|
الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة) في المؤامرة على العراق |
|
شبكة البصرة |
|
د. صباح محمد سعيد الراوي |
|
الفصل الثالث من الجزء الحادي عشر التفرد الامريكي في المنطقة قبل ان استرسل في الفصل الثالث من هذا الجزء، ليسمح لي القاريء بهذه الوقفة، فقد ارسل لي اخ فاضل من عمان هذه الرسالة، ارتأيت ان انشرها كما هي: بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة تحياتي لابطال المقاومة العراقية الباسلة في العراق وتحياتي الى اقلام العراق الشريفة في كل العالم اخي الفاضل انا من المتابعين لمقالاتك ومن اشد المعجبين بكتاباتك بأختصار ,,, ورد خطأ في مقالاتك الاخيرة بعنوان احراق آبار النفط.... والموجودات في بيوت ال الصباح ورد الخبر حسب مقالتك كالاتي :- من الذي أحرق آبار النفط ؟؟ لعلي اشرت سابقا الى فئة كانت – ولا زالت متواجدة- في المجتمع الكويتي تدعى فئة "البدون"، والحقيقة، انني انا نفسي، ومن خلال زياراتي المتكررة لاربع دول في الخليج هي:(( عمان ))– البحرين – قطر – الامارات، لاحظت وجود هذه الفئة، التي فعلا مهمشة في كل تلك المجتمعات، وان كانوا هم اكثر تهميشا في الكويت، ولعل المقصود بكلمة "بدون" عندما تطلق على شخص مقيم في احدى دول الخليج حسب ما قيل لي،...الخ..... اخي الفاضل ذكرت {{عُمان}} من دول الخليج التي يوجد بها ((البدون)) وهذا الخبر غير صحيح بتاتا ليس دفاعا عن الحكومة او غيره بل هي الحقيقة التي لا بد ان تعرفها وحتى تكون لمقالتك مصداقية احببت ان انبههك لهذا الخطأ الذي اتوقع انه سقط سهوا ..وحتى لا تتصيدك الاقلام المأجورة في ذكره .. اخي الفاضل اقسم بالله الذي رفع السماء بلا عمد اننا معكم قلبا وقالبا واننا واجهنا الشدائد والمصائب من ال صباح في الكويت المحتلة وانهم تهجموا علينا بسبب نقلنا لمقالاتك وفضحهم امام الجميع وانهم الان يشنون حملة منظمة على المواقع العمانية كما هددني احدهم في بريدي الخاص بأنه سيقوم بتأسيس جبهه خاصة فقط لرد علينا ...حيث اننا تبنينا فكرة تحكيم العقل وعدم توليت عقولنا لوسائل الاعلام التي تنقل الاخبار (المجمركة) من قبل وزارة الخارجية الاميركية متمثلة بسفاراتها في الدول العربية واننا رفعنا اسم المقاومة العراقية الباسلة بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي الشريف واننا بأذن الله سنبقى صامدون معكم ونطلب من الله العلي القدير ان يوفقنا لدعمكم وان كانت بأضعف الايمان وهي الكتابة ونقل مقالاتكم وفضح يهود العرب واضهارهم على صورتهم الحقيقة هم والعملاء الجبناء ....!! (انتهت رسالة الاخ).. أقول، انما انا ادرج عنواني البريدي لكي يراسلني وينبهني من يرى اي خطأ في المعلومات التي وردت/ وسترد في هذا البحث..... بالنسبة لما قاله الاخ العماني عن فئة البدون، لعـل القراء لاحظوا هذه الجملة في سياق الفصل الماضي: (انا اتحدث بهذه المعلومات مثلما أعلمني بها بعض المواطنين في الخليج، والله أعلم على كل حال).. اي انني لم استند الى مصادر حكومية في هذا الموضوع بالذات، وانما نقلت ما سمعته عن هذا الامر من بعض مواطني دول الخليج التي أشرت اليها والتي زرتها، وقد قلت للاخ العماني في ردي عليه، ان احدهم قال لي ان فئة البدون في عمان هم من اصول تنزانية، حيث لازال بعض الناس في تنزانيا "والى الان" يرفعون صورة السلطان قابوس، ويعتبرون أن ولائهم لا زال الى عمان... بسبب اصولهم العربية، وعلى كل حال اعتقد ان الاخ العماني (مرسل الرسالة) ادرى مني ومن غيري بواقع مجتمعهم في عمان، تطبيقا لمقولة: اهل مكة ادرى بشعابها... أما الامر الآخر، لعل من يقيم في دول الخليج يعلم ان كل وافد يجب عليه الحصول على بطاقة صحية لأجل المعالجة في المراكز الصحية والمستشفيات والعيادات التابعة للدولة، صدف ان حصل معي انا شخصيا، انني حينما آتي الى مستشفى ما، واطلع على تقرير "حالة المريض" فإنني أول ما أقرأ في التقرير اسم المريض وعمره وجنسيته وعمله...و...و...و...لفت نظري في أكثر من تقرير قرأته ورود كلمة "بدون" بجانب خانة الجنسية، وهذا هو الفضول الذي دفعني لسؤال البعض عن المعنى الحرفي لهذه الكلمة... نعود الى موضوعنا، وأرجو أن تكون الصورة قد وضحت بالنسبة لرسالة الاخ العماني الفاضل. إذن، انهينا الفصلين الاول والثاني من هذا الجزء بالحديث عن قضية الاسرى وبعض ما وجده رجال الجيش العراقي في بيوت ال الصباح من وثائق وافلام وصور...وفي هذا الفصل سنتحدث عن الخطط الامريكية لما بعد انتهاء العدوان، وتفرد امريكا بالمنطقة، خاصة وان قواتها صارت في الخليج، اي انها احتلت الخليج بأكمله، وباتت تتحكم فعلا في مصائر الدول. الواقع ان الرئيس صدام حسين، كان قد اشار في خطاب له قبل الازمة بمجملها الى ان السنوات القادمة ستشهد تفردا وتحكما وسيطرة أمريكية مطلقة في المنطقة، والحقيقة لم يكن كلام الرئيس صدام من فراغ، بل انه فعلا تعبيرا عن نظرة استراتيجية واعية، اثبتت الايام والسنون صحتها بلا أي شك. فبعد عودة الامور الى ما كانت عليه، وعودة ال الصباح الى ارض الكويت، كانت الولايات المتحدة تحاول الان شيئا اكثر طموحا من اعادة ال الصباح وتدمير العراق، وقد وجدت الفرصة مواتية لها بالكامل لتعيد ترتيب المنطقة على هوى مصالحها، ولقد كان واضحا لها بأن الصراع العربي الاسرائيلي هو مصدر معظم القلاقل التي عرقلت خططها طوال القرن العشرين – الذي كان قرنا أمريكيا "بتروليا"... وهكذا تعددت الاولويات على الشكل التالي:
- خريطة جديدة سياسية للمنطقة – موطن النفط والثروة وقلب العالم -. - تسوية نهائية ومعتمدة للصراع العربي الاسرائيلي، وهو العقبة الرئيسية وبؤرة القلاقل.
ولابد مع هذا، ان يكون القرن القادم قرنا أمريكيا بكل ما تحملة الكلمة من معنى، اي بمعنى آخر قرنا بتروليا، والشرق الاوسط الذي يعتمد اقتصاد امريكا على بتروله لابد ان يسكن ويهدأ. واللافت، ان التداعيات التي طرأت بعد الثاني من آب/ أغسطس وما تلاها، والى يوم انتهاء العدوان على العراق اصبح فيها للولايات المتحدة حق رسم خريطة جديدة للمنطقة، وكانت تلك ضرورة حيوية ولو بتطويع عوامل الجغرافيا والتاريخ، وكانت هذه الخريطة تتصور الخطوط العريضة التالية:
- الخط الاول يفرض نوعا من الفصل بين شواطيء الخليج – حيث البترول – وبين العمق العربي وراءه في وديان الهلال الخصيب ووادي النيل، اي ابعاد الكنز البترولي عن مواقع الكثافة السكانية العربية، ولما كان الكنز بعيدا بطبيعة الحال وراء الصحارى، ومطلا على البحر بالجغرافيا، وحيث انه موجود ضمن تنظيم اقليمي يدعى مجلس التعاون الخليجي، اذن فالفكرة ممكنة التنفيذ على الشكل التالي:
1) تزداد دول الخليج التصاقا ببعضها تحت قيادة السعودية، ويجب ان تفرغ من تصفية حساباتها القبلية القديمة مع بعضها، وتدرك بعد تجربة العراق ان امنها ليس له الا ضمان واحد (هو القوة العسكرية الامريكية) وعليها ان تقبل بوجود هذه القوة بغير تلك الحساسيات التي داخلت هواجسها في مرحلة سابقة. 2) ضرورة العدول عن افكار متعجلة وغير ناضجة جرى طرحها على عجل في اجواء المعركة، وتجلت فيما اطلق عليه وقتها (دول اعلان دمشق) والذي كان يقضي بأن تتولى قوات سورية ومصرية مهمة توفير نوع من الامن لدول النفط، فهذا الامن القريب غير مضمون، لان تكاليفه قد تتعرض لمزايدات غالية الثمن، كما ان كفاءته موضع مساءلة، ثم انه قد يفتح باب الدخول الى مشاكل مستجدة اوشكت ان تخرج، ثم ان الجمايل قد تطوق الاعناق مدى الدهر.. إذن ادت فكرة اعلان دمشق دورها في وقتها، ومن الافضل الان تركها تتوارى وتختفي في زوايا النسيان. 3) إن دول الخليج تستطيع ان تصوغ علاقاتها مع العرب على نمط علاقة هونج كونج بالصين (هذا ما اقترحه ديك تشيني) وهو على اية حال الذي تولى اعداد الخريطة لهذا الجانب، عن طريق اتفاقية عسكرية امنية، بدأت بالكويت، ومنها الى غيرها.
- وأما الخط الثاني على الخريطة الجديدة، فقد كان يعتمد فكرة ظهرت في اوربا الغربية، وكانت هذه الفكرة تتصور تعاونا من نوع ما للبحر الابيض المتوسط يجمع شماله مع جنوبه وينضم اليهما شرقه، وهي حسب رأي المروجين لها تصرف النظر عن خصوصية القومية العربية.. وربما في المستقبل القريب تشبك سوريا ولبنان ومصر وليبيا واسرائيل وتونس والجزائر والمغرب الى اسبانيا وفرنسا واليونان وتركيا وايطاليا، وبذلك تكون دائرة كاملة تنشغل بالمؤثرات الحضارية المتبادلة عبر البحر، وتلهث وراء السوق الاوروبية المشتركة.. وبهذا تتحقق عدة أهداف بوقت واحد:
1) تدخل اسرائيل بلا عناد ولا حساسية وسط المحيط الذي تعيش فيه، وتندمج مطمئنة الى هوية نصف شرق اوسطية ونصف اوروبية شرقية، ثم ان هذا المحيط سيفك عن اسرائيل طوق العزلة والغربة الذي عانت منه طويلا، ما جعلها تشعر بالاختناق احيانا. 2) ان مثل هذا الترتيب كفيل بأن يريح اوروبا الغربية من هم يؤرقها، الا وهو تدفق موجات الهجرة اليها من الشواطيء الجنوبية (من المغرب العربي)، فهي تستطيع مساعدة الجنوب على الاحتفاظ بموجاته البشرية الباحثة عن فرصة عمل افضفل وراء البحار. 3) ثم ان مثل هذا الترتيب يمكن ان يساعد على ضبط التفاعلات في شرق البحر الابيض المتوسط وجنوبه، فهو قادر على استيعاب الازمات والصدمات، ويؤثر يوجه دون ان يجعل الولايات المتحدة مضطرة في اي وقت لدور رجل البوليس، وهذا ما يرضي اوروبا، ويعطيها بعض الاحساس بالتواجد في منطقة هامة بالنسبة لها.
- ظهر ايضا من فكر بمنطقة ( بين الخطين الاول والثاني) يجري فيها تعظيم دور ما يسمى منظمة المؤتمر الاسلامي (الهزيلة الدور اصلا) وتحجيم دور ما يسمى الجامعة العربية، لأن التركيز على فكرة المؤتمر الاسلامي يخلط الامة العربية في وعاء يخف فيه تأثير القومية العربية، ذلك ان فكرة القومية العربية تؤدي الى تركيز الخصوصية العربية وتستدعي دورا لقيادتها – اما رجل قومي او دولة عربية قومية متحمسة – او كلاهما بنفس الوقت.
وهكذا وزعت الولايات المتحدة الادوار: تشيني لمهمة الخليج – اوروبا الغربية لمهمة البحر الابيض المتوسط – جيمس بيكر لمهمة الوسط او القلب.
وفور انتهاء العدوان على العراق كان جيمس بيكر جاهزا لدوره، فقد كان يريد ان يتحرك نحو مؤتمر من نوع ما تشترك فيه كل اطراف الازمة تحت اشراف الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وفي ظرف شهور قليلة كان قد قام بثماني زيارات الى المنطقة جرب فيها سد كل الثغرات وفتح الطرق، وكانت اكبر العقبات امامه اسرائيل، التي راحت تطلب مكافآت مضاعفة لقيامها بدور الساكت الصامت اثناء ازمة الخليج. وكان تصور بيكر لمؤتمر التسوية المنتظر على ثلاث مراحل:
- مرحلة مؤتمر مفتوح تشارك فيه كل الاطراف، وينحصر دوره في كسر الحواجز وبناء الجسور، وكان مطلب بيكر ان يحضره العرب المجاورين لاسرائيل، اضافة الى دول الخليج، ودول المغرب العربي، وكان يقصد بهذا الا يظل طرف عربي خارج التسوية، فلا بد من كسر كل الحواجز السياسية والاقتصادية والنفسية. - ثم مرحلة ثانية تتم فيها لقاءات ثنائية بين اسرائيل والاطراف العربية المشتبكة معها، سوريا، الاردن والفلسطينيون، على ان يكون التفاوض بين كل طرف من هذه الاطراف وبين اسرائيل على حدة، والا يتوقف طرف بانتظار مفاوضات طرف آخر. - ثم تجيء المرحلة الثالثة، وهي التي تطرح آفاق التعاون في المنطقة على أوسع نطاق، من خطط تنمية مشتركة الى موارد المياه الى طرق المواصلات الى تطبيع العلاقات الى التعاون.... الى... الى..... الى... والمدهش، ان اسرائيل هي التي كانت تضع الشروط، وبيكر يقوم بالابلاغ:
- فاسرائيل لا تريد وفدا فلسطينيا على صلة من اي نوع مع منظمة التحرير الفلسطينية. - ولاتريد لأوروبا الغربية اكثر من دور مراقب في المؤتمر. - ولاتريد للامم المتحدة اكثر من وجود مندوب مراقب ليس له ان يفتح فمه بكلمة واحدة... لانها لا تثق فيها بسبب ان غالبية اعضائها من دول العالم الثالث !!!!. - وهي لا تريد شروطا عليها من اي نوع!! مثل مطالبتها بوقف الاستيطان حتى وان عرض عليها – في مقابله – انهاء المقاطعة العربية لها، هذا مع ان وقف الاستيطان يمكن الرجوع عنه في أي لحظة، في حين ان وقف المقاطعة العربية سوف يكون نهائيا لانه يصعب العودة اليه بعد العدول عنه!!! ولم يقف الامر هنا، بل كانت شروط اسرائيل املاء غير قابل للمراجعة، ومن ذلك: لا دولة فلسطينية، ولا تعامل مع منظمة التحرير، ولا أرض في مقابل السلام، واخيرا ان مستقبل هضبة الجولان ليس مطروحا للمناقشة على الاقل الآن...
وهكذا، تم اختيار مدريد لتكون مقرا لعقد مؤتمرا، قالوا إنه مخصص للسلام بين العرب والصهاينة، لكن لماذا مدريد وليس غيرها؟؟؟ اولا لانها ارخص من لوزان او زيوريخ ( لان امريكا هي التي تحملت نفقات هذا المؤتمر)، وثانيا لان اسبانيا نفسها كانت متحمسة لهذا المؤتمر لاسباب سياسية تتصل بعلاقاتها مع المسلمين واليهود على السواء، الى جانب انها كانت تنوي نفس العام (10/1991) الاحتفال بعيد القرن السادس على قيام كريستوف كولومبوس باكتشاف امريكا، وسوف تكون في العام الذي يليه 1992 مقرا للمعرض العالمي اكسبو. وهكذا التئم شمل العرب والصهاينة في مؤتمر احتفالي كرنفالي، القى فيه اسحق شامير الشالوم الصهيوني على العرب من خلال كلمة متعجرفة متجبرة لم تراعي الحضور ولم تراعي لا امريكا ولا الاتحاد السوفياتي اللذان اعتبرا راعيا "مؤتمر السلام". وكان اول اسباب الخلل في الموازين هو ما عبر عنه جيمس بيكر حين قال: ان الظرف مناسب لحل ازمة الشرق الاوسط المستعصية، وخصوصا بعد التغييرات التي وقعت في الاتحاد السوفييتي، ثم النتائج التي انتهت اليها حرب الخليج.. وكان يعني بهذا بعبارة أخرى: ان الحل اصبح ملائما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وضرب الجيش العراقي... أما السبب الثاني، فكان ان الاتحاد السوفييتي الذي أصر العرب حتى النهاية ان يكون راعيا مشاركا للمؤتمر مع الولايات المتحدة، لم يكن هو ذلك الاتحاد السوفييتي الذي طلبه العرب واصروا وضحوا في سبيل حضوره، لقد نسي العرب ان الظروف في الاتحاد السوفييتي تغيرت، وما كان بالامس لن يكون اليوم، وقادة الامس ليسوا قادة اليوم، والدولة التي كانت بصف العرب يوما ما وسندا لهم، اصبحت الان دولة مختلفة تخطب ود الصهاينة ولو على حساب العرب.. لقد كان ميخائيل غورباتشوف ظاهرا في المؤتمر ولكن غير فاعل، وموجودا ولكن بدون تأثير، ولم يسمح له بالتواجد في الصورة الا ان بعد فتح ابواب هجرة اليهود السوفييت الواسعة الى اسرائيل، وبعد ان اعاد علاقاته مع الدولة اليهودية، والاسوأ من ذلك ان غورباتشوف نفسه ذهب الى مدريد وهو بحاجة الى تأييد جورج بوش اقتصاديا لبلاده حتى لا تتمزق، وسياسيا ضد منافسه بوريس يلتسين الذي كان نجمه يعلو بسرعة الريح... وكان من المفارقات الغريبة بالنسبة له ( لغورباتشوف) ان ملك وملكة اسبانيا اقاما له وللرئيس الامريكي حفلة عشاء ليلة افتتاح المؤتمر، ونزل الملك والملكة يستقبلان الضيوف، وكان بوش اول الواصلين، وفي غمرة الحماس، صعد الملك والملكة مع الرئيس الامريكي سلالم القصر الى قاعة الاستقبال، وحين جاء غورباتشوف الى مدخل القصر لم يجد احدا في استقباله سوى قائد الحرس، الذي ادخله الى غرفته مع مرافقيه، وصعد على الفور الى القاعة وتوجه ناحية الملك الذي كان مشغولا بالقهقهات مع بوش، وهمس في اذنه قائلا ان رئيس القوة الاعظم الثانية ينتظر جلالتكم على مدخل القصر.. فتذكر الملك خوان كارلوس وسحب زوجته واسرعا بالنزول الى مدخل القصر ليجدا غورباتشوف ومرافقيه يجلسون في غرفة قائد الحرس منتظرين من يستقبلهم !!!!! أما السبب الثالث فكان ان العالم العربي ذهب الى مدريد وهو منقسم على نفسه، واسوأ من الانقسام ان دما عربيا قد اريق على ايد عربية!! سواء كانت هذه الايدي في مدريد او بعيدة عنها، وهذا الدم الذي سال اثناء العدوان الثلاثيني لم يزل حارا ولم يجف بعد، رغم الابتسامات التي حاول اصحابها رسمها على ملامحهم، فإن الوجه العربي لم يكن مشرقا في اسبانيا وانما كئيبا حزينا، واما السبب الرابع، فكان انه بالاصل لم يكن لدى العرب سلاح قوة يحتكمون اليه اذا ما فشلت احاديث السلام، ولا كان لديهم سلاح بترول يلوحون به عقابا لطرف يتجاهل حقوقهم ويساعد مغتصبها، فقد كان معظم السلاح العربي اما عاجزا او مدمرا او "مرهونا"، فالنفط العربي كان مشغولا بمعاقبة العرب.. وقد فرض على الشعب الفلسطيني مثلا ضغطا شديدا لم يكن يستحقه ولم يكن هناك ما يبرره.
لقد كانت اسرائيل هي الطرف الذي يتمنع ويظهر العناد، رغم ان جيمس بيكر رتب كل شيء حسب ما طلبته وزيادة، والمفارقة ان هذا الوزير في اقترابه من عملية التسوية هذه قد استعار من سلفة "الصهيوني حتى النخاع" هنري كيسنجر مدرسة في التفاوض مع العرب شديدة الغرابة، وكانت استعارة جيمس بيكر من كيسنجر مفهومة، لان كبار مستشاريه في الوزارة (ايجلبرجر، روس، هاس وغيرهم) اما عمل مع كيسنجر، او احد تلامذته "المخلصين"، وكانت هذه المدرسة "الكيسنجرية" لها تعابير مختلفة وشديدة الغرابة، حاول جهده فيها ترك عباراتها على اسماع العرب حتى يحفظوها مع مرور الايام، وبالفعل، صاروا يرددونها مثل الببغاوات دون ادراك معانيها، ولقد كان قد طرح في مفاوضاته مع العرب تعبيرات من مثل: عملية السلام – قوة الدفع ( أي أن عملية السلام تحتاج باستمرار الى وقود جديدة والا توقفت، وبما ان العرب هم الراغبين في التسوية لاستعادة اراضيهم، فإن الوقود عليهم، ولعل القراء يذكرون هذه العبارة التي دائما ما يكررها الاعلام العربي : دفع عملية السلام !!!!) – اجراءات بناء الثقة- وهكذا من مثل هذه العبارات، التي اعتبرها بعض العرب فيما بعد لغة العصر.... فدخلوا مدرسة كيسنجر من حيث لا يدرون.. ثم جاء جيمس بيكر يكمل المسيرة التي بدأها معلمه القديم، وصار يردد نفس العبارات التي رددها استاذه من قبل، وقام بتوسيع فصول المدرسة الكيسنجرية، وطور مناهج التعليم فيها، والذي ساعده على ذلك ان الاتحاد السوفييتي كان على استعداد للمشاركة في دق الجرس لكي يبدأ اليوم الدراسي الجديد، فالتلاميذ العرب على الابواب!!!
وفي هذا المؤتمر، حين القى شامير خطابه، طالب العرب حذف العبارات المسمومة " حسب تعبيره" التي تدعو للتحريض ضد اسرائيل، وكان من نتائج هذا، انه حين عقد مؤتمر ما يسمى منظمة المؤتمر الاسلامي في السنغال في نفس العام، قرر المؤتمر، واستجابة للظروف الراهنة – او بالاحرى استجابة للطلب الامريكي الاسرائيلي – حذف كلمة الجهاد لاجل تحرير فلسطين والاستعاضة عنها بكلمة "الكفاح".. وشتان ما بين الكلمتين.. لقد حصلت اسرائيل على ورقة تطمينات، بل تعهدات لها قوة فعل مستقلة ومؤكدة:
1) فالعلاقة بين اسرائيل والولايات المتحدة مبنية على علاقات فريدة بين الدولتين تستند على قيم ومصالح مشتركة وعلى احترام الديمقراطية. 2) إن التزام الولايات المتحدة بأمن اسرائيل ثابت وباقي، واي محاولة للدس بين الدولتين لن تنجح، لانها لا تفهم الروابط العميقة بين الدولتين وطبعية التزام امريكا بأمن اسرائيل، بما ذلك تأكيد تفوقها العسكري. 3) عدم تأييد انشاء دولة فلسطينية، وليس للمؤتمر – مؤتمر مدريد – فرض حلول على الاطراف، او استخدام حق النقض، ولن يعود المؤتمر للانعقاد الا بموافقة الجميع، ولا يمكن ان يجبر طرف على الجلوس مع طرف لا يريده. 4) الولايات المتحدة ملتزمة بالوعد الذي قطعه الرئيس الامريكي جيرالد فورد في العام 1975 لرئيس الوزراء الصهيوني رابين بشأن هضبة الجولان، وان اي تسوية سياسية مع سوريا مستقبلا يجب ان تقوم على بقاء اسرائيل في هضبة الجولان.
إن اسرائيل وبمساعدة الولايات المتحدة يجب ان تجد موضع قدم في المنطقة المحيطة بها، وكان الموضع الذي عثر عليه الطرفان هو ما يطلق عليه الان مشروع السوق الشرق اوسطية، ومما يلفت النظر الخطاب الرئيسي لـ شيمون بيريز، رئيس حزب العمل "آنذاك" في المؤتمر السنوي لحزبه ركز على فكرة هذه السوق، وتحدث عن تكامل بين:
وفرة المياه التركية سعة السوق الاستهلاكية المصرية مقدرة التكنولوجيا الاسرائيلية
وخلص الى ان اتحاد هذه العوامل الثلاثة ممولة بفوائض بترول الخليج، يمكن ان يحقق لاسرائيل ما تريد، ويجعلها جزءا من المشروع الاقتصادي للشرق الاوسط، فيعزز أمنها، ويوفر لها من خلاله ما تريده من استثمارات في التكنولوجيا فيحقق رخاءها!!!! ولم يقف الامر عند شيمون بيريز فحسب، بل ان شامير كان يتحدث امام مؤتمر الرؤساء اليهود في بالتيمور يوم 21.11.1991، وقد حدد احتياجات اسرائيل في الحقبة القادمة بخمسين الى ستين بليون دولار، وقام امام سامعيه بتقسيم مواردها:
- عشرة بلايين ضمانات امريكية. - عشرة بلايين يوفرها يهود العالم. - عشرة بلايين توفرها اسرائيل بنفسها لنفسها.
ولاحظ سامعو شامير ان هناك ما بين عشرين الى ثلاثين بليون دولار لا تزال ناقصة في حساباته، وسألوه عنها، وكان رده: لننتظر حتى نرى ما سوف يحدث في المنطقة!!! وكانت الاشارة واضحة الى ان شامير يفكر في مصادر من داخل منطقة الشرق الاوسط ذاتها!!! وفي الوقت الذي كانت فيه الاجهزة والوزارات والدوائر الاسرائيلية مشغولة بإعداد مشروعات: ربط شبكات الكهرباء بين مصر واسرائيل وسوريا والاردن – خط للسكك الحديدية يمتد من حيفا الى الخليج – خطوط أنابيب بترول من الخليج الى البحر الابيض المتوسط – خطوط مياه قادمة من تركيا عبر سوريا ولبنان الى النقب – خط أنابيب يحمل مياه النيل من سيناء الى النقب ايضا، وفي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تشجع وتضغط لأجل تنفيذ هذه المشاريع، كانت الاطراف العربية ما زالت تردد ما حفظته من عبارات في مدرسة كيسنجر مثل: عملية السلام – دفع عملية السلام – اجراءات بناء الثقة.... الخ....
إن سيناريوهات التفاؤل التي تبدأ بإزالة التوتر الاقليمي في المنطقة، وتنتهي بإمكانية التنمية الاقليمية لها، أو تبدأ بتوحيد موارد البترول ومعاييره، تنسى الحقائق السياسية الراهنة:
1) طبيعة التحدي الاسرائيلي الذي يواجهه العرب، وهو تحدي لا يستطيع ببنيانه الداخلي فكرا او عملا ان يقبل منطق التسوية، فهو بالدرجة الاولى عقيدة دينية، والعقيدة لاتقبل حلا وسطا، لانها تقوم على الايمان، وليس هناك نصف ايمان، ثم انه في جوهره مشروع استيطاني، والمشروع الاستيطاني لا يملك الا انكار الآخر والا فإنه ينكر نفسه. واسرائيل في حد ذاتها ليس معجزة ذات خطر، فاقتصادها ليس بافضل حالا من اقتصاديات العرب وصادراتها لا تزيد على 8 بلايين دولار سنويا، وهي غير قادرة على الحياة بالمستوى التي هي عليه إلا بكم هائل من المساعدات يصل سنويا الى 9 بلايين دولار، واما قوتها العسكرية، فهي قوة مستعارة مستمدة من ارتباطات خارجية واسعة ومتشعبة.. لكن مع هذا، فهي قادرة على اداء دورها لانها الحارس المأمون والمضمون والقادر والقريب من الكنز العربي. 2) إن العرب لم يصلوا بعد الى صيغة للتعايش مع دول الجوار، فهناك اولا ايران، وهناك فجوة هائلة من التناقضات بينهم وبينها، اولا عقدية وثانيا لغوية، وثالثا تراكمات تاريخية لا يمكن نسيانها بين يوم وليلة، وان حاول الطرفان التظاهر بالاخوة والصداقة والمصير والعلاقات و...و... وكل هذه الخزعبلات... صحيح ايران الحالية تدعي انها جمهورية اسلامية، لكن ما يصدر من ايران تجاه العرب لا يدل على اي اسلام لدى هذه الدولة، ثم ان هناك عقدة الخلاف المزمنة بين السنة والشيعة، وهي التي افتعلتها ايران، وبالمناسبة هي بالدرجة الاولى سياسية وليست عقدية، فالمسلمون السنة لم يجدوا اي مشكلة في التعايش مع الشيعة العرب، لكن بقيام ما يسمى الثورة الاسلامية في ايران، بدأت هذه المشاكل تطفوا على السطح، لتضيع الى المشاكل العربية الاسلامية مشاكلا جديدة كان العرب بغنى غنها... وقد تطورت التناقضات بين العرب وايران الى ان وصلت الى قيام ايران بالعدوان على اهم طرف في المعادلة العربية، واستمرارا هذا العدوان لثماني سنوات متواصلة.. وثانيا كان هناك تركيا، والعلاقات معها ايضا مثقلة بتعقيدات كامنة وظاهرة، الامر الذي جعل تركيا تبتعد عنهم وتلجأ للدخول في الحلف الاطلسي ثم الاستماتة في محاولة الحصول على عضوية السوق الاوروبية المشتركة.... ثم أخيرا كانت هناك باكستان، وهي لازالت الى الان علامة استفهام معلقة، صحيح قريبة الى درجة كبيرة من الثروة العربية، لكنها مرتبطة بشكل خفي او علني احيانا بالمخططات الامريكية في المنطقة. 3) إن هناك احتمالات نزاع جديد في المنطقة على موارد المياه، فموارد المياه شحيحة، والطلب عليها متزايد للزراعة والصناعة، وحياة الناس مرتبطة بالمياه، والصراع عليها قد يكون ضاريا، وربما يصل لمرحلة الحرب. 4) إن حجم النفوذ الاجنبي والاختراق الاجنبي لحياة الامة زاد بدلا من ان يقل، واكثر من ذلك، فإن الاعتماد على الاجنبي لم يعد يداري نفسه، كما كان يحدث في مراحل سابقة، وانما هو ظاهر يعلن عن نفسه مختالا فخورا الى درجة ان صور جورج بوش رفعت في ارض الكويت ومكتوب تحتها آية قرأنية شريفة تقول: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين!!!!!! وأدى هذا الى ضياع الهوية العربية بل والهجرة منها والتبرؤ منها أحيانا، وكأنما هي ارضا واسعة للسياحة، وكأنما الجذور الانسانية والحضارية والثقافية للمجتمعات حزمة نباتات زينة يعاد وضعها وترتيبها في اي مكان يناسبها حجما وموقعا ولونا، والاسوأ من هذا، ان بعض العرب لا ينزعون الهوية العربية عن حاضرهم ومسقبلهم فحسب، وانما يعودون بأثر رجعي الى خلع هويتهم عن ماضيهم، وكأنما التاريخ رحلة صيف على رمال شواطيء، او ثلوج شتاء فوق الجبال!!! 5) إن العالم العربي يعيش حالة استباحة كاملة لمصائره، فبعد فترة من الكبرياء لحقت بإتمام مرحلة الاستقلال الوطني، تغيرت الاحوال واصبحت الامة شعوبا وافرادا وحتى قيادات، فريسة مكشوفة للاهانة والعدوان، وهذه الاستباحة تجهض اي حمل قبل أوان ولادته. ولقد أدى ذلك الى نوع من التشرذم مبالغ في غرابته. لقد كان يمكن توصيف حالة التشرذم في المجتمع، او البلد، او المدينة، او القرية، او الاسرة، لكن ان تصل حالة التشرذم الى أمة بأكملها، بحيث اصبح كل رجل وكل امرأة في هذه الامة ممزقا في داخله، فهذا كان من المفارقات الغريبة والمؤلمة.
يتبع..... د. صباح محمد سعيد الراوي كييف – أوكرانيا 03.12.2005 |
|
الدور الدنيء لال الصباح في المؤامرة على العراق
الفصل الخامس من الجزء العاشر |
|
شبكة البصرة |
|
السبت 1 ذو القعدة 1426 / 3 كانون الاول 2005 |
|
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس |