|
الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة) في المؤامرة على العراق |
|
شبكة البصرة |
|
د. صباح محمد سعيد الراوي |
|
الفصل الثالث من الجزء العاشر قنابل اليورانيوم إذن، انتهينا في الفصلين السابقين ان قدمنا للقاريء العربي صورة، بسيطة وليست موسعة، عن عمليات التفتيش وفرق التفتيش الجاسوسية، التي دنست ارض العراق الطاهرة، ولعل القاريء العربي يتذكر أحد هؤلاء الخنازير، وهو باتلر، الذي كان تقريره الكاذب المقدم لما يسمى مجلس الامن، سببا قويا جعل الادارة الامريكية الخنزيرية تعتدي على العراق في شهر 12/1998 في عملية سميت وقتها "ثعلب الصحراء"، فقد ادعى ذلك الخنزير في تقريره ان العراق لا يتعاون مع من سماهم بـ "المفتشين"...
المهم، في هذا الفصل سـنتحدث عن جريمة مروعـة ارتكبت بحق العراق وأبناءه – والعراق ارتكبت بحقه جرائم كثيرة – وإذا كنا قد تحدثنا في هذا البحث عن جريمة ملجأ العامرية، وجريمة الغدر بحق رجال الجيش العائدين من ارض كاظمة، إلا أن تلك الجريمتان لا تساويان شيئا أمام هذه – وطبعا، معاذ الله وحاشى، ان استهين بدماء الشهداء في كلا الجريمتان، فهي دماء شريفة طاهرة زكية، أسأل الله العظيم رب العرش العظيم ان يجعل أصحابها جميعا في جنات عرضها السموات والارض، في مقعد صدق عند مليك مقتدر – لكن قصدي، أن تلك الجريمتان كانتا مما ينطبق عليها في علم القانون جرائم آنية، أما هذه الجريمة التي نحن بصدد الحديث عنها، فهي جريمة ستبقى آثارها الى حقب طويلة من السنين، ربما تمتد لعشرات إن لم يكن مئات السنين، وذلك بسبب المواد الاشعاعية الخطيرة على الانسان والحيوان والزرع والماء والهواء... لكن رجائي من القاريء الكريم أولا ان يزور هذا الموقع، الموجود اصلا في شبكة البصرة على الصفحة الرئيسية، فما عليك عزيزي القاريء سوى الضغط على هذه الصورة الواضحة على الصفحة الرئيسية، لترى صورا تقشعر الابدان منها، علما بأن هذه الصور غيض من فيض وليست كل شيء، وليس الذي رأى بعينه شخصيا، مثل الذي يرى الصورة. http://www.einswine.com/atrocities/du/
أمريكا وقوات التحالف المجرمة اسقطت على العراق، ما حمولته أكثر من مائة الف طن من القنابل والصواريخ، هذا عدا عن القذائف والصواريخ الموجهة من المدمرات البحرية وحاملات الطائرات، ومن المؤكد ان هذه الكميات المتفجرة تعادل القوة التدميرية لست قنابل نووية من عيار قنبلة هيروشيما!!!!اما المصادر الغربية، فقد احتسبت الحمولات المتفجرة الملقاة على العراق خلال فترة العدوان انها تعادل ما القي على فييتنام خلال تسع سنوات !!!!! تلك هي الديمقراطية الامريكية التي يلهث وراء تجربتها بعض المستعربين، والتي ينحني أمامها المستعربون ايضا!!! وإذا كنت سأتوسع في الحديث عن هذه الجريمة، فلكي أحاول وضع القاريء العربي بالصورة عن هذه الجريمة المخيفة والمروعة، والتي لم يبالي بها العرب أبدا، - العرب على مستوى الحكومات وليس الشعب العربي – ولم يهتموا ولم يدينوا ولم... ولم.. ولم... وكأن الامر حدث في المريخ!!! ولم يحدث على بعد كيلو مترات منهم!!! فما قصة قنابل اليورانيوم هذه التي القاها المجرمون وما هي آثارها ونتائجها ؟؟ البداية في معرفتي أنا بهذه الجريمة كانت، حين سافرت الى أوكرانيا لمتابعة تخصصي، كطبيب جراح، وذلك في النصف الاول من عام 1992، كان العراق في ذلك الوقت، مثل الاسد الذي جلس يلعق جراحه، بعد أن خاض معركة بطـولية – لكن غير متكافئة – ورغم انها متفاوتة من كل النواحي، إلا أنه دافع عن نفسه ببسالة وشراسة، وصمد في هذه المعركة صمودا اسطوريا عظيما لن يسجله التاريخ لغيره، فقد هاجمته عدة حيوانات بوقت واحد، ومن كل حدب وصوب، فمن هنا الخنازير، ومن هناك الكلاب السائبة، ومن ذاك الطرف الضباع والثعالب و...و ، وهكذا.... انتهت خدمتي العسكرية، استكملت أوراقي، وتوجهت الى اوكرانيا، سافرت عن طريق الاردن، وفي مطار الملكة علياء، تألمت أيما ألم، وتحسرت وانا انظر الى طائرات الخطوط الجوية العراقية الجاثمة على أرض المطار، ومن المفارقة انني في الصيف الفائت، سافرت الى دمشق لمدة اسبوع لزيارة بعض الاقرباء والاصدقاء المقيمين هناك، فصدف ان طائرة الـ K.L.M التي كنت أستقلها من دمشق، توقفت في مطار الملكة علياء، ورأيت نفس الطائرات التي رأيتها اول مرة في عام 1992، والله لا اقول الا الصدق، دمعت عيناي من الحزن، على العراق وشعبه وقيادته والحال الذي آل اليه، واصلا كل من لا يشعر بالحزن والالم على الحال التي صار عليها العراق والمصير الذي آل اليه، لربما عليه مراجعة نفسه كثيرا، فمن المؤكد ان هناك أخطاء في مشاعره واحاسيسه وكيانه.
اول زيارة خارج (كييف)، اقوم بها مع اطباء اوكرانيين عام 1994، كانت لمدينة تقع على مقربة من مكان الكارثة النووية التي حصلت عام 1986، وعرفت يومها عالميا باسم (كارثة تشيرنوبل)، وهي وقعت عندما كانت اوكرانيا لا تزال ضمن ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي، أذكر انني في مستشفى تلك المدينة الصغيرة، شاهدت في عنابر خاصة (وشبه معزولة) اطفال (ذكور واناث، أعمارهم لم تتجاوز العشر سـنوات) مرضـى، ذوي عاهات مخيفة فعلا، وتشوهات خلقية اول مرة بحياتي ارى مثلها: رؤوس منتفخة حجمها غير طبيعي، انوف معوجة، عيون محملقة نائتة عن مكانها الطبيعي، ايدي غير كاملة ومشوهة، ارجل منتفخة بشكل غريب، بطون كبيرة، تشوهات خلقية اتت على الرأس من الخلف بكتل لحمية ظاهرة، رؤوس بدون أذنين، افواه كبيرة ذات شفاه كبيرة متدلية، ظهور منحنية، طفل جلده وكأنه رجل عمره اكثر من مائة سنة.... وهكذا.. مناظر فعلا مرعبة، وتزداد شفقتك وانت تنظر بذهول الى هذه التشوهات، حين ترى الاطفال ينظرون اليك ببراءة، وببسمة بريئة، ينفطر معها القلب، وتدمع لاجلها العين!!
