كتاب الجريمة الأميركية المنظمة في العراق (الحلقة السابعة)
صدر الكتاب عن دار الطليعة في بيروت

شبكة البصرة

بقلم الباحث والكاتب العربي حسن خليل غريب - لبنان

محتويات الكتاب الثاني

الفصل الأول:  الجريمة الأميركية المنظمة ضد حقوق الإنسان

 

أولاً: في تحديد وضعية الأسرى والمعتقلين العراقيين:....................................11

ثانياً: أعداد المعتقلين:....................................14

ثالثاً: كيف تتم الاعتقالات؟...............................16

رابعاً: وصف المعتقلات الأميركية.......................... 21

1-واقع السجناء والمعتقلين والأسرى في المعتقلات:........................................22

2-عقوبات السجناء والأسرى نتيجة ما تعتبره مخالفات داخل قاعات الاعتقال..26

3-وسائل الاستجواب:.................................. 27

4-سادية جنود الاحتلال الأميركي:............................. 29

5-وسائل التعذيب....................................... 35

6-ضحايا التعذيب........................................43

7-جرائم الشرف أو الاغتصاب الجنسي...................................................47

أ-جرائم اغتصاب النساء

ب-جرائم اغتصاب الأطفال

ج-جرائم اغتصاب الرجال

خامساً: الساديون في العالم يعقدون حلفاً أممياً..........................................63

1-للبريطانيين دور في ارتكاب جرائم الحرب...................................................63

2-الموساد لم يتغيبوا عن المشاركة في كعكة التعذيب........................................68

3-الدانمارك لم تخرج من مولد جرائم التعذيب من دون حمص.............69

4-كذلك المخابرات الكويتية:................................................69

5-ليس من المُستَغرَب أن تُسهم الحكومة العميلة بارتكاب الجرائم:...........70

سادساً: انتهاكات حقوق الإنسان:.........................................79

1-العدالة الأميركية تغطي جرائمها بالاعتذار:...............................................81

2-بريطانيا، تقليداً لواشنطن، تفي الشعب العراقي حقه بالاعتذار اللفظي:......82

3-تحركات من أجل الإفراج عن المعتقلين:............................. 82

 

الفصل الثاني: جرائم الحرب المنظَّمة

أولاً: في استخدام الأسلحة المحرَّمة دولياً..................................................91

ثانياً: في انتشار المآسي الاجتماعية معاناة الأطفال أنموذجاً.............................96

ثالثاً: في تدمير البنى التحتية وارتكاب الجرائم ضد المدنيين العراقيين...................100

رابعاً: جرائم تدمير التُراث الأثري وسرقته.................. 105

خامساً: جرائم اجتثاث البنية العلمية في العراق:.............................................107

سادساً: جرائم اغتيال البعثيين............................. 115

سابعاً: في الجرائم الاقتصادية..............................115

1-تحويل الاقتصاد العراقي في ظل الاحتلال مخالف للقانون الدولي:.............115

2-تهديم البنى التحتية:......................................121

3-الأموال العراقية المنهوبة والمهدورة:................................................124

4-المافيا وتهريب النفط العراقي:................................................... 129

5-التلاعب بأموال إعادة الإعمار:.................................................... 130

6-نهب أملاك الدولة العقارية:............................... 134

7-حماية رؤوس العملاء تستنزف ميزانية لقمة المواطن العراقي:...................134

8-جرائم السرقة والنهب يمارسها لصوص صغار من الجنود الأميركيين...........137

ثامناً: جرائم تفتيت النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي......................................137

1-جريمة الفلتان الأمني تتسبَّب بتفتيت النسيج الاجتماعي............................138

2-جريمة التطهير العرقي................................... 140

3-تأهيل المجتمع العراقي، سياسياً ونفسياً، لتقسيم العراق.............................142

 

ملاحق الكتاب الثاني الوثائقية

ملاحق الفصل الأول المصوَّرة..................................................145

ملاحق الفصل الثاني المصوَّرة.................................................. 161

ملاحق الفصل الأول

1- السجون السرية ومواقع التحقيق.................... 177

2- كيف كان سجن أبو غريب قبل الاحتلال الصليبي - شهادة سجين سابق.......178

3- السجناء العراقيون أكبر من طاقة السجون الأميركية...........180

4- ترجمة تقرير الجيش الأمريكيّ عن الاعتداء على الأسرى العراقيين 8/ 5/ 2004..........181

5- تقييم استجواب وزارة الدفاع لمكافحة الإرهاب وعمليّات الاعتقال في العراق

( تقييم اللّواء ميلر)....................................183

6- تقرير عن الاعتقال في العراق ( تقرير اللّواء رايدر )........185

7- الحياة تكشف تفاصيل تقرير تاغوبا: تعذيب متواصل وسادي واغتصاب عراقيات............186

8- العائدون من الجحيم الأمريكي: اغتصاب العراقيