الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة)

في المؤامرة على العراق بدءا من عام 1990

شبكة البصرة

د. صباح محمد سعيد الراوي

الفصل الخامس من الجزء السادس

قرار العدوان

اذا قلنا في الفصل السابق، انه في أروقة ما يسمى مجلس الامن، استطاع جيمس بيكر اقناع الدول الخمس دائمة العضوية بمشروع قرار العدوان، والذي حمل رقم 678، وصدر يوم 29 تشرين الثاني/ نوفمبر، وتمت الموافقة عليه بـ 12 صوتا ضد صوتين هما كوبا واليمن، بينما امتنعت الصين عن التصويت ( بفضل المليارات الستة التي حصلت عليها من السعودية والكويت – لو استخدمت الفيتو لسقط القرار).  زعم ذلك القرار الجائر في ديباجته التافهة، ان العراق لم يمتثل لمسؤوليته في تنفيذ القرار 660  والقرارات اللاحقة له، وهذا ما يعتبر "بنظر القرار" استهانة بمجلس الامن !!!!!!! وقد كان نص القرار يقول:(اخترنا فقرات منه وليس كاملا): ان مجلس الامن اذ يشير الى قراراته: 660/661/662/ 664/665/666/667/669/670/674/ 677 ( لاحـظ ايهـا القاريء من فضلك كم قرار صـدر فـي اقـل مـن شـهرين !!!) وتحت الفصل الرابع من ميثاق الامم المتحدة يقرر:

 

1 الطلب من العراق بأن يمتثل بالكامل للقرار رقم 660 وكل القرارات اللاحقة له، والمجلس اذ يتخذ هذا الموقف وراء قراراته السابقة يقرر ان يعطي العراق فرصة لاثبات حسن نيته.

2 يخول الاعضاء في التعاون مع حكومة الكويت – ما لم يمتثـل العـراق لكـل القرارات السابق الاشارة اليها قبل 15 كانون الثاني / يناير 1991 - في استعمال كل الوسائل الضرورية لضمان تنفيذ القرار 660 وبقية القرارات المتصلة به، وذلك لحفظ السلام الدولي والامن في المنطقة.

3- ويطلب الى كل الدول أن تقدم الدعم المناسب للاعمال التي يمكن القيام بها لتنفيذ البند الثاني من هذا القرار.

 

لاشك ان القرار صيغ في وزارة الخارجية الامريكية وليس فيما يسمى مجلس الامن، وحتى لو صيغ في مجلس الامن، فهل يا ترى لن تتدخل الادارة الامريكية في اي من بنوده او في القرار ككل ؟ لقد فصل القرار تفصيلا حسب القياس الذي ارادته امريكا للقيام بعدوانها على العراق. ان ذلك القرار التافه الجائر يقول في ديباجته ان العراق لم يمتثل للقرار 660 القاضي بسحب جيشه من الكويت، ورغم ان العراق ابدى رغبته في حل القضية بالطرق السلمية، ورغم تحركات الحسين هنا وهناك لنقل آراء القيادة العراقية اولا ثم رأيه الشخصي الموافق لرأي العراق، الا ان الابواب سدت كما قلنا، فأمريكا قررت العدوان منذ البداية وقررت قطع كل طريق يؤدي الى حل سلمي. لقد كان تعبير استخدام كل الوسائل الضرورية هو التعبير السوفييتي عوضا عن التعبير الامريكي (حق استخدام القوة)، ذلك أن شيفاردنادزه اصر على استخدام تعبير " كل الوسائل الضرورية" قائلا لجيمس بيكر: انت وانا نفهم ما تعنيه هذه العبارة، وأكثر من ذلك لاداعي له. ورغم ان بيكر زعم ان الادارة الامريكية سلحت نفسها بما يسمى " الشرعية الدولية "، إلا أن هذا القرار أثار جدلا واسعا في المحافل القانونية بما فيها السكرتير العام للامم المتحدة. فأولا كان لـ جان بيير شوفينمان " وزير الدفاع الفرنسي  المستقيل بعد بدء العدوان" رأي يقول: إن ميثاق الامم المتحدة والمادة 42 يجيزان استخدام القوة للامم المتحدة وحدها التي تقرر استخدام هذا الحق دون غيرها، حيث لا تجوز الوكالة في تجيير هذا الحق، تحت اي ظرف من الظروف، وأن جو الميثاق بالغ الحساسية والخطورة، خاصة في فصله السابع، اذ يشير هذا الفصل الى ضرورة توفر (القناعة المشبعة بشأن موجبات استصدار القرار من كافة الجوانب، ففي الوقت الذي لم تبلغ العقوبات مداها، وفي الوقت الذي يمتنع فيه بلد دائم العضوية عن التصويت (الصين) فإلى اي مدى يمكن اعتبار القناعة المشبعة متوفرة لدى الاعضاء حين اتخاذ القرار ؟؟

 

أما عدنان الباجه جي – وهو خبير قانوني اضافة الى منصبه السابق كوزير الخارجية العراقي وقبلها مندوب العراق الدائم في الامم المتحدة.... بعد كل هذا التاريخ في خدمـة العـراق، خان بلده، وارتضى لنفسه أن يكون خنزيرا من خنازير الاحتلال الصهيوصليبي – فيقول: ان التدخل العسكري لحفظ الامن يكون بعد ثبات فشل العقوبات الاقتصادية طالما أن مجلس الامن اختارها أولا، والقرار رقم 678 يشير الى العقوبات الاقتصادية ولا يتحدث عن فشلها. ان القرار نفسه مخالفا لميثاق الامم المتحدة، ذلك أن نص المادة 51 من الميثاق التي استند اليها القرار، تعطي للدولة المعنية الحق في الدفاع عن نفسها اذا هوجمت، وأن تطلب من غيرها من اعضاء الامم المتحدة مساعدتها في رد هذا الهجوم، وذلك حتى يتخذ مجلس الامن ما يراه ضروريا من اجراءات، وهذا ما حدث فعلا حين اتخذ المجلس سلسلة من الاجراءات ابتداءا من القرار 660 الى ما بعده، وبذلك يكون قد تم استيعاب المادة 51 من الميثاق... ان مفهوم ذلك، أن احكام حق الدفاع الشرعي عن النفس يمقتضى المادة 51 تنطبق قبل تدخل المجلس وليس بعده. والدلالة ان مفعول المادة 51 حق مؤقت ينتقل الى مجلس الامن طالما قرر هذا المجلس أن يقوم بمسؤولياته.. وهذا تم.

 

أما الدكتورة عائشة راتب ( استاذة قانونية كانت تشغل منصب وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في مصر) فتقول: ان نص القرار 678 قد يحتوي على اباحة استعمال القوة لتحرير الكويت، ولكنه لا يبيح اعلان الحرب على دولة العراق، ذلك ان ميثاق الامم المتحدة يدين الحرب ايا كانت مبرراتها، ثم ان نص القرار يتضمن تخليا من مجلس الامن عن مسؤوليته التي يلقيها عليه الميثاق، لان المجلس يعترف بعجزه عن الفعل، ويحيل المسؤولية الى غيره، وهذا ما ينتقص من شرعية القرار.

 

السكرتير العام للامم المتحدة من جانبه، آثر أن يلزم الصمت لحين مرور الازمة كلها، فقال حين تقديم تقريره السنوي عن نشاط الامم المتحدة في عام: هناك جانب آخر في الازمة اود أن اشير اليه، وهو ان تنفيذ قرارات مجلس الامن بالقوة لم يجر تنفيذه بالضبط طبقا لما اوردته المادة 42 وما تلاها في الفصل السابع من الميثاق، وبدلا من ذلك، فإن مجلس الامن خول استعمال القوة لبعض الدول ولتحالف نشأ بينها. وفي الظروف التي كانت قائمة وبحساب التكاليف التي كانت مطلوبة، فإن مثل هذا الوضع لم يكن ممكنا تجنبه. وعلى اي حال، فإن عمليات الخليج تدعونا للتفكير في اجراءات جماعية يتحتم اتباعها في المسائل المتعلقة باستعمال القوة لحفظ الامن في المستقبل بطريقة تتفق مع حقيقة أن استعمال القوة محصور في مجلس الامن بمقتضى أحكام الفصل السابع من الميثاق، واختتم دي كويلار بقوله: ان قرار مجلس الامن الذي ترتبت عليه عاصفة الصحراء: ليس بالضبط قانونيا، ولكنه بالواقع كان ضروريا !!!!

 

في بغداد، كان رد الفعل عنيفا ضد صدور هذا القرار، فقد كانت القيادة العراقية تتوقع ان يحدث تدخل عسكري ضدها تسكت عنه الامم المتحدة، ولكن ما لم تتوقعه هو أن يتم هذا التدخل بموافقة الاتحاد السوفييتي!!!! خاصة وان طارق عزيز كان مدعوا الى موسكو قبل صدور القرار بأيام قليلة، وقد سبقه الى المنطقة العربية بريماكوف، الذي دشن بداية مرحلة جديدة من العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والسعودية.. فاجتمع جورباتشوف مع طارق عزيز، وكانت كلمات جورباتشوف جافة وباردة، ظن طارق عزيز ان السوفييت يريدون ان يقولوا له شيئا جديدا، لاسيما وانهم هم من دعوه لزيارتهم، فتفاجأ الوزير الذكي والحصيف بأنه ليس هناك افكارا جديدة، وانما قال له جورباتشوف (اذا كان العراق يريد حقا التوصل الى تسوية في المنطقة، واذا كان يرغب في تفادي الاسوأ، فقد حان الوقت منذ الان ليؤكد بالفعل جلاءه عن الكويت وتحريره لكافة الرهائن، وليعلن انه لاينوي منع الاجانب من مغادرة العراق، والا فإن مجلس الامن سينتهي الى تبني قرار صريح منذ الان، وسوف يكون قرارا قاسيا)... لقد كانت تلك كلمات امريكية بلغة روسـية... ويبدو فعلا ان الاربعة مليارات دولار التي قبضها جورباتشوف (قرض للاصدقاء السوفييت من السعودية والكويت والامارات!!!!!!!) قد فعلت مفعولها، ويبدو ان لون الدولار الاخضر قد سلب عقل جورباتشوف وأعمى بصره وبصيرته على السواء!!!!!

 

اجتمع أيضا فريق من الخبراء القانونيين العراقيين برئاسة الدكتور سعدون حمادي، وتوصلوا الى ان القرار مخالف لميثاق الامم المتحدة ويمكن الطعن في شرعيته أمام محكمة العدل الدولية، وان الولايات المتحدة سيصعب عليها بدء العدوان بمقتضاه طالما ن شرعيته ذاتها معروضة أمام محكمة العدل الدولية. وبناء على طلب من الرئيس صدام، جرت جلسة نقاش مفتوحة " عدلية " كما سماها هو بنفسه، طلب فيها ان يسمع جميع الاراء بدون قيود ولن يحاسب أحد على ما يبديه من آراء مهما كانت، ودارت مناقشة صريحة الى أبعد الحدود، وفيها أبدى بعض الخبراء أن القضية لم تعد قضية قوانين أو طعون في هذه القوانين، وإنما هي حقائق قوة، ثم ذكر بعض الخبراء أن الولايات المتحدة رفضت في عام 1985 حكم محكمة العدل الدولية عندما شكتها نيكاراجوا واتهمتها بالقيام بأعمال حربية ضدها في الداخل والخارج، بما في ذلك تلغيم موانئها، ثم اقامت نيكاراجوا الدليل على دعواها، ومع ذلك اصرت الولايات المتحدة على موقفها، ولم تعترف لمحكمة العدل الدولية بولاية من الاصل. كان الأمل الأخير معلق بمهلة الخمسة والاربعين يوما التي أعطاها مجلس الامن للعراق كي يستجب لمجمل ما صدر عنه من قرارات.

 

ثم وفي ليلة الثلاثين من تشرين الثاني / نوفمبر (مساء اليوم الذي تم فيه التصويت على ذلك القرار) كان وزير الخارجية الفرنسي رولان دوما مدعوا على العشاء في منزل المندوب الفرنسي لدى الامم المتحدة، وحضر ايضا عدد من وزراء خارجية الدول التي حضرت جلسة التصويت على القرار. كان الوزير الفرنسي يتحدث عن ان فترة الستة أسابيع التي منحها المجلس للعراق هي الامل الوحيد في الوصول الى حل، وان هذه المهلة فرصة لا يصح ان تضيع : لا أتصور اننا سوف نقضي هذه الاسابيع الستة واضعين ايدينا على خدودنا منتظرين حتى نسمع صوت الانفجار، وانما لابد أن نتحرك جميعا خلال هذه المهلة لكي نفعل شيئا يحول دون وقوع كارثة محققة، ثم مضى الوزير يقول: انه يستطيع ان يرى دورا لاوروبا وكذلك السكرتير العام للامم المتحدة، وربما كان هناك وسيلة للتوفيق بين الدورين. وبينما الجميع مازالوا حول مائدة العشاء يستمعون للوزير الفرنسي، دخل المستشار الصحفي للوفد الفرنسي الدائم لدى الامم المتحدة يحمل بيده ورقة، وقد اتجه بها على الفور الى السفير الفرنسي الذي قرأها ثم ناولها الى الوزير دوما، فقرأها الوزير واحتقن وجهه على الفور اثر ذلك، فعلا صوته قائلا: ان هذا تخريب... ان بوش اعلن للتو مبادرة أمريكية تقترح بأن يقوم وزير خارجية العراق طارق عزيز بزيارة واشنطن والاجتماع به، ثم يقوم وزير الخارجية الامريكي بيكر بزيارة بغداد والاجتماع مع الرئيس صدام، وأن الهدف من هذا كما قال بوش هو المشي ميلا اضافيا من أجل تحقيق السلام. وكان تعليق الوزير دوما على هذه المبادرة انها مناورة يقصد بها الرئيس الامريكي أن يواصل احتكاره للازمة، وان يصد الآخرين عن التقدم لبذل جهودهم... لا يمكن ان يكون جادا ( وكرر هذه الجملة مرتين وهو يقصد بوش بها).

 

المسحوق المسخ شامير اعتبر هذه المبادرة نذير شؤم يوحي بأوخم العواقب، فعندما زار الولايات المتحدة بعدها، سأل بوش: سيدي الرئيس هل ستتخلون عن هجوم وقائي ضد العراق، انها بالنسبة الينا أهم نقطة في الازمة... فرد عليه بوش: حضرة الرئيس، انك تعلم اننا قد نجحنا حتى الان بإبعاد العلاقة بين هذه الأزمة والخلاف العربي الاسرائيلي، عليك ان تتحاشى خلق صلة بمد أيديكم الى الازمة... فقال شامير متشنجا: لكن اسرائيل لا تقبل ابدا ان تكون ضحية... فرد عليه بوش: ان هدم كل الاسلحة العراقية التي باستطاعتها تهديد اسرائيل سيكون الهدف الاول للحلفاء، اني أتعهد بذلك رسميا... فرد ذلك المسحوق المسخ: اذا نحن نقبل......... أما ردة الفعل في الاوساط العربية فكانت تبعث على الكآبة، فقد راحت بعض الاطراف العربية تضرب أخماسا في أسداس وتضرب كفا بكف، بعدأن أخطرت على عجل بما حصل، أما بعض الاطراف الاخرى فقد كانت جاهلة – بالمناسبة لا زالت جاهلة الى يومنا هذا – بما حصل. أما صاحب السمو الملكي بندر " الفارس الاسمر " فقد كاد يقفز من مكانه وهو يستمع الى بوش يطلق هذه المبادرة، فقد كان يعتقد ان بوش بعث بالرسالة الخاطئة للعراق، فهي رسالة ضعف امريكية سيستثمرها صدام في ادارة اتجاه الازمة من جديد، خاصة وان سفير خادم الحرمين الشريفين صاحب السمو بندر ابلغ الامريكيين عن نجاعة اسلوب القوة ضد العرب عموما!!!!!! فهذه هي اللغة الوحيدة المفهومة في المنطقة العربية... لقد سخط الملك فهد – حسب رأي ابن اخيه – لعدم التشاور معه !!!!!! اما دول الخليج الاخرى فقد همشت ونسيت تماما من واجب اخبارها، بل ان شبه الرجل جابر بكى وهو يتلقى النبأ !!! ( ما اسرعه في البكاء... اسرع من النساء). دمشق من جهتها اخبرت بعد ساعة من اطلاق المبادرة. لقد ساد الارتباك بعض العواصم العربية، إذ عاودت الشكوك في قدرة الولايات المتحدة على اتخاذ منهج سياسي صارم لا يخضع لتقلبات غير مفهومة للآخرين، سواء كان باعثها أمريكيا داخليا أو حسابات أخرى غير مرئية لبقية الناس، على ان هناك من سارع الى نسبة تغيير المسار الذي بدا مفاجئا إلى أصوات كثيرة معارضة للتدخل العسكري سمعت من فوق منابر مجلسي الشيوخ والنواب الامريكيين.

 

(((رجائي ان ينتبه القراء الكرام الى وصية بندر للامريكان... نجاعة اسلوب القوة ضد العرب!!!!!! فهي اللغة الوحيدة المفهومة !!! لا ادري هل هذا عربي ام ماذا ؟ او ربما الادارة الامريكية تتبع هذا الاسلوب مع بلده واسرته بحيث انه اسلوب ناجع معهم ويريد تطبيقه على باقي العرب !!!!!!!)))).

 

ولعل هذه المبادرة كانت هي السبب الذي دعا عددا من الزعماء العرب (الحسين – عرفات – علي سالم البيض " نائب رئيس الجمهورية اليمنية") للتوجه الى بغداد للتشاور مع القيادة العراقية، حيث اجتمعوا مع الرئيس صدام. ويمكن تبيان اتجاه مداولاتهم من قراءة البيان الصادر عن مجلس قيادة الثورة العراقي الذي بدا مستشهدا بالاية القرآنية الشريفة التي تقول: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله"، ثم أعلن البيان أنه تقرر استجابة لمبادرة الرئيس الامريكي بفتح باب المفاوضات بين العراق والولايات المتحدة الافراج عن جميع الرهائن الغربيين المحتجزين في بغداد، على أن يتم التنفيذ خلال اسبوعين بحيث يتمكن الرهائن من حضور احتفالات الميلاد مع أسرهم، في بيوتهم وأوطانهم. وارسل الحسين رسالة الى الرئيس الفرنسي ميتيران يخبره فيها ان العراق قرر الافراج عن الرهائن مرة واحدة ودون شروط، وهذا يعني تنفيذ المرحلة الأولى من خطته (التي ناقشها من قبل مع الحسين) لحل الازمة، والان فإن الوقت مناسب لبذل كل الجهود لتنفيذ المرحلة الثانية من الخطة، فرد ميتيران قائلا: إنه طلب من المراسم في الاليزيه ان تبقى طائرة الكونكورد الرئاسية على استعداد في أي وقت لتحمله الى حيث تتطلب الظروف وجوده، بما في ذلك بغداد ذاتها، وذلك عندما يتأكد أن الاوراق في يده كافية. ثم حدث ان قامت بغداد، وبناء على طلب الزعماء العرب الذين جاؤوا اليها، ان أعلنت انها تفهم الربط بين القضايا المتعددة في الشرق الاوسط، والذي جاء في ‏مبادرة الرئيس صدام يوم 12 آب/اغسطس على انه ربط سياسي وليس ربطا بتواريخ ‏الايام. وكان مفهوم ذلك ان بغداد على استعداد لحل مشكلة الانسحاب من الكويت ‏اولا، وبعد ذلك، وليس بالتزامن معه، يجيء الدور على بقية النزاعات الاقليمية.‏


لكن يبدو أن السحب الوردية التي ظهرت في آافاق الأزمة قد تبددت، فكم كان رولان دوما " وزير الخارجية الفرنسي " محقا حين وصف مبادرة بوش بأنها غير جادة.......... بصراحة هناك ميزة في السياسية الامريكية تقول ان امريكا لاتحتفظ بسر مهما كان حجمه صغيرا او كبيرا، وليس هناك شيء في امريكا اسمه سري للغاية ولو ختم بمليون ختم (TOP CONFIDENTIAL) فأي شيء في أمريكا يبقى سريا لفترة معينة، ثم لا يلبث ان يصبح مفتوحا للمناقشة بين الكبير والصغير. لقد اراد بوش بالفعل ان يحبس تفاعلات الازمة خلال مهلة الاسابيع الستة التي منحها مجلس الامن للعراق داخل إطار أمريكي لا تتعداه، ولايتدخل فيها طرف آخر غير الولايات المتحدة، وكانت له بالإضافة الى ذلك أهداف فرعية:

 

إقناع كتل برلمانية في مجلسي الشيوخ والنواب، وفي الرأي العام، بأنه بذل كل ما في وسعه لحل الازمة، فإذا جاءت الحرب، فإنها وقعت لانه لم يكن هناك خيار آخر.

كانت المبادرة موجهة للعام العربي الذي بدت شروخه وانقساماته ظاهرة وعميقة، خصوصا في المغرب العربي.

كانت موجهة للعراق للتأثير على الحالة النفسية لدى شعبه وقيادته، بين تشاؤم عام يسوده وبين تفاؤم عام يلحقه، ثم عودة التشاؤم مرة أخرى تحدث خللا في المشاعر العراقية.

 

لقد تبدد جو التفاؤل تماما حين وردت الى بغداد معلومات ‏عن تأكيدات امريكية اعطيت لحكومات عربية في الخليج وخارجه، تعزز سياسة ‏امريكا المعلنة، بأنها ماضية في خططها وثابتة ولن تتغير، ولعل ما عزز هذا الخط السياسي الامريكي الحقيقي هو تصريح ‏هنري كسينجر " الصهيوني حتى النخاع" الذي قال فيه: لنقم بأية مبادرات، ولنعط لانفسنا حرية في الحركة كما نشاء، ولكننا يجب ان نكون واثقين من ان اي حل للازمة يجب ان يحقق نزع وسائل القوة العراقية التي تلقي بظلها على جيرانه في المنطقة (يعني اسرائيل ليس إلا) وبدون هذا التغيير الضروري في الموازين، فإن اي حل نتصوره للازمة سوف يكون مجرد تأجيل لها.

 

في الحقيقة بدأ العراق يشعر اكثر من أي وقت مضى انه الان وجها لوجه أمام الخطر، وأن الحرب هي ارجح الاحتمالات التي يواجهها، وهذا ما دعا أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة لان يقول في وصف هذه الفترة : إننا تصرفنا بنوع من القدرية، لم تعطنا تطورات الازمة السريعة فرصة للمراجعة. ولم يكن هذا في العراق فحسب، بل في كل الوطن العربي، الذي بات على شعبه الان ان ينتظر ما يشبه يوم القيامة، لكن الفرق هنا انه يعرف تاريخ هذا اليوم وساعته، وليس بمقدوره فعل شيء لتجنبه. أما الحسين، فقد كان لازال يحاول فعل شيء ما لوقف الحرب، رغم انه كان يدرك ما ‏قد تحمله المضاعفات المنتظرة للازمة من مخاطر على بلده وعلى حكمه وعليه ‏شخصيا. لقد كان العالم العربي مشغولا بهمومه الداخلية وبتسوية حساباته القديمة، وبترتيب ملفاته ‏الجارية، في حين ان صفحة جديدة من تاريخه كانت على وشك ان تبدأ وكانت ‏نصوصها تكتب بعيدا عنه، وليس له يد فيها ابدا.

 

ثم وفي يوم 21 كانون الاول/ ديسمبر ادلى بوش بتصريح افصح فيه عن نواياه العدوانية تجاه العراق حيث قال:

 

بالنسبة لموضوع الرهائن انه يرحب بإطلاق سراحهم، لكن الافراج عنهم لم يفعل شيئا إلا أنه صحح جريمة ارتكبها العراق حين احتجزهم في المقام الاول، وان الافراج عن الرهائن أزاح عن ضميره عبئا معنويا ثقيلا... (وكأن بوش ومن يدور في فلكه لديهم ضمير!!!) يعني يريد هذا الوغد ان يقول بعبارة أخرى انه يستطيع الان ان يعتدي على العراق بحرية وبدون تحرز او تردد !!!!!

وبالنسبة لموضوع الكويت، فإن &