الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة)

في المؤامرة على العراق بدءا من عام 1990

شبكة البصرة

د. صباح محمد سعيد الراوي

الفصل الثالث من الجزء السابع

دي كويلار في بغداد

وانتهاء المهلة ...

وهكذا، ففي مساء يوم الثالث عشر من كانون الثاني، كان خافيير بيريز دي كويلار، الامين العام للأمم المتحدة، يلتقي مع الرئيس صدام حسين، الذي قابله بوجه بشوش، وهو ما أدهش الامين العام نفسه، حيث انه تم التكذيب على لسانه فيما بعد، ( لسان الامين العام)، بأن الرئيس صدام اساء معاملته، واحتقره واهانه، وجعله ينتظر ساعات طويلة حتى التقى به، وهو ما لم يحصل اطلاقا. فقد كان الرئيس صدام قد فرغ منذ قليل من تصريح له بالاذاعة العراقية يقول فيه: (إن الجهاد واجب على كل مسلم ومسلمة).

 

بدأ الحوار بين الرجلين، حيث ابتدأ  دي كويلار الكلام فقال: (على ان العراق حين اذاع محضر الحديث فيما بعد، لم يستطع أحد نفيه أو تكذيب حرف مما جاء فيه، فقد كان صحيحا مائة بالمائة).

 

إنني سعيد أن أراكم مرة أخرى، لعلكم تتذكرون أننا تقابلنا ثلاث مرات، وكلها تمت في أجواء أزمة، وفي يوم من الايام فإني أريد أن أجيء الى العراق وأتمتع بضيافتكم كسائح، وأن أتعلم كل ما استطيع ان اتعلمه عن ثراثكم الحضاري.

فرد الرئيس صدام: لقد كانت هناك اوقات بلا أزمات، ومع ذلك فإنك لم تجيء....

فقال دي كويلار: انني اريد ان أجيء كسائح، وسوف استغل صداقتي مع السيد طارق عزيز لأرى المعالم الثقافية في بلادكم، فكل الشعوب المتحضرة تعرف ان بلادكم هي مهد الحضارة.... فقاطعه الرئيس صدام قائلا: إلا بوش.. وواصل دي كويلار حديثه قائلا: قد يدهشكم يا سيادة الرئيس ان تسمعوا ان الرئيس بوش كان ضمن الذين تمنوا لمهمتي هنا ان تنجح، لقد تحدثت اليه على التليفون اربع مرات، ثم قابلته في المساء.... إنني اريد ان أؤكد لكم أنني لا أحمل رسائل من احد، ولا اعتبر نفسي مبعوثا لاي شخص، انا هنا رجل يمثل نفسه. وقد تتذكرون انني قابلتكم قبل ذلك مرتين اثناء الحرب مع ايران، وتتذكرون انني حاولت دائما أن اقترب من المشاكل على اساس غير متحيز، وأنا أقابلكم اليوم بنفس الروح، على أني اريدكم أن تعلموا، انني يجب أن أكون في أوربا غدا، فلدي واجب هناك، وأنتم كرجل عسكري خير من يعرف التزام الواحب.... فقاطعه الرئيس صدام مرة ثانية قائلا: لعلم السكرتير العام، فأنا لم أدرس العلوم العسكرية ولو ليوم واحد، وبمقتضى التصنيفات والتخصصات، فأنا محام، درس القانون.. فرد دي كويلار: إذا، فنحن زملاء مهنة، فأنا ايضا درست القانون، ولكنكم تختلفون عني في أنكم تتولون القيادة العليا لقواتكم المسلحة، وبالتالي فأنتم رجل عسكري.... ثم وصل الى صلب الموضوع فقال:

إن العراق عضو في الامم المتحدة، وهذه المنظمة تعمل على أساس قرارات تصدرها، ومن سوء الحظ أن تاريخ الامم المتحدة يظهر أمامنا أن هناك قرارات لمجلس الامن لا تنفذ، لكن هناك قرارات لابد من تنفيذها، وأستطيع ان اتصور شعوركم تجاه هذا الوضع. وكصديق لبلادكم، فإنني أتمنى أن تكون قرارات مجلس الامن بشأن ازمة الخليج من تلك القرارات التي يجب ان تنفذ، ولا نأخذ فيها بالمثل السيء لقرارات لم تنفذ، وأنا اريد ان اساعد لتجنب مواجهة تؤدي بهذه الازمة الى الحرب.... إنكم قدمتم خدمة عظيمة للقضية الفلسطينية لانكم وضعتم مستقبل الفلسطينيين على خريطة العالم، وكرجل من أصل اسباني، فإنني أشعر بالقرب من العالم العربي ومن الشعب الفلسطيني، ولم أتردد في اي مناسبة أن الفت نظر الامم المتحدة الى القضية الفلسطينية، وحتى الرئيس بوش، حين قابلته يوم السبت، اتفق معي على ان القضية الفلسطينية تحتاج الى حل، وما هو مهم الان ألا نضيع الوقت.... ثم أضاف دي كويلار: أنا لست رجلا ساذجا لاتصور اننا نستطيع ان نحل هذه المشكلة الليلة، وكل ما أريده هو ان تعطيني شيئا استطيع ان ابني عليه موقفا يزيل التوتر، وان احرم دعاة الحرب من فرصة يظنونها مواتية، لقد قمت بعدد من المبادرات، بينها مباردة مهمة وبناءة، وهي قرارك بالافراج عن الاجانب، فبذلك أزلت عقبة في طريق التخفيف من التوتر في المنطقة، على أن مبادرة 12 أغسطس { وذلك عندما صرح الرئيس صدام حسين بأنه على استعداد للانسحاب من الكويت كجزء من حل عربي أوسع بما في ذلك الصراع العربي الإسرائيلي } لم تفهم تماما، لكنها تظهر بشكل أو بآخر في إطار قرارات مجلس الأمن، التي أشارت بالتحديد إلى جامعة الدول العربية ومشاركتها في أي حل، فعلى ذلك الأساس يمكن عمل شيء،  وكما سبق لي أن أخبرت وزير خارجيتكم، فإنكم قد قمتم بعمل شيء.... وهذا هو كل ما عندي ...

 

هنا، أخذ الرئيس صدام ينظر الى الطاولة أمام السكرتير العام، ويتلفت حواليه، كأنه يطلب مساعدا أو سفرجيا، بعد أن لاحظ علامات الارهاق على وجه دي كويلار ، ثم سأل الضيف: هل تريد أن تشرب فنجان قهوة عربي ؟ أنا لا اشربها في الليل، لأنها تمنعني من النوم... فرد دي كويلار: كلا شكرا، فأنا أسافر كثيرا، وأنا معتاد على ما يسمى Jet Lag  ( تأثير سفر المسافات الطويلة بين مناطق زمنية مختلفة.. كالذي يسافر بين بغداد وطوكيو مثلا) وأنا رجل عجوز، ولكن صحتي جيدة بالنسبة لسني، ورأس الانسان هو الذي يدير كل شيء...

فرد الرئيس صدام: صحيح نعم، الرأس هو المنظم لكل شيء... ولا أكتمك سرا، انني كنت اريدك أن تأتي وأن لا تأتي الى بغداد، فأنت الامين العام لمنظمة الامم المتحدة، ونحن عضو فيها، فنحن جزء من هذه العائلة في العالم، ومن الطبيعي ان نحرص كي تأخذ الامم المتحدة دورها في حياة الدول... كنت اريدك ان تأتي لانك سبق وتعرفت علينا، وتعاملت معنا، وقد تآلفت مع اسلوبنا في التفكير... لكنني قلقت من مجيئك، اذ أن مالكي القوة في هذا العالم الداعين الى استخدام السلاح باسرع وقت ممكن، قد يجدون في زيارتك حجة للبدء بالحرب، اذا لم تستطع أن تقدم لهم ما يريدون.... ثم دخل الرئيس صدام في صلب الموضوع فقال:

 

ما الذي أوصل الأمور منذ الثاني من آب إلى الحد الذي وصلت إليه ؟ إنه التهديد الذي شعرنا به؟ كانت الكويت قد أصبحت قاعدة في يد الولايات المتحدة للتآمر علينا … إننا لم نضم الكويت أو نوحد بينها وبين العراق في الحال، بالرغم من أن حكام الكويت ـ كما تعلم ـ فروا في اليوم الأول ذاته ..... وافقنا على عقد مؤتمر قمة في السعودية تحضره الدول الخمس : العراق ، اليمن ، الأردن ، السعودية ومصر . أردنا أن نناقش كل هذه التعقيدات مع العالم العربي لنحلها. وماذا حدث ؟ بدلا من أن يعقد مؤتمر القمة، قامت السعودية ومصر بإلغائه، واتفقتا مع الولايات المتحدة على نشر قواتها على أرض السعودية. هكذا أضعنا فرصة التوصل إلى حل عربي، وواصل الأميركيون نشر القوات بدون قرار من مجلس الأمن. وبالرغم من أن قرار نشر القوات الأميركية في السعودية كان قد اتخذ، فاننا تصرفنا على نحو بناء حيال قرار مجلس الأمن رقم 660،  صحيح أننا لم نعترف بالقرار، إلا أننا تحركنا في إطاره. وهكذا، فاننا أعلنا بوضوح أننا سنسحب قواتنا في الرابع من آب.  وبالفعل قمنا بسحب بعض قواتنا،  وأعتقد أننا سحبنا لواء بكامله، بالرغم من أن قواتنا المتواجدة هناك عندئذ لم تكن بحجمها الحالي، لكن عندما استمر التصعيد الأميركي، واستمرت القوات الأميركية في الوصول بأعداد متزايدة، أوقفنا سحب قواتنا. وكما قلت، فاننا أعلنا الوحدة، وأبلغنا الشعب والجيش في العراق، بأن الكويت اصبحت جزءا من بلادهم، وأن عليهم أن يقاتلوا من أجلها حتى الموت. {وكان الرئيس صدام يشير إلى إعلانه في الثامن من أغسطس أن العراق قام بضم الكويت}.

ثم فتح الرئيس صدام  درج الطاولة التي على يمينه، وأخرج منه حافظة خرائط، وسحب خريطة وفرشها على الطاولة، وراح يشرح لـ دي كويلار قائلا: انظر... كانت حدود الكويت عندما كانت محمية بريطانية الى هنا..... ومضى الرئيس صدام يشرح للامين العام شيء من حقائق التاريخ قائلا: لم يوافق مجلس البرلمان العثماني الا على كويت ضمن السور، وكل هذا الكلام ‏معزز لدينا بوثائق محفوظة، فيصل لم يوافق على الخط الذي رسمه البريطانيون ‏على انه فاصل للحدود بين الكويت والعراق، وغازي لم يوافق، وكل حاكم مر ‏على العراق لم  يوافق على هذا...... في ضوء هذا التعقيد، لماذا لا يناقشون ‏بالحقائق التاريخية؟؟؟؟ البريطانيون يعرفون كل هذه الحقائق، وهي موجودة في ملفاتهم، ‏والسيد ادوارد هيث يعرف ذلك ويعترف به.... وعندما كانت الكويت ضمن السور في هذا ‏المكان، قتل احد البريطانيين داخل السور، فخاطب المقيم البريطاني شيخ الكويت ‏لتسليم الجناة، وسارع اعوان الشيوخ الى حمل جثة القتيل ورموها خارج السور، ‏وكتب شيخ الكويت الى المسؤول البريطاني يقول: إن عملية القتل حصلت خارج السور، ‏وان الامر يخص حكومة بغداد، وفعلا....... حققت حكومة بغداد بالامر........ وتحققت من ان ‏القتيل قتل داخل السور، وليس خارجه..... ثم وسعوا حدودهم ‏الى هذه النقطة التي اسمها (المطلاع)، (ارجو ان تحفظها في ذاكرتك جيدا) ‏‏(ويحفظها القراء ايضا)، كان هذا حالهم الى عام 1961، جواز سفر السيد ياسر ‏عرفات مختوم في هذا المركز الحدودي، منذ عام 1963 وحتى عام 1969 حكم ‏العراق اخوان ضعيفان، (عبد السلام وعبد الرحمن عارف)، واثناء فترة حكمهما، ‏زحف شيوخ الكويت مرة اخرى من المطلاع الى هنا، ثم في فترة الحرب مع ‏ايران تقدموا كيلو مترات اضافية، وراحوا يستغلون حقول نفط معروفة منذ البداية ‏انها ضمن الاراضي العراقية....

فقال دي كويلار: ساضمن تقريري كل هذه المعلومات، عير انني اخشى الا يعتبر ما آخذه معي ملموسا لتخفيف التهديد المفروض علينا مثل السيف المسلط فوق رؤوسنا... فرد الرئيس صدام: في الوقت الذي يتقابل فيه الجيشان، العراقي والامريكي، واصبح عمر الحرب محسوبا بالساعات، لا يمكن لأحد أن ينطق بكلمة الانسحاب، فالنطق بهذه الكلمة مع وجود كل اسباب التهديد حولنا هو انتصار للعدو علينا... نحن نعرف جيدا ماذا تعني كلمة انسحاب الان... وهذا لن يحصل على الاطلاق.

ثم تناول الرئيس صدام القضية الفلسطينية، فانتقد الولايات المتحدة لمعارضتها عقد مؤتمر دولي لبحث المشكلة " وذلك لكي لا يكون عقده بمثابة انتصار سياسي لصدام حسين" ...… ما الذي يقولونه الآن؟؟ فلينسحب العراق من الكويت، ثم نعقد مؤتمرا دوليا لمناقشة القضايا. " وهذا وعد غير صادق إنه مجرد احتمال ". ثم أضاف الرئيس صدام: إن العراقيين لن يفروا من الموت، وسوف يحشر بوش يوما بعد يوم في الزاوية، وسوف يضطر إلى اللجوء إلى السلاح، لأن الذي يشغل نفسه في توفير متطلبات استخدام الأسلحة، لا يمكن أن يركز على التفكير في إيجاد بدائل لذلك.

فقال الأمين العام دي كويار بكل وضوح: إذا كنت قد فهمتك تماما، فان موقفك من الكويت لا يمكن الرجوع عنه، وفي هذه الحالة لا يمكننا العمل بمبدأ الصفقة،  فرد الرئيس صدام : لم أقل ذلك ـ لقد قلت ما قلته ـ إذا وجدت أن الأميركيين يسعون إلى ايجاد مخرج من الأزمة، وأنهم يبحثون عن طريقة لا تعود عليهم بالخسارة، ولكنها في الوقت ذاته لا تحقق لهم بالضرورة كل ما يريدون، فانه من الممكن وضع مخطط لهذا الغرض، ويمكن للعرب أن يبحثوا عن حل على أساسه. 

فقال دي كويلار وهويستأذن وينهض من مجلسه قائما: إنني لم آخذ منكم شيئا

فرد عليه الرئيس صدام: لو راجعت حديثنا، وفكرت فيه، لوجدت انك أخذت اشياء كثيرة..

فشكر دي كويلار الرئيس على ضيافته، والوقت الذي خصصه له.  ورد عليه الرئيس صدام " أتمنى لك النجاح "

فقال دي كويلار: ينبغي علينا أن نفكر في إخواننا الفلسطينيين.

 فاجاب الرئيس صدام: إنهم يذبحون يوميا..... الأطفال والنساء..

فرد دي كويلار بعبارة كأنها نبوءة اسطورية من مأساة اغريقية: إنني أشعر ان السيف خرج من غمده، والسيف مشهر على رأس العالم، وليس على رأسي فقط.

 

كان بوش مهتما بمعرفة كل شيء عن العراق، منذ نبوخذ نصر وحتى صدام حسين، فهو لم يكتف بأكوام المعلومات التي تجمعت لديه عن بلاد الرافدين، وانما اراد المزيد منها، بما في ذلك خرائط التاريخ والجغرافيا والعشائر والانساب و....و....و... لذلك فإنه كان قد دعا الى اجتماع في مكتبه البيضاوي كلا من: تشيني، باول، ويليام ويبستر (مدير السي اي ايه)، جون سنونو، سكاوكروفت، وريتشارد هاس، اضافة الى ثلاثة من كبار الاخصائيين بالشؤون العربية، وهم:


ابريل ‏غلاسبي السفيرة السابقة في بغداد – وليام روف سفير سابق باليمن – بات لانغ ‏ضابط متقاعد في السي اي ايه (مختص في تحليل صور الاقمار الصناعية التجسسية في الوكالة).


بدأت الجلسة بتوجه سؤال لجلاسبي حول امكانية ‏حدوث انقلاب عسكري ضد الرئيس صدام؟


فأجابت: لا أظن ان الجيش العراقي سوف يستسلم بهذه السهولة، الا اذا وصلت الأمور حد المستحيل، وليس من الثابت ان تثور ‏قطعات الجيش لمجرد شعورها بأن عائلاتها يمكن أن تتعرض لأذى الحرب، ‏كما ان امكانية انقلاب عسكري غير قائمة، لان صدام يحكم سيطرته على مؤسسات الجيش والامن.... وحسب رأيي، فإن صدام لن ينسحب من الكويت، وهو يعرف اننا سنحاربه، وهناك مؤشرات على انه يستعد للقتال، انه رجل ثابت، وان ‏قطاعا كبيرا من الشعب العراقي يؤيده، رغم ان الغرب لايعترف به كرئيس شرعي ‏للعراق، صحيح بعض العراقيين لايحبونه، لكنهم فخورين ببرامجه، ومن الوهم ‏القول بأن صدام لا يلقى تأييدا على المستويين المحلي والعربي.‏


ثم تحدث ويليام روف، فقال: كلما طال امد الحرب كلما كسب صدام ‏شعبية اوسع، انه بنظر العرب الزعيم الوحيد الذي يتصدى للغرب وحتى لو خسر ‏الحرب أمام هذه القوى العظمى التي تقف في مواجهته، فسيستنبط العرب ان النتيجة طبيعية لانكسار التكافؤ، لكنه مع ذلك (صدام) يظل بمقدوره أن يلعب دور البطل، نظرا لتحديثه جيش الصدام مع اسرائيل، وربطه القضية الفلسطينية بمصير بلاده، واثارته المشاكل في وجه أمريكا، وإزالته للفوارق بين العرب الاغنياء والعرب الفقراء.‏


ثم جاء دور بات لانغ فقال:


ان الحرب لاجل اخراج الجيش العراقي من الكويت ‏تستدعي حملة ضخمة جدا، فقد درست الشعب العراقي لمدة خمس سنوات، وزرت العراق خمس مرات، وما توصلت اليه، أنهم ‏لن يتراجعوا الا ذا لم يبق من يتراجع، وسوف يحاربون بصلابة ومهارة، إنهم أشداء، ولا تخيفهم قرقعة القنابل ولعلعلة الرصاص.... وكان باول يؤيده بهز رأسه موافقا، ‏ووافقه اكثر عندما ذكر ان قطعات الحرس الجمهوري مدربة بشكل جيد ‏وتمتلك معدات حديثة ومتطورة.... ثم سأل سكاوكروفت، بانه فيما لو ركزوا القصف ‏على الحرس الجمهوري فهل سيستسلم باقي افراد الجيش ؟ فأجاب لانغ: بالتأكيد ‏لا، ان صدام يحظى بالتأييد، واني اتفق مع السفيرة جلاسبي، ومن الوهم القول بأن ‏الحرب ستكون قصيرة وسهلة، بل ستكون صعبة وقاسية...

 

هنا جاء دور بوش للرد فقال:


انا لم اسمع من غيركم هذا الكلام، هذه ليست فييتنام أخرىـ ولن تكون عملية ‏طويلة، وشامير أكد لي ذلك، وكذلك فإن حسني مبارك يقول: نحن دربنا الطيارين ‏العراقيين، انهم يحققون اخفاقا ذريعا، وبندر سفير السعودية قال انها لن تكون اكثر ‏من عملية جراحية سريعة!!!!!!!‏ فضحك الجميع من جراء هذا.... الا بات لانغ..... الذي قال: سيدي، اذا جاز لي الحديث، فإنه لاشيء غير المصلحة تقف وراء تقييم من ذكرت ( يقصد العميلين الصغيرين القردين حسني وبندر) (تأملو رجاءا ايها القراء الكرام... دجل حسني مبارك القذر.. ودجل بندر  الحقير، العميل المدلل المفضل لسي اي ايه !!!!)... لا تعليق سوى ان هذين المذكورين، اجبن واخس وانجس واحقر من ينتسب الى العروبة، وان كانوا ينطقون بالعربية، الا ان قلوبهم السوداء جعلت العبرية هي الغالبة على السنتهم الوسخة.....

 

ثم بدأت المهلة تقترب، وكانت ادارة بوش قد تلقت اقتراحا من وزير الخارجية الايطالي (بإرسال وفد يمثل الترويكا الاوربية الى بغداد)، لكن هذا الاقتراح ذهب في مهب الريح، ولم يلق قبولا من بوش، الذي كانت عدوانيته تزداد يوما بعد يوم وساعة فساعة. ثم ظهر أخيرا ميتيران، الذي حاول تركيز جهده على حالة الدقائق الاخيرة، ( اتفاقية الدقائق الاخيرة كما سماها) فاتصل مع بوش وقال له: سيادة الرئيس، انها مبادرة صغيرة قد تنقذ الموقف برمته، وهي تتألف من ثلاث عبارات:

 

تعهد عراقي بالانسحاب الكامل من الكويت دون شروط.

ضمانة من التحالف بعدم الاعتداء عليه.

وعد بمؤتمر دولي للسلام يخص المنطقة.

 

لكن بوش " الحقير " أبدى أسفه لعدم استطاعته قبول مبادرة كهذه، لانها (حسب زعمه وتفكيره العدواني المجرم) تشكل مسعى غير مناسب في هذا الوقت. الواقع، كان تعنت البيت الابيض نابعا من عزم الولايات المتحدة على الخروج من أزمة الخليج وهي زعيمة العالم.... زعامة تفوق اية زعامة لها بالماضي، فالامر  بالنسبة لها ظل يقوم على مبدأ تعزيز هيمنتها المطلقة على المنطقة، والحفاظ على سيطرتها على صعيد العالم، بما في ذلك سيطرتها على حلفائها الذين باتت تغريهم العاب دور الوسيط.

 

لقد كانت عملية حشد القوات البرية اكثر تعقيدا من حشد القوات الجوية، وذلك بسبب الاعداد الضخمة من الجنود التي تتطلبها، وضخامة اوزان المعدات التي تستخدمها القوات البرية عادة، ابتداء من الدبابات والمصفحات وناقلات الجند المدرعة، وانتهاءا بالمدافع والانظمة الصاروخية والاسلحة المضادة للدبابات والطائرات، علاوة عن العربات وشاحنات النقل من مختلف الحمولات. وبذلت الولايات المتحدة، جهودا ضخمة وضغوطا كبيرة لضمان مشاركة اكبر عدد ممكن من الدول في العملية. وكانت المرة الاولى التي تتفق فيها دول أوربا الشرقية مع دول اوربا الغربية في تأييد عمل عسكري مشترك ضد احدى الدول. فقد أيدت رومانيا، العضو وقتها في مجلس الامن الدولي، جميع قرارات مجلس الامن، اضافة الى الاتحاد السوفييتي العضو الدائم في مجلس الامن. كما شاركت تشيكوسلوفاكيا بوحدة تتألف من 200 جندي في التحالف الثلاثيني، وكانوا من المختصين بالحرب الكيماوية. وحشدت تركيا 100 الف جندي على الحدود الشمالية للعراق، كان الهدف من هذا، فتح جبهة ثانية ضد العراق، وكان حلف الاطلسي قد قدم الى تركيا دبابات ومصفحات خفيفة. ومع حلول يوم 15/1/1991 كان عدد الجنود الامريكيين قد وصل الى 250 الف جندي، تساندهم 1000 دبابة و2000 مصفحة وناقلة جنود مدرعة، مع 1500 طائرة، هذا عدا عن قوات الدول التي اشتركت في التحالف الثلاثيني، وهي (طبعا اضافة الى أمريكا وال الانبطاح): بريطانيا – فرنسا – السعودية – مصر – سوريا – الامارات – قطر – البحرين – المغرب – باكستان – بنجلاديش – نيجيريا – السنغال – تشيكوسلوفاكيا – بلغاريا – عمان.  أما الدول التي شاركت بقواتها البحرية فقد كانت: بلجيكا – كندا – الدانمارك – اليونان – ايطاليا – النرويج – اسبانيا – استراليا – الارجنتين.

كان بوش قد اقنع شامير بأن هدف التحالف الاول هو تدمير الالة العسكرية ‏العراقية التي تهدد اسرائيل، وستكون بطاريات صواريخ سكود العراقية في المنطقة ‏العراقية الغربية، هي من اولى الاهداف المقررة للطائرات الامريكية، وزاد عليها ‏قوله لشامير عبارة: وانا اتعهد بذلك يا حضرة الرئيس!!! ثم كان ان ارسل بوش الجنرالين ‏لورنس ايجلبرغر وبول وولفويتز، ليقيما في اسرائيل لمراقبة التحركات الصهيونية عن ‏كثب