لاحظ احد الاطباء دهشتي الشديدة، وانا انظر الى الاطفال متأثرا، فقال لي: اراك مستغربا من هذه الحالات !! لكن الا تعرف سبب وضع هؤلاء الاطفال ولماذا هم كذلك؟ فأجبت لا، انا فعلا مندهش من هذه الحالات الغريبة؟ فأجاب: هل سمعت بكارثة تشيرنوبل النووية؟ فأجبت: نعم، فقال: هؤلاء الاطفال، بعضهم ولد في نفس السنة التي حصلت فيها الكارثة، وبعضهم ولد بعد تلك السنة المشؤومة، وهذه التشوهات الخلقية التي تراها ما هي الا نتيجة الغبار الذري المتناثر، وسحابة النشاط الإشعاعي التي أطلقها المفاعل تشيرنوبل!!! فقلت له: لقد قرأت يوما ما ان تأثيرات تشيرنوبل اصابت الزرع والهواء والماء والاطفال المولودين في تلك الفترة وما بعدها، لكن لم اتوقع ابدا ان تكون الاصابات على هذا الشكل... فقال: إن عدد الاطفال المتأثرين بتلك الكارثة كان كبيرا جدا، والاثار لم تشمل اوكرانيا وحدها، بل امتدت لتشمل دولا غيرها في أوروبا... صعقتني تلك الاخبار التي قالها ذلك الطبيب، وصعقني اكثر حين علمت منه ان حالات الاصابة بالسرطان بين الاطفال قد كثرت بنسبة متصاعدة بعد وقوع تلك الكارثة، ولم تكن لا اوكرانيا ولا غيرها من الدول المنضوية تحت علم الاتحاد السوفييتي السابق تشهد هذا العدد المتزايد من حالات الاصابة بالسرطان بين الاطفال قبل وقوع الكارثة، فلربما يعلم القاريء ان الخدمات الصحية في الاتحاد السوفييتي كانت على درجة عالية من التقدم والرقي. وخاصة من ناحيةالعناية بالاطفال.
ولمن لا يعرف ما الذي حصل في تلك السنة المخيفة، ارجو ان يصبر نفسه قليلا لقراءة هذا التقرير المترجم والمذهل، عن الكارثة التي حصلت، راجيا من الجميع التمعن جيدا بالمواد الكيماوية التي تسربت، والاثار الناجمة عنها:
في السادس والعشرين من نيسان/ابريل عام 1986 وقعت كارثة نووية في الاتحاد السوفييتي السابق، الذي كان يتكون من خمسة عشر جمهورية، كانت اوكرانيا واحدة من تلك الجمهوريات، وتعتبر الثانية في عدد السكان بعد جمهورية روسيا، وفيها كان يقع مفاعل تشيرنوبل الذي حصلت فيه الكارثة. استيقظ سكان بلدة “تشرنوبل” الريفية على اصوات الانفجارات المدوية ولهب الحريق المتصاعد ونداءات رجال الميليشيا بترك المنازل والتوجه الى الباصات المخصصة لترحيلهم الى مناطق اخرى غير معلومة لديهم، وعن هذه المحنة الانسانية، حدثتني جارتنا في مدينة “كامينتس بدولسكي” بغرب اوكرانيا عندما كنا نودع أمها الى مثواها الاخير في اكتوبر/تشرين الاول عام ،1993 بعد ان ودعنا والدها في شهر سبتمبر/ايلول من عام 1992 حيث وافتهما المنية نتيجة الاشعاعات النووية، عن فصول تلك المأساة التي هي إحدى ضحاياها، حيث نصحها الاطباء بعدم الانجاب، وذلك لاحتمال تشوه ما ستنجبه من أطفال، بيد أنها رزقت في نهاية يونيو/ حزيران 2004 بمولودة اسمتها هدية الله، وعن الرعب الذي دب في صفوف المواطنين تقول لينا “لم نكن ندري بما حدث، استلمنا التعليمات بالرحيل، كنت يومها في المدرسة وقائدة في الطلائع، فأخذت في تنظيم الاطفال، لأسوقهم الى الباصات المخصصة لنقلهم الى مناطق بعيدة عن منطقة الحادث، وتقول: لقد ترك الناس بيوتهم، ولم يحملوا أبسط الأشياء، تركوا اللعب وغيرها من الممتلكات الثمينة، تركنا الارض الجميلة بخضرتها، تركنا أشجار التفاح والكرز والمشمش تركنا بلدتنا الجميلة المكسوة بالخضرة”. كان كل من شمال أوكرانيا، وجنوب وشرق بيلاروسيا (روسيا البيضاء)، والحدود الغربية الواقعة ما بين روسيا وبيلاروسيا، هي أهم الأقاليم التي تلوثت بالإشعاع. أشارت التقديرات الدولية إلى أن مساحة تتراوح ما بين 125 ألف الى 146 ألف كيلو متر مربع من مساحة بيلاروسيا وروسيا وأوكرانيـا، قد تلوثـت بمادة السيسـيـوم – 137 بمقدار تخطـى واحد كيوري - سي آي- ( وحدة قياس النشاط الإشعاعي)، أو 3.7 x 1010 بيكريل لكل كيلو متر مربع. وهذه المساحة تفوق مساحة الدول المجاورة التي تشمل جمهوريتي لاتفيا وليتوانيا معا، ووقت الحادث، كان يعيش في الأقاليم الملوثة حوالي سبعة ملايين نسمة، من بينهم ثلاثة ملايين طفل. وبالرغم من أن حوالي اربعمائة الف نسمة قاموا بمغادرة هذه المناطق، أو أعيد توطينهم في مناطق أخرى، إلا أن حوالي 5,5 مليون نسمة، من بينهم أكثر من مليون طفل، ظلوا يعيشون في المناطق الملوثة. وقد تسرب أكثر من أربعين نوعا مختلفا من الذرات المشعة من المفاعل المنكوب بشكل ملحوظ خـلال الأيـام العشرة الأولى التي تلت الحادث. ومـن أهمهـا، اليـود (131-1 )، السيسيوم ( سـي إس- 137 ) والإســترونتيـوم (خاصة S.R90 ). وكان عنصر السيسوم 137 أكثر العناصر الإشعاعية التي انتشرت لأجل طويل بعد الحادث. وكانت بيلاروسيا أكثر الدول التي تأثرت بشدة جراء كارثة تشيرنوبل، حيث كانت أراضيها مستودعا لأكثر من 70 في المائة من مجموع الغبار الذري المتناثر. وقد تعرض نحو 23% من إجمالي مساحة البلاد إلى معدلات تلوث بمادة السيسيوم- 137 تقدر بأكثر من واحد كيوري لكل كيلو متر مربع. علما بأنه وقت وقوع الحادث كان يعيش في هذه المساحة حوالي 2,2 مليون نسمة، أي ما يعادل خمس عدد سكان بيلاروسيا. أصيب واحد ونصف بالمائة من 17 مليون كيلو متر مربع، هي اجمالي مساحة جمهورية روسية الفيدرالية بالتلوث الإشعاعي الناتج عن حادث تشيرنوبل، فقد تأثرت 19 منطقة، خاصة المناطق المحيطة ببعض المدن مثل بريانسيك، كاليوجا، تيولا، وأوريل. وكان يسكن هذه المناطق وقت الحادث حوالي 2,7 مليون نسمة. وقد تولى 200 ألف جندي سوفييتي تنظيف موقع المفاعل. ووفقا للتقارير الرسمية التي وردت من الدول الثلاث التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي السابق والمتأثرة بالحادث، (بيلاروسيا وروسيا وأوكرانيا)، فإن 25 ألفا من هؤلاء الجنود قضوا منذ ذلك الحين. وبلغت قيمة التكاليف التي تكبدتها الحكومة الروسية نتيجة الكارثة النووية حوالي 3,8 بليون دولار أمريكي، ما بين عامي 1992 و 1998. وتم تخصيص مبلغ ثلاثة ملايين دولار من تلك القيمة لتقدم كتعويضات لكل من المعاونين والضحايا. علماء بريطانيون قالوا إن سحابة النشاط الإشعاعي التي أطلقها حادث كارثة تشيرنوبل النووية فوق أوروبا ربما زادت من وفيات الأطفال وتشوهات المواليد في إنجلترا وويلز داخل بريطانيا في السنوات الثلاث التالية للحادث، وقدر الباحث جون أوركهارت زيادة وفيات الأطفال بمقدار 200 حالة على الأقل عن المعتاد في تلك السنوات الثلاث، وقال لمجلة نيو ساينتست: ربما قللنا كثيرا من الآثار الصحية لتشيرنوبل في غرب أوروبا، كما قدر أوركهارت أنه ربما يكون الإشعاع في إنجلترا وويلز قد أدى إلى زيادة تقدر بنحو 600 حالة من حالات التخلف العقلي وانفساخ العمود الفقري، وانفراج سقف الفم، وغيرها من التشوهات في تلك السنوات. كان الوضع في ذلك اليوم المشؤوم ليس طبيعياً، وكنا نشعر بأن هناك أمراً غير عادي، ولم يكن الناس يعرفون ماذا يجري، كثيرون كانوا يعتقدون ان هناك انقلاباً ما قد وقع، أطاح بميخائيل جورباتشوف، وذلك أمر قابل للوقوع في تلك المرحلة بالذات، بيد أن الناس لم يدر في خلدهم أن المفاعل الرابع في في محطة تشرنوبل النووية قد انفجر وبات يهدد حياتهم ومستقبل الاجيال المقبلة، كما انه لم يدر في خلد فوج الشباب خريجي المعهد العالي للتكنولوجيا في كييف الذي توجه بكل عزيمة في صباح ذلك اليوم للعمل في محطة تشرنوبل، بأنهم نجوا بجلدهم من موت محقق، وقد عادوا من حيث أتوا وعلامات التعجب تعلوا وجوههم لعدم مقدرتهم فهم طبيعة ما شاهدوه وفك رموز المعادلة الصعبة لما رأته أعينهم من علامات حالة الطوارىء.
كارثة تشرنوبل ليست الوحيدة في مسلسل الكوارث البيئية، لكنها الاكثر حضوراً في قائمة الكوارث الانسانية في عالمنا المعاصر، حيث كانت محنة حقيقية تركت آثاراً بيئية شاملة ودائمة البقاء، وشكلت خطراً حقيقياً على أمن وسلامة الانسان، وتسببت في موت الكثيرين وحدوث الاعاقات والامراض المزمنة والدائمة، الى جانب حالات التفكك الاسري، والحالات النفسية في اوساط المشاركين في عمليات مكافحة التسرب الاشعاعي من محطة تشرنوبل النووية. السادس والعشرون من أبريل/نيسان ذكرى كارثة تشرنوبل النووية هي مناسبة حية للتفكير والتأمل ومحاسبة الذات الفردية والانسانية، حيث تعود تلك اللحظات المؤلمة وتنفجر الاحزان من جديد، يعود التاريخ الحزين مذكراً بتلك المأساة، ومؤكداً للعالم أهمية ذلك الدرس الانساني والمأساوي لاستيقاظ الضمير البشري واستنهاض المجتمع الدولي، ويذكرنا بحالة الخوف والهلع التي أحاطت بتفكيرنا، وأضفت على قراراتنا وتحركاتنا جانباً من الفوضى وانعدام الادراك السليم، فيما علينا فعله لحماية أنفسنا من امكانات التعرض للتلوث الاشعاعي. حزينة هي الذكرى التي مر عامها العشرون ونسعى لتسجيل بعض من أحداثها، تلك الحادثة المؤلمة والمأساة الانسانية التي جعلتنا نعيش حالة من التفكير والتأمل العميق فيما يمكن ان تسببه الانشطة البشرية العقيمة وغير العاقلة في الاخلال بتوازن نظامنا البيئي وتدمير مقومات الحياة على البسيطة، إنها كارثة عميقة الدلالات وتشكل فصول مأساتها درساً فعلياً للانسانية، ويحق للقارىء العربي ان يعرف حقائقها الخطيرة على أمن وسلامة الانسان، حيث ان ذلك يشكل دافعاً مهماً في تحريك سواكن التفكير الاجتماعي، وتفعيل الوعي الانساني بضرورة الالتفات الى ما نحن بصدد فعله، ودراسة ما يمكن ان ينتج عن ذلك من مخاطر على واقع الأمن البيئي للانسانية. تشرنوبل بلدة ريفية صغيرة وادعة غارقة في الخضرة، لقد زرتها قبل عام من الكارثة ورأيت جمالها الخلاب وأشجار الكرز والتفاح المليئة بالثمار، والتقيت الكثير من الناس من أهالي كييف والمدن الاخرى الذين كانوا يتواجدون في فترة الصيف مع عائلاتهم للراحة والاستجمام. فيستأجرون غرفاً في البيوت الخشبية ذات الطابق الواحد، ويتيهون في غابات الاشجار لجمع الفطر ويسترخون تحت أشعة الشمس على شواطىء بحر كييف الرملية النظيفة ويصطادون السمك، وقد دمرت تلك الكارثة ذلك الوئام البشري مع الطبيعي (انتهى التقرير).
حين زرت العراق في عام 1997، ذهبت الى البصرة لزيارة صديق حميم جدا تربطني به علاقة اخوية من ايام الدراسة، هذا الصديق درس الطب في احدى الجامعات الروسية، وعاد الى العراق متزوجا من امرأة روسية، احزنني بخبر وفاة ابنته ولما تبلغ الثمان سنوات بعد، لكن ما احزنني اكثر هو ان سبب وفاة البنت كان سرطان اللوكيميا!!! لقد اجرى فحوصات على رأس ابنته ((في مستشفى صدام في البصرة حيث يعمل)) قبل وفاتها، فتبين له انها مصابة باشعاعات اليورانيوم المنضب، وكم أحزنني بخبر آخر حين قال ان الكثير من الاطفال العراقيين الذين يزورون المستشفيات في تلك الايام كانوا يحملون نفس المرض!!!! ثم كان ان ذهبت واياه فيما بعد الى الناصرية، حيث مستشفى صدام أيضا، فأطلعني على عشرات الحالات من مثل حالة ابنته... ثم اصابني بالدهشة وهو يريني صورا لاطفال عراقيين مصابون بنفس العاهات والتشوهات التي رأيتها في أوكرانيا!!! وما زاد في دهشتي انني حين عدت الى بغداد من البصرة والناصرية، ذهبت الى مستشفى اليرموك لحاجة ما، فرأيت بعيني التشوهات الخلقية والعاهات التي اصيب بها اطفال العراق من جراء قنابل اليورانيوم التي القيت على العراق في عدوان 1991!!! لقد تعرض العراق لجريمة مروعة، فلربما لو كان هناك عدل في هذه الدنيا، لمسحت امريكا وبريطانيا من الوجود عقابا لهما على هذه الجريمة المنكرة التي ستبقى آثارها لعدة حقب من السنين!!؟؟ ومع ان العالم بأسره شاهد صور اطفال العراق المشوهين نتيجة قنابل اليورانيوم، الا ان لا ما يسمى مجلس الامن تحرك ولا ما تسمى جامعة العهر العربي وخائنها العام تحركا، ولا ما تسمى منظمة المؤامرة على الاسلام تحرك لدى اعضائها ضمير – وهم ضميرهم ميت على كل حال – فقد بقي الجميع يتفرجون على ذلك المشهد، وكأنه مسلسل مسلي حلقاته اكثر من مائة، وكلما انتهت حلقة تشوقوا للحلقة القادمة لما تحمله من اثارة و suspense!!!!!
وقد وجدت في شبكة البصرة هذه المعلومات الهامة، التي اعتقد انها تفيد البحث وتغنيه...
لماذا تستخدم أمريكا وبريطانيا اليورانيوم المنضب؟ أولا وطبيعيا، فأن اليورانيوم المنضب أثقل من الرصاص، ويخترق أي عائق، بالاضافة الى ذلك فهو شديد الاشتعال، يحترق بدرجة حرارية 600 ، ومن النادر امكانية ايقافه، لكن قبل كل شيء فاليورانيوم المنضب رخيص الثمن، فهو لا يكلف شيئا تقريبا، لأن صانعي العتاد يحصلون عليه مجانا في الولايات المتحدة الامريكية من وزارة الطاقة، ولو لم يكن اليورانيوم المنضب، للجأ المصنع الى التنجستسن غالي الثمن، والذي يكلف 3400 دولار للطن الواحد، بالاضافة الى ان الصين تستحوذ على 80 % من انتاج التنجستسن العالمي، ولهذا العنصر الفلزي مساوئ أخرى، فهو لا يحترق الا بدرجة حرارية تصل الى 3000 درجة مئوية، ولو أراد المرء تركيع العدو بسرعة، فعليه اللجوء الى اليورانيوم المنضب، لقد استعمل النازيون عام 1943 اليورانيوم بالحرب، ولهذا يعرف البريطانيون والامريكان فعالية اليورانيوم المنضب بساحات القتال، كذلك يعرف الخبراء العسكريون منذ ذلك الوقت بأن العدو مع أطفاله وبقية افراد عائلته، سيصابون بالاشعاع ويموتون لاحقا.
ما هو اليورانيوم المنضب؟ هو من فضلات المراكز النووية، فلو تم تجميع اليورانيوم الطبيعي وتخصيبه كوقود للمراكز النووية، سيبقى لدينا اليورانيوم المنضب، وهو أقل بقليل اشعاعا من وقود المراكز النووية، وبالطبع أقل بقليل من اليورانيوم الطبيعي، لكنه يبقى ذو اشعاع عالي وكذلك سام، ونصف دورة حياته تبلغ حدود اربعة ونصف مليار سنة، وهذا يعني ان اشعاعه بعد اربعة ونصف مليون سنة يقل الى النصف، وعسكريا، فاليورانيوم المنضب عادة ما يتم خلطه مع معادن اخرى ثقيلة ومشعة، مثل البلاتينيوم والزئبق، ويذوب اليورانيوم المنضب بالماء، وهذا يعني عودته الى الطبيعة مع مياه الامطار، ومياه المجاري، والنتيجة هي المياه الجوفية.
أهم الامراض التي يسببها ؟ السرطان: لو أصيبت دبابة بقذيفة يورانيوم مخضب، فهي تخرج من الخدمة نهائيا، فاليورانيوم الثاقب يخترق على سبيل المثال بسهولة أي واقية للمدرعة، ويدخل ككرة لهب من اشعاع بدرجة حرارة تصل الى 2000 مئوية الى داخل الدبابة، وهذا يعني بالطبع احتراق من بداخلها أحياء، ويختلط اليورانيوم بصبغ وعوازل الكيبلات وكل محتويات الدبابة. وهكذا يتكون عندنا سيراميك يورانيوم مخضب، ولكنه لا يذوب بالماء، ويتم تشبيع الدبابة والجو حولها بغيمة من اشعاع مواد يورانيوم صغيرة جدا، وهذا يعني انتقالها مع الريح الى مسافة قد تصل 100 كم، ولو تنفس المرء هذه الجزيئات المتناهية الصغر، فهنالك احتمال استقرارها بالرئتين، وفي هذه الحالة، فالمرء قد انتهى لانه يصاب باللوكيما، وسرطان العظام، أو السرطان اللمفاوي، ولو كان المرء محظوظا، فإنه قد يعيش، ولكن قد تصاب ذريته.
انحرافات: يمكن لمحاربي حرب الخليج الثانية ان يكونوا شواهد، فكل اثنين من ثلاثة أطفال ممن لمسوا اليورانيوم المنضب عام 1991 تعرضوا لتشوهات خلقية، بمدينة البصرة وحولها، لم تعد هنالك ولادة أطفال طبيعيين أصحاء، بل ولادة أطفال مسخ يموتون بسرعة، ولم تعد الامهات بالبصرة يطرحن السؤال التالي بعد الولادة "بنت أم ولد؟" بل "هل طفلي بخير؟". لا أحد يعرف كم بالضبط من 250000 محارب غربي ممن تعامل مع اليورانيوم المنضب قد اصابوا اطفالهم، فهم يمررون خصائص الجينات المدمرة الى اطفالهم، ولا عجب من سكوت السلطات المقرف. يقوم جنود الولايات المتحدة باطلاق النار يوميا من رشاشاتهم m 16 على المقاومة بالفلوجة، والطريق الصحراوي، وفي مدينة الصدر، وبكل مكان بالعراق، وغالبا ما يحتوي رصاصهم على اليورانيوم المنضب، والذي يؤدي الى حدوث جرح قمعي الشكل قد لا يندمل مطلقا، ومن يصاب باليورانيوم المنضب سيموت حتما بالاشعاع.
اطفال مشوهين: وكما في كل الحروب، فأن أغلب الرصاص لا يصيب الهدف بل يطيش في البيئة، فطلقات من مدفع E10 المجهز على الطائرات المقاتلة او الاباتشي، تخترق الارض الى عمق 6 امتار، ولذلك يصبح قاع العراق تدريجيا ملوث اشعاعيا، لهذا اصبح العراق خطرا على كل البشر، وهذا ليس بسبب المعارك، بل بسبب أن المرء معرض لكل انواع السرطانات غير القابلة للشفاء، وكذلك بسبب ان ذرية المرء، وعلى المستقبل البعيد، ستكون مثقلة بالعاهات، واطفال بفم وبدون عين او انف او أذنيين. في غضون ذلك يخضع الجنود البريطانيين بالعراق، والذين يعودون الى بلادهم، الى فحص اليورانيوم المنضب، لكن المؤسسات الرسمية لا تهتم مطلقا بهكذا موضوع.
ماذا يعني كل هذا للعراق؟ بكل بساطة، لم يعد العراق بلدا يمكن العيش به، وحتى على المستقبل البعيد، ولا يمكن للعراقيين ان يحيوا حياة طبيعية، (فاغلب العراقيين لا يمتلكون الكهرباء، وتقريبا كل الناس عاطلة عن العمل)، كذلك لا يمكن للمرء ان يبني أي شيء، من سيرغب قريبا بشراء تين أو تمر العراق أو خضاره، او فول صويته أو حبوبه؟ أو من سيرغب بحليب أو جبن من عنز وغنم وبقر العراق؟ العراق أصبح إذا في سجل الموتى، ولا يهم مطلقا ان يكون للعراقيين انتخابات قريبا، أو ديمقراطية أو دكتاتورية، أو احتلال من قبل جيش اجنبي...... لقد تم تدمير كل شيء بالعراق.
في شهر 11/ من عام 2000، عرضت قناة الجزيرة برنامجا في غاية الاهمية، (وبالحقيقة يشكر مقدم البرنامج على هذا الجهد) قدمه يسري فودة كان بعنوان (عاصفة اليورانيوم)... ارتأيت تذكير القاريء العربي به مرة ثانية نظرا لاهميته القصوى، وانا كما قلت، هدفي من ادراج كل تلك التقارير وهذا البرنامج، هو تذكير القاريء العربي بالجريمة التي اقترفت بحق العراق والعراقيين. يسري فوده: قبل أكثر من عشر سنوات لم تكذب الولايات المتحدة على جنودها وجنود حلفائها وحسب، بل إننا نعلم اليوم أنها ألقت على رؤوس العرب بأكثر من ثلاثمائة طن من اليورانيوم المنضب، مادة مشعة في غاية السُمَّية تؤدي إلى السرطان والتشوهات الخلقية، لا تعترف بالحدود، ولا تفرق بين البشر، وتبقى في الطبيعة إلى ما بعد أكثر من أربعة مليارات عام. فرقهم الرصاص وجمعهم اليورانيوم، الكويتيون والسعوديون والأمريكيون والبريطانيون جميعاً مع العراق في معجنة واحدة، لكنهم لا يبحثون عن حل. تبدأ الحروب وتنتهي الحروب ويبقى الرماد، لكن رماد هذه الحرب يبقى إلى الأبد حرباً على أجيال لا ناقة لها ولا جمل...... قناة الجزيرة تمسح التراب عن جبين العراق، وتدعو الكويت وكل من تشيع لها إلى كلمة سواء أمام أمريكا وكل من تشيع لها، وتطرح التساؤل: لماذا نختار –نحن العرب- بأيدينا أن نغض الطرف عن هذه الحقيقة الثابتة التي اعترف بها الأمريكيون أنفسهم؟ أنهم –الذين يتشدقون بالأخلاقيات- قد استخدموا أثناء حرب الخليج واحداً من أكثر أسلحة الدمار الشامل فتكاً بالإنسان والحيوان والنبات، هنا في هذه الأرض، في بلادنا، على رأس الخليج لا يُفرِّق بين أحد من دوله، هكذا بعد أكثر من عشر سنوات يجد السعوديون والكويتيون وغيرهم أنفسهم في سلة واحدة مع العراق، ومعهم جميعاً اليورانيوم المنضب. لوجه الله، ولوجه الحقيقة، هذا التحقيق، وللذين يموتون في أرحام أمهاتهم، وللتاريخ، ولأبنائنا القادمين. ناصرة السعدون/ مركز أبحاث أم المعارك – بغداد - العراق: في عام 1992 ثُبت أن هناك شيء لم نكن نعرف ما هو، شيء استخدم يختلف عن كل هذه القنابل التي تقتل فوراً، شيء يشبه القنبلة الموقوتة التي تقتل فيما بعد، حين بدأت - خصوصاً بين الأطفال، لأن الأطفال هم الأكثر هشاشة، الأكثر تعرضاً للأذى- بدأت (اللوكيميا)، وهي أسرع سرطان يظهر في مدة زمنية، خلال ستة أشهر يبدأ ظهوره، لما طفل - مثلاً- عمره ثلاث شهور أو أربع شهور يصاب في (اللوكيميا) ثم يموت، لابد أن يكون هناك سبب. د. آساف ديوراكوفيتش/ عقيد سابق في الجيش الأمريكي –واشنطن– الولايات المتحدة: لابد أنك تمزح معي، إنهم لم يحذروا جنودهم، لم يحذّروا قادة الوحدات، لقد كنت عقيداً –أيام حرب الخليج- في الجيش الأمريكي في القطاع الطبي، وكنت قائد الوحدة الطبية رقم 531 التابعة للمستشفى الميداني رقم 92، وكنت أستاذاً لأجيال من ضباط الجيش البحرية، والقوات الجوية والمشاة، في مجال التأثيرات الطبية للإشعاع، لم يخبرني أحد باحتمال استخدام أسلحة مشعة ولا بالمخاطر التي قد تنتج عنها. دان فاهي/ مؤلف كتاب: لا تبحث، لا تجد -بوسطن– الولايات المتحدة: هذا التقرير صدر في يوليو / تموز عام 1990 عن الجيش الأمريكي، وهو يوضح أن اليورانيوم المنضب أكثر فاعلية من التنجستون، لكن استخدامه سيؤدي إلى مشاكل صحية وبيئية بين الجنود والمدنيين على حد سواء، ومن المثير أن هذا التقرير الذي صدر قبل الحرب بستة أشهر -حتى قبل قيام العراق بغزو الكويت- يؤكد أنه بمجرد معرفة المشاكل الصحية والبيئية لليورانيوم المنضب ربما تتكون حركة لحظر استخدامه. دوغ روكه/ رائد سابق في الجيش الأمريكي –إلينوي– الولايات المتحدة: عُهِد إلينا بتنظيف ما فعلته النيران الصديقة بعرباتنا وجنودنا، تحركنا من السعودية إلى العراق والكويت، الكلمة الوحيدة التي يمكن أن تصف ما رأيناه حين وجدنا القتلى والمعدات الأمريكية المدمرة هي.. يا إلهي.... حتى قبل قيام العراق بغزو الكويت، يؤكد أنه بمجرد معرفة المشاكل الصحية والبيئية لليورانيوم المنضب ربما تتكون حركة لحظر استخدامه. دوغ روكه/ رائد سابق في الجيش الأمريكي –إلينوي– الولايات المتحدة: عُهِد إلينا بتنظيف ما فعلته النيران الصديقة بعرباتنا وجنودنا، تحركنا من السعودية إلى العراق والكويت، الكلمة الوحيدة التي يمكن أن تصف ما رأيناه حين وجدنا القتلى والمعدات الأمريكية المدمرة هي.. يا إلهي. البروفيسور فرانك بارنبي/ مصمم القنبلة النووية البريطانية –ساوثها مبتون– جنوب إنجلترا: ولذا لا ينبغي استخدامه، فإن كنتَ تستخدم رصاصة عادية فإن التأثير ينتهي بانتهاء الحدث، يُقتل الناس، أو يصابون، أو لا يحدث لهم شيء، أما في حالة اليورانيوم المنضب فإنه يبقى في البيئة لوقت طويل، وقد يتم ابتلاعه أو استنشاقه عن طريق أناس لم يكن لهم دخل بالمعركة بعد مرور سنوات طويلة. البروفيسور سيغفارت – هورست غونتر/ مرشح لجائزة نوبل للسلام –هامبورج- ألمانيا: تصيبك أمراض تشبه الإيدز، الفشل الكلوي، سرطان الدم، الأنيميا الحادة، الأورام الخبيثة، التشوهات الخلقية الوراثية، الإجهاض، والولادة السابقة لأوانها سواء بالنسبة للإنسان أو الحيوان، نشرت ذلك فأتت الشرطة وألقت القبض علي، وسجنتني. د. كريستوفر بسبي/ أستاذ الفيزياء الكيماوية –ويلز- بريطانيا: 350 طناً من اليورانيوم بُذرت في الخليج، هذه كمية هائلة ولم يكن الأمر كأن أحداً جاء بها وقال لك: ها هي، لقد حولوها إلى تراب، وبذوره فوق المنطقة كلها، إن ما فعلوه هو أنهم أذابوا اليورانيوم المنضب في أجساد الشعب، هذا هو ما فعلوه. ريموند بريستو/ ضابط سابق في الجيش البريطاني شمال إنجلترا: لقد رأيتها بعينيّ، ليست دعاية جوفاء، إنها وحشية وعار، وجريمة ضد الإنسانية، إضافة إلى تأثير العقوبات على شعب العراق، لماذا؟! د. جواد العلي / استشاري الأورام الخبيثة –البصرة- العراق: الكثير من زملائي ومنهم المدير العام لإدارة الصحة، ابنه صغير عمره أربع سنوات أو خمسة أصيب بالسرطان، زميل آخر طبيب بعد أسبوع من إصابة هذا الطفل بالسرطان أيضاً ابنه أصيب بالسرطان، صديقي صيدلي ابنه أصيب بالسرطان، كلهم أطفال. يسري فوده: ألقى بي اليورانيوم المنضب أولاً إلى حيث سقط المطر الأسود على السواحل الغربية للمملكة المتحدة في أعقاب حادث (تشرنوبل)، إلى حيث يسكن عالم بريطاني استطاع أن يربط ذلك بقفزة مفاجئة في حالات السرطان والتشوهات الخلقية. كريستوفر بسبي: في هذه الأقطار ارتفع معدل سرطان الدم، أهذه صدفة؟! يمكنك ضرب القيم الاحتمالية لكل قطر على حده ستحد أن احتمال الصدفة هو واحد إلى عشرة مليارات، فالصدفة –إذن- ليست احتمالاً، في هذا البلد نعلم مستوى التعرض للإشعاع، ونعلم حصيلة سرطان الدم وبالتالي نعلم هامش الخطأ، ولو طُبّق هذا الهامش على اليورانيوم المنضب لكنت استطعت أن تتنبأ بتأثيره في الخليج قائلاً: إذا استخدمتم هذه الأسلحة وخلفتم هذا الإشعاع، واستنشقه الناس سيرتفع معدل السرطان والتشوهات الخلقية والأمراض العامة. يسري فوده: يوجد خام اليورانيوم في أنحاء مختلفة من العالم بتراكيز مختلفة، محتوياً على ثلاثة نظائر مشعة: اليورانيوم 238 ونسبته 99.28%، واليورانيوم 235 ونسبته 0.71%، واليورانيوم 234 ونسبته 0.0058%، هذان الأخيران: اليورانيوم 235 واليورانيوم 234 يستخدمان في صنع الوقود النووي والأسلحة النووية، ما تبقى اليورانيوم 238 يسمى اليورانيوم المنضب، بعد عملية الفصل يصبح مخلفاً نووياً في صحبته –أيضاً- جانب من اليورانيوم 235. د. آساف ديور اكوفيتش: كل منهما اليورانيوم 235 واليورانيوم 238 عنصر مشع، والعمر النصفي لليورانيوم 238 أطول من أعمار الكون والشمس والأرض، فعمر الأرض حوالي أربعة مليارات ونصف المليار عام، وعمر الشمس حوالي عشرة مليارات عام، وعمر الكون حوالي خمسة عشر مليار عام، أما اليورانيوم فعمره النصفي حوالي أربعة مليارات ونصف المليار عام، وحتى يفقد قدرته على الإشعاع يحتاج إلى عشرة أعمار نصفية، أي حوالي خمسة وأربعين مليار عام. د. بهاء الدين معروف/ مختص في النشاط الإشعاعي البيئي: بالإعلام -غالباً- اللي تشوفه بالإعلام الغربي أو الأمريكي عندما يتحدث عن اليورانيوم.. يتحدث عن اليورانيوم 238 فقط، وهذه يعني مغالطة كبيرة جداً، لأنه لا يوجد وحده حتى باليورانيوم المنضب، وإنما موجودة بقية نظائر اليورانيوم اللي إحنا نظرياً هكذا وعملياً -النماذج اللي قسناها الملوثة باليورانيوم المنضب-كانت حاوية على الثوريوم 234 بتراكيز عالية جداً –اللي هو مطلق لجاما- وكذلك البروتوكتونيوم 234 وكذلك موجود نظير الرديوم 226، اللي عمره النصفي ماله 1620 سنة. البروفيسور فرانك بارنبي: إحدى المشاكل هي معرفة صورة اليورانيوم المنضب لحظة اصطدامه بدبابة، واستنشاقه إلى الرئتين، فإن كان في صورة خزفية فسيبقى في الرئتين فترة طويلة، ويعقّد حساب احتمالات السرطان، ما من شك في أن اليورانيوم معدن ثقيل، أي أنه السم، ولذا ينبغي حظر استخدامه، ففي رأيي إن المشكلة الأساسية هي السّمية الكيماوية. يسري فوده: خطران رئيسان ينتجان عن اليورانيوم المنضب: أولاً أنه من أشد أنواع السموم فتكاً بالكائنات الحية، يستهدف الأعضاء الداخلية للإنسان والحيوان.... وثانياً: أنه مادة مشعة تؤدي إلى السرطان والتشوهات الخلقية، وتؤثر في العوامل الوراثية، لهذا الإشعاع –كما يقول لنا العلم- ثلاثة أنواع يمكن قياسها هي ألفا، وبيتا، وجاما. د. كريستوفر بسبي: هذا جهاز لقياس الإشعاع، وهذه رأسه اللاقطة، يقوم الآن هذا الجهاز بالتقاط أشعة جاما، أو جزئيات ألفا في الغلاف الجوي، هذه النقرات التي تسمعها تدل على مرور أشعة جاما من خلال هذه الرأس، هذا الجهاز قادر -أيضاً- على التقاط جزئيات ألفا، لكنك لا تسمع شيئاً لأن نسبة وجودها في الجو منخفضة للغاية إذ أنها تنبعث –عادة- من عنصر الريدون الذي ينتج عن تحلل اليورانيوم. البروفيسور مالكوم هوبر/ جامعة ساندرلاند: أشعة ألفا أخطرها جميعاً داخل الجسم وأقلها خطراً خارجه،، الاحتمال هو عشرون ضعفاً للأخطار البيولوجية داخل الجسم، الأشعة الأخرى ليست هامشية ينبغي حسابها، لكن التأثير الأهم هو لأشعة ألفا داخل الجسم. نعومي هارلي/ معهد أبحاث الدفاع القومي: ولكن قبل أن تتعرض له بشكل كاف لابد أنك ستدرك وجوده أولاً، سترى أمامك تلك السحابة السوداء الكثيفة، وستختنق من التراب والدخان، ولن يكون سراً، فإن لم يحدث ذلك فلن تستطيع أن تستنشق منه ما يكفي كي يمثل خطراً للإصابة بالسرطان. البروفيسور سيغفارت – هورست غونتر: حسناً، إذا استخدمت قذيفة اليورانيوم المنضب ضد دبابة –مثلاً- فإنها تمر فيها كما يمر السكين في الزبدة، وتشتعل ذاتياً إلى آلاف الدرجات الحرارية، وتدمر الدبابة، وتطلق في الهواء أكسيد اليورانيوم، يمكنك استنشاق هذا الأكسيد، وعندئذ تصيبك مشاكل صحية في الكلى وفي الكبد، ولكن الحرارة الفائقة تؤدي –أيضاً- إلى تلاصق جزيئات اليورانيوم المنضب، وحين تستنشقها تلتصق بالرئتين وتسبب السرطان بعد فترة ما. دان فاهي/ مؤلف كتاب: لا تبحث، لا تجد -بوسطن– الولايات المتحدة: إذا كانت لديك قذيقة يورانيوم منضب كهذه التي تطلقها دبابة، فإنك حين تمسك بها –هكذا- قبل إطلاقها لن تمثل خطراً، لأن مستوى الإشعاع المنبعث منها منخفض، ولكن بمجرد إطلاق القذيفة واصطدامها بالهدف فإن تقارير الجيش الأمريكي تقول: إنه من 10 إلى 70% من المقذوف سيحترق أثناء اختراقه الهدف، ويتحول إلى تراب في غاية الدقة يلوث الهدف والمنطقة المحيطة به. يسري فوده: سوى استخدامه في تدريع الدبابات من سلسلة طراز (إبرام 1 M) يستخدم اليورانيوم المنضب في صنع القذائف الدينامية من عياري 105 ملمترات، و120 ملمتر لسلسلتي الدبابات من طرازي (M 1) و (M60)، وفي مقذوفات برادلي من عيار 25 ملمتر ومقذوفات الطائرات من عيار 30 ملمتر، إضافة إلى الصواريخ الدينامية ذات القدرة الفائقة على اختراق المدرعات والحصون، والقذائف الباليستية ذاتية الدفع. د. آساف ديوراكوفيتش: حين تصطدم قذيفة اليورانيوم المنضب بالهدف تحترق ذاتياً إلى درجات حرارية بالغة الارتفاع، آلاف الدرجات الحرارية.. وفي ثنايا هذه الحرارة ينبعث اليورانيوم في جزيئات متناهية الصغر إلى تراب الغلاف الجوي، وفي تراب الغلاف الجوي يخبز اليورانيوم نفسه في عجينة الجزئيات الميكروسكوبية التي تعلق إلى الأبد بتراب الغلاف الجوي. يسري فوده: قدمت منطقة الخليج للأمريكيين حقل تجارب مجانياً، وفئران تجارب مجانية، لاختبار هذا السلاح الفتاك، من الأرض، من الجو، ومن البحر، تخلصوا –وفقاً للبنتاجون- من أكثر من 300 طن من النفايات السامة المشعة أتوا بها من مفاعلاتهم النووية، نظفوا بلادهم من جانب من أوساخهم، ووسخوا بلادنا بأرخص الأثمان، وفي الطريق إلى توسيخ بلادنا كسبوا المعركة في زمن قياسي بأموال عربية، وأصبحوا أبطالاً... فيما كنت أحاول إقناع العالم البريطاني (كريس بسبي) باصطحابي إلى منطقة المعارك في جنوب العراق كان هذا الرجل ولا يزال في انتظار الموت، كان رائداً في القوات المسلحة الأمريكية أثناء حرب الخليج، وكانت مهمته تنظيف منطقة المعارك من الملوثات الكيماوية والإشعاعية، يحمل اليوم داخل جسده خمسة آلاف ضعف مستوى الإشعاع المسموح به دولياً، قنبلة إشعاعية متحركة. دوغ روكه/ رائد سابق في الجيش الأمريكي: أول مرة سمعت فيها بذخيرة اليورانيوم المنضب كانت في ديسمبر / كانون الأول عام 1990، عندما تسلمت خطاباً شخصياً من العقيد دكتور (تشايلز داي) من وزارة الدفاع، البنتاجون، كان تحذيراً في حوالي نصف صفحة، وكان ذلك عام 1990 بعد ثلاثة وعشرين عاماً من التحاقي بالخدمة العسكرية، وبعد أربعة أعوام من تعيني فيزيائياً نووياً في الجيش... ثم عندما أخبروني في أغسطس / آب عام 1997 أن نسبة اليورانيوم في جسدي تبلغ خمسة آلاف ضعف النسبة المسموح بها توجهت فوراً إلى قسم الرعاية الطبية للمحاربين القدامى فصُدموا. هذا ما فعلوه بمدير المشروع، هذا ما فعلوه بأحد أعضاء الفريق الأول، هذا ما فعلوه بالشخص الذي أوصى بالرعاية الطبية، وبتنظيف البيئة من التلوث، ماذا تظن أنهم فاعلون بالنساء والأطفال؟ جيرالد كلارك/ مدير معهد اليورانيوم في لندن: ربما أدى الحظ العاثر بواحد أو اثنين إلى تلقي جرعات إشعاعية مرتفعة، ولكن -بشكل عام- إشعاع اليورانيوم المنتشر على الأرض بعد المعركة منخفض، ومن المستبعد أن يكون له الأثر الذي يتحدث عنه الناس. مارك براون/ قسم الرعاية الطبية للمحاربين القادمى في واشنطن: لقد أمسكت بإحدى هذه القذائف في يدي، اليورانيوم ليس مادة تحتاج إلى أن تختبىء منها أو ما إلى ذلك، إنها متوسطة الإشعاع في السياق العام مقارنة بمواد مشعة أخرى كالوقود النووي مثلاً، الذي هو أكثر إشعاعاً بكثير، لا تفهمني خطأ، أنا لا أقول: إن هذه المادة غير خطيرة، ولكن هناك أشياء كثيرة خطيرة، فمجرد مشيك في الشارع يعرضك لخطر التلوث من السيارات، ولا أعتقد أن درجة خطورتها تفسر كثيراً من المشاكل الصحية التي نراها اليوم. دوغ روكه: مارك براون لا يعلم أبداً عما يتحدث، في الوقت الراهن تقول أدبيات الحكومة: إن نسبة إشعاع قذائف اليورانيوم 60% مقارنة بغيرها، لكنهم يصرون على حذف بقيمة الجملة التي كتبتها أنا، فرغم أننا أثناء عملية الفصل نقوم بعزل اليورانيوم الذي يطلق أشعة جاما وأشعة بيتا ذات الطاقة العالية، فإن ما يتبقى –وهو اليورانيوم المنضب- يكون قادراً على إطلاق أشعة ألفا، وهذه الأشعة تسبب أضراراً بالغة بأنسجة الجسم، فحين يقول: إن اليورانيوم متوسط الإشعاع، فإن ذلك يشبه قولي لك: إن امرأة حبلى إلى حد ما، أنا آسف. ما يقرب من مائتي ألف جندي خضعوا للرعاية الطبية، وطالبوا بتعويضات، ثلث الجيش الأمريكي اشتكى من مشاكل صحية. يسري فوده: هذا العدد الضخم الذي تحاول السلطات الأمريكية إخفاءه كان جانب منه موضوعاً لدراسة حثيثة من قبل أحد أبرز العلماء الأمريكيين الذين اشتركوا في حرب الخليج. د. آساف ديوراكوفيتش / عقيد سابق في الجيش الأمريكي: كلهم جميعاً -بلا استثناء- أكدوا لي تعرضهم للإشعاع، سألتهم: كيف علموا؟ فقالوا: إن فريقاً جاء من واشنطن يشبهون في ملبسهم رواد الفضاء، يرتدون حللاً بيضاء واقية، تغطيهم من مفرق الشعر حتى إخمص القدم، لا يكشفون عن قدر أنملة من أجسامهم، وقاموا بقياس مستويات الإشعاع الصادر عن الدبابات التي كان هؤلاء الجنود يدفنونها في رمال الكويت، كان مستوى الإشعاع في المنطقة المحيطة والدبابات وعلى الدبابات مرتفعاً للغاية. أرسلت عينات البول لهؤلاء الجنود إلى المعمل العسكري للكيمياء الإشعاعية في (ميريلاند) وكان ذلك أشبه بقصة بوليسية (أجاثا كرستي) أو (شارلوك هولمز). قالوا: أولاً إن العينات لم تصل إلى المعمل، ثم قالوا: إنها وصلت، لكنها سلبية، وحين اتصلت برئيس المعمل قال: إن النتائج ضاعت. ثم سألت مدير المستشفى إن كان متخصصاً في الطب، لم يكن. بعد ذلك نصحني رئيس الموظفين بوقف أبحاثي، فلم أفعل. ففصلوني من وظيفتي، ولم أحزن كثيراً، لكنني مضيت في أبحاثي على نفقتي الخاصة، وقد أظهرت نتائج البحث بكل وضوح وجود اليورانيوم المنضب داخل جنود حرب الخليج من أمريكا وإنجلترا وكندا بعد عشر سنوات على انتهاء الحرب. يسري فوده: من بين هؤلاء ضابط بريطاني كان أحد أفراد فريق الجراحة في مستشفى ميداني في شمال المملكة العربية السعودية أثناء الحرب، اتصل به دكتور (آساف ديوراكوفيتش) رغم أنه لم يشترك في القتال الفعلي، ولم يغادر المستشفى. ريموند بريستو/ ضابط سابق في الجيش البريطاني: قلت له: نعم، لا مانع لدي في خضوعي للاختبار، وإن كنت أعتقد أنه لن ينطبق علي، إذ إن فهمي آنذاك أنه ربما يصيب هؤلاء فقط الذين اقتربوا من الانفجارات، لكن الاختبار أثبت وجود اليورانيوم داخلي، وهو ما فاجأني، إذ إنني كنت على بعد عشرين كيلو متراً من الحدود داخل السعودية، لم أغادر السعودية أبداً، ولم أدخل العراق أبداً، ولا الكويت، وهو ما يعني أن التلوث ربما أتاني عن طريق الرياح، أو عن طريق الجرحى القادمين إلى المستشفى الذين استخدم هذا السلاح ضدهم. عندما اختبروني أولاً، قالوا: إن في داخلي أكثر من مائة ضعف مستوى الإشعاع الذي لا ينبغي تجاوزه في عام. يسري فوده: وقع بين أيدي قناة الجزيرة هذا الشريط المصور، الذي أنتجته القوات المسلحة الأمريكية لتحذير أفرادها من ذخيرة اليورانيوم المنضب، اعترافٌ سافر لا يقبل الشك. جاء هذا التحذير بعد انتهاء الحرب، وجاء فقط للجنود الأمريكيين. دوغ روكه: بناء على توصياتي وتوصيات آخرين، حددت وزارة الدفاع أنه لا ينبغي لأحد أن يتسلق، أو يقترب، أو يدخل إلى مسافة خمسين متراً من أي أجهزة ملوثة باليورانيوم دون ارتداء سترة واقية، هذه تعليمات الجيش نفسه. دان فاهي: هذه المعلومات لم توزع على الجنود المحاربين، فقام الآلاف بعد الحرب بتسلق المعدات المدمرة لالتقاط الصور والبحث عن تذكارات، وبعد الحرب نقل جانب منها إلى أمريكا على سبيل التذكار، أو لإجراء التحليلات. ريموند بريستو: لدي وثيقة بريطانية تقول: إنه بعد استخدام اليورانيوم المنضب، ربما لن يستخدم ثانية نتيجة ضغوط شعبية، صدرت هذه الوثيقة قبل قيام العراق بغزو الكويت. يسري فوده: عندما وصلت الأنباء إلى بغداد بدأ العراقيون يهتمون بالبحث في فضيحة اليورانيوم المنضب، عقدوا سلسلة من المؤتمرات والندوات العلمية، كان هذا أحدها في عام 1998. رغم تدهور حالته الصحية، ضرب الضابط البريطاني (ريموند بريستو) عرض الحائط بالحصار المفروض على العراق، وشارك في أعمال المؤتمر. ريموند بريستو: ما أردت حقاً أن أفعله هو أن أقابل بعض الجنود العراقيين الذين شاركوا في حرب الخليج، كي أقف على حالتهم، وعلى ما إذا كانوا مرضى مثلنا. نعم وجدتهم مثلنا، لديهم الأعراض نفسها تماماً التي لدينا، لكن قلبي انفطر لهم، إذ إن لدينا نحن الإمكانات فيما يحرمون هم منها، ويحرم العراق منها بسبب العقوبات، لقد رأيت ذلك بعيني. يسري فوده: أثناء وجوده في فندق الرشيد في بغداد، كان شيء ما يحدث في منزله في إنجلترا. ريموند بريستو: صعدت إلى غرفتي للاستراحة، إذ كنت متعباً من السفر، فوجدت رسالة من شبكة (CBS) يقولون لي فيها: إن الشرطة البريطانية داهمت منزلين لاثنين من جنود حرب الخليج في المملكة المتحدة، وأن أحدهما كان منزلي. يسري فوده: إن لم يكن لدى الأمريكيين والبريطانيين ما يخشونه، لماذا إذاً يتعقبون كل من يبحث عن الحقيقة وراء أسلحة اليورانيوم المنضب؟ .ماذا يقتفون أثر كل من يدلي بشهادة، أو يقوم ببحث علمي، أو يجمع دليلاً من هنا أو هناك؟ تطول القائمة، فسوى أنهم اكتووا بنار اليورانيوم المنضب، تفرض عليهم في الوقت نفسه نماذج سافرة من إرهاب الدولة على أيدي عصابات الدولة. دوغ روكه: بكل تأكيد، لقد تلقيت تهديدات مباشرة من مسؤولين عسكريين أمريكيين لوقف أنشطتي للحصول على رعاية طبية وحماية للبيئة، فقدت وظائف لتجرؤي على التفوه. في أبريل (نيسان) من هذا العام أطلق أحدهم النار علينا، جاءت الشرطة للتحقيق في الأمر، وبعدها بأسابيع قليلة داهم بعضهم منزلي، وقلبوه رأساً على عقب، كانوا محترفين. وفي مرة أخرى عدت إلى منزلي مع فريق للتصوير فرأيناهم يقفزون من الباب الخلفي، زملائي تعرضوا للتهديد، (روبرت روبن) ضربوه في (بورتوريكو)، لدي وثائق مصورة دامغة، قام موظفون في البحرية الأمريكية بجره من سيارته، وأوسعوه ضرباً، أطباء حُرقت مكاتبهم، علماء سرقت أجهزتهم، أرسلوا إلينا جميعاً فيروسات إليكترونية، وأخيراً أرسلوا لي تهديداً من عقيد إلى أختي، ومن أختي إلى زوجتي، ومن زوجتي إليّ. دان فاهي: نعم، من وزارة الدفاع هددوني بأنهم سيرفعون ضدي قضية قذف عام 1997، لأنني شككت في مصداقيتهم، واتهموني بالوقوع تحت تأثير الدعاية العراقية، وبالعمل لأهداف سرية من بينها نزع أسلحة العالم، جربوا طرقاً مختلفة للهجوم على شخصي، واتهموا عملي بأنه غير علمي، لكن ردي على ذلك أنك لا تحتاج إلى خلفية علمية كي تقرأ تقريراً عسكرياً يقول: إن التعرض لليورانيوم المنضب يسبب السرطان. يسري فوده: أما العالم الأمريكي (ديوراكوفيتش) فقد انقطع رزقه في الولايات المتحدة، وضاعت عيناته في البريد، وتوسل إلينا ألا نعلن عن مكان عمله الجديد في إحدى دول الخليج. د. آساف يدوراكوفيتش: إن البشرية تخرج من حالة التبعية والجهل إلى حالة العولمة، وإلى مزيد من الحريات الشخصية، ويوماً ما سننظر إلى الوراء باحتقار وقرف متسائلين: كيف -على الإطلاق- سُمح لمثل هذه الأشياء أن تحدث لدى مفترق القرنين العشرين والحادي والعشرين!! يسري فوده: هذا العالم الألماني الكبير (هورست جونتر) الذي رشح لنيل جائزة نوبل، ربما لن يحصُل عليها أبداً، إذ إنه كان أول عالم يكشف النقاب عن فضيحة اليورانيوم المنضب، عندما عاد إلى بلاده ببقايا قذيفة منه وجدها في جنوب العراق، وفقاً لوثيقة ألمانية رسمية سُجن الرجل لأنه عرض حياة الشعب الألماني لخطر الإشعاع! البروفيسور سيغفارت هورست غونتر / مرشح لجائزة نوبل للسلام: هذا المقذوف الذي وجدته يطلق إشعاعاً معدله أحدى عشر ميكروسيفر في الساعة. المعدل السنوي المسموح به في ألمانيا هو ثلاثمائة ميكروسيفر في العام، فإذا حسبناها على هذا الأساس، سنجد أن المعنى هو أنك إذا أمسكت بمقذوف واحد من مقذوفات اليورانيوم المنضب، فإن معدل الإشعاع المسموح به في ألمانيا في خلال عام كامل سيدخل إلى جسدك في خلال يوم واحد. لديك الآن في جنوب العراق نسبة سرطان الدم تعادل خمسة أضعاف نسبته قبل الحرب، وقد اكتشفت مرضاً آخرَ مجهولاً في منطقة البصرة، هذا الطفل كان يلعب ببقايا مقذوف اليورانيوم فأصيب وجهه بهذه القروح، هذه القروح تتفاقم تدريجياً كما تراها هنا. في يناير / كانون الثاني عام 93 وقعت محاولة لقتلي هنا أمام منزلي، بعد ذلك أوقفوا راتبي التقاعدي، وحرموني من حقي في الضمان الاجتماعي، وفي مايو / آيار عام 94، دعيت إلى كوالالمبور لإلقاء محاضرة، ولدي عودتي هاجمني شخصان، واستوليا على حقيبتي وبها مستندات وأبحاث عن اليورانيوم المنضب، ومجموعة من الشرائح المصورة، وفي يونيو / حزيران عام 95 اعتقلتني الشرطة الألمانية في هذه الغرفة، واضطررت إلى دفع غرامة قدرها ثلاثة آلاف مارك بتهمة إطلاق الإشعاع. يسري فوده: لم تكتف الولايات المتحدة وحلفاؤها بما حدث من جراء اليورانيوم المنضب في حرب الخليج، بل إن أكثر من عشرة أطنان أخرى ألقيت بُعيد ذلك على منطقة تصادف أن معظم سكانها مسلمون: البلقان، كوسوفو، والبوسنة. رغم أن سنوات طويلة لم تمر بعد، قفزت حالات سرطان الدم، وبدأ الناس هنا يشعرون بشيء غريب. د. دراغومير كوزوريتش / أخصائي أمراض السرطان – مستشفى سراييفو: نعم، أثناء قصف سراييفو وما حولها، أنا شخصياً شعرت مرتين بانتشار غاز مصحوب برائحة غريبة، تساءلت يومها: هل يمكن لهذه الرائحة أن تؤثر في صحة الناس؟ أثناء الحرب نفسها لم ألاحظ زيادة في حالة السرطان، لاحظت بعدها –ليس بالضرورة في سراييفو وحدها التي يبلغ عدد سكانها خمسمائة ألف نسمة- ولكن على وجه أخص في مدينة (توزلا) وما حولها. د. كريستوفر بسبي: ما من شك لدي على الإطلاق سواءٌ في الخطأ في قياس جرعات الإشعاع وتأثيرها على الصحة، أو في الحكم على اليورانيوم كمعدن لا كجزيء، ما الذي يمكن أن نقول أكثر من ذلك؟ إنها جريمة حرب. يسري فوده: لدى تلك النقطة، كان العالم البريطاني (كريس بسبي) قد قبل دعوتي للحاق بي إلى جنوب العراق، وكانت وزارة الدفاع البريطانية لا تزال تفكر، تمنحنا وزيراً، أو حتى متحدثاً باسمها، أو لا تمنحنا، وكنت أنا أشتري البدلات الواقية من التلوث لفريق التصوير. ما يعنينا في واقع الأمر هو تلك المعجنة الكبرى التي خلفوها وراءهم في بلادنا، في العراق، في الكويت، وفي السعودية. في هذه الأثناء باعت الولايات المتحدة الأمريكية دولاً في منطقة الخليج ذخيرة اليورانيوم المنضب. ما يثير العجب، لا يزال معرض أبوظبي للأسلحة يقام كل عام على أرض عربية، وفي جانب من أجنحته.... تعقد الصفقات. يتبع ... د. صباح محمد سعيد الراوي كييف – أوكرانيا 08.11.2005 |
|
الدور الدنيء لال الصباح في المؤامرة على العراق
الفصل الرابع من
الجزء التاسع |
|
شبكة البصرة |
|
الثلاثاء 6 شوال 1426 / 8 تشرين الثاني 2005 |
|
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس |