الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة)

في المؤامرة على العراق

شبكة البصرة

د. صباح محمد سعيد الراوي

الفصل الثالث من الجزء العاشر

قنابل اليورانيوم

إذن، انتهينا في الفصلين السابقين ان قدمنا للقاريء العربي صورة، بسيطة وليست موسعة، عن عمليات التفتيش وفرق التفتيش الجاسوسية، التي دنست ارض العراق الطاهرة، ولعل القاريء العربي يتذكر أحد هؤلاء الخنازير، وهو باتلر، الذي كان تقريره الكاذب المقدم لما يسمى مجلس الامن، سببا قويا جعل الادارة الامريكية الخنزيرية تعتدي على العراق في شهر 12/1998 في عملية سميت وقتها "ثعلب الصحراء"، فقد ادعى ذلك الخنزير في تقريره ان العراق لا يتعاون مع من سماهم بـ "المفتشين"...

 

المهم، في هذا الفصل سـنتحدث عن جريمة مروعـة ارتكبت بحق العراق وأبناءه – والعراق ارتكبت بحقه جرائم كثيرة – وإذا كنا قد تحدثنا في هذا البحث عن جريمة ملجأ العامرية، وجريمة الغدر بحق رجال الجيش العائدين من ارض كاظمة، إلا أن تلك الجريمتان لا تساويان شيئا أمام هذه – وطبعا، معاذ الله وحاشى، ان استهين بدماء الشهداء في كلا الجريمتان، فهي دماء شريفة طاهرة زكية، أسأل الله العظيم رب العرش العظيم ان يجعل أصحابها جميعا في جنات عرضها السموات والارض، في مقعد صدق عند مليك مقتدر – لكن قصدي، أن تلك الجريمتان كانتا مما ينطبق عليها في علم القانون جرائم آنية، أما هذه الجريمة التي نحن بصدد الحديث عنها، فهي جريمة ستبقى آثارها الى حقب طويلة من السنين، ربما تمتد لعشرات إن لم يكن مئات السنين، وذلك بسبب المواد الاشعاعية الخطيرة على الانسان والحيوان والزرع والماء والهواء... لكن رجائي من القاريء الكريم أولا ان يزور هذا الموقع، الموجود اصلا في شبكة البصرة على الصفحة الرئيسية، فما عليك عزيزي القاريء سوى الضغط على هذه الصورة الواضحة على الصفحة الرئيسية، لترى صورا تقشعر الابدان منها، علما بأن هذه الصور غيض من فيض وليست كل شيء، وليس الذي رأى بعينه شخصيا، مثل الذي يرى الصورة.

http://www.einswine.com/atrocities/du/

 

أمريكا وقوات التحالف المجرمة اسقطت على العراق، ما حمولته أكثر من مائة الف طن من القنابل والصواريخ، هذا عدا عن القذائف والصواريخ الموجهة من المدمرات البحرية وحاملات الطائرات، ومن المؤكد ان هذه الكميات المتفجرة تعادل القوة التدميرية لست قنابل نووية من عيار قنبلة هيروشيما!!!!اما المصادر الغربية، فقد احتسبت الحمولات المتفجرة الملقاة على العراق خلال فترة العدوان انها تعادل ما القي على فييتنام خلال تسع سنوات !!!!! تلك هي الديمقراطية الامريكية التي يلهث وراء تجربتها بعض المستعربين، والتي ينحني أمامها المستعربون ايضا!!! وإذا كنت سأتوسع في الحديث عن هذه الجريمة، فلكي أحاول وضع القاريء العربي بالصورة عن هذه الجريمة المخيفة والمروعة، والتي لم يبالي بها العرب أبدا، - العرب على مستوى الحكومات وليس الشعب العربي – ولم يهتموا ولم يدينوا ولم... ولم.. ولم... وكأن الامر حدث في المريخ!!! ولم يحدث على بعد كيلو مترات منهم!!! فما قصة قنابل اليورانيوم هذه التي القاها المجرمون وما هي آثارها ونتائجها ؟؟

البداية في معرفتي أنا بهذه الجريمة كانت، حين سافرت الى أوكرانيا لمتابعة تخصصي، كطبيب جراح، وذلك في النصف الاول من عام 1992، كان العراق في ذلك الوقت، مثل الاسد الذي جلس يلعق جراحه، بعد أن خاض معركة بطـولية – لكن غير متكافئة – ورغم انها متفاوتة من كل النواحي، إلا أنه دافع عن نفسه ببسالة وشراسة، وصمد في هذه المعركة صمودا اسطوريا عظيما لن يسجله التاريخ لغيره، فقد هاجمته عدة حيوانات بوقت واحد، ومن كل حدب وصوب، فمن هنا الخنازير، ومن هناك الكلاب السائبة، ومن ذاك الطرف الضباع والثعالب و...و ، وهكذا.... انتهت خدمتي العسكرية، استكملت أوراقي، وتوجهت الى اوكرانيا، سافرت عن طريق الاردن، وفي مطار الملكة علياء، تألمت أيما ألم، وتحسرت وانا انظر الى طائرات الخطوط الجوية العراقية الجاثمة على أرض المطار، ومن المفارقة انني في الصيف الفائت، سافرت الى دمشق لمدة اسبوع لزيارة بعض الاقرباء والاصدقاء المقيمين هناك، فصدف ان طائرة الـ K.L.M التي كنت أستقلها من دمشق، توقفت في مطار الملكة علياء، ورأيت نفس الطائرات التي رأيتها اول مرة في عام 1992، والله لا اقول الا الصدق، دمعت عيناي من الحزن، على العراق وشعبه وقيادته والحال الذي آل اليه، واصلا كل من لا يشعر بالحزن والالم على الحال التي صار عليها العراق والمصير الذي آل اليه، لربما عليه مراجعة نفسه كثيرا، فمن المؤكد ان هناك أخطاء في مشاعره واحاسيسه وكيانه.

 

اول زيارة خارج (كييف)، اقوم بها مع اطباء اوكرانيين عام 1994، كانت لمدينة تقع على مقربة من مكان الكارثة النووية التي حصلت عام 1986، وعرفت يومها عالميا باسم (كارثة تشيرنوبل)، وهي وقعت عندما كانت اوكرانيا لا تزال ضمن ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي، أذكر انني في مستشفى تلك المدينة الصغيرة، شاهدت في عنابر خاصة (وشبه معزولة) اطفال (ذكور واناث، أعمارهم لم تتجاوز العشر سـنوات) مرضـى، ذوي عاهات مخيفة فعلا، وتشوهات خلقية اول مرة بحياتي ارى مثلها: رؤوس منتفخة حجمها غير طبيعي، انوف معوجة، عيون محملقة نائتة عن مكانها الطبيعي، ايدي غير كاملة ومشوهة، ارجل منتفخة بشكل غريب، بطون كبيرة، تشوهات خلقية اتت على الرأس من الخلف بكتل لحمية ظاهرة، رؤوس بدون أذنين، افواه كبيرة ذات شفاه كبيرة متدلية، ظهور منحنية، طفل جلده وكأنه رجل عمره اكثر من مائة سنة.... وهكذا.. مناظر فعلا مرعبة، وتزداد شفقتك وانت تنظر بذهول الى هذه التشوهات، حين ترى الاطفال ينظرون اليك ببراءة، وببسمة بريئة، ينفطر معها القلب، وتدمع لاجلها العين!!

 

لاحظ احد الاطباء دهشتي الشديدة، وانا انظر الى الاطفال متأثرا، فقال لي: اراك مستغربا من هذه الحالات !! لكن الا تعرف سبب وضع هؤلاء الاطفال ولماذا هم كذلك؟ فأجبت لا، انا فعلا مندهش من هذه الحالات الغريبة؟ فأجاب: هل سمعت بكارثة تشيرنوبل النووية؟ فأجبت: نعم، فقال: هؤلاء الاطفال، بعضهم ولد في نفس السنة التي حصلت فيها الكارثة، وبعضهم ولد بعد تلك السنة المشؤومة، وهذه التشوهات الخلقية التي تراها ما هي الا نتيجة الغبار الذري المتناثر، وسحابة النشاط الإشعاعي التي أطلقها المفاعل تشيرنوبل!!! فقلت له: لقد قرأت يوما ما ان تأثيرات تشيرنوبل اصابت الزرع والهواء والماء والاطفال المولودين في تلك الفترة وما بعدها، لكن لم اتوقع ابدا ان تكون الاصابات على هذا الشكل... فقال: إن عدد الاطفال المتأثرين بتلك الكارثة كان كبيرا جدا، والاثار لم تشمل اوكرانيا وحدها، بل امتدت لتشمل دولا غيرها في أوروبا... صعقتني تلك الاخبار التي قالها ذلك الطبيب، وصعقني اكثر حين علمت منه ان حالات الاصابة بالسرطان بين الاطفال قد كثرت بنسبة متصاعدة بعد وقوع تلك الكارثة، ولم تكن لا اوكرانيا ولا غيرها من الدول المنضوية تحت علم الاتحاد السوفييتي السابق تشهد هذا العدد المتزايد من حالات الاصابة بالسرطان بين الاطفال قبل وقوع الكارثة، فلربما يعلم القاريء ان الخدمات الصحية في الاتحاد السوفييتي كانت على درجة عالية من التقدم والرقي. وخاصة من ناحيةالعناية بالاطفال.

 

ولمن لا يعرف ما الذي حصل في تلك السنة المخيفة، ارجو ان يصبر نفسه قليلا لقراءة هذا التقرير المترجم والمذهل، عن الكارثة التي حصلت، راجيا من الجميع التمعن جيدا بالمواد الكيماوية التي تسربت، والاثار الناجمة عنها:

 

في السادس والعشرين من نيسان/ابريل عام 1986 وقعت كارثة نووية في الاتحاد السوفييتي السابق، الذي كان يتكون من خمسة عشر جمهورية، كانت اوكرانيا واحدة من تلك الجمهوريات، وتعتبر الثانية في عدد السكان بعد جمهورية روسيا، وفيها كان يقع مفاعل تشيرنوبل الذي حصلت فيه الكارثة. استيقظ سكان بلدة “تشرنوبل” الريفية على اصوات الانفجارات المدوية ولهب الحريق المتصاعد ونداءات رجال الميليشيا بترك المنازل والتوجه الى الباصات المخصصة لترحيلهم الى مناطق اخرى غير معلومة لديهم، وعن هذه المحنة الانسانية، حدثتني جارتنا في مدينة “كامينتس بدولسكي” بغرب اوكرانيا عندما كنا نودع أمها الى مثواها الاخير في اكتوبر/تشرين الاول عام ،1993 بعد ان ودعنا والدها في شهر سبتمبر/ايلول من عام 1992 حيث وافتهما المنية نتيجة الاشعاعات النووية، عن فصول تلك المأساة التي هي إحدى ضحاياها، حيث نصحها الاطباء بعدم الانجاب، وذلك لاحتمال تشوه ما ستنجبه من أطفال، بيد أنها رزقت في نهاية يونيو/ حزيران 2004 بمولودة اسمتها هدية الله، وعن الرعب الذي دب في صفوف المواطنين تقول لينا “لم نكن ندري بما حدث، استلمنا التعليمات بالرحيل، كنت يومها في المدرسة وقائدة في الطلائع، فأخذت في تنظيم الاطفال، لأسوقهم الى الباصات المخصصة لنقلهم الى مناطق بعيدة عن منطقة الحادث، وتقول: لقد ترك الناس بيوتهم، ولم يحملوا أبسط الأشياء، تركوا اللعب وغيرها من الممتلكات الثمينة، تركنا الارض الجميلة بخضرتها، تركنا أشجار التفاح والكرز والمشمش تركنا بلدتنا الجميلة المكسوة بالخضرة”. كان كل من شمال أوكرانيا، وجنوب وشرق بيلاروسيا (روسيا البيضاء)، والحدود الغربية الواقعة ما بين روسيا وبيلاروسيا، هي أهم الأقاليم التي تلوثت بالإشعاع. أشارت التقديرات الدولية إلى أن مساحة تتراوح ما بين 125 ألف الى 146 ألف كيلو متر مربع من مساحة بيلاروسيا وروسيا وأوكرانيـا، قد تلوثـت بمادة السيسـيـوم – 137 بمقدار تخطـى واحد كيوري - سي آي- ( وحدة قياس النشاط الإشعاعي)، أو 3.7 x 1010 بيكريل لكل كيلو متر مربع. وهذه المساحة تفوق مساحة الدول المجاورة التي تشمل جمهوريتي لاتفيا وليتوانيا معا، ووقت الحادث، كان يعيش في الأقاليم الملوثة حوالي سبعة ملايين نسمة، من بينهم ثلاثة ملايين طفل. وبالرغم من أن حوالي اربعمائة الف نسمة قاموا بمغادرة هذه المناطق، أو أعيد توطينهم في مناطق أخرى، إلا أن حوالي 5,5 مليون نسمة، من بينهم أكثر من مليون طفل، ظلوا يعيشون في المناطق الملوثة. وقد تسرب أكثر من أربعين نوعا مختلفا من الذرات المشعة من المفاعل المنكوب بشكل ملحوظ خـلال الأيـام العشرة الأولى التي تلت الحادث. ومـن أهمهـا، اليـود (131-1 السيسيوم ( سـي إس- 137 ) والإســترونتيـوم (خاصة S.R90 ). وكان عنصر السيسوم 137 أكثر العناصر الإشعاعية التي انتشرت لأجل طويل بعد الحادث.

وكانت بيلاروسيا أكثر الدول التي تأثرت بشدة جراء كارثة تشيرنوبل، حيث كانت أراضيها مستودعا لأكثر من 70 في المائة من مجموع الغبار الذري المتناثر. وقد تعرض نحو 23% من إجمالي مساحة البلاد إلى معدلات تلوث بمادة السيسيوم- 137 تقدر بأكثر من واحد كيوري لكل كيلو متر مربع. علما بأنه وقت وقوع الحادث كان يعيش في هذه المساحة حوالي 2,2 مليون نسمة، أي ما يعادل خمس عدد سكان بيلاروسيا. أصيب واحد ونصف بالمائة من 17 مليون كيلو متر مربع، هي اجمالي مساحة جمهورية روسية الفيدرالية بالتلوث الإشعاعي الناتج عن حادث تشيرنوبل، فقد تأثرت 19 منطقة، خاصة المناطق المحيطة ببعض المدن مثل بريانسيك، كاليوجا، تيولا، وأوريل. وكان يسكن هذه المناطق وقت الحادث حوالي 2,7 مليون نسمة. وقد تولى 200 ألف جندي سوفييتي تنظيف موقع المفاعل. ووفقا للتقارير الرسمية التي وردت من الدول الثلاث التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي السابق والمتأثرة بالحادث، (بيلاروسيا وروسيا وأوكرانيا)، فإن 25 ألفا من هؤلاء الجنود قضوا منذ ذلك الحين. وبلغت قيمة التكاليف التي تكبدتها الحكومة الروسية نتيجة الكارثة النووية حوالي 3,8 بليون دولار أمريكي، ما بين عامي 1992 و 1998. وتم تخصيص مبلغ ثلاثة ملايين دولار من تلك القيمة لتقدم كتعويضات لكل من المعاونين والضحايا. علماء بريطانيون قالوا إن سحابة النشاط الإشعاعي التي أطلقها حادث كارثة تشيرنوبل النووية فوق أوروبا ربما زادت من وفيات الأطفال وتشوهات المواليد في إنجلترا وويلز داخل بريطانيا في السنوات الثلاث التالية للحادث، وقدر الباحث جون أوركهارت زيادة وفيات الأطفال بمقدار 200 حالة على الأقل عن المعتاد في تلك السنوات الثلاث، وقال لمجلة نيو ساينتست: ربما قللنا كثيرا من الآثار الصحية لتشيرنوبل في غرب أوروبا، كما قدر أوركهارت أنه ربما يكون الإشعاع في إنجلترا وويلز قد أدى إلى زيادة تقدر بنحو 600 حالة من حالات التخلف العقلي وانفساخ العمود الفقري، وانفراج سقف الفم، وغيرها من التشوهات في تلك السنوات.

كان الوضع في ذلك اليوم المشؤوم ليس طبيعياً، وكنا نشعر بأن هناك أمراً غير عادي، ولم يكن الناس يعرفون ماذا يجري، كثيرون كانوا يعتقدون ان هناك انقلاباً ما قد وقع، أطاح بميخائيل جورباتشوف، وذلك أمر قابل للوقوع في تلك المرحلة بالذات، بيد أن الناس لم يدر في خلدهم أن المفاعل الرابع في في محطة تشرنوبل النووية قد انفجر وبات يهدد حياتهم ومستقبل الاجيال المقبلة، كما انه لم يدر في خلد فوج الشباب خريجي المعهد العالي للتكنولوجيا في كييف الذي توجه بكل عزيمة في صباح ذلك اليوم للعمل في محطة تشرنوبل، بأنهم نجوا بجلدهم من موت محقق، وقد عادوا من حيث أتوا وعلامات التعجب تعلوا وجوههم لعدم مقدرتهم فهم طبيعة ما شاهدوه وفك رموز المعادلة الصعبة لما رأته أعينهم من علامات حالة الطوارىء.

 

كارثة تشرنوبل ليست الوحيدة في مسلسل الكوارث البيئية، لكنها الاكثر حضوراً في قائمة الكوارث الانسانية في عالمنا المعاصر، حيث كانت محنة حقيقية تركت آثاراً بيئية شاملة ودائمة البقاء، وشكلت خطراً حقيقياً على أمن وسلامة الانسان، وتسببت في موت الكثيرين وحدوث الاعاقات والامراض المزمنة والدائمة، الى جانب حالات التفكك الاسري، والحالات النفسية في اوساط المشاركين في عمليات مكافحة التسرب الاشعاعي من محطة تشرنوبل النووية. السادس والعشرون من أبريل/نيسان ذكرى كارثة تشرنوبل النووية هي مناسبة حية للتفكير والتأمل ومحاسبة الذات الفردية والانسانية، حيث تعود تلك اللحظات المؤلمة وتنفجر الاحزان من جديد، يعود التاريخ الحزين مذكراً بتلك المأساة، ومؤكداً للعالم أهمية ذلك الدرس الانساني والمأساوي لاستيقاظ الضمير البشري واستنهاض المجتمع الدولي، ويذكرنا بحالة الخوف والهلع التي أحاطت بتفكيرنا، وأضفت على قراراتنا وتحركاتنا جانباً من الفوضى وانعدام الادراك السليم، فيما علينا فعله لحماية أنفسنا من امكانات التعرض للتلوث الاشعاعي. حزينة هي الذكرى التي مر عامها العشرون ونسعى لتسجيل بعض من أحداثها، تلك الحادثة المؤلمة والمأساة الانسانية التي جعلتنا نعيش حالة من التفكير والتأمل العميق فيما يمكن ان تسببه الانشطة البشرية العقيمة وغير العاقلة في الاخلال بتوازن نظامنا البيئي وتدمير مقومات الحياة على البسيطة، إنها كارثة عميقة الدلالات وتشكل فصول مأساتها درساً فعلياً للانسانية، ويحق للقارىء العربي ان يعرف حقائقها الخطيرة على أمن وسلامة الانسان، حيث ان ذلك يشكل دافعاً مهماً في تحريك سواكن التفكير الاجتماعي، وتفعيل الوعي الانساني بضرورة الالتفات الى ما نحن بصدد فعله، ودراسة ما يمكن ان ينتج عن ذلك من مخاطر على واقع الأمن البيئي للانسانية. تشرنوبل بلدة ريفية صغيرة وادعة غارقة في الخضرة، لقد زرتها قبل عام من الكارثة ورأيت جمالها الخلاب وأشجار الكرز والتفاح المليئة بالثمار، والتقيت الكثير من الناس من أهالي كييف والمدن الاخرى الذين كانوا يتواجدون في فترة الصيف مع عائلاتهم للراحة والاستجمام. فيستأجرون غرفاً في البيوت الخشبية ذات الطابق الواحد، ويتيهون في غابات الاشجار لجمع الفطر ويسترخون تحت أشعة الشمس على شواطىء بحر كييف الرملية النظيفة ويصطادون السمك، وقد دمرت تلك الكارثة ذلك الوئام البشري مع الطبيعي (انتهى التقرير).

 

حين زرت العراق في عام 1997، ذهبت الى البصرة لزيارة صديق حميم جدا تربطني به علاقة اخوية من ايام الدراسة، هذا الصديق درس الطب في احدى الجامعات الروسية، وعاد الى العراق متزوجا من امرأة روسية، احزنني بخبر وفاة ابنته ولما تبلغ الثمان سنوات بعد، لكن ما احزنني اكثر هو ان سبب وفاة البنت كان سرطان اللوكيميا!!! لقد اجرى فحوصات على رأس ابنته ((في مستشفى صدام في البصرة حيث يعمل)) قبل وفاتها، فتبين له انها مصابة باشعاعات اليورانيوم المنضب، وكم أحزنني بخبر آخر حين قال ان الكثير من الاطفال العراقيين الذين يزورون المستشفيات في تلك الايام كانوا يحملون نفس المرض!!!! ثم كان ان ذهبت واياه فيما بعد الى الناصرية، حيث مستشفى صدام أيضا، فأطلعني على عشرات الحالات من مثل حالة ابنته... ثم اصابني بالدهشة وهو يريني صورا لاطفال عراقيين مصابون بنفس العاهات والتشوهات التي رأيتها في أوكرانيا!!!  وما زاد في دهشتي انني حين عدت الى بغداد من البصرة والناصرية، ذهبت الى مستشفى اليرموك لحاجة ما، فرأيت بعيني التشوهات الخلقية والعاهات التي اصيب بها اطفال العراق من جراء قنابل اليورانيوم التي القيت على العراق في عدوان 1991!!! لقد تعرض العراق لجريمة مروعة، فلربما لو كان هناك عدل في هذه الدنيا، لمسحت امريكا وبريطانيا من الوجود عقابا لهما على هذه الجريمة المنكرة التي ستبقى آثارها لعدة حقب من السنين!!؟؟ ومع ان العالم بأسره شاهد صور اطفال العراق المشوهين نتيجة قنابل اليورانيوم، الا ان لا ما يسمى مجلس الامن تحرك ولا ما تسمى جامعة العهر العربي وخائنها العام تحركا، ولا ما تسمى منظمة المؤامرة على الاسلام تحرك لدى اعضائها ضمير – وهم ضميرهم ميت على كل حال – فقد بقي الجميع يتفرجون على ذلك المشهد، وكأنه مسلسل مسلي حلقاته اكثر من مائة، وكلما انتهت حلقة تشوقوا للحلقة القادمة لما تحمله من اثارة و suspense!!!!!

 

وقد وجدت في شبكة البصرة هذه المعلومات الهامة، التي اعتقد انها تفيد البحث وتغنيه...

 

لماذا تستخدم أمريكا وبريطانيا اليورانيوم المنضب؟

أولا وطبيعيا، فأن اليورانيوم المنضب أثقل من الرصاص، ويخترق أي عائق، بالاضافة الى ذلك فهو شديد الاشتعال، يحترق بدرجة حرارية 600 ، ومن النادر امكانية ايقافه، لكن قبل كل شيء فاليورانيوم المنضب رخيص الثمن، فهو لا يكلف شيئا تقريبا، لأن صانعي العتاد يحصلون عليه مجانا في الولايات المتحدة الامريكية من وزارة الطاقة، ولو لم يكن اليورانيوم المنضب، للجأ المصنع الى التنجستسن غالي الثمن، والذي يكلف 3400 دولار للطن الواحد، بالاضافة الى ان الصين تستحوذ على 80 % من انتاج التنجستسن العالمي، ولهذا العنصر الفلزي مساوئ أخرى، فهو لا يحترق الا بدرجة حرارية تصل الى 3000 درجة مئوية، ولو أراد المرء تركيع العدو بسرعة، فعليه اللجوء الى اليورانيوم المنضب، لقد استعمل النازيون عام 1943 اليورانيوم بالح