 

كانت القيادة العراقية متأكدة بأن معظم الحكومات العربية واقفة ضدها بصف التحالف، وعلى استعداد للتعاون بشكل غير محدود في تطبيق الحصار الذي بدأ يزداد مشكلا طوقا حديديا حول العراق يوشك ان يتحول الى طوق من النار مع مرور الايام، وتحول أصدقاء الامس الى ألد الاعداء بفعل الدولار وشراء الذمم والضمائر والمواقف. في هذه الأثناء، أعلن العراق ضمه للكويت، وقام المهندسون العراقيون بربط  شبكة الهاتف في أرض الكويت مع شبكة الهاتف العراقية، وصارت توزع على المواطنين في أرض الكويت بطاقات الهوية العراقية.

 

أما على الناحية الأخرى، فقد كان الحشد العسكري الامريكي وتوابعه متواصلا على أشده، وقرارات الحصار الاقتصادي ضد العراق تتسارع اجراءاتها، فقطع الاسطول الامريكي تشاركها قطع من الاسطول البريطاني توقف البواخر الداخلة والخارجة من ميناء البصرة، وتفتشها وتصادر حمولاتها  "وتسرقها" بحجة انتهاكها للحصار، ونفس الشيء حدث لناقلات البترول العراقية، فقد سرقها لصوص الامريكان والانجليز وباعوها لصالحهم وصالح عملائهم، على ان انابيب النفط التي تنقل البترول العراقي توقفت هي الاخرى عن الضخ، فالخط في سوريا متوقف منذ ايام العدوان الفارسي على العراق ووقوف سوريا حافظ الاسد الى جانب الفرس في ذلك العدوان، وكذلك توقف الخط العابر للسعودية وتلقائيا توقف الخط العابر الى تركيا واصبح النفط العراقي ممنوعا بالكامل من الوصول الى الاسواق العالمية. ونتج عن هذا ارتفاع اسعار النفط بسرعة من 12- 13 دولار للبرميل الى 37 – 40 دولار، وكانت الولايات المتحدة قد أعدت مسبقا خطة لهذا الوضع، فتدفقت الى الاسواق كميات من الاحتياطي الاستراتيجي الامريكي، وطلبت امريكا من حلفائها ان يفعلوا نفس الشيء. ثم عقدت دول اوبك اجتماعا تقرر فيه عدم الالتزام بحصص الانتاج واطلاق الحرية للدول الاعضاء لكي تضخ ما تشاء من النفط، فوصل انتاج السعودية من ثلاثة ملايين ونصف المليون برميل يوميا الى 10 ملايين برميل مع نهاية عام 1990. ولم يقف الامر هنا فحسب، بل ان الولايات المتحدة اتخذت قرارا بتجميد الارصدة العراقية والكويتية في الخارج، وبالتالي لم يعد العراق قادرا على شراء شيء من العالم، " سرقت الولايات المتحدة معظم الارصدة العراقية فيما بعد عندما دنست قواتها ارض العراق وازاحت القيادة الشرعية فيه"

 

ايضا، طلبت الولايات المتحدة من جورباتشوف ان يبعث بخطاب الى الرئيس صدام يبدي فيه موقفه صراحة من قضية دخول الجيش العراقي الى ارض الكويت، وان يكون شجبه لهذا الدخول بعبارات صريحة لاتترك لديه ذرة شك في موقف الاتحاد السوفييتي، فكتب جورباتشوف ذلك الخطاب الى القيادة العراقية والذي راحت تفاصيله تنشر في معظم وسائل الاعلام العالمية، وراح بوش يتصرف بأسلوب الواثق من نفسه ومن هدفه وخطته، وراح بكل وقاحة وقع قانونا يخول المخابرات المركزية صلاحية القيام بأي عمل تراه مناسبا لاسقاط نظام الرئيس صدام حسين والتخلص منه، وكان الشرط الوحيد الذي وضعه هو انه اذا كان محتما اغتيال الرئيس العراقي، فليتم هذا... لكن " بأيد عراقية ".

 

أما ماذا عن موقف الدول العربية إزاء كل ذلك ؟؟

 

الواقع ان الدول العربية عاشت ممزقة في ايام تلك الازمة، انقسم العالم العربي بين مع وبين ضد، فلو نظرنا الى دويلات الخليج والحال الذي صارت عليه بعد انتهاء مؤامرة القاهرة، لرأينا أنه بعد أن أطمأن حكامها إلى أن الجيش الامريكي والدائرين في فلك أمريكا صاروا بالمنطقة بالالاف، وبعد أن صارت الاساطيل والبوارج وحاملات الطائرات تمخر عباب الخليج، انقلبوا ثلاثمائة وستون درجة وكأن عصا موسى عليه السلام القيت عليهم فتحولوا الى أفاعي وثعابين تنفث سمومها على العراق وعلى القيادة العراقية ممثلة بالرئيس صدام حسين، فراحت وسائل الاعلام العميلة في تلك الدويلات تخترع الاكاذيب والاقاويل التي لا تدخل حتى في عقول أطفال، وصلت وسائل الاعلام تلك الى الحضيض في القذارة والانحطاط والوضاعة، فصرت ترى المقابلات والفذلكات والتحليلات والفلسفات والكذبات تتوالى من كل حدب وصوب، وصارت سيرة العراق ورئيس العراق على لسان " اللي يسوى واللي ما يسواش" (حسب المثل المصري المشهور)، فاستقوى المستعربون الذين لا يفقهون شيء من اللغة العربية وأصولها على العرب الاصلاء، وعلى من علم العرب الضاد وعلوم اللغة، وتطاول أبناء اللئام على الكرام، وتطاولت السخال على النمور، وتجرأت الغربان على الطيران أمام النسور والصقور، وصار للجاهل مكانا يتكلم فيه على المتعلم المثقف ابن حضارة السبعة الاف عام !!!!! لقد انقلب الاعلام المستعرب على العراق وقيادته انقلابا قذرا، فتذكروا ان الرئيس صدام حسين اسمه صدام التكريتي، وتذكروا ان طارق عزيز مسيحي، فصار اسمه بوسائل إعلامهم " طارق حنا" .... وانتبهوا الى ان سعدون حمادي شيعي، وأن طه ياسين رمضان والدته كردية، وأن صدام حسين اسم والدته صبحة... وهكذا... صاروا لا هم لهم الا العزف على وتر سني وشيعي وكردي وصابئي وعربي و....و.... و........ قذارة وسفالة لايضاهيها الا قذارة الاعلام الامريكي والصهيوني على السواء... ويا سبحان الذي يغير ولا يتغير... كانوا بالامس لا يجرؤون على لفظ اسم صدام الا ومسبوقا بكلمة سيادة الرئيس صدام.... أما حين صار الجيش الامريكي في أراضيهم.... فقد تغير حالهم!!!!! وتبدلت لهجتهم بل واخترعوا أسماءا جديدة للرئيس صدام ولأعضاء قيادته لم يكن يعرفها أي عراقي من قبل......... وصدق الله العظيم حين قال " الأعراب أشد كفرا ونفاقا".

 

هناك مثل لدى اخواننا المصريين يقول: اللي معاه قرش ومحيره يجيب حمام ‏ويطيره........ وعلى نفس هذا المبدأ، صار أي صحفي أو اعلامي أو اي برنامج ‏تلفزيوني ليس لديه موضوع يجذب الناس، وليس لديه ما يستقطب به ‏الجماهير، فإنه لم يجد أمامه إلا العراق والرئيس صدام حسين مادة دسمة وصيد ‏ثمين للكتابة أو للحديث عنه ما يقرأ وما لايقرأ وما يرى وما لا يرى، وما يسمع وما لايسمع، حتى رساموا الكاريكاتير فإنهم قد وجدوا فرصتهم الذهبية قد حانت للنيل من العراق وقيادته بريشهم السخيفة التافهة... أذكر أنه أتيح لي أنا شخصيا " فيما بعد " أن اطلع على رسم كاريكاتوري رسم في تلك الفترة، يصور الرئيس صدام حسين على ظهر دبابة تسير به الى القطب المتجمد الشمالي ويقول الرسم " تحرير القدس يبدأ من تحرير القطب المتجمد !!!!! هذا يدل على قمة في الغباء لدى عقول المستعربين، صحيح ان العراق اطلق نداءا يقول ان تحرير القدس يبدأ من الكويت، لكن ما معنى هذا ؟ هل معناه ان الجيش العراقي سيتخذ من ارض الكويت طريقا الى القدس كما فهم ذلك الاغبياء المستعربين العملاء ؟؟ بالطبع لا... لأنه منطقيا ثم جغرافيا، أن ارض الكويت في جنوب العراق.... وأين موقع فلسطين على الخريطة من العراق؟؟!!! إنما كان القصد من هذه المقولة، ان تحرير القدس يبدأ بالتخلص أولا من هؤلاء الحكام الخونة العملاء في الخليج .... لأنه حين التخلص من العملاء وترتيب البيت الداخلي لكل دولة، سيسهل بالتالي تحرير القدس...... لان الحاكم الذي سيأتي سيكون وطنيا مخلصا وليس عميلا متأمركا مثل سابقه .... ذلك كان القصد من النداء... لكن الغبي يظل طول عمره غبي... وبعض الحكام العرب واذنابهم اصروا على ان يبقوا أغبياء ....... ولا زالوا بالمناسبة ...... والله ان المرء صار يعجب وقتها من الانحطاط الذي وصل اليه البعض، والذين صموا آذانهم عن سماع اي شيء الا اعلام امريكا ومن دار في فلكها، وغني عن القول ان الكثير من الاكاذيب قيلت وقتها، ناهيك عن أن الكثير من مواطني العراق المقيمين في دويلات الخليج، والذين كان لهم أثر كبير في تأسيس البنية التحتية لهذه الدويلات، تعرضوا لمضايقات من قبل السلطات فيها، وبعضهم تم ترحيله قسرا اما الى العراق او الى خارج الوطن العربي، علما ان غالبية مواطني العراق كانوا يتبوأون مناصب عليا في بعض دويلات الخليج، وأكثريتهم كانوا من فئة المهندسين والاطباء والمستشارين القانونيين والماليين....و.....و..... على أن حكام الخليج، وفي معاملتهم القذرة تلك لمواطني العراق ... فإنهم قد نفذوا الأوامر أمريكية ليس إلا.....

 

أسلفنا من قبل أن الرئيس صدام حسين وجه نداءا في يوم العاشر من آب/ أغسطس يدعو فيه الى انقاذ مكة المكرمة ومقام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من دنس الكفار الذين بدأوا باحتلال أرض الحرمين الشريفين، وأنه دعا شعوب المنطقة للثورة على حكامها. الواقع أن مثل هذا النداء لم يلق الاستجابة المطلوبة أو المتوقعة على الشكل الذي ينبغي، لأنه كما قلنا أن الاعلام استطاع بحركة ذكية تجييش الشعوب الى جانب الحكام بطريقة سحرية مذهلة، بل ان الاعلام السعودي على سبيل المثال استطاع اقناع الشعب في الجزيرة العربية كلها، أن الجيش العراقي لا بد مكملا طريقه الى كافة دويلات الخليج واحدة تلو الأخرى، وهو الأمر ما كان ممكن الحدوث أبدا "كما اسلفنا". ولكي أجعل الامر سهلا على القاريء العربي، أضرب هذا المثل الذي كنت شاهدا عيانا عليه، فعندما كنت أؤدي خدمة العلم في الجيش العراقي كطبيب في مدينة البصرة، (كان قد مضى علي في الخدمة تقريبا أكثر من سنة) انتدبتني قيادة القاطع الذي كنت فيه "في عز ايام الأزمة" الى قطعة عسكرية مكان تواجدها مجاور للحدود السعودية ‏‏(وليس على الحدود السعودية)  (وهذا النقل يحدث لكل الجهاز الطبي في الجيش العراقي وهو أمر عسكري شائع) ... المهم في هذا المكان، كان يمكن التقاط التلفزيون السعودي، ‏فتحت في إحدى الامسيات لأتفرج على ما يقدم من برامج، واذ بي أمام مهزلة ‏والله لم ار الى الان في حياتي مهزلة مثلها..... مذيع يجري مقابلات في الاسواق ‏مع مواطنين سعوديين يسألهم رأيهم فيما حصل، ويسألهم، شو رأيك باللي عملته حكومة ‏خادم الحرمين الشريفين في استعانتها بالأصدقاء لصد هجوم متوقع من صدام حسين.... هذا صحيح ‏أم لا ؟؟ وهل تؤيد الحكومة" أيدها الله"  في عملها هذا ؟؟‏

تأملوا السؤال ؟؟ صد هجوم متوقع من صدام حسين ؟؟؟؟ كانت اجوبة المواطنين تثير ‏الغثيان...... فهذا يقول مخاطبا الرئيس صدام : يا كلـ.... انت احتليت الكويت..... ‏شنو تريد من السعودية؟؟؟ والثاني يصف الرئيس صدام بابن الحـ...... والثالث ‏بالوغـــ .....والرابع بـ ... أوصاف يعجب المرء من صدورها من أناس ‏يجاورون اقدس مكانين على الكرة الارضية، مكة المكرمة والمدينة المنورة، اكثر من هذا...... ان ‏البرنامج نفسه كان ينتقل من مذيع إلى آخر...... وكل واحد يغطي منطقة من مناطق ‏السعودية...... فهذا في مكة..... والثاني في الرياض...... والثالث في جدة والاخر في المدينة ‏وهكذا.....  شيء مقزز يثير القرف والغثيان معا بآن واحد... قلنا لكم ان جيشنا لا ينوي دخول أراضيكم ابدا، ووقعنا معكم معاهدة عدم اعتداء... فمن اين اخترعتم قصة دخول الجيش العراقي اليكم ؟؟؟ صدقتم الامريكان ولم تصدقونا نحن أبناء عمومتكم ؟؟ كم مواطن يحمل الجنسية السعودية اصوله عراقية ؟؟ عائلة الشمري مثلا اليست متواجدة في كلا البلدين ؟؟؟ أما كان هذا يكفي على صدقنا وصدق نوايانا تجاهكم ؟؟!!!!

 

ولم يقف الأمر عند الاعلام فحسب، بل أن الدولة السعودية وبقية دويلات الخليج جيشت ‏المواطنين والمقيمين لديها وجعلتهم يتطوعون فيما أطلق عليه وقتها جيش الدفاع الشعبي .... لماذا... ؟ قال للدفاع عن بلادهم ضد هجوم من الجيش العراقي !!!!!!!!، فصرت ترى أشباه رجال هنا وهناك يتدربون على المشية العسكرية حاملين البنادق بمختلف أنواعها، وكذلك طلاب المدارس والجامعات وحتى علماء الدين والموظفين و.......و......و...... وكل فرد صار يريد التطوع ليدافع عن ‏بلده ضد صدام حسين!!!!! بل حتى بعض المقيمين الاسيويين في تلك الدول ابدوا استعدادهم للتطوع ‏وللدفاع... ففي سبيل الدولار والدرهم والدينار بات كل شيء ممكن......‏ وبدأت الفتاوى تصدر من علماء السلاطين والمتأسلمين من هنا وهناك.... أن لا مانع من الاستعانة بالكافر لصد صائل على ‏ديار الاسلام....... واخترع بعض مدعي الفقه والعلم الشرعي مختلف المسميات في سبيل استقدام ‏القوات الامريكية والبريطانية وغيرها فيما عرف وقتها باسم " قوات التحالف ". ولم يقف أمر المتأسلمين عند اصدار الفتاوى لاستقدام الكفار، بل تفتحت قرائحهم ايضا على فتوى تكفر الرئيس صدام حسين وتخرجه من الملة، وانه طاغوت بعثي وجب قتاله لردته عن الاسلام !!!!!!


وكما قلنا، فإن ما حدث في السعودية من مثل تجييش الشعب والاعلام بنفس الوقت ‏ضد العراق والرئيس صدام حسين، قد حصل في كل دويلات الخليج، لقد عاشوا جميعهم واقعا كاذبا كان ضربا من ضروب الوهم والخيال، وذلك بعد دخول القوات العراقية الى أرض الكويت، أثرت فيهم وعليهم الماكينة ‏الاعلامية الامريكية، وجعلتهم ينساقون ورائها كالنعاج التي تسير خلف راعيها، وأثر عليهم حكامهم الذين يعتبرونهم وكأنهم شيوخ قادمين ‏من السماء لايخطئون ولايتحدثون الا الحكم والنصائح السديدة الثاقبة !!!! فصار ‏اي خطأ ينسب الى العراق، واي مشكلة تنسب الى العراق... واي مصيبة تنسب إلى العراق .... لقد تحول العراق الذي يفخر بحضارة السبعة الاف عام ويزخر بالعلم والعلماء والمثقفين والأدباء... تحول في إعلام النفاق العربي إلى سبب كل كارثة ومصيبة.... لقد تناسى هذا الاعلام أن العراقيين هم من علموا العالم بأسره اصول الأبجدية الأولى، وهم أصحاب المفاخر والبطولات والأمجاد التي سطرت بماء الذهب على صفحات من نور في تاريخ العرب والمسلمين.

 

لكن ماذا عن مواقف الدول العربية الأخرى ؟؟

 

في سوريا، لم يستطع المواطنون السوريون تقبل فكرة العدوان الامريكي الغربي على ‏العراق، فخرجت بعض المظاهرات المؤيدة للعراق ولحكومته في المدن السورية المجاورة للحدود العراقية ‏انكرتها الحكومة السورية في البداية، ثم ما لبثت ان اعترفت بها بعد أن امتد أثرها الى العاصمة دمشق، على ان وسائل الاعلام ‏السورية بعد بدء العدوان على العراق.... انقلبت وصار حالها حال وسائل الاعلام ‏العربية الاخرى الموالية لدول البترودولار... ولعل مرد ذلك، ان السوريين كانوا يعانون ‏من عزلة دولية فرضتها عليهم مشكلة طائرة العال الصهيونية التي كانت ستنفجر ‏في لندن في العام 1986، والتي كان من نتيجتها اتهام الكيان الصهيوني لسوريا بأنها وراء محاولة التفجير تلك عن طريق عميل إردني الجنسية... وقد صاحب تلك المشكلة قطع العلاقات الدبلوماسية السورية البريطانية وبعض دول غرب أوربا... ثم عقوبات دبلوماسية ضد سوريا كانت مؤثرة بعض الشيء في تطويقها وعزلها... إن على المستوى العربي أو على المستوى العالمي..... فجاءت هذه الازمة واعادت سوريا الى المجتمع ‏الدولي بقوة وبسرعة مذهلة... حتى ان العلاقات السورية البريطانية أعيدت الى سابق عهدها في أثناء الازمة...


في لبنان، كان لبنان يعاني من مشكلة وجود حكومة برأسين كل منها يدعي ‏الشرعية، أولها: الحكومة العسكرية برئاسة العماد ميشال عون، التي تشكلت بمرسوم صدر من الرئيس اللبناني الاسبق أمين الجميل قبل سـاعات علـى انتهاء ولايته نتيجة عدم النجاح في اختيار خلفا له... فما كان منه إلا أن كلف قائد الجيش اللبناني آنذاك" ميشال عون" بترؤس حكومة عسكرية تضم ستة ضباط اعتذر أربعة منهم على الفور في المشاركة فيها.... أما الثانية فقد كانت حكومة الرئيس المنتخب الياس الهراوي، وكان كل من تلك الحكومتين كما قلنا يدعي الشرعية لنفسه، فميشال عون الذي كان متحصنا في قصر ‏بعبدا الرئاسي وقف اعلاميا مع العراق، وذلك بحكم العلاقة المتينة التي كانت قائمة بين العماد عون ‏والرئيس صدام حسين الذي أمده بالمال والسلاح، أما الحكومة التي يرأسها الياس الهراوي فقد وقفت الى جانب دول النفط، وحين وقفت سوريا إلى جانب التحالف الثلاثيني بمواجهة العراق، فقد حصلت على الضوء الأخضر من أمريكا وقررت انهاء وجود العماد ميشال عون نهائيا، فاقتحمت القوات السورية بالتعاون مع وحدات الجيش اللبناني قصر بعبدا في يوم 13/10/1990، منهية ما عرف يومها بحكومة الرأسين وأعيدت السلطة الى الرئيس المنتخب وقتها إلياس الهراوي. على أن بعض الصحف اللبنانية كانت مؤيدة بالكامل لوجهة النظر العراقية، والبعض ‏الاخر الذي كان يتلقى الدعم من دول النفط كان مع الطرف الاخر، وتجدر الاشارة إلى أنه ‏خرجت بعض المظاهرات سواء في العاصمة بيروت أو في المخيمات الفلسطينية الموجودة في لبنان تؤيد العراق وترفع صور ‏الرئيس صدام حسين وتهتف له، لاسيما وأن دويلات الخليج عاملت الفلسطينيين المقيمين على أراضيها معاملة قذرة أيام الأزمة.


في الاردن، كان الاردن بالكامل مؤيدا للعراق وضد العدوان الامريكي عليه، ‏ولكن بنفس الوقت ضد دخول الجيش العراقي إلى أرض الكويت، اذ انه نتج عن هذا، ترحيل ما يقرب ‏من ثلاثمائة الف مواطن اردني من الخليج نكاية بموقف الملك حسين، الذي ‏اعتبره بعض الشيوخ والحكام انه مع صدام، وبالواقع هو ليس مع صدام، فهو ‏ضد دخول الجيش العراقي الى ارض الكويت، وبنفس الوقت ضد الاستعانة بأمريكا لحل هذه الازمة، وللأمانة فقد كان موقفه مشرفا في تلك الأيام، وحاول جهده ما أمكن لإيجاد حل عربي للمشكلة، لكن كما أسلفنا اصطدم بمن لايريد حلا على الطريقة العربية وانما حل على الطريقة الأمريكية. إذا، تم ترحيل ‏مواطني الاردن من معظم دول الخليج وانهاء عقود عملهم، فرحلوا بشكل ‏جماعي قسري مأساوي. وحين رأى الحسين هذا الترحيل الجماعي لمواطنيه أطلق على هذا الترحيل اسم "الهجرة الثالثة"، وكان يشير بهذا الى ‏الهجرة الاولى لاهل فلسطين عند قيام الكيان الصهيوني عام 1948، ثم الهجرة الثانية عند ‏احتلال الضفة الغربية والقدس بعد عدوان 1967، والان الهجرة الثالثة على يد ابناء العمومة وذوي ‏القربى، وكم كان الشاعر العربي صادقا حين قال: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة في النفس من وقع الحسام المهند....‏

 

في مصر، كان موقف الشعب المصري متموجا، فحين رأى استاذ في السياسة من أبناء الشعب المصري يدعى محمد حسنين هيكل هذا الذي يجري من تحضيرات دولية وعربية للعدوان على أهم بلد عربي، قال كلمة جعلت ال الصباح ينبطحون على الارض منها ومعهم حكام دويلات الخليج، فقد قال في معرض تعليقه: من الخطأ أن نفرط بدولة لأجل دويلة... وكم كان صادقا في هذا، فشتان ما بين حثالة الثرى ال الصباح... وبين الثريا...العراق وعراقته وحضارته ومجده التليد العظيم... أما الطرف الآخر من شعب مصر، فكان بعض المنافقين والموالين ‏للحكومة العميلة والدولار، وقفوا بجانب حكومتهم وبالتالي إلى جانب دويلات البترودولار، فصار العويل والضجيج ‏والنواح كنواح الثكالى في ليل مظلم... ووجدها بعض الكتاب ومن يطلقون على أنفسهم شعراء فرصة لتأليف المسلسلات والكتابات الصحفية والشعر (المنافق الهزيل الذي وضع النقطة على غير مكانها) ‏ والمقالات التي جعلت من العراقيين وكأنهم شياطين حمر هجموا في ‏ليلة ظلماء على بلد وديع مسكين اهله من الملائكة والاولياء والصالحين، حتى ‏انهم ألفوا مسرحية اطلقوا عليها اسم (الليالي المحمدية) اختلطت فيها النساء ‏السافرات بأشباه الرجال، وصاروا يقولون فيها الأناشيد المخلوطة بالاغاني ‏والرقص والتمايل....... كلمات وطلاسم تحتاج الى كل قواميس اللغة العربية لفك ‏معانيها وترجمة مبانيها..... المهم انه فيها بكاء وعويل ونحيب والحسين ويزيد..... ‏والماجنة الكويتية سعاد عبد الله..... ومعها بعض الماجنين المخانيث من الخليط العجيب الغريب.... حتى ‏ليقول المرء هذا المثل المشهور ( شنو اللي لم الشامي على المغربي).... ‏‏((((المهم ضحكوا على الكويتيين وشفطوا منهم بعض الدولارات)))) وطبق المثل الذي يقول مصائب قوم لدى قوم فوائد.


في اليمن، كان اليمن ايضا من الدول التي تضرر مواطنوها في دول الخليج وان ‏كان في السعودية اكثر من غيرها، فتم ترحيل عشرات الالوف من أبناء الشعب اليمني من السعودية، جعلها ال سعود عقوبة لليمن على ما وصفوه وقوفه الى جانب العراق. والحقيقة أن بعض الصحف والكتاب اليمنيين وقفوا ‏وقفة صريحة مع العراق، وراحوا يعيدون الى الاذهان احداث عام 1961، ‏وقصة سلخ ارض الكويت واقامة تلك الدولة الهزيلة العميلة... ولعل وقوف اليمن هذا الى جانب العراق، (أو ما اعتبرته دويلات النفط وقوف الى جانب العراق لأنه رفض الختم مثل البهائم على مشروع القرار الامريكي الذي وزعوه في مؤتمر القاهرة التآمري) هو الذي دفع دويلات الخليج فيما بعد لتقديم الدعم المالي الغير محدود لمحاولة فصل الجزء الجنوبي عن الشمالي من اليمن عام 1994 والتي قام بها علي سالم البيض، بل ان ال سعود وال الصباح هللوا للحرب الأهلية المأساوية التي حدثت في تلك السنة، والتي انتهت أحداثها بطرد علي سالم البيض وتثبيت أركان الوحدة رغما عن حكام الخليج.

 

في السودان، أيضا كان السودان من الدول التي تضررت ظلما وزورا من دويلات الخليج، فقد ابعدوا مواطنيه بالالاف عن دويلاتهم، وانهوا عقود عملهم بالجملة، وذلك نكاية بحكومته التي كانت بصف العراق ورفضت العدوان عليه. وقد كان حماس الشعب السوداني للعراق حماسا لا نظير له. بل ان العراقيون يتذكرون جيدا انه حين بدأ العدوان الثلاثيني عليهم، فإن الرئيس عمر البشير لم يتردد أبدا في القول علانية ان السودان يضع كل امكانياته بتصرف العراق.... وهذا بالواقع موقف مشرف يحسب لهذا القطر العربي الشقيق....

 

أقول، كم كان صادقا هذا الذي أطلق على هذه الدويلات مسمى (دول الخطأ والخطيئة أو بئر النفط الذي صار دويلة) المشكلة انهم لا يستقوون إلا على ذوي القربى، او على الدول الضعيفة اقتصاديا وسياسيا، فلو حصلت لهم اي مشكلة في احدى دول اوروبا الغربية أو امريكا وصار بينهم وبينها مشاكل سياسية، لما تجرأوا ابدا على معاملة مواطني تلك الدولة المتواجدين على أراضيهم بنفس المعاملة التي يعاملون بها رعايا الدول العربية او بعض الدول الاسلامية، بل على العكس، لربما أكرموا مواطني الغرب وامريكا بدعوى انهم متسامحون ولا يكيلون بمكيالين ويطبقون الاية التي تقول ( ولا تزر وازرة وزر أخرى)... أما مع العرب والمسلمين، فقد تحولوا الى حاقدين كارهين ليس فقط لحكومات الدول العربية التي وقفت ضدهم ايام الازمة، وانما امتد هذا الحقد الى الرعايا العرب الذين هجروا بلادهم وجاؤوا لأجل لقمة العيش... فعاملوهم أسوأ وأقذر معاملة.....

 

في المغرب العربي، ‏كان المغرب العربي هو الظاهرة الملفتة للنظر بين العرب المؤيدين للعراق، والحاصل ‏انه كان مستودع حماسة للعراق تستحق الدراسة، ولعل السبب راجع الى ان ‏المغرب العربي قريب عهد بالعمل القومي، وفي ايام عز المد القومي في ‏السويس عام 1956 كان المغرب العربي بعيدا الى حد ما، وكان مشغولا ‏بصراعه مع الاستعمار، وكانت دوافع مقاومته دينية اسلامية بالدرجة الاولى، ‏وعندما وقعت الازمة، لم تكن لدى المغرب فرصة كافية لاختبار المقولات ‏والتصرفات، واختلط دخول القوات العراقية للكويت بالغزو الامريكي العسكري ‏للمنطقة على نطاق واسع دون فرصة للامة تتذاكر أمورها، ثم كان ان ظهرت ‏على التصرفات الامريكية والغربية اشارات صليبية كان المغرب العربي على ‏استعداد لفهمها من اول لحظة، فقد قام بعض السفلة من الامريكان بخط عبارات كلها عنصرية وكراهية ضد العرب والاسلام، عندما كتبوا على الصواريخ الامريكية عبارات من مثل: نادوا على الله فإن لم يستجب لكم... نادوا على يسوع !!!!!!!! وهكذا.... فإن أزمة الخليج طرحت نفسها في المغرب ‏العربي كنوع من التحدي للارادة الغربية الغالبة والمتحكمة، وكنوع من التصدي ‏لروح صليبية اوربية أمريكية لاتخفي تعمدها إذلال العرب والمسلمين ونهب ‏مواردهم وسفك دماؤهم.‏ وقد شهدت الجزائر وتونس والرباط وليبيا مظاهرات ضخمة مؤيدة للعراق، ‏وكانت المظاهرات في ليبيا بقيادة العقيد القذافي، وشاع كثيرا بين ابناء الجزائر ‏المولودين في تلك الازمة اسم صدام حسين وتحمست احدى فرق الغناء ‏الجزائري فألفت اغنية عن الرئيس صدام حسين.‏


اتخذ المغرب العربي موقفه ولم يتراجع عنه ابدا.

الأزمة من ناحية أخرى
الناحية الدولية


كان العراق في أوج أزمته اول من فتح الباب لنقد مرير لسياسات الامم المتحدة ‏ذات الطابع المزدوج في الموضوع الواحد، فقد أكد على اختلال المعايير ‏الصادرة عن هذه المنظمة الدولية لحساب استراتيجية الولايات المتحدة، فمنذ عام ‏‏1947 صدر عن مجلس الامن 160 قرارا بخصوص القضية الفلسطينية و400 ‏قرار آخر صادر عن الجمعية العامة، واستخدمت الولايات المتحدة الفيتو ‏لثمانين مرة منذ تلك الفترة واكثرية هذه المرات كانت ضد القضية الفلسطينية.‏ ويتذكر العرب جيدا ان هذه القرارات الصادرة سواء عن مجلس الامن او الجمعية العامة للامم المتحدة لم ينفذ منها شيء، بينما حين صدر قرار واحد ضد العراق تم تنفيذه بسرعة مذهلة وبتعاون دولي وعربي مدهش.... الأمر الذي دعا الرئيس صدام حسين نفسه للقول فيما بعد، ان الكثير من القرارات التي صدرت لاجل فلسطين لم ينفذ منها شيء، بينما صدر قرار واحد ضد العراق نفذ بسرعة عجيبة!!!!


لقد وقف شخص يدعى " زبجنيو بريجنسكي" كان يشغل يوما ما مستشار الرئيس الامريكي " جيمي كارتر" لشؤون الامن القومي يقول في نبرة احتجاج: إن ازمة الخليج أصبحت عاطفية اكثر من اللازم..... وشخصية بأكثر من ‏اللازم...... وعسكرية بأكثر من اللازم......


عاطفية أكثر من اللازم..... وذلك عندما بالغت وهولت وسائل الاعلام في معظم دول العالم " وخصوصا في دويلات الخليج" بما اسمته يومها فظائع الجيش العراقي في ‏الكويت، وراحت تخترع الكذبات تلو الكذبات، وتنشر ما أطلقت عليه يومها شهادات من مواطنين هاربين من جحيم الجيش العراقي !!!!! وتجري اللقاءات الكاذبة وتستمع للاقوال الكاذبة... وكلها تزعم عن اعدامات ومشانق في الطرقات وابادة بالاسيد وقلع أعين وأظافر واسنان و......و.....و..... أمور لا تخطر على بال اوسع المتحدثين خيالا واكثرهم تشويقا.... شيء ولا بأفلام هوليود او الافلام الهندية !!!! كذلك كانت عاطفية بأكثر من اللازم حين صورت وسائل الاعلام تلك رجال الجيش العراقي تصويرا مغايرا تماما للواقع، وما زاد في الامر مسحة درامية مأساوية كالتي نراها في الافلام العربية، هو وقوف شبه الذكر " جابر " أمام منبر الامم المتحدة يبكي مثل المرأة العاهـ.... التي لم تقبض ثمن...... ويمسح دموعه بمنديل يحمله بيده في مظهر يثير الغثيان... والله كان مشهدا سيبقى وصمة عار عليه وعلى أبناء جلدته الى يوم القيامة.... والله لو كان لدى جابر ذرة من الشرف والكرامة لما وقف ذلك الموقف المهين.... والله لو انه يعلم ما معنى كلمة رجولة لما وقف ذلك الموقف المخزي.... لكن.... يا حيف.... يا حيف... على من يقول عن نفسه انه رجل..... وما فيه شيء من الرجولة... ومليون تفووووو... على هكذا حاكم.... يبكي مثل النساء... على كرسي لم ولن يستطع الحفاظ عليه مثل الرجال.....


وشخصية بأكثر من اللازم.... عندما بدأ بوش " الوغد "  يستخدم عبارات بحق الرئيس صدام ‏لم يعهدها الاعلام الامريكي في غير ذلك الوقت، فقد بدأ ذلك المنحط يستخدم عبارات ‏من مثل الكرامة.... وماء الوجه.... والشرف..... وغيرها، و هي على اية حال عبارات ‏لايدرك معناها بوش لانه بعيد عن معاني الكرامة والشرف والنخوة بعد ‏السماء عن الارض، ومن كثرة استخدامه لهذه العبارات تدخل احد مستشاريه في ‏لحظة من اللحظات قائلا له: السيد الرئيس انني ارى ان الامر بات شخصي بينك ‏وبين صدام اكثر منه بين العراق والولايات المتحدة.‏ لقد استعان ذلك الوغد ببعض العملاء المستعربين الذين اشاروا عليه اقحام تلك العبارات في خطبه، عندها صار العالم يسمعه يقول جملة مثل: انني اريد ان أحفظ ماء وجهه... (يقصد الرئيس صدام)... انني اريده ان يخرج بشرفه وكرامته... وهكذا...


وعسكرية بأكثر من اللازم.... عندما حشدت الولايات المتحدة اكثر من ثلاثين دولة لمواجهة دولة ‏واحدة في أزمة هي عربية، وحشدت مئات الالوف من الجنود، وعشرات الطائرات المقاتلة، والاساطيل المدمرة، والبوارج والغواصات..... وكان العرب..... لولا بعض العملاء ( وأولهم حسني بالطبع) قادرين ‏على حلها فيما بينهم بدون تدخل خارجي، كان يمكن حل هذه الازمة، كان يمكن احتواؤها منذ لحظاتها الاولى... وكان يمكن وأد الفتنة... لكن الايدي الصهيونية الخفية التي حركت حسني مبارك وغيره من المستعربين، أوصلت الامور الى ما وصلت اليه... وقبرت الحل العربي حتى قبل أن يولد... واخمدت واخفت كل صوت عربي نادى بحل عربي.... ورفعت وتيرة الصوت الذي ينادي بالحل العسكري... وهذا الذي حصل فيما بعد.


عندما وصل طارق عزيز الى موسكو في يوم 5/9/1990 واجتمع مع ‏جورباتشوف، فإن الاخير لم يحاول ان يكون دبلوسيا ابدا، او حتى ان يصوغ ‏تقديراته للموقف بطريقة مغلفة، لقد بدأ يتحدث عما يسمى التفكير الجديد، ثم ما ‏لبث ان اضاف: ان غزو العراق للكويت يتناقض مع التفكير الجديد، ثم قال: اننا ‏نقر وانتم ايضا يجب ان تقرون بأن الامريكان لديهم مصالح حيوية في الشرق ‏الاوسط..... واننا من جانبنا نعترف بهذه المصالح.... ونحن في الاتحاد السوفييتي ‏لانستطيع ان نفعل شيئا في هذا.... وانتم في العراق لابد ان تجروا حساباتكم لموقفكم ‏على هذا الاساس......‏ فأبدى طارق عزيز ملاحظة قال فيها: لقد كنا نتصور انكم ستقفون معنا معنويا ‏على الاقل للحيلولة دون وقوع عدوان علينا، فرد جورباتشوف: ان ما قمتم به ‏عمل من اعمال العدوان لانستطيع ان نساعدكم فيه ماديا او معنويا.

 

على ان موقف الاتحاد السوفييتي هذا لم يقل عن موقف الصين، التي بدأ صوتها ايضا يعلوا في انتقاد ما قام به العراق... لكن ما الذي دعا كلا الصين والاتحاد السوفييتي في اتخاذ هذا الموقف المحابي لأمريكا ؟؟

 

الذي دعا كليهما ‏للوقوف الى جانب الولايات المتحدة ضمنيا هو ما قدمته دول النفط لكلا ‏الدولتين، فالسعودية قدمت اربعة مليارات دولار للاتحاد السوفييتي... قيل يومها انه على شكل قروض ميسرة... وما اسهل الكلام حين يكون عن رشاوي.. يتم تغليفها بمختلف الاوصاف والنعوت... وراحت ‏الصحف تكتب المقال تلو المقال عن العلاقات (الحميمة) التي تربط بين ‏البلدين الصديقين، وخرجت صحيفة الشرق الاوسط بمقال في صفحة كاملة ‏يحمل صورة فهد وجورباتشوف.... وان العلاقات بين الدولتين ازلية ‏والصداقة قديمة، علما بأن الصحف السعودية نفسها كانت الى فترة ما قبل الازمة بقليل ‏تصف الاتحاد السوفييتي بالدولة الكافرة لانه شيوعيي ملحد !!!!!!اما الصين فقد اشتروها بستة مليارات دولار، وفيما بعد، ذهب سعود الفيصل بنفسه ليقدم المبلغ – عفوا الرشوة - و‏لحضور افتتاح اولمبياد اسيا في سبتمبر من عام 1990 في سابقة لم تحدث قبلا... ففي سبيل امريكا والتحالف والحفاظ على الملك كل شيء جائز وكل شيء ممكن وغير الممكن يصبح ممكنا، وكانت اللجنة الاولمبية الاسيوية بعد شرائها ورشوتها ايضا..... قد قررت ‏ابعاد العراق عن المشاركة في الالعاب.... وذلك في قرار جائر  محايد للطرف الآخر وغير منصف... لم ‏يسبق له مثيل... وأيضا غير قانوني وغير صحيح، لكن الدولار بوسعه ان يفعل كل ‏شيء... فالمهم ان يخرج أحمد الفهد مبتسما ورافعا اشارة النصر على انه تم ‏ابعاد العراق من المشاركة في مجمل تلك الالعاب !!!!!!!

 

لقد استطاعت امريكا بأموال النفط شراء معظم دول العالم وجرها الى جانبها في تحالف عدواني ثلاثيني لم يسبق له مثيل في تاريخ الدول، وراحت الوعود تلقى هنا وهناك بالحصول على صفقة ما " من دويلات الخليج وخصوصا ال الانبطاح وال سعود" او على عقد خيالي ما أو على مبلغ ما، بل وحتى على نفط مجاني لفترة معينة، المهم زيادة عدد قوات التحالف وإظهار ان العالم كله متوحدا ضد العراق، حتى ولو انضمت جزيرة منسية في عرض البحر الى ذلك الصف التآمري، فقد صارت أمريكا ومعها دويلات النفط، يرفعون صوت كل حثالة يقول انه يريد الاشتراك في ذلك التحالفـ، الى العلالي، حتى ولو كان من الدول التي تقول عنها أمريكا انها دول الحشرات الضارة والذباب والفئران والامراض المعدية....

سنتناول في الفصل القادم إن شاء الله ( الفصل الاول من الجزء السادس) التحركات العربية وغيرها التي حصلت لمحاولة فعل شيء لحل الازمة.

Ibnbaghdad_3@hotmail.com

     كييف – أوكرانيا

شبكة البصرة

السبت 1 رجب 1426 / 6 آب 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس