|
كتاب الجريمة الأميركية المنظمة في العراق (الحلقة
الثانية) |
|
شبكة البصرة |
|
بقلم الباحث والكاتب العربي حسن خليل غريب - لبنان |
|
الفصل الثاني الاحتلال وإفرازاته نقائض للشرعية الدولية والإنسانية أولاً:الاحتلال غير شرعي بمقاييس القانون الدولي، وشرعي بمقاييس القوة الأميركية: بداية، قادت الولايات المتحدة وبريطانيا الجهود، في أربعينات القرن العشرين، لكي تستبدلا عالماً تسوده الفوضى والصراعات، بنظام جديد قائم على الأسس والمبادئ. وعلى الرغم من أن وجهات نظرهما لم تكن متطابقة تماماً، إلا أنهما كانتا تأملان في أن تجعلا العالم مكاناً أفضل، حراً من الخوف أو الحاجة. وقد اقترحتا أسساً وقواعد دولية جديدة تضع حداً لاستخدام القوة، وتدعم حماية حقوق الإنسان الأساسية وتحترم التجارة الحرة والتحرر الاقتصادي العالمي. وقد أوجدتا تحالفاً تحت شعار أمم متحدة مع العديد من الدول الأخرى. وكان مشروعهما قائماً على الاعتقاد بأن القواعد والأسس سوف تخلق فرصاً وتعزز قيماً مشتركة على نطاق واسع. وأصبح العالم في مستهل القرن الحادي والعشرين مكاناً مختلفاً جداً عن المكان الذي أعاد فرانكلين روزفلت وونستون تشرشل بناءه قبل نصف قرن، ومر القانون الدولي بثورة، جعلت الأسس والقواعد تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية. ولكنها كانت ثورة صامتة. ولم يلحظ معظم الناس مدى التأثير الذي طال حياتهم اليومية بفعل الأسس والقواعد العالمية الجديدة. ومع انتخاب جورج دبليو بوش في نوفمبر/ تشرين الثاني 2000، تسلمت السلطة إدارة أمريكية مشهورة بعزمها على تحدي الأسس والقواعد الدولية. حينذاك، سعت إدارة بوش الأولى لإعادة تشكيل نظام المبادئ الدولية، من التخلي عن تشريع روما بشأن محكمة الجنايات الدولية، وبروتوكول كيوتو بشأن الاحتباس الحراري، مروراً بمحاولة عدم تطبيق اتفاقات جنيف وغيرها من معايير حقوق الإنسان في جوانتانامو وغيره من الأماكن، وصولاً إلى إنكار تشريعات الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة. ومعاً، كانت الدولتان تحاولان إعادة صياغة القواعد والمبادئ الدولية. ولكنهما كانتا تفعلان ذلك دون اللجوء إلى نص مكتوب، بل ارتجالاً مثلما فعلتا في عراق ما بعد الاحتلال، دون أن تسألا نفسيهما فيما يبدو: بماذا نستبدل هذه القواعد والمبادئ؟ يستحيل تخيل العودة إلى الفطرة، إلى مرحلة ما قبل التنظيم لكوكب الأرض، حيث تفعل كل دولة ما يحلو لها، دون أن تقيدها أي التزامات دولية. فهذا تفكير رغائبي، مثلما تبين للولايات المتحدة وبريطانيا من تجربتهما في العراق و«الحرب على الإرهاب». وعلى الرغم من النقص الذي يعتري مبادئ القانون الدولي، إلا أنها ضرورية وتعكس الحد الأدنى من معايير السلوك المقبول. فهي توفر معياراً للحكم على مدى شرعية الأفعال الدولية. ويجب الإذعان لها إذا أريد للأفعال أن تعتبر شرعية. وحين شعرت الولايات المتحدة بالقيود على ممارسة استقلالها وسيادتها حاولت تخطي تلك المبادئ، وبخاصة حين لم تكن توفر لها فوائد اقتصادية مباشرة. وفي السنوات الأخيرة، اعتادت بريطانيا أن تغض الطرف، بل حتى أن تتواطأ. وألحقت الضرر بمصالحها على المدى البعيد بإقصاء العديد من حلفائها، وبنزع غطاء الشرعية عما تفعله. وفي كل ذلك كان يساعدها رئيس وزراء بريطاني مثالي صاغر. وعلى الرغم من أنه قد يكون حسن النية، إلا أن دوره الرئيسي كان إضفاء الشرعية على ما لا يمكن الدفاع عنه. يتناول فيليب ساندز، مؤلف كتاب «عالم بلا قانون»، الحرب في العراق، فيقول إنها حين وقعت، في العام 2003، وضعت قواعد وأصول استخدام القوة في دائرة النقاش لدى عامة الناس. فأصبحت شرعية الحرب قضية جوهرية تشغل بال الكثيرين في العديد من أنحاء العالم، وغدت موضوع النقاش في المجالس التشريعية، وتشغل الصفحات الأولى في العديد من الصحف، بل صارت مدار افتتاحيات كثير منها. وأدى احتمال نشوب حرب غير شرعية لا يدعمها مجلس الأمن إلى زيادة أعداد المتظاهرين والمشاركين في المسيرات في فبراير/ شباط، ومارس/ آذار ،2003م. فقد أوضح دونالد رامسفيلد في اليوم التالي ليوم 11/9 الحدود التي يضعها القانون الدولي على رد عسكري، وأجابه بوش مسرعاً: «لا يهمني ما يقوله رجل القانون الدولي.. إننا سوف نركل قفا أحدهم». ومع استعدادات جحافل الجنود لدخول العراق، كان بوسع إنسانة منطقية مثل آن ماري سلوتر، عميدة كلية وودرو ويلسون في جامعة برنستون، ورئيسة الجمعية الأمريكية للقانون الدولي، أن تكتب في صحيفة (نيويورك تايمز): «إن الحرب ستكون غير قانونية، ولكنها تتماشى مع القانون». وقد تراجعت عن موقفها ذاك بعد سنة، وتوصلت إلى أن الغزو لم يكن قانونياً ولا يتماشى مع القانون. فالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أنه ما من شيء في الميثاق «يوجب إفساد حق الدول الموروث في دفاعها عن نفسها منفردة أو مجتمعة، إذا وقع هجوم مسلح ضد دولة عضو في الأمم المتحدة». لقد أثارت المادة 51 العديد من الأسئلة. فهل يمكن التوسل بالدفاع عن النفس قبل وقوع هجوم مسلح؟ وإذا كان هنالك حق «دفاع تحسبي عن النفس»، كما يسمى، فهل يمكن التوسل به عندما تكتسب دولة أخرى، أسلحة دمار شامل، أو تكون في طور اكتسابها؟ وقضية «الدفاع التحسبي» قضية ضاغطة، لأن استراتيجية الأمن القومي التي اتبعها الرئيس بوش في مرحلة ما بعد 11/9 ألزمت الولايات المتحدة بالعمل على نحو استباقي لإحباط أو منع الأعمال العدائية. وفي مارس/ آذار 2004م، ألقى رئيس الوزراء البريطاني خطاباً أكد فيه وجود «واجب وحق منع تحقيق أخطار» نشر أسلحة الدمار الشامل أو الحصول عليها بصورة غير مشروعة. وقد اعتبر البعض ذلك مصادقة على إعلان الولايات المتحدة حقها في الضرب على نحو استباقي. فعقيدة بوش ذاتها وتأييد بلير الخفيف لها يشكلان تهديداً أساسياً للنظام القانوني الدولي. يتضح جلياً أن جورج دبليو بوش كان عازماً على إطاحة صدام حسين منذ بدء رئاسته، ولا يزال سبب ذلك غير واضح، فلم يكن هناك دليل قوي على أنه يهدد المنطقة، أو أنه مرتبط بحركة القاعدة. ولما أصبح العديد من الأشخاص كبار مستشاري الرئيس بوش وأعضاء إدارته، ومن بينهم ديك تشيني، ودونالد رامسفيلد، وبول وولفويتز، راحوا ينادون بإزالة صدام حسين. فقد قال بول اونيل، وزير الخزانة الأمريكي السابق، لمشاهدي شبكة (سي.بي.اس): «منذ البداية كانت هنالك قناعة بأن صدام حسين شخص سيئ ويجب أن يرحل». وقد وفرت أحداث 11/9 انبعاث الإرهاب الإسلامي ذريعة مثالية، حتى وإن لم يكن هنالك دليل ثابت على التواطؤ بين العراق وحركة القاعدة، أو أي دليل قوي على وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق، وفي غضون يومين بعد الهجمات على مركز التجارة العالمي، كان رامسفيلد يسأل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة: «لماذا لا نمضي ضد العراق، لا ضد حركة القاعدة وحدها؟». وفي 5 إبريل/نيسان 2002 أعلن بوش أن «صدام يجب أن يرحل». وبدا أن الولايات المتحدة راغبة في المضي وحدها، ولكنها تحتاج إلى نوع من التحالف للحد من أعباء الفردية، وتأمين المساندة المحلية. في هذه الأثناء كان رئيس الوزراء البريطاني قد انضم إلى الركب، بعد أن استنتج أن شيئاً لن يقف في طريق بوش. وكان بلير قد ألمح في الأوساط الخاصة إلى التزامه بتغيير النظام. ولكنه، خلافاً لبوش، كان يعلم أن ذلك لا يمكن التصريح به علناً، لأن استخدام القوة من أجل تغيير النظام كان مناقضاً بوضوح للقانون الدولي. وقد أكد عضو البرلمان ومساعد المدعي العام البريطاني ميشال فوستر أن اللورد جولد سميث قد سئل فيما بعد السؤال: هل سيكون تغيير النظام قانونياً بحد ذاته؟ فقال: لا، لن يكون. كما اعترف مانينج: لم يكن تغيير النظام ليلقى الموافقة من الصحافة والبرلمان والرأي العام الذي كان مختلفاً جداً عن أي شيء في الولايات المتحدة. كانت حكومة بلير بحاجة إلى دعم قانوني داخلي، بعد أن تعثَّر الحصول على غطاء شرعي من قبل مجلس الأمن. ولهذا تمَّ استدعاء المدعي العام البريطاني، في 17 آذار/ مارس 2003م، للرد على سؤال برلماني عن القاعدة الشرعية لاستخدام القوة من قبل المملكة المتحدة ضد العراق. وتطلب الجواب المكتوب 337 كلمة فقط، وباقتصاد واضح في الكلمات، وضع الأساس لرأيه الذي يقول فيه إن سلطة استخدام القوة ضد العراق موجودة بفعل «التأثيرات المجتمعة» لقرارات مجلس الأمن ،678 ،687 و1441. وكانت الحجة بسيطة على نحو مضلل(*). واحتجاجاً على ضعف الأسباب القانونية تقدمت نائبة المستشار القانوني لوزارة الخارجية اليزابيث ويلمشورست، في 18 مارس/آذار، أي اليوم التالي لنشر الحجة، رسمياً بطلب إحالتها على التقاعد مبكراً، أو منحها الاستقالة. وقد كتبت «يؤسفني أنني لا أستطيع الموافقة على أن من القانوني استعمال القوة من دون قرار ثانٍ من مجلس الأمن». وأضافت: «لا أستطيع في قرارة نفسي المضي في منح الاستشارة، ضمن الوزارة أو إلى الجمهور أو البرلمان التي تؤكد شرعية العمل العسكري من دون مثل ذلك القرار، وعلى الخصوص، لأن استعمال القوة بصورة غير شرعية بمثل ذلك الحجم يرقى إلى جريمة العدوان؛ كما لا يمكنني الموافقة على مثل ذلك الفعل في ظروف ضارة جداً بالنظام العالمي وحكم القانون»([1]). وفي صحيفة الجارديان كتب وزير الخارجية البريطاني السابق روبن كوك، الذي انسحب من الحكومة قبل بدء الحرب، وصار متحدثاً باسم كثيرين من يساريي الحزب، والذي يعتقد مخلصاً أن بلير أساء التقدير، وأن الآثار على بريطانيا ستتمثل في ازدياد مخاطر الهجمات ، جاء فيه إن اللورد جولد سميث وصل إلى المشورة القانونية التي يقول فيها «إن الذهاب إلى الحرب في العراق ليس عليه لبس قانوني» خلال ثلاث مراحل: في المرحلة الأولى التي استمرت عدة أشهر قبل اندلاع الحرب كان رأي سميث أن هناك حاجة إلى قرار ثان من مجلس الأمن لشن الحرب. وحين اتضح أنه لن يكون هناك قرار ثان خفف سميث من لهجته، وقال: «إن بإمكان بريطانيا الاعتماد على ما صدر عن الأمم المتحدة من قرارات، لكن وضعها القانوني سيكون حرجاً». أما المرحلة الثالثة فجاءت حين أصرَّ الأدميرال مايكل بويس، رئيس الأركان العامة في ذاك الوقت، قبل ثلاثة أيام من الغزو على عدم البدء بالحرب قبل التأكد من قانونية ذلك. عندها جاءت المشورة القانونية من جولد سميث لا لبس فيها([2]). وقد تبيَّن، لاحقاً، حسب ما ذكرت صحيفة «الاوبزرفر» البريطانية، أن الوثيقة تؤكد، فيما يبدو للمرة الأولى، أن المدعي العام لورد غولد سميث كانت لديه تحفظات خطيرة بشأن مشروعية الحرب، وأنه غيَّر رأيه عندما احتشدت القوات البريطانية والأميركية على حدود العراق استعداداً للغزو. وتحذر النصيحة القانونية المؤلفة من 13 صفحة التي كان أعدها غولد سميث في السابع من آذار/ مارس، كما جاء في تقرير لصحيفة «الميل» البريطانية، من أن بلير يمكن أن يكون قد انتهك القانون الدولي لستة أسباب تتراوح ما بين الافتقار لقرار ثان من الأمم المتحدة إلى تجاهل عمليات البحث المستمرة عن الأسلحة في العراق برئاسة مفتش الأمم المتحدة هانز بليكس([3]). وعن ذلك، كشفت صحيفة (نيو ستيتسمان) البريطانية في 22/ 5/ 2003 أن المدعي العام البريطاني اللورد (بيتر جولد سميث) حذّر رئيس الوزراء توني بلير في مذكرة سرية من أن أنشطة قوات الاحتلال في العراق، التي تتجاوز الحفاظ على الأمن، بدون مساندة الأمم المتحدة ستكون غير قانونية. ومن بين تلك الأنشطة إعادة الإعمار. ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن الصحيفة قولها: إن هذه المذكرة نُقلت إلى بلير في 26/ 3/ 2003، أي بعد 6 أيام من بدء الحرب على العراق. وأوضحت الصحيفة أن «المذكرة تنص على أن كل أنشطة قوات الاحتلال في العراق التي تتجاوز مجرد الحفاظ على الأمن، ستكون غير قانونية من دون موافقة الأمم المتحدة»([4]). واتضح أن المدعي العام لم يقدم عرضاً قانونياً تفصيلياً لمشروعية الحرب على العراق، ولكن ورقتين قرئتا أمام مجلس العموم قبل جلسة تاريخية للتصويت على المشاركة البريطانية في غزو العراق. وبحسب وزيرة التنمية والتطوير الدولي السابقة كلير شورت، التي استقالت من منصبها بعد الغزو، إن الحكومة اضطرت للتعمية على بعض فقرات الاستقالة لأنها مدمرة، ولأنها تظهر أن المدعي العام غيَّر رأيه في مدى يومين، وقبل أن يقدم النصيحة القانونية للحكومة التي جاءت واضحة وأنها المرجع القانوني في الحرب، بدون الإشارة إلى أن شكوكاً قد ساورته قبل ذلك([5]). -اعترف رئيس المعهد الدولي للدراسات العسكرية والأمنية في بريطانيا، الأدميرال ريتشارد كوبلد، بعدم صدقية الذرائع والأسباب التي ساقتها الإدارتان البريطانية والأميركية لاحتلال العراق ومنها ذريعة أسلحة الدمار الشامل. كما أدان تشارلز كنيدي، زعيم الحزب الديموقراطي الليبرالي البريطاني، الغزو. وذكَّر بمعارضة حزبه، التي عكست رأي الملايين من البريطانيين، منتقداً سياسية الحكومتين في احتلال العراق. وأكد منزيس كامبل، الناطق باسم الحزب للشؤون الخارجية، أن موقف الحكومة البريطانية قد أصاب مصداقية بريطانيا بالصميم وأساء إلى سمعتها على الصعيد الدولي([6]). واستباقاً لكل محاولات طوني بلير في الحصول على موافقة الحكومة البريطانية للمشاركة في الحرب على العراق، اعتبرت اليزابيت ويلمهورست، مستشارة الحكومة القانونية، في كتاب استقالة وجهته في آذار (مارس) 2003 ونشرتها بي بي سي، التدخل الأمريكي البريطاني في العراق بأنه عدوان. وقالت في كتابها المؤرخ في 18 آذار/ مارس 2003، الذي سمح القانون الجديد حول حرية الإعلام في كشف النقاب عنه، إن التدخل العسكري في العراق يشكل استخداماً غير قانوني للقوة ويمكن اعتباره عدواناً. إن عدم قانونية قرار الذهاب إلى الحرب في العراق سيضع مسؤوليات كبيرة على بريطانيا في المستقبل في ما يتعلق بالتعويضات للشعب العراقي عن الخسائر المادية والبشرية التي تكبدها بفعل هذه الحرب. فالأرقام تشير إلى استشهاد مئة ألف عراقي وإصابة ثلاثة أضعاف هذا الرقم بسبب الحرب، ناهيك عن الدمار الهائل الذي لحق بالبلاد وبناها التحتية، وإذا تمت ترجمة هذه الأرقام إلى تعويضات فإن بريطانيا وأمريكا ستدفعان آلاف المليارات كتعويضات إن لم يكن أكثر([7]). وفي مقابلة مع صحيفة الاوبزرفر البريطانية، أكد الأدميرال مايكل بويس، رئيس هيئة الأركان البريطاني السابق الذي قاد قوات الاحتلال البريطاني في احتلال العراق، أنه في حال تعرضه أو جنوده في أي وقت في المستقبل لتهم ارتكاب جرائم حرب بسبب احتلال العراق أمام محكمة الجزاء الدولية فسيجر معه إلى قفص الاتهام أشخاصاً آخرين من بينهم رئيس الوزراء والمدعى العام. وأنه إذا ذهب هو أو جنوده إلى السجن فإن أشخاصاً آخرين سيذهبون معهم أيضاً. وتابع قائلاً: «إنه كان يهدف من وراء مطالبته بالحصول على ضمان صريح بقانونية الحرب إلى امتلاك سند قوي موقع من رجل القانون الأعلى في البلاد» ، مشيراً إلى أنه يدرك أن الحكومة لم تستطع تزويده بغطاء قانوني كامل أو حماية نهائية من الملاحقة القضائية، ولكن ما حصل عليه يجعله واثقاً من قدرته في حال حدوث مثل هذه الملاحقة على جر آخرين لمشاركته هو وجنوده في هذا المصير([8]). وبالإضافة إلى أن مسألة لا شرعية الحرب ضد العراق، كانت مادة مهمة للأحزاب السياسية البريطانية التي تنافس بلير وحزب العمال، عمَّت تأثيراتها لتطول وسائل الإعلام البريطانية. فاتهمت الصحف البريطانية رئيس الوزراء توني بلير بشكل صريح بالكذب، وإخفاء الحقائق إثر الكشف عن كامل النصيحة القانونية التي قدمها المدعي العام إلى الحكومة قبل عدة أيام فقط من بدء الاحتلال العراق([9]) . وانتقدت جريدة (صن داي تلغراف) توني بلير، الذي خلافاً لموافقته على إنشاء محكمة الجرائم الدولية، مؤكدًا أن البريطانيين يجب أن يخضعوا لقواعدها، قرر الانضمام إلى تحالف الرئيس الأمريكي جورج بوش لغزو العراق، مع إعادة الإصرار على أنه لن يذهب إلى حرب العراق ما لم تتفق مع القانون الدولي. وخلافاً لتصريحه تبيَّن أنه لا يحترم القانوني الدولي. فعلى الرغم من تأكيد المستشارة القانونية لوزارة الخارجية البريطانية اليزابيث ويلمشورست على عدم شرعية حرب العراق، واعتقاد محامي الحكومة البريطانية أن غزو العراق غير شرعي بدون صدور قرار ثان من مجلس الأمن، شاركت بريطانيا في الغزو، وفعل بلير كل شيء يقدر عليه لتمرير قرار أممي ثان إلا أنه فشل في ذلك بعد رفض أغلبية أعضاء مجلس الأمن للتصويت للحرب، وإصرارهم على أن غزو العراق سيكون غير شرعي. ولم يكتف بلير بتجاوز مجلس الأمن فراح يمارس الضغوط على المدعي العام اللورد جولد سميث للقول بشرعية تلك الحرب. «إن الحقيقة تتمثل في أن هذه الحرب كانت غير شرعية». ودعت إلى تشكيل تحالف يعمل على إعادة الحكومة الشرعية لصدام حسين، وضرورة اعتقال توني بلير وتقديمه لمحكمة الجرائم الدولية([10]). وفي صحيفة الاندبندنت مقال بعنوان «11 يوماً قادت بريطانيا إلى الحرب»، ومقال آخر عن موضوع المشورة القانونية التي قدمها جولدسميث بعنوان: «إذا كان بلير لا يخفي شيئاً فلينشر الوثيقة الأصلية»، جاء فيه: «تقود صحيفة الاندبندنت حملة للمطالبة بكشف الوثيقة التي تتضمن المشورة القانونية التي قدمها المدعي العام اللورد جولد سميث للحكومة وبالتحديد تلك الوثيقة التي أعدها في 7/ 3/ 2003، والتي تتكون من 13 صفحة». وأضاف المقال: «إن الصالح العام يتطلب نشر نص المشورة القانونية بالكامل وسيكون مفوض الاستعلامات ريتشارد توماس قد خالف الواجب الذي تمليه عليه وظيفته اذا لم يُفشل محاولة الحكومة للإبقاء عليها سراً». وفي صحيفة الأوبزرفر، يقول هنري بورتر: «سواء أكنت معارضاً للغزو أم كنت تعتقد أن ما تمخض عنه يصب في صالح الشرق الأوسط لا يهم. إن هذه القضية هي حول كيف تحكم بريطانيا والطريقة التي يقوم بها توني بلير باستخدام جهازه السياسي لتشويه مشورة قانونية قدمها موظفون ورجال استخبارات»([11]). ولم يقف مؤيدو بلير باتخاذ قرار الحرب ضد العراق على حياد بل اتهموه بالكذب، لأنه غرَّر بهم عندما أخفى تقرير اللورد (بيتر جولد سميث) المدعي العام البريطاني([12]). ومما يؤكد لا شرعية الحرب ضد العراق، هو ما أعلنه، في العام 1995م، السير بيتر دي لا بيليير، حول عدوان العام 1991م، حيث قال: «لم يكن لدينا تفويض بغزو العراق أو الاستيلاء على البلاد». وقد أكَّد الأمر ذاته آخرون كانوا في السلطة وقتئذ. وكان جون ميجر رئيساً للوزراء عندما تم تبنّي القرارين 678 و687. وفي رأيه: «كان التفويض الممنوح إلينا من الأمم المتحدة هو طرد العراقيين من الكويت، لا إسقاط النظام العراقي.. لقد ذهبنا إلى الحرب لتعزيز القانون الدولي. وكان تجاوز التفويض الممنوح إلينا، يعني انتهاكاً للقانون الدولي». وبدوره يتساءل فيليب ساندز، مؤلف كتاب «عالم بلا قانون»: إذا كان القراران 660 و678 لم يوفّرا أي أساس لإسقاط صدام حسين سنة 1991، فكيف يوفّران هذا الأساس سنة 2003؟([13]). في صحيفة صندي تلغراف نجد مقالاً بعنوان «هل يجب إطلاق سراح صدام واعتقال بلير؟»: يخلص الكاتب إلى القول إن الذين يشككون في شرعية الحرب لا يجرؤون على التعبير عن النتيجة المنطقية لموقفهم وهي المناداة بخلق تحالف يقوم بإعادة الحكومة الشرعية لصدام حسين إلى الحكم، وإلقاء القبض على توني بلير وتقديمه إلى محكمة جرائم الحرب الدولية. هذا هو الموقف الذي لا مفر من أن يقود إليه منطق أبطال القانون الدولي، وهو ما يجب أن يجعلنا نحس كم هو غير واقعي هذا العالم الذي نعيش فيه([14]).
ثانياً: دول كبرى ثلاث ترفض اتخاذ قرار دولي يُشرِّع الحرب ضد العراق أصدرت فرنسا وألمانيا وروسيا بياناً مشتركاً قالت فيه إنه لا يوجد ما يبرر شن الحرب على العراق وإن فرق التفتيش لا تزال تمارس مهمتها فيه، وهي «تعيد التأكيد على عدم وجود ما يبرر الظروف الراهنة أو وقف عمليات التفتيش واللجوء إلى استخدام القوة». وقال الوزير الفرنسي إن بلاده يمكنها أن تقبل حلاً وسطاً بخصوص سرعة عمليات التفتيش لكنها لن تقبل بأي تفويض تلقائي لشن الحرب([15]).
ثالثاً: كذلك الشارع العالمي امتلأت شوارع المدن الكبرى بملايين المتظاهرين احتجاجاً على الحرب ضد العراق. ولم تنج شوارع المدن الكبرى في الولايات المتحدة الأميركية من مسيرات الاحتجاج: احتشد ألوف المتظاهرين المناهضين للحرب ضد العراق حول البيت الأبيض. وكذلك في واشنطن ولوس انجلوس وسان فرانسيسكو وعدداً من المدن الصغيرة. وجاءت في إطار المسيرات العالمية الحاشدة التي شهدتها نحو 400 مدينة في مختلف أنحاء العالم للتنديد بالخطط الرامية للقيام بعمل عسكري وشيك ضد العراق بزعم نزع أسلحته([16]). وفي مواجهة احتمال استعمال فرنسا وروسيا لحق النقض الفيتو. ولاستعجال أميركا اتخاذ قرار الحرب بمن يوافق من الدول الأخرى. عقد جورج بوش، الرئيس الأميركي، وطوني بلير، رئيس الحكومة البريطانية، وجوزيه ماريا أزنار، رئيس حكومة إسبانيا، قمة ثلاثية في 16/ 3/ 2003م في جزر «الأوزور» البرتغالية. وفي المقابل راحت تتسرَّب أخبار عن أن الإدارة الأميركية تدرس بجدية إمكانية الانسحاب من مجلس الأمن وبصحبتها بريطانيا استعدادًا لإيجاد هيئة دولية جديدة تتماشى مع مطامع الإدارة الأميركية لإيجاد نظام دولي قوي([17]).
رابعاً: كيف تحمي حكومتا أميركا وبريطانيا جنودهما من المحكمة الجنائية الدولية؟ قالت صحيفة الأوبزرفر البريطانية: إن الجنود الأمريكيين والبريطانيين في العراق سيحصلون، بمقتضى اتفاق مع الأمم المتحدة، على حصانة ضد إقامة دعاوى قضائية ضدهم من جانب عراقيين بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وإنهم سيحاكمون أمام محاكم بلادهم فقط بشأن الانتهاكات التي ارتكبوها ضد المعتقلين العراقيين بسجن أبو غريب وغيره من السجون العراقية([18]). وقد صادق م |