|
الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة) |
|
شبكة البصرة |
|
د. صباح محمد سعيد الراوي |
|
الفصل الثالث من الجزء السادس لقاءات اللحظات ما قبل الأخيرة إذا، اسلفنا أن أربعة اساتذة جامعيين انتهوا في اجتماعاتهم مع بعض مستشاري الرئيس صدام إلى ضرورة انسحاب العراق من ارض الكويت لأن الأخطار التي يواجهها داهمة، وقلنا أن الأمر بينهم وصل إلى أن وضعوا بأنفسهم سيناريو لإخراج قرار للانسحاب يؤدي اليه دون أن يؤثر على كرامة العراق. الحقيقة ان أعضاء القيادة العراقية ليسوا من ذوي التفكير الجامد او ذوي العقول المغلقة كما روج الاعلام المستعرب يومها والاعلام الامريكي قبله، صحيح يوجد متشددين بينهم، لكن ماذا تعني كلمة متشدد هنا؟ هل تعني كما يطلق عليها حاليا في أيامنا هذه متشدد دينيا الى درجة التطرف كما يحلو للاعلام " الامريكي والعربي بالمناسبة" إطلاق هذه الكلمة على بعض الاشخاص او الجماعات ؟؟ أم متشدد في رأيه لايقبل أي رأي آخر، أي متمسك برأيه بشدة؟؟ الحقيقة لو أخذنا مثلا من ضمن أعضاء القيادة السيد طه ياسين رمضان، فهو يطلق عليه انه من جماعة الصقور وليس الحمائم، وبالمناسبة هذا التعبير " صقور وحمائم" يطلق، كما في شريف علم القراء، على اناس ضمن حزب واحد او حركة واحدة ، فيوجد ضمن هذا الحزب او الحركة، جماعة متساهلين في آرائهم وديعين يمكن النقاش معهم، وأناس لايمكن النقاش معهم ولا حتى الجلوس للحديث اليهم بسبب أفكارهم وآرائهم وعنفهم، فيقال عن الجماعة الاولى انهم حمائم، والجماعة الثانية أنهم صقور، ولا شك ان الصقر هو الذي يفترس الحمامة وليس العكس، ففي الحزب او الحركة غالبا ما يرجح رأي الصقور على راي الحمائم، ولعل هذه التعابير السياسية بالدرجة الاولى، درج استعمالها كثيرا في الاحاديث والمقالات والتعريفات السياسية وخاصة أثناء الازمات بين الدول.
وهكذا، فإن السيد طه ياسين رمضان هو من الصقور، اي المتشددين، لكن بالواقع ان وسائل الاعلام العربية كلها اطلقت عليه لقب متشدد لانه كان صريحا للغاية في كل لقاءاته سواء مع المسؤولين من مختلف دول العالم، او مع وسائل الاعلام بمختلف أطيافها وتوجهاتها، فهو لم يجد حرجا أكثر من مرة في التحدث بصراحة متناهية ولأبعد الحدود عن المؤامرات التي يواجهها العراق، وكان يسمي الاشياء بأسمائها دون حرج، وكان لايجد حرجا في ان يقول لأي شخص أمامه، مسؤول وغير مسؤول، ان دولته مثلا هي التي تتآمر على العراق. وأذكر انه قبل العدوان على العراق (في شهر3/2003) اجرت محطة ال بي سي اللبنانية لقاءا معه، فقال للمذيع (بسام ابوزيد) بكل صراحة ان محطتكم من المحطات الموالية لامريكا وانكم ترددون ما يقوله لكم الاعلام الامريكي !!!! وانكم تكذبون في كثير من الوقائع وتزورون في الحقائق !!! إن السيد طه ياسين كان لايرى اي امل من العرب، وكثيرا ما صارح الرئيس صدام بهذا القول امام جميع اعضاء القيادة، وكان له رأي لايحيد عنه، هو ان العراق قدم الكثير للعرب بينما لم يقدم له احد مثلما قدم هو، ووصل الامر به مرة ان طلب علنا تجميد عضوية العراق في الجامعة العربية لانه لا فائدة من عضويته فيها!!! فالعراق الذي لم يتأخر يوما عن سداد مستحقاته للجامعة العربية، لم يجدها وقت الشدة ووقت كان بحاجة اليها، بينما كان أمين عام الجامعة العربية لايتذكر العراق الا حين طلب سداد المستحقات !!!!! هذا ليس تشددا، بل هي صراحة متناهية لاتعجب البعض، ويتحرج منها البعض، فيطلق على صاحبها لقب متشدد... إن المتشدد في التعبير السياسي هو الذي يتمسك برأيه مهما كان، سواء كان صحيحا ام خاطئا، والسيد طه لم يكن بهذا الشكل أبدا.
وحتى الرئيس صدام، صحيح وصفوه كثيرا بالعنيد وبصاحب الاعصاب الفولاذية، إلا اننا يجب علينا القول ان الرئيس صدام حسين كان لينا لكن لايلوى/ وكان قاسيا ولكن لايكسر، انه رجل يملك حزما قاسيا، وارادة قوية، واستعدادا للتقدم نحو أهدافه بصرف النظر عن العوائق، ويملك احساسا عظيما بمعاني الشرف والكبرياء والكرامة والنخوة... ويروى انه شاهد اكثر من مرة فيلم الشيخ والبحر، وهي رواية مشهورة للكاتب أرنست همنغواي تتحدث عن صياد عجوز ظل اياما وليالي وحده وسط العواصف وظلام البحر يتصارع مع سمكة قرش...
إن أعضاء القيادة العراقية ليسوا سذج أو أغبياء ابدا، وحاشى لهم ذلك، إنهم أذكياء، رأوا العالم كله قد وقف ضد العراق وخلف أمريكا، عرب وغير عرب، متأسلمين وغيرهم... هم ارادوا الانسحاب من الكويت لاجل الحفاظ على العراق، وليس لأجل تلك الدويلة المسلوخة من البصرة، والمحكومة من قبل تلك العائلة التافهة المستعربة العميلة، التي جعلت من نفسها حذاء للامريكان، لكن كيف السبيل الى ذلك، وما هي الضمانات التي يمكن ان يحصل عليها العراق؟ ومن يضمن ان القوات الامريكية لن تعتدي جوا على الجنود المنسحبين ولن تعتدي على العراق فيما بعد؟ وهل سيرفع الحصار عن العراق فيما لو سحب جيشه ؟ وما هي الضمانات لحل هذه المعضلة العالقة بين العراق وبين هذه الدويلة المسلوخة من جنوبه وماذا عن قضايا المنطقة الاخرى ؟؟؟ إن امريكا أحكمت اغلاق الابواب من الخارج ولم تسمح حتى للعراق بالخروج من ارض الكويت؟؟؟؟ وذلك لاجل تنفيذ المخطط الصهيوني القاضي بتدمير هذه القوة العراقية المتنامية في جميع نواحي الحياة، سواء السياسية ام العسكرية ام الاقتصادية ام العلمية ام....ام....ام.... إن هناك أمرا لربما لا يعرفه الكثير من الناس، وهو انه في عام 1974 رصدت الاستخبارات الامريكية والصهيونية على السواء، وجود حوالي اثنا عشر الف طالب عراقي في جامعة اكسفورد وحدها!!! يدرسون مختلف الاختصاصات العلمية ، سواء الطب او الهندسة او العلوم الفيزيائية والكيميائية وغيرها..... طب وهندسة وعلوم وليس ادارة اعمال او محاسبة !!!!! هذا العدد كان في جامعة اكسفورد وحدها، فما بالك بالعدد الباقي في كل ارجاء بريطانيا ؟؟ وماذا عن الطلاب العراقيين الذين كانوا متواجدين في دول العالم الاخرى مثل فرنسا ودول الكتلة الشرقية سابقا، لاسيما الاتحاد السوفييتي ؟؟!!! لقد عقدت الصهيونية العالمية العزم على تدمير هذا البلد الذي قدروا انه في غضون سنوات قليلة سيكون في مصاف الدول الصناعية المتقدمة والراقية، وسيكون قد صار ضمن ما يعرف بالعالم الاول وليس ضمن الدول التي تطلق عليها امريكا دول العالم الثالث... ولعلي قلت سابقا في مكان ما من هذا البحث ان الجيش العراقي كان اسمه في دوائر الاستخبارات الصهيونية جيش اسد بابل ....والان جاءت الفرصة للصهيونية العالمية على طبق من ذهب للعدوان على العراق وتدميره، ولكن بواسطة أمريكا هذه المرة..... اذا، هكذا، كلما طرق العراق بابا للخروج، وجد ذلك الباب قد أحكم اغلاقه من الخارج.....
وفي شهر تشرين الاول/ اكتوبر، شعر الاتحاد السوفييتي ان بمقدوره فعل شيء ما، فقد أحس جورباتشوف ان العراق يمكن ان ينسحب من الكويت اذ توفرت له بعض الضمانات المقبولة، وكذلك أحس ان سياسة الاتحاد السوفييتي تجاه هذه الازمة أحدثت قلقا لدى بعض الجنرالات السوفييت، فقرر نقل اختصاص ادارة هذه الازمة من وزارة الخارجية السوفييتية الى مكتبه مباشرة، والتفت حوله يبحث عن مبعوث شخصي له الى القيادة العراقية، فلم يجد أفضل من يفغجيني بريماكوف، الذي كان يعتبر من اقرب اصدقاء العرب قاطبة في القيادة السوفييتية، فهو كان عضوا احتياطيا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي، ويعتبر صديقا مقربا من جورباتشوف، عدا عن صلاته بالرئيس صدام وطارق عزيز وغيرهم من الساسة العراقيين، وهو يتحدث العربية بطلاقة، كونه كان مراسلا لصحيفة البرافدا التي كان مقرها في الشرق الاوسط يقع في القاهرة.
وهكذا، في الاسبوع الاول من شهر تشرين الاول/اكتوبر، وصل بريماكوف الى بغداد، وكان قد طلب من صديقه ياسر عرفات ان يسبقه اليها، في نفس يوم وصوله مساء حضر بريماكوف للقاء الرئيس صدام حسين، وكانت اول رسالة وجهتها القيادة السوفييتية الى الرئيس صدام عبر بريماكوف هي ضرورة الانسحاب من الكويت فورا واعادة السيادة اليها، وأن الموقف خطير وسوف تزداد خطورته اذا لم يبادر العراق الى الانسحاب سريعا... على ان رسائل السوفييت الى القيادة العراقية تبدلت لهجتها كثيرا بعد قمة هلسنكي التي جمعت بين بوش وجورباتشوف والتي تحدثنا عنها في الفصل السابق، اذ ان تلك الرسائل حملت لهجة الانذارات العسكرية وباتت بعيدة عن اللهجة الدبلوماسية اللبقة التي تستخدم عادة بين الدول، ثم ما لبث بريماكوف ان طالب ايضا برحيل الخبراء السوفييت(7830 خبير من العسكريين والمدنيين)، فرد عليه صدام الذي بدا غير مباليا بهذا الطلب: كل من يريد الرحيل فبوسعه ان يرحل... شريطة ان تنظم العملية بمعدل الف خبير كل شهرين...فرد بريماكوف لكن سفارتنا هنا تلقت 1500 طلب للرحيل في غضون شهر.. فأجاب صدام: ليكن كما تريد، واعتبر الرئيس صدام ان الالحاح على اعادتهم الى الاتحاد السوفييتي لهو اكبر دليل على انه حتى الرئيس جورباتشوف ليس مطمئنا في قرارة نفسه الى النوايا الامريكية... ثم واصل صدام كلامه: انك تطلب مني ان اعلن الانسحاب، وكأن هذه هي الكلمة السحرية التي يمكن ان تحل كل المشاكل دفعة واحدة، وانا لن اقول هذه الكلمة ببساطة... وحتى لو انسحبنا من الكويت، فإن ذلك لن يكون كافيا لجعل الامريكان يشعرون بالرضا، وانتم ليست لديكم ضمانات تقدمونها لنا ضد اي هجوم أمريكي...... ثم وجه الرئيس صدام ثلاثة اسئلة محددة:
- ما هي الضمانات التي يمكن ان تقدموها للعراق ولأمنه ؟ - ما هي الضمانات التي يمكن ان تقدموها للنظام العراقي ولأمنه ؟ - ما هي الضمانات التي يمكن ان تقدموها لتسوية اقليمية لقضايا المنطقة وبالذات الفلسطينيين في الارض المحتلة ؟
رد بريماكوف بأنه يخشى من ربط عضوي بين الانسحاب والضمانات، مما يجعل بوش يفسر طلب الضمانات وكأنه شروط مسبقة للانسحاب، ثم أضاف: انه يخشى من اثارة موضوع الضمانات الان حتى لا يفسرها الغرب باعتبارها خدعة يقصد بها العراق أن يدخل في مفاوضات مع الولايات المتحدة، وهو أمر اعلن بوش رفضه له، كما ان الكونجرس والرأي العام سوف يمنعانه من القبول به على فرض انه كان مستعدا لذلك... فرد الرئيس صدام بأن المشكلة هي ان الامريكان مصممون على تدمير العراق... فأجاب بريماكوف: لنفترض ان هدفهم ذلك فعلا، فإن انسحابا عراقيا من الكويت سوف يقيد يد بوش، لانه سيجعل الولايات المتحدة في وضع من يقبل على الحرب دون سبب.. وكان تعليق الرئيس صدام بأنه يشك في ذلك..... والواقع ان الشيء الوحيد الذي فرح به بريماكوف واعتبره انجازا هو النجاح في سحب الخبراء السوفييت، وهو الامر الذي دعاه لأن يبرق الى موسكو على عجل لأجله.
في نفس الوقت، كان الملك الحسين في باريس، وقد توجه على الفور الى الاليزيه للقاء ميتيران، الذي وضع أمامه ترتيب منطق النقاش وفق آليات تصوره حسب السياق التالي:
- إن اطار الازمة الراهن غير مقبول من الامريكيين للتفاوض، وعليه فلابد من تفتيت هذا الاطار. - للامريكيين اهداف معلنة لابد من الاخذ بها: الانسحاب وعودة اسرة الصباح والافراج عن الرهائن الغربيين. - من الافضل للعراق ان يفرج عن الرهائن دفعة واحدة بصورة حاسمة ومؤثرة، بدلا من الافراج بالتقسيط، وبذلك يمكن اجتيار نصف الطريق لحل الازمة. - ليست هناك ضمانات يستطيع أحد ان يقدمها الان، لأن امريكا تعتبر ذلك بمثابة الشرط المسبق من قبل العراق.
في الواقع لم تكن تلك لغة فرنسية مائة بالمائة وانما امريكية صيغت بعبارات فرنسية لطيفة، فبدلا من استخدام اللغة الامريكية القذرة، لغة رعاة البقر ومرتادي الخمارات وبيوت الدعارة والفسق والفجور والبنتاغون والبيت الابيض، تم تعديلها لتصبح لغة ممزوجة بنكهة العطور الفرنسية خارجة من الاليزيه، لكن حسب ما تريده امريكا ليس إلا.. وهذا يعني ان يترك العراق نفسه لمقاديره بعد الانسحاب، وان ينتظر مجهول المخطط الامريكي.. فركز الحسين امام ميتيران على مطالب العراق بإصدار تأكيد (من فرنسا والاتحاد السوفييتي) أو (فرنسا والصين) بأن التحالف لن يشن عدوانا داخل العراق اذا ما أقدم على اطلاق سراح الرهائن دفعة واحدة (في منتصف هذا الشهر/ تشرين الاول/اكتوبر). وعاد ميتيران يتحدث عن مشكلة تقع في اطار الازمة وقال: مثل هذا الاقتراح لن يحل شيئا، لأن امريكا تعتبره شرطا مسبقا للافراج...فعاد الحسين يحمل تصورات الرئيس الفرنسي للازمة، واجتمعت القيادة العراقية في العاشر من تشرين الاول لتبحث تفاصيل ما جرى عقب زيارة الحسين لباريس...
فيما بعد، توجه بريماكوف الى واشنطن للقاء بوش، فعرض عليه تفاصيل لقائه مع صدام حسين، وبدا ان بوش مهتم بمعرفة شخصية الرئيس العراقي اكثر مما هو مهتم بآرائه في حل الازمة!! فقد راح ذلك " الوغد " يسأل بريماكوف عن تاريخ صدام وعن تحليله لشخصيته وتصرفاته، وكان شاغله الاول طوال فترة الساعتان اللتان قضاهما معه هو معرفة مفاتيح شخصية الرئيس صدام.. ولما حاول بريماكوف اعادة بوش الى موضوع الازمة، اجابه ذلك بكل وقاحة: انني سمعت منك أفكارا جديدة قيمة، وانا احتاج الى ان اتحادث مع مستشاري..... كم من الوقت ستبقى في واشنطن ؟ فرد بريماكوف : انني على استعداد للبقاء بمقدار الحاجة الي ..... فقال بوش: سأبلغك رأيي خلال ساعتين او ثلاث!!! لكن بعد خمسة واربعون دقيقة بالضبط، وفيما بريماكوف مع " روبرت جيتس " نائب مدير المخابرات المركزية الامريكية على مائدة الغذاء، قال له جيتس: على فكرة... الرئيس اخبرني أن ابلغك أنك تستطيع مغادرة واشنطن في اي وقت تشاء !!!!! وهذا ما صدم بريماكوف واعتبرها اهانة له، فغادر واشنطن على الفور... لذلك، فإن بوش وبعد مغادرة بريماكوف، قام وبكل صفاقة ووقاحة باستشارة عدد من عملاء السي اي ايه ووزارة الخارجية من اصول عربية، (وجلهم معادي للعروبة والاسلام على السواء)، وهم الذين اشاروا عليه جملة من الملاحظات التي يجب ان يتبعها في تعامله مع الرئيس صدام، فأخذ يستخدم عبارات غاية في الدناءة والوقاحة تدل على المستوى المنحط الذي عاش وتربى فيه، وتدل على البيئة النجسة التي وجد فيها، الامر الذي دعا وقتها بريجنسكي حين بدأ يسمع مثل تلك العبارات الى القول عن الازمة انها شخصية اكثر من اللازم. وهو نفس الامر الذي دفع احد اعضاء مجلس الشيوخ " لي هاميلتون" الى توجيه ملاحظة لبوش قال له فيها: انك جعلت المعركة معركة شتائم واهانات شخصية!!!
في طريق سفره، تلقى بريماكوف اتصالا من جورباتشوف يطلب منه الذهاب الى لندن للقاء تاتشر، فذهب فعلا للقائها، واذ به أمام امرأة قادمة من مواخير سوهو، فلم تجد حرجا في أن تقول له بكل وقاحة وصفاقة وبدون تردد: نحن لانريد لأي طرف ان يتدخل الان لعرقلة هدفنا... وليس هناك خيار آخر غير الحرب... إن صدام حسين يجب ان يحاكم كمجرم حرب !!! وعندما حاول بريماكوف ان يشرح لها رأيه، قاطعته بكل حقارة قائلة بصوت مثل صوت بائعات الهوى : لا....لا أريد أن اسمع شيئا.... لم تكن تلك الساقطة مهتمة بغير العدوان على العراق، ولم يكن ذلك المنحط بوش مهتما بغير معرفة شخصية الرئيس صدام.
عاد بريماكوف الى بغداد مرة ثانية، والتقى مع الرئيس صدام حسين، وقال له: ان الصقور يتغلبون على الحمائم في الولايات المتحدة وأوروبا، فرد عليه صدام: وأنا أيضا عندي صقور وحمائم، فألح بريماكوف على صدام في اعلان انسحاب فوري وتنفيذه فعلا... فرد صدام: ان اي انسحاب دون ضمانات سوف يكون انتحارا، فالانسحاب العراقي من الكويت يجب ان يتزامن مع انسحاب القوات الامريكية من السعودية ومع رفع الحصار عن العراق ومع اتفاق على مخرج يصل العراق بالبحر... فخرج بريماكوف يحمل هذه الافكار، وتوجه على الفور الى فرنسا حيث كان جورباتشوف مجتمعا مع فرانسوا ميتيران، فاجتمع جورباتشوف مع بريماكوف واستمع اليه باهتمام عن نتائج زيارته الى بغداد، ثم وبعد أن تشاور مع الرئيس ميتيران، اعلن جورباتشوف ان الوقت قد يكون مناسبا لدور عربي في الازمة يسهل لصدام حسين فرصة الانسحاب من الكويت.... ان الانسحاب العراقي غير المشروط من الكويت لابديل له كمقدمة لحل شامل للازمة.
في هذه الاثناء، كان بعض الحكام المستعربين والمتأسلمين والمنبطحين والمتأمركين والمستفيدين والمنافقين و...و... كل منهم يبدي رأيه بفلسفة ممجوجة حول الازمة، يريد أن يقدم الحلول التافهة السخيفة التي لا معنى ولا مستند لها، وكأنه عبقري زمانه، فحسني مبارك مثلا ما برح يلقي الخطاب تلو الخطاب، بمناسبة وبغير مناسبة، يبدأ بكلام عمومي ثم يبقى يرغي ويزبد حول الازمة... اتخذ في هذه الخطابات دور المهرج السخيف الذي يحاول اضحاك الناس فلا يضحك من كلامه الا المنافقين مثله/ وله/ وللبترودولار، وما انفك يردد في هذه الخطابات هذه الجملة " بقى بعد الهنا بسنة جاي تقولي "، وما من مرة قال هذ الجملة الا وهز وسطه معها!!!! عدا عن مهاجمته في تلك الخطابات للرئيس صدام وللملك الحسين ولكل الدول العربية التي رفضت التصويت على القرار الامريكي الذي طرحوه أثناء مؤامرة القاهرة، اما الذي استفاده من وقوفه الى جانب امريكا في هذا العدوان، فهو ان الولايـات المتحـدة شـطبت 7 مليارات دولار من ديونها على مصر، واي فائدة تتحقق من هذا الشطب ؟ اذا كانت مصر اصلا غير قادرة على الدفع حتى ولو استمرت تلك الديون عشرات السنين.. اذا فما الفائدة من شطب ديون انسان او دولة هو اصلا غير قادر على دفعها ؟؟ فما الذي قدمته أمريكا بالواقع لمصر؟ وحتى دول الخليج ما الذي قدمته علىارض الواقع ؟؟ فمثلا تأسست شركة طيران مصرية كويتية باسم شروق، لم تلبث ان اختفت وانتهت وصفيت اعمالها بعد مرور سنتين او ثلاث على انتهاء الازمة !! وحتى اعلان دمشق الذي تكون من دويلات الخليج ومصر وسوريا، وهو اعلان تأسس بعد انتهاء العدوان على العراق، ولانريد الدخول في تفاصيله وديباجته السخيفة، لكنه ولد ميتا ولم ير النور واصلا لم يجتمع زعماء تلك الدول ابدا، فبقي حبرا على ورق إلى ان مات نهائيا مع مرور السنين... وما اصدق المقولة المأثورة: ما بني على الباطــل فهـو باطــل..... وهذا " اعلان دمشق" بني بأوامر امريكية للدول التي وقفت بصف العدوان، لذلك انتهى الى غير رجعة...
أما حافظ الاسد، فقد خرج علينا بفلسفة في نفس شهر تشرين الاول، اذ انه قال ان غزو العرا |