الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة)

في المؤامرة على العراق

شبكة البصرة

د. صباح محمد سعيد الراوي

الفصل الثاني من الجزء الثاني عشر

  المقاومة العراقية البطولية

نشرت شبكة البصرة في شهر ايلول/سبتمبر من هذا العام وثيقة هامة للغاية، بعنوان: الوثيقة الصهيونية لتفتيت الامة العربية، اعدها الاستاذ محمد عصمت سيف الدولة، ولعلي اقتبس منها الجزء المتعلق بالعراق، وذلك لانني اشرت سابقا الى ان احتلال العراق يعني احتلال الدول العربية قاطبة، وان اي محتل وغازي عبر التاريخ يريد السيطرة على الوطن العربي، لا بد له من ان يبدأ بالعراق اولا، تاج العرب وسياجهم وحاميهم، وقبل ذلك جمجمة العرب...تبدأ الوثيقة بمقدمة، فتقول:

......... إن الحديث الدائر الآن في الأوساط الصهيونية حول تهجير الفلسطينيين إلى الأردن، والتخوفات العربية من استغلال أجواء العدوان على العراق لتنفيذ ذلك، هو من أساسيات الأفكار المطروحة في الوثيقة، والحديث عن وثيقة من هذا النوع، ليس حديثاً ثانوياً يمكن تجاهله، فهم ينصون فيها صراحة على رغبتهم في مزيد من التفتيت لأمتنا العربية... كما أن تاريخنا الحديث هو نتاج لمشروعات استعمارية مماثلة، بدأت أفكاراً، وتحولت إلى اتفاقات ووثائق، تلزمنا وتحكمنا حتى الآن:

فمعاهدة لندن 1840 سلخت مصر منذئذٍ وحتى تاريخه عن الأمة العربية، فسمحت لمحمد علي وأسرته بحكم مصر فقط، وحرَّمت عليه أي نشاط خارجها، ولذلك نسمي هذه الاتفاقية "اتفاقية (كامب ديفيد) الأولى."

واتفاقية (سايكس بيكو) 1916 قسَّمت الوطن العربي، هذا التقسيم البائس الذي نعيش فيه حتى الآن، والذي جعلنا مجموعة من العاجزين، المحبوسين داخل حدوداً مصطنعة، محرومين من الدفاع عن باقي شعبنا وباقي أرضنا في فلسطين أو في العراق أو في السودان.

ووعد بلفور 1917 كان المقدمة التي أدت إلى اغتصاب فلسطين فيما بعد. تم تلاه وقام على أساسه، صك الانتداب البريطاني على فلسطين، في 29 أيلول/سبتمبر 1922، الذي اعترف في مادته الرابعة "بالوكالة اليهودية" من أجل "إنشاء وطن قومي لليهود". فأعطوا بذلك الضوء الأخضر للهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين.

فلما قوي شأن العصابات الصهيونية في فلسطين، أصدرت لهم الأمم المتحدة قراراً بتقسيم فلسطين في29 تشرين الثاني/نوفمبر1947، وهو القرار الذي أعطى "مشروعية" للاغتصاب الصهيوني، وأُنشأ بموجبه الكيان الصهيوني، وهو القرار الذي رفضته الدول العربية في البداية، وظلت ترفضه عشرون عاماً، لتعود وتعترف به بموجب القرار رقم242، الصادر من الأمم المتحدة في1967، والذي ينص على "حق" الكيان الصهيوني في الوجود، و"حقه" أن يعيش بأمان على أرض فلسطين المغتصبة!!!!. وعلى أساس هذا القرار، أُبرمت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقعة في 26.03.1979، والتي خرجت بموجبها مصر من الصراع العربي ضد المشروع الصهيوني، لينفرد الكيان الصهيوني بالأقطار العربية الأخرى.

 

نظرة عامة على العالم العربي والإسلامي

- إن العالم العربي والإسلامي هو بمثابة برج من الورق أقامه الأجانب ( فرنسا وبريطانيا في العشرينيات) دون أن توضع في الحسبان رغبات وتطلعات سكان هذا العالم.

- لقد قُسِّم هذا العالم إلى 19 دولة كلها تتكون من خليط من الأقليات والطوائف المختلفة، والتي تُعادي كل منهما الأخرى، وعليه، فان كل دولة عربية إسلامية معرضة اليوم لخطر التفتت العرقي والاجتماعي في الداخل إلى حد الحرب الداخلية، كما هو الحال في بعض هذه الدول.

- وإذا ما أضفنا إلى ذلك الوضع الاقتصادي، يتبين لنا كيف أن المنطقة كلها، في الواقع، بناء مصطنع كبرج الورق، لا يمكنه التصدي للمشكلات الخطيرة التي تواجهه.

- في هذا العالم الضخم والمشتت، توجد جماعات قليلة من واسعي الثراء(دويلات الخليج)، وجماهير غفيرة من الفقراء، إن معظم العرب متوسط دخلهم السنوي حوالي 300 دولار في العام.

- إن هذه الصورة قائمة وعاصفة جداً للوضع من حول دولة (إسرائيل)، وتشكل بالنسبة لها تحديات ومشكلات وأخطار، ولكنها تشكل أيضاً فرصاً عظيمة.

العراق

- لولا القوة العسكرية للنظام الحاكم وأموال البترول، لما كان بالإمكان أن يختلف مستقبل العراق عن ماضي لبنان وحاضر سوريا.

- إن العراق الغني بالبترول، والذي يكثر فيه الفرقة والعداء الداخلي، هو المرشح التالي لتحقيق أهداف (إسرائيل).

- إن تفتيت العراق هو أهم بكثير من تفتيت سوريا وذلك لأن العراق أقوى من سوريا.

- إن في قوة العراق خطورة على دولة (إسرائيل) في المدى القريب أكبر من الخطورة النابعة من قوة أية دولة أخرى.

- وسوف يصبح بالإمكان تقسيم العراق إلى مقاطعات إقليمية طائفية كما حدث في سوريا في العهد العثماني.

- وبذلك يمكن إقامة ثلاث دويلات (أو أكثر) حول المدن العراقية.

- دولة في البصرة، ودولة في بغداد، ودولة في الموصل، بينما تنفصل المناطق الشيعية في الجنوب عن الشمال السني الكردي في معظمه.

ألا تتوافق هذه المخططات الجهنمية مع ما يصرح به عبد العزى اللئيم، رئيس المجلس الاعلى للثورة المجوسية الخمينية الصهيونية؟ ألم يقل انه يريد اقامة دولة فدرالية في الجنوب اسوة بما هو قائم على الارض في الشمال الان ؟ ألا يعتبر هذا الوضيع أداة ممتازة بيد الصهيونية والصليبية العالميتين؟؟ فأي اسلام هذا الذي يدعيه، واي نسب يزعم أنه سليله ؟؟ يقول الدكتور ايمن الهاشمي في مقاله عبر البصرة في شهر ايلول2005:

إن ما يجري اليوم على الساحة العراقية ما هو إلا سباق محموم بين الجزارين والذئاب والضباع علي ما تبقي من جثة الثور الصريع (الوطن العراقي)، كل منهم يريد ان ينهش اكبر قطعة منه... هكذا يصوّر العراقيون ـ أو الأغلبية الصامتة والمهمشة منهم ـ حقيقة ما يجري في الساحة العراقية من سباق محموم بين مختلف القوي التي تآمرت علي العراق، وارتضت أن تتحالف مع الاحتلال على حساب الوطن.... وادعاءاتهم بتحرير العراق ادعاءات باطلة، لان مقصدهم هو خطف اكبر نسبة ممكنة من المغانم والثروات، ونهب الممتلكات العامة والخاصة، إنهم تماما مثل قطعان الذئاب التي تنقض على ما تبقيه الضواري الكبار من لحم الفريسة الصريعة لتنهش اكبر جزء ممكن بأسرع وقت ممكن.

محاولات تكريس الفدرالية عبر الدستور، واستغلال ظرف العراق الصعب في محنته التي أوجدها الاحتلال، من أجل تصعيد سقف الاستغلال، أو بالأحرى والأصح، الابتزاز إلى حد المطالبة بقضم نصف مساحة العراق من جنوب بدرة وجصان في شرق محافظة واسط إلى مدينة سنجار وربيعة في أقصى الشرق عند الحدود السورية، هي مطالبات ابتزازية، لا سند لها من التأريخ ولا من الجغرافية، ولا من الأخلاق، ولا من الشهامة الوطنية، كما أن محاولات العميل الصهيوني القديم، وخائن الاكراد، مسعود البرزاني، في التنكر لإسلامية وعروبة العراق، هو تطاول واعتداء وتجن على الوطن وعلى الأكراد أنفسهم، فالمسلمون يشكلون97 بالمائة من العراقيين، (و95 بالمئة من الكرد مسلمون)، فكيف لا يكون العراق مسلما؟ والعرب يشكلون85 بالمائة من العراقيين فكيف لا يكون العراق عربيا!!؟؟

صحيح احتل مغول العصر العراق، لكن العراق لم يسقط، وصحيح دنسوا بغداد ونجسوها، لكن بغداد لم تسقط، كما يروجون الى الان في اعلامهم القذر!!! لم يملوا على ما يبدو من ترداد كلمة "سقوط بغداد"، فالظاهر ان غيظهم الشديد وحزنهم والامهم على اخوانهم العلوج الذين ينتحرون يوميا على اسوار بغداد، جعلهم لا ينفكون عن تكرار تلك الكلمة القذرة، وذلك من شدة الحقد الذي يملأ قلوبهم!!! وصحيح يقتلون يوميا عشرات من هذا الشعب العراقي العظيم، لكن هذا الشعب الابي الشجاع لم "ولن إن شاء الله" يستسلم، ولن ينحني لغير الله، وهو يعلم علم اليقين، ان كل قتيل عراقي هو شهيد إن شاء الله، وهو الى الجنة مباشرة، اذن فهو الفائز، وهذا فوز ما بعده فوز.. بل ان لسان حال كل عراقي يقول، وهو يشيع اخوانه الشهداء: يا ليتني كنت معكم فأفوز فوزا عظيما... وصحيح يدمرون البنية التحتية في العراق، لكن هذا كله ان شاء الله خير، فستعود بدلا منها بنية اقوى منها واحدث منها، ولعل في هذا التدمير خير للعراق وللعراقيين.

لقد غاب عن بال الزمرة الخبيثة تلك، زمرة مغول العصر من الصهاينة والصليبيين، وزمرة المجوس الخمينيين، وزمرة المستعربين المنافقين، وزمرة الاوغاد واللصوص، وزمرة السفلة والمجرمين، وزمرة القتلة والسفاحين، وزمرة أبناء العهر والمتعة، أبناء الحوزة الصفوية المجوسية، حوزة جواز التفخيذ بالرضيعة، غاب عن بالهم ن العراق الذي اجتاحوه ودنسوه هو نفسه عراق حضارة السبعة الاف عام، وهو نفسه عراق حمورابي، وهو نفسه عراق أول شرعة لحقوق الانسان، وهو نفسه عراق المجد والسؤدد والعز والفخر، وهو نفسه العراق الذي وضع الاسس الاولى للقوانين، واسس الزراعة وتطويرها، وهو أول من علم العالم أجمع أصول الابجدية الاولى، وهو نفسه عراق اختراع الكتابة، والعلم، والفنون، والادب، وكم كان السيد طارق عزيز محقا، حين القى درسا على الجاهل جيمس بيكر اثناء اجتماعه معه في جنيف (قبيل بدء العدوان الثلاثيني المجرم) عن العراق، فقال: نحن في بلادنا لدينا تاريخ مختلف، اعتقد انكم تعرفون ان العراق كشعب عمره ستة الاف سنة، وقامت فيه ممالك ودول وامبراطوريات، وكان هناك قادة وزعماء ومساهمة في الحضارة الانسانية، ونحن أحفاد هؤلاء.... صحيح نحن نعيش في هذا العصر ونتأثر به... ولكن لدينا قيمنا الخاصة في ادارة شؤون البلاد، وهذه القيم هي التي تجعل شعبنا يقف معنا.. وهذا الشعب لا يؤيدنا فقط، وإنما يحبنا...هذه هي الحقيقة، واذا قدم لكم أحد معلومات مغايرة، فهو مخطيء ويريد أن يخدعكم..... انتم دولة عظمى لديكم اسلحة قوية ولديكم تقديراتكم عن فعالية هذه الاسلحة، ولديكم خططكم وانتم مقتنعون بأنكم اذا ما بدأتم الحرب ضد العراق فإنكم ستنتصرون، وانكم ستستحقوننا، نحن لدينا قناعة مختلفة، واقول لك بصدق وبدون ادعاء، بأن 19 مليون عراقي ومنهم القيادة العراقية مقتنعون انه اذا ما نشبت الحرب بيننا وبينكم، فإننا نحن الذين سننتصر، اقول لك هذا بدون غرور... هذه هي قناعتنا..

ان العراق الذي اجتاحه مغول العصر وخنازيره ومجوسه، هو نفسه عراق نبي الله ابراهيم عليه السلام، وهو نفسه عراق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وهو نفسه الذي قال عنه الخليفة العظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه: العراق جمجمة العرب... وهو نفسه عراق القادسية الخالدة في تاريخ الاسلام، وهو نفسه عراق الامام علي بن أبي طالب وعراق الحسين بن علي رضي الله عنهما، وهو عراق سعد والمثنى، وهو نفسه عراق ثورة كربلاء العظيمة، وهو نفسه عراق الحسن البصري، وهو نفسه عراق مالك بن دينار وابراهيم بن أدهم، وهو نفسه عراق الامام الاعظم ابوحنيفة النعمان والامام أحمد بن حنبل، وهو نفسه عراق العلم وآلاف العلماء الذين زينوا تاريخ أمة العرب والاسلام بصفحات مجيدة مشرقة، وهوعراق الادباء والمفكرين، وهوعراق الشعراء والفنانين....وهوعراق أبوجعفرالمنصور، وهوعراق هارون الرشيد والمعتصم، والامين والمأمون، وهو عراق البطولة والشهامة، والاباء والنخوة، وهوعراق الفلوجة والنجف والانبار والرمادي، والسماوة والناصرية والعمارة، وهوعراق المتاحف والمكتبات ودور العلم والادب، وهوعراق المصانع العسكرية، والمنشآت الحربية، التي أشرف عليها الرئيس صدام حسين، وهوعراق الاطباء والجراحين والمهندسين، لذلك فإن أحفاد هؤلاء كل هؤلاء الرجال العظام، وأبناء هذا البلد العظيم ذو التاريخ المشرف المشرق، لايمكن أن يستكينوا أبدا للاحتلال الامريكي الصهيوصليبي المجوسي، وهم لم يقبلوا احتلالا عبر تاريخهم على أية حال، وهم لم ولن ينسوا أن هذا المحتل الصهيوصليبي هو الذي قتل أبنائهم، وآبائهم وأمهاتهم، وهو الذي حاصرهم وقطع عنهم الغذاء والدواء والماء، سواء ايام العدوان الثلاثيني، ثم ما تلاه من ايام الحصار الجائر، ثم حين العدوان الاخير.

إذن هذا هو العراق، وهذه هي أوراق اعتماده، تتألف من تاريخه وماضيه العظيمين، وحضارته، ومجده وشعبه، ولعل شاعرنا الكبير صفي الدين الحلي لم يقل من فراغ: بيضٌ صنائعنا سودٌ وقائعنا خضرٌ مرابعنا حمرٌ مواضينا...إذن لا عجب، وليس غريبا على اي متتبع لهذا البلد، ولهذا الشعب، أن يرى المجاهدين العراقيين يهبون يوميا للدفاع ببسالة وشراسة وبطولة وتضيحة وفداء عن الارض التي شربوا من مياهها وأكلوا من خيراتها، ويراهم يسطرون اروع ملاحم المقاومة العظيمة الاسطورية البطولية الجهادية ضد الاحتلال الصهوصليبي واعوانه من الفرس والمجوس والاذناب والخونة، في خطة عسكرية عبقرية عظيمة، سطرها واشرف عليها إمام المجاهدين، وقائد فرقة المنصورين بالله الشريف صدام حسين، الذي قال كلمة تكتب بحروف من ذهب وهي: ان الحرب الحقيقية ستبدأ بعد الغزو... وفعلا هذا الذي حصل، ومن يريد دليل على هذا الكلام، فليتابع عمليات المقاومة البطولية التي صارت تنشر في وسائل الاعلام أو عبر الانترنت.

يقول استاذنا الكبير صلاح المختار، في مقاله المنشور عبر البصرة بتاريخ 8/9/2005، والمقال بعنوان ثلاث لكمات اسقطت أمريكا... ما هي؟ (نختار من فقراته ما يعني البحث)

لا امارس اي نوع من (الوثنية العراقية) حينما اقول ان (شعب العجب) كما وصفه الرئيس صدام حسين، فك الله اسره، قد سجل مأثر جديدة انفرد بها في تاريخ الشعوب الحرة، فلقد قبر، والى الابد بعون الله، الفتنة الطائفية، وامتدت منجزات شعب العراق لتشمل العالم، بتأكيد واثبات ان ام المعارك  تنطوي على بعد كوني، وهو انها بنهايتها الظافرة، في معركة (الحواسم) الجارية الان، ستجبر امريكا على الانكسار والتراجع، وربما الانهيار الكامل للمشروع الامبراطوري الكوني الامريكي. حينما قلنا ذلك، وكررناه منذ مطلع التسعينيات، رد الكثيرون قائلين: انكم تحلمون، وتستعيضون عن الواقع بالتمنيات الذاتية، فامريكا اقوى امبراطورية في التاريخ، وهي تنفرد بالسيطرة على العالم، وانتم لا نصير ولا داعم لكم، فكيف ستدحرون امريكا؟ واولئك الذين قالوا ذلك ينقسمون الى فريقين: فريق المارينز العرب، الذين يتحرك تنفيذا لمخطط امريكا القائم على التيئيس، وفريق وطنــي، لكنه لا يرى ابعد من انفه، فيعتمد على وعي قاصر، تكون نتيجته هي تصوره ان القوة الامريكية الماحقة هي العامل الحاسم في كسب الحروب، وليس ارادة الحرية لدى الشعوب .

اليوم بات حتى الاعمى، من شدة ذاتيته وانغلاقه على ما ظن، يرى ان امريكا تهزم في العراق، على يد اسود الرافدين، الذين يملكون اعظم سلاح دمار شامل انتجه الانسان منذ الاف السنين، وهو ارادة الحرية، خصوصا وان رامزفت، اشد الناكرين لاحتمال هزيمة امريكا في العراق، اعترف باستحالة الحاق هزيمة بالمقاومة العراقية، وان الحرب ضد العراق قد تستمر اكثر من12 عاما!!! والترجمة العملية الوحيدة لذلك الاعتراف، هي ان المقاومة انتصرت في العراق بسقوط المخطط الامريكي، كما بات المشروع التوسعي الصفوي المجوسي في العراق مهزوما كتحصيل حاصل لهزيمة سيده المشروع الصهيوامريكي، ماهي اللكمات القاضية الثلاث التي حسمت الوجود الامريكي في العراق، والتي وجهتها المقاومة المسلحة مؤخرا ؟

اللكمة الاولى : اسقاط الستراتيجية الكونية

في يوم6/7/2005، نشرت جريدة القدس العربي، تقريرا خطيرا، لان الادارة الامريكية تعترف فيه بحقيقة اخرى، اطلقتها في اطار سلسلة حقائق قررت الاعتراف بها تمهيدا للانسحاب من العراق، وهي ان الستراتيجية العظمى (Grand Strategy) التي تبنتها ادارات بوش الاب، وكلنتون، وبوش الابن، والتي قامت على قاعدة ان امريكا تستطيع خوض حربين في وقت واحد، احداهما برية وجوية (شاملة)، والثانية جوية فقط، لم تعد مناسبة، او فعالة، وتضمن النصر، وذلك على ضوء التجربة المرة في العراق .

فطبقا لوكالة اف. ب من واشنطن، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز (بتاريخ5/7/2005)، ان وزارة الدفاع الامريكية تفكر في تغيير استراتيجيتها العسكرية المتعلقة بخوض حربين في وقت واحد، بشكل يسمح لها بتوفير حماية اكبر للاراضي الامريكية، ومكافحة الارهاب. وذكر تقرير فصلي للكونغرس، ان مخططين عسكريين بارزين يدركون ان وجود قوات امريكية في افغانستان والعراق يحد من قدرة البنتاغون على التعامل مع نزاعات مسلحة اخرى محتملة في اماكن اخرى، طبقا للصحيفة، ويشكك البنتاغون لأول مرة منذ عقود بشكل جدي في جدوي استراتيجية شن حربين في وقت واحد، حسبما افادت الصحيفة، التي حصلت على ملخص للمسائل الرئيسية التي تضمنتها المراجعة السرية التي استندت الى مقابلات مع مسؤولين مدنيين وعسكريين. وقالت الصحيفة، في اعتراف مباشر وكامل، ان الثورة العراقية المسلحة هي السبب الحاسم في اسقاط تلك الستراتيجية، ان المهمة غير العادية التي يقوم بها الجيش الامريكي في العراق قد قلبت مفهوم نموذج خوض حربين في وقت واحد. وبعد سنوات من التأكيد على ان عديد القوات الامريكية كاف لشن حربين في وقت واحد، توصلنا الى استنتاج الان، ان تلك القوات لا تكفي، حسبما نقلت الصحيفة عن مسؤول في وزارة الدفاع طلب عدم الكشف عن اسمه، واضاف المسؤول:اصبحنا ندرك الحقيقة الان!!هذا المسؤول الامريكي يعترف بان العراق قد جره من اذنيه، وقال له : تعلم ان تحترم الشعوب لان قوتك مهما كانت متفوقة، فانها لا تستطيع قهر اردة الحرية لدى الشعوب الحرة التي تريدون استعمارها.

ومن النتائج التي ادت اليها انتصارات المقاومة العراقية، اجبار امريكا على اعادة النظر في خطة استعمار العالم عبر عمليات عسكرية طويلة الامد، بعد ان تحول غزو العراق الى اكبر عملية تورط استنزافي امريكي. قالت الصحيفة : ويحاول المسؤولون المدنيون والعسكريون تحديد الى اي مدى يمكن ان تشكل العمليات التي لاتعتبر حربا تقليديا بكل معنى الكلمة ولكنها تمثل التزاما طويل الامد، مثل تلك التي تخوضها الولايات المتحدة في العراق، عبئا كبيرا على الجيش الامريكي، بحيث تمنعه من شن حملات عسكرية واسعة في اماكن اخرى! في هذا الاعتراف، نجد امريكا مضطرة للتراجع عن عزمها المعلن على خوض حروب استباقية، وعد بوش الابن بها شعبه والبشرية كلها، في مختلف بقاع العالم، بعد ان اثبتت تجربة العراق ان الشعوب تستطيع التغلب على التفوق العسكري والتكنولوجي والاقتصادي اذا عقدت العزم على الدفاع عن كرامتها وسيادتها ومستقبل اجيالها. وفي اعتراف لم يتخيل بوش ولا رامزفت، حتى في كوابيسهما، ان البنتاغون سيضطر للاقدام عليه، وهو ان العراق، وليس غيره، قد اجبر امريكا على تغيير ستراتيجية كانت تظن انها ستضمن لها استعمار العالم، اذ قال المسؤولون للصحيفة ان تقرير البنتاغون، الذي لن يقدم للكونغرس قبل مطلع العام المقبل، يسعى لاقامة توازن افضل بين الدفاع عن البلاد، والحملة لمكافحة الارهاب، والمتطلبات العسكرية التقليدية. ولخص التقرير الدرس (او جرة الاذن العراقية) الذي تعلمته امريكا نتيجة الطرق على رأسها من قبل المقاومة العراقية، بالقول بان استراتيجية شن حربين في وقت واحد تقضي باستخدام اسلحة متطورة، وخاصة الطائرات، اما التركيز على خوض حرب واحدة ومكافحة الارهاب، فيتطلب قوات اسرع حركة، وربما عددا اقل من القوات العسكرية، ولكن عددا اكبر من وحدات العمليات الخاصة، اضافة الى خبراء الاستخبارات واللغات والاتصالات.

ما معنى التغيير؟

ببساطة واختصار، معنى هذا التقرير هو ان امريكا القوة الاعظم في التاريخ والجغرافية، من حيث القوة، قد اجبرها عراق المقاومة على التراجع والاعتراف، ليس بالهزيمة فقط، بل وايضا على تغيير ستراتيجياتها العسكرية والكونية، والتي وضعت في ضوء انهيار الاتحاد السوفيتي، ومن اجل غزو واستعمار العالم. اكثر من ذلك واهم منه، هو ان العراق، وليس روسيا اواتحاد اوروبا اوالصين،هو الذي نجح في كسر شوكة امريكا واجبرها على مالم تجرؤ القوى الكبرى الاخرى حتى على التلميح به لها! كانت روسيا والصين واتحاد اوربا تتجنب شرور امريكا، فتقدم لها التنازلات واحدا اثر الاخر، وكانت كل منها تبلع اهانات امريكا دون ان تفكر في الرد! لكن العراق، والعراق وحده، وقف بوجه امريكا وصارعها، واثخن جسده بالجراح، لكنه في النهاية بطح امريكا والقاها ارضا، بجعلها تنزف بكرم حاتمي، لم يتوقف منذ اكثر من عامين، رغم انها مهووسة بثقافة بخل شايلوك. ان من يجبر امريكا على تغيير ستراتيجياتها وخططها الكونية،هو وحده من يستطيع ان يرسم دروبا جديدة لصنع تاريخ الحرية وبيئة التحرر، واحترام الكبير والقوي للصغير والاقل قوة.