كتاب الجريمة الأميركية المنظمة في العراق (الحلقة الثالثة)
صدر الكتاب عن دار الطليعة في بيروت

شبكة البصرة

بقلم الباحث والكاتب العربي حسن خليل غريب - لبنان

الفصل الثالث

الاحتيال والخداع من وسائل الجريمة المنظَّمة

ورد في وثيقة خاصة صادرة في أيلول/ سبتمبر 2002 عن الرئاسة الأمريكية بشأن «استراتيجية الولايات المتحدة الأمنية في المرحلة المقبلة» ما يلي: «إن إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي لا بدَّ من أن تنبع من المعتقدات الأمريكية الراسخة في العدل والحرية. فتلك المعتقدات هي التي ستقود ممارسات الإدارة الأمريكية تجاه العالم بأسره. وبناء على هذا، ستتخذ الإدارة الأمريكية الخطوات التالية (ومنها): إدانة كل اختراق أو انتهاك يهدد وجود الكرامة الإنسانية، وذلك من خلال المؤسسات والمنظمات الدولية». ومن أجل ذلك ستتبع الإدارة الأمريكية خطة مدروسة للقضاء على الإرهاب؛ وذلك بالتركيز على المنظمات الإرهابية المنتشرة عالمياً؛ وعلى أي إرهابي أو أي دولة داعمة للإرهاب، وداعمة لاستخدام أسلحة الدمار الشامل. والتخلص من التهديد وإزاحته من قبل أن يصل إلى الأراضي الأمريكية. و شن «حرب الأفكار» من خلال تشبيه الإرهاب بالرق والاستعباد والقرصنة والقتل الجماعي. ونزع فتيل الصراعات الإقليمية(*). ومنع الدول الضعيفة من امتلاك أسلحة الدمار الشامل،والحد من انتشارها، ومنع الخطر قبل وصوله إلى الأراضي الأمريكية. فعلى الولايات المتحدة أن تؤهل نفسها للرد على ما ينتج عن استخدام تلك الأسلحة من آثار وعواقب، على قاعدة أنها لا تستطيع أن تنتظر العدو لكي يبدأ بالضرب أولاً، فالردع المعتمد فقط على التهديد بالانتقام، لم يعد ذا تأثير. وبناء على ذلك، يتحتم على الإدارة الأمريكية أن يكون لديها من الضربات الوقائية ما يدفع عنها تلك الهجمات الإرهابية. ولهذا فإن الجيوش الأمريكية،التي كانت في يوم من الأيام مبنية بهدف ردع جيوش الحرب الباردة، لا بدَّ من أن تتحول الآن فتركز أكثر على كيفية اعتداء العدو، بدلاً من التركيز على مكان وتوقيت الاعتداء. ومن أجل مواجهة تحديات الأمن الحالية، التي تولدت بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر من العام 2000، ستكون الإدارة الأمريكية في حاجة شديدة إلى قواعد ومحطات في أوربا الغربية وفي شمال شرق آسيا؛ بالإضافة إلى ترتيبات وقتية لنشر القوات الأمريكية على المدى البعيد، وهذا يقتضي توفير عدة اختيارات عسكرية للرئيس الأمريكي، ليختار منها ما يشاء؛ وهو ما يثبط من إمكانيات الهجوم على الولايات المتحدة أو على الدول الصديقة. وبذل الجهد في توصيل ثقافة عامة عن أمريكا لتتعرف كل شعوب الأرض عليها. فالحرب الدائرة الآن هي حرب أفكار؛ ولا بدَّ من أن تكون الغلبة للولايات المتحدة. ومن أجل توطيد العلاقات مع الجناح الآسيوي سعت الإدارة الأمريكية إلى تأهيل اليابان لأن تلعب دوراً رائداً في الشئون الإقليمية والعالمية. والعمل مع كوريا الجنوبية لأخذ حذرها من كوريا الشمالية؛ وإقامة تحالف أمريكي-أسترالي يمتد لمدة خمسين سنة. والاحتفاظ بالقوات الأمريكية في المنطقة، وهو ما يعكس الانتماء الأمريكي للحلفاء الآسيويين، وتطوير استراتيجيات إقليمية وثنائية لإحداث تغيير في هذه المنطقة الديناميكية ([2]).

ولكي تنفِّذ الولايات المتحدة استراتيجيتها، بما يتوافق مع مبدئها في «حرب الأفكار» كان لا بدَّ من إضفاء صفات الأهداف الإنسانية عليها. فراحت تغلفها بأقنعة خادعة. وتنقسم وسائل الخداع والتضليل الأميركي في عدوانها على العراق إلى قسمين: أولهما الذرائع الأساسية التي روَّجت لها وسائل إعلام إدارة جورج بوش. وثانيهما الذرائع الاحتياط التي تتلطى بها إذا انكشف الكذب عن الذرائع الأساسية. أما الذرائع الأساسية فتشمل: أسلحة الدمار الشامل، والتعاون مع تنظيم القاعدة:

 

أولاً: أسلحة الدمار الشامل

أجهدت الولايات المتحدة نفسها في سبيل إثبات حصول العراق على أسلحة للدمار الشامل، كذريعة ساقتها من أجل إقناع أعضاء مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار يسمح لها بشن العدوان عليه. ولما لم تنجح في محاولاتها اتخذت قرار الحرب بمن وافقها الرأي أو انصاع لضغوطها. ولم يعد بخاف على المراقب أنها خططت، بعد احتلال العراق، لوضع الجميع أمام حقائق ووقائع جديدة ترغمهم على تناسي الأسباب المعلنة، خاصة من خلال مساومتهم على الاستفادة مما تسميه «كعكة العراق». وبإغرائهم يتناسون القانون الدولي، وهي بدورها تتجاوز مخالفته وتضعه من ورائها.

 وانسجاماً مع خطتها الشاملة احتلت العراق. ولما حسبت أنها خلقت وقائع جديدة فيه، وما كادت تنتقل إلى مرحلة إغراء دول الرأسمال العالمي لدفعهم إلى التواطؤ معها لقاء إعطائهم حصة فيما تسميه «الكعكة العراقية»، على أن يغضوا الطرف عن تجاوزها قانونية أو عدم قانونية الأسباب التي خاضت الحرب على أساسها، أصيبت بانتكاسة فرضتها المقاومة العراقية عندما منعتها من تحقيق أهدافها في السيطرة السياسية والاقتصادية على ثرواته. وبها فقدت «الكعكة العراقية» بريقها وطعمها اللذيذ. ولأن الكعكة كانت مملوءة بالشوك فحالت المقاومة العراقية دون الإدارة الأميركية والتهامها. وإذا كان ابتلاعها صعباً على الإدارة الأميركية، فهي لم تعد تشكل الجاذب الذي يغري شركات الدول التي أسهمت في العدوان على العراق إلى جانب أميركا، وأراحت الدول التي مانعت الحرب لأن الإدارة الأميركية عاقبتها وحرمتها من الكعكة العراقية إلاَّ على قاعدة ابتزازها.

كان من الممكن أن تنصاع تلك الدول استجابة لمصالحها الخاصة لو كانت «الكعكة» حاضرة للأكل. أو لو استطاعت الولايات المتحدة أن تحصل على إثبات ما يؤكد امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل. ولما لم تحصل أميركا، من احتلال العراق، على هذه أو تلك، حُشرت في الزاوية لأن المقاومة جرَّدتها من السلاح الأول، ولأن مصداقية النظام السياسي السابق قد تأكَّدت بعد فشل الإدارة من الحصول على دليل واحد يكذبها.

ومنذ تلك اللحظة، تعزَّزت الأسباب أمام القوى المناهضة للعدوان الأميركي، لكي تشن حرباً إعلامية ضد الإدارة الأميركية، كاشفة كل يوم عن أسباب جديدة تندد فيه بكذب إدارة بوش حول هذا الجانب. ولأن مهمة التوثيق تتطلب منا حشد ما يمكن حشده من وقائع حول هذا الجانب، نرى من الأفضل أن نوثقها على الشكل التالي:

أكَّد العراقيون، قبل الاحتلال، أن البرنامج النووي العراقي قد توقَّف بعد العدوان الثلاثيني في العام 1991م. وحول ذلك أدلى الدكتور جعفر ضياء جعفر بمعلومات عن ذلك: إن تطور الأسلحة النووية في العراق توقف في العام 1991 بأمر من الرئيس صدام حسين نفسه. وصلت أوامر بتسليم المعدات إلى الحرس الجمهوري، وصدرت أوامر بإتلافها. كما أن العراق لم يكن ليحصل على المواد اللازمة للاستمرار في البرنامج النووي في ظل نظام العقوبات الذي كان مفروضاً على البلاد. ولم تكن هناك قدرات، ولم تكن هناك أسلحة كيمائية أو بيولوجية أو أي من تلك المسماة أسلحة الدمار الشامل([3]).

 

1-محاولات الإدارة من أجل الحصول على أدلة تعطي لذرائعها بعض المصداقية:

-قبل العدوان: حاول كولن باول، وزير الخارجية الأميركية السابق، أن يُثبت للدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي أن العراق يمتلك تلك الأسلحة. وعرض أمامهم شرائط فيديو كدليل إثبات. ولكنه بعد أن وصل إلى حقيقة عدم وجود الأسلحة بعد احتلال العراق، صرَّح  نقلاً عن المجلة الألمانية (ستيرن)، قائلاً إنه غضب جداً عندما اكتشف أنه ضُلل في المعلومات حول برنامج تطوير أسلحة الدمار الشامل في العراق، وأشار بشكل غير مباشر إلى أن ذلك شكّل بداية نهاية مسيرته السياسية([4]).

-وبعد الاحتلال: كلَّفت الإدارة الأميركية، ديفيد كاي، بمهمة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق. وبعد انتهاء مهمته، استقال في 23 كانون الثاني/يناير من العام 2004م، معلناً أنه لا يعتقد بأن صدام حسين كان يملك أسلحة دمار شامل.

ولأن تقريره لا يخدم إدارة بوش، ويترتب عليه نتائج سياسية وخيمة عليها. قامت بتكليف لجنة أخرى يترأسها تشارلز دولفر، المستشار الخاص لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سى آى إيه). وصرَّح المذكور أمام لجنة القوات المسلحة في الكونغرس أن «استراتيجيتي هي تحديد نوايا النظام لجميع الأنشطة التي ركز عليها فريق التفتيش في العراق»([5]). .وأُعلنت نهاية مهمته بعد أن أقرَّ في تقرير قدَّمه في شهر أيلول/ سبتمبر من العام 2004م، وخلص فيه إلى أن العراق لم يكن لديه مخزونات من أسلحة الدمار الشامل قبل الحرب . كما أن برنامجه النووي كان قد أصابه الاضمحلال قبل الغزو، الذي قادته الولايات المتحدة في 2003 وذلك خلافاً لتأكيدات إدارة بوش قبل الحرب([6]).

وهذا التقرير هو الملحق النهائي لتقرير قدمه المفتشون، في أيلول/ سبتمبر 2004، وخلص إلى أن العراق لم تكن لديه مخزونات أسلحة بيولوجية وكيماوية قبل الحرب.  ولأن سياسة الإدارة الأميركية كانت تذهب من كذبة إلى كذبة أخرى، وبعد أن تأكَّدت كذبتها الأولى، راحت تلقي التهمة على سوريا مدَّعية أن العراق نقل أسلحته إلى سوريا، فجاء في التقرير الجديد الذي نشر على موقع المخابرات الأمريكية (السي.آي.إيه) على الإنترنت: «من غير المرجح استناداً للأدلة المتاحة... أن يكون قد حدث نقل على مستوى رسمي لمواد تتعلق بأسلحة الدمار الشامل من العراق إلى سوريا».  وأضاف أن التحقيق المتعلق بأسلحة الدمار الشامل غطى كل الجوانب الممكنة عملياً، وأنه ما من سبب يدعو لاستمرار احتجاز كثير من العراقيين الذين اعتقلوا في إطار العملية. وجاء في التقرير: «إن التحقيق المتعلق بأسلحة الدمار الشامل إضافة إلى استخلاص المعلومات من المحتجزين في إطار هذا التحقيق قد تطرقا إلى كافة الجوانب بعد أكثر من 18 شهراً من بدئه»([7]).

وتعليقاً على مهمة المذكور، أكَّد عالم أسترالي، شارك في عمليات التفتيش الأمريكية عن أسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق، أن وكالة المخابرات المركزية (سي أي إيه) تدخلت في تقريره عن هذه الأسلحة المزعومة من أجل إثبات وجودها في العراق([8]).  

في هذا الإطار، شغل التقرير الأمريكي عن فضيحة أسلحة الدمار الشامل في العراق، مكانة بارزة. وقالت الغارديان إن التقرير يلوم بشكل أساسي وكالة الاستخبارات الأمريكية، معتبراً أنها لفقت المعلومات من أجل تبرير الحرب على العراق. وقد أعدّت التقرير الذي ورد في 400 صفحة، لجنة رئاسية أجرت تحقيقات سرية لمدة 14 شهراً([9]).

وبريطانيا، طوني بلير، الشريك الثاني في جريمة العدوان على العراق تحت ذريعة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل، اهتمت بالتحقيق. فكلَّفت اللورد باتلر.

اعترف التقرير السنوي للجنة الاستخبارات والأمن التابعة للبرلمان أنها أخطأت بشأن أسلحة الدمار الشامل، التي يمتلكها العراق، والتي كانت ذريعة لشن الحرب عليه. وانتقدت اللجنة بشدة نقص الاتصال بين الوزراء ووكالة الاستخبارات السرية الخارجية. كما أشار إلى عدم وجود أدلة على ما زعمته لجنة الاستخبارات المشتركة في 2002، من أن العراق لديه حوالي 20 صاروخاً باليستياً. أما عن مزاعم احتفاظ العراق بمخزون من المواد الكيماوية، وقدرته على إنتاج كميات كبيرة من غاز الخردل في غضون أسابيع، وغاز السارين في غضون أشهر، فقد أقر التقرير برغم وجود القدرة على إنتاج بعض المواد أنه لا يوجد دليل مادي على ذلك. كما نفى ما ورد بشأن امتلاك العراق لعدد من المواد البيولوجية، وقدرته على إنتاج المزيد من تلك المواد في غضون أيام([10]).

 

2-ردود الأفعال الأميركية وغير الأميركية حول كذب الإدارة في ذرائعها:

- قالت نانسي بيلوسي زعيمة الديمقراطيين في مجلس النواب الأمريكي، في أوائل العام 2005م: «بتذرعه باستمرار عمليات البحث لمجموعة مسح العراق فإن الرئيس بوش رفض التسليم بالشيء الذي بدا واضحاً منذ أشهر»([11]) .

-يقول نعوم شومسكي: مبدئياً الولايات المتحدة لم تضع سابقة في التاريخ بما فعلته في العراق، فمبدأ الضربة الاستباقية متأصل تاريخياً. وكانت دائماً مبرراً وغطاء للعدوان، وكل من قام بالعدوان في التاريخ استعمل الحيلة نفسها. فالحالة الأمريكية ضد العراق هي حالة عدوان ظاهر لم يهدف إلي استباق أي خطر. وهو خرق النظام الدولي، وجريمة اقترفتها أميركا بسبب قوتها، وتبع ذلك كل ما نتج عن هذا العدوان من جرائم([12]).

- وصف سكوت ريتر، الرئيس السابق لفرق التفتيش الدولية عن الأسلحة العراقية المحظورة، منذ العام 1991 حتى العام 1998، إعلان البيت الأبيض عن أن الولايات المتحدة ستنهي رسمياً عمليات البحث عن أسلحة الدمار الشامل في العراق بأنه وضع نهاية لأبشع شكل من أشكال الخداع الدولي في الأزمنة الحديثة. واعتبر غزو العراق بأنه أبشع جريمة ترتكب. وقال إذا علَّمنا التاريخ شيئاً منها فهو أن ندين الأفراد والدول التي ارتكبت الجريمة، والبلدان التي أغمضت أعينها وسدت آذانها أثناء ارتكابها([13]).

-وبعد سبعة أشهر من توصل فريق المفتشين الأمريكيين عن أسلحة العراق لنتيجة فاشلة، أعرب تينيت، المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية (سي.آي.أيه)، عن ندمه بشأن إبلاغه البيت الأبيض أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل([14]).

3-النتائج القانونية المترتبة على إثبات عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق:

اعتبرت هيئة الدفاع عن الرئيس صدام حسين أن تقرير الكونغرس الأميركي بعدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق يخدم بشكل كبير قضية الدفاع عن الرئيس العراقي السابق وأركان نظامه. كما يُظهر أن الاحتلال الأميركي للعراق عملية باطلة لا تستند إلى أي أساس قانوني. وقررت الهيئة رفع دعوى ضد الولايات المتحدة في إحدى المحاكم الأميركية ببطلان العدوان الأميركي على العراق، وعدم الاعتراف بنتائجه، وبالتالي إعادة الأمور إلى نصابها قبل العدوان. وأوضحت اللجنة أن قرار الكونغرس بخلو العراق من أسلحة الدمار الشامل قد سحب البساط من تحت أقدام الإدارة الأميركية لتبرير عدوانها على العراق، واحتلاله، والإطاحة برئيسه الشرعي، والحكومة الشرعية التي كانت قائمة قبل الاحتلال. وأوضحت الهيئة أن القرار اتخذ بالتشاور مع عدد من المحامين المختصين بالقانون الدولي من بينهم المحامي الفرنسي ايمانويل لودو والمحامي الأميركي كيرتس دوبلير، مشيرة إلى أنه تم تكليف الأخير بإقامة الدعوى أمام المحاكم الأميركية. وقال زياد الخصاونة(·)إن تقرير الكونغرس الأميركي سيكون له أثر كبير أمام المحكمة فهو دليل كاف على بطلان الأسباب التي خاضت الإدارة الأميركية الحرب من أجلها، موضحاً أن فحوى الدعوى تقوم على إلغاء نتائج الحرب بعد ثبوت عدم شرعيتها، الأمر الذي يعني إطلاق سراح صدام حسين ومساعديه وإنهاء الاحتلال الأميركي للعراق([15]).

هذا التقرير نشرته الواشنطن بوست الأمريكية قائلة: صدر تقرير أسلحة الدمار الشامل في العراق والذي طال انتظاره. العراق بلد يخلو من أية أسلحة محرمة، هذه البراءة لا تتعلق بالعراق وحده، بل ظهرت أيضا براءة سوريا التي لم تخف أسلحة الدمار الشامل هي الأخرى ولم تعمل في الخفاء كما زعمت الإدارة الأمريكية([16]).

ثانياً: التعاون مع القاعدة

بينما زعم بوش، في أكتوبر 2002م، أن العراق درّب عناصر من تنظيم القاعدة على صنع القنابل، أكدت وثائق المخابرات الأمريكية عدم وجود معلومات تؤكد هذا الأمر، كما أن كثيرًا منها كانت مبنية على إشاعات([17]).

وكشف السناتور الأمريكي الديمقراطي (كارل ليفين) أن المخابرات الأمريكية كانت تشكك بوجود علاقة بين نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين وتنظيم القاعدة، برغم أن الإدارة الأمريكية استخدمت هذا الإدعاء في إطار تبريرها للعدوان على العراق. ونقلت وكالة (فرانس برس) عنه قوله: إن وثائق سرية حصل عليها تعتبر دليلاً مهمًا على أن المخابرات لم تكن تعتقد أن هناك علاقة تعاون بين العراق والقاعدة، على الرغم من تصريحات المسئولين الأمريكيين الكبار التي تخالف ذلك. وأضاف في بيان له: إن هذه الوثائق تنفي بشكل أساسي تأكيدات الإدارة الأمريكية أن العراق درّب عناصر من القاعدة، أو وجود لقاء بين (محمد عطا)، أحد منفذي هجمات 11 سبتمبر، ومسئول في المخابرات العراقية في براغ في نيسان/ أبريل 2001م.


ثالثاً:الذرائع الاحتياط وأهدافها التعتيم على الذرائع الأساسية ومسحها من الذاكرة

إنقسمت الذرائع الاحتياط إلى نوعين الأول منها سياسي ومن أهمها «تحرير العراق من الديكتاتورية». والثاني له صلة بمواصفات الإرهاب واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً، وهما حالة حلبجة والمقابر الجماعية.

 

1-حالة حلبجة واستخدام الأسلحة الكيماوية:

كانت قضية حلبجة(*) واحدة من أخطر الاتهامات التي وجهت للقيادة العراقية، حيث قامت الإدارة بتوظيف عدد من شركات الدعاية الأمريكية والصهيونية المتخصصة لإصدار مجموعة من الوثائق والأفلام التي جرت إذاعتها على نطاق واسع. وفيها تبدو المأساة الإنسانية المفجعة التي تم تحميل مسئوليتها للرئيس صدام حسين وأركان نظامه([18]).

إن الاتهام أساساً، لم يصدر سوى عن جماعتين من عشرات الجماعات التي أعطت تقارير مغايرة، هما منظمة حقوق الإنسان الأمريكية وجمعية أطباء تابعة لها، وهما محشوتان بأعضاء من المعارضة الكردية، وأعضاء ذوي صلة بالإدارات الأمريكية([19]).

لقد كلفت وزارة الدفاع الأمريكية في العام 1990 لجنة من الخبراء والمتخصصين بمعهد الدراسات الإستراتيجية بكلية الحرب العسكرية الأمريكية في بنسلفانيا، وبعد دراسة الموضوع من جوانبه كافة قدم الخبراء تقريراً في 93 صفحة يحوي معلومات مهمة عن قدرات الجيش العراقي وتفاصيل ما جري في حلبجة يوم 16 آذار/ مارس .1988

نشرت جريدة نيويورك تايمز ملخصاً للتقرير، بتاريخ 19/ 3/ 1990، جاء فيه: «في شهر سبتمبر 1988، أي بعد شهر واحد من انتهاء الحرب، أدانت الولايات المتحدة فجأة وبشكل مثير للدهشة العراق بمزاعم استخدامه العوامل الكيماوية ضد مواطنيه الأكراد المدنيين». ولم تكن واشنطن وحدها صانعة الزيف، بل إن الجنرال الاحتياطي بالجيش الإسرائيلي (شلوموا براون) أفاد يوم 4 كانون الأول/ ديسمبر 2003 لإذاعة لندن أن «إسرائيل كانت شريكاً كاملاً في تزوير الحقائق عن تاريخ نظام صدام حسين»([20]).

يذكر ميلتون فيورست، وهو من كبار مراسلي الشرق الأوسط في مجلة نيويوركر، ومؤلف العديد من الكتب ذات الأهمية الخاصة، بأنه كان قد زار مناطق الأكراد، عندما ظهرت على السطح ادعاءات استخدام الغاز في حلبجة عام 1988، ثم خلص في تقرير مطول، أودعه في كتاب عنوانه (قلاع من الرمال عام 1994)، قائلاً: وحدها واشنطن ظلت مصرة على استخدام الغازات السامة من قبل العراق. «لقد ادعى وزير الخارجية شولتز بأن المعلومات عن العراق صحيحة، كما آزرت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ ادعاءه،دون إجراء أي تحقيقات ميدانية». وعلى الفور تم اقتراح مشروع قانون لفرض عقوبات مشددة ضد العراق. وأججّ اللوبي الموالي لـ«إسرائيل» حملة  للموافقة على القانون. ومن أركان اللوبي: تشيني وجون بولتون ودوغلاس فيث وبيرل وبايبس، مع أصدقاء أمريكيين من أصول كردية: نجم الدين كريم، عمر حلمت، عثمان بابان، أسعد خيلاني، كندال نيزان، اسفنديار شكري، ومحمد خشناو ([21]).

إن تلك التهمة حكماً كاذبة، ولن ينجو مطلقوها من الملاحقات القانونية، وإن سقوطها أو إسقاطها لن يحول دون ملاحقة المسؤولين عن صياغتها، وترويجها، سواءٌ أكانت لجهة الافتراء على الرئيس العراقي، أم لجهة استغلالها لغايات شخصية وفئوية([22]).

أما حقيقة الأمر، كما جاء في تقرير مركز بغداد لدراسات الوحدة العربية، ففي العام 1988 قامت القوات الإيرانية باحتلال مدينة حلبجة. وأستخدم الإيرانيون أسلحة كيماوية من النوع المدمر الذي لا يملكه العراق، كما استخدم الإيرانيون بيوت المدينة للتخلص من قصف الطائرات العراقية. وهاجر أغلب سكان المدينة. وقام الجيش الإيراني بأسر أعداد كبيرة من الجنود العراقيين وقائد الفرقة العميد على العنبكي وأبنه. وقد وجه الجيش العراقي حملة عسكرية كبيرة لتحرير مدينة حلبجة من الجيش الإيراني. وتم قصف المواقع الإيرانية داخل المدينة بغاز الخردل لطرد الجنود الإيرانيين من البيوت التي كانوا فيها. وقام بمساعدة الجيش العراقي أعداد كبيرة من الأكراد تمكنوا من دخول المدينة بعملية عسكرية أطلق عليها اسم «الأنفال». وأثناء دخول القوات العراقية لتحرير المدينة حصل قصف متبادل من القوات العراقية والإيرانية على المدينة قتل فيها أعداد كبيرة من الأكراد والإيرانيين والجيش العراقي. وأشار قرار مجلس الأمن المرقم 598/1988 إلى أن الطرفين استخدموا الأسلحة الكيماوية في هذه المعارك. وبعد تحرير المدينة دُفنت جثث جميع الضحايا لعدم إمكان التمييز بينهم. وبعد أن تم تبادل القتلى بين العراق وإيران بعد وقف القتال بينهما لم تسلم رفات القتلى الإيرانيين في مقابر حلبجة لعدم إمكان التمييز بين القتلى. فالأكراد يقولون إنهم أكراد والإيرانيون يقولون إنهم إيرانيون.

لم يحصل أي نزاع عسكري بين الجيش العراقي والحركة الكردية في شمال العراق منذ بيان الحادي عشر من آذار العام 1973 وخاصة بعد اتفاقية الجزائر العام 1975.كما أن الجيش العراقي انسحب بعد العام 1991 من المنطقة الشمالية لتفادي الصراع المسلح  مع الحركة. ولم تحصل معارك بين الطرفين عدا قيام الجيش العراقي بتحرير مدينة أربيل في العام 1998، وانسحب منها بعد أن تم تسليمها إلى مسعود البرزاني. فمشكلة حلبجة لم تكن بين الجيش العراقي والأكراد، وإنما كانت بين العراق وإيران([23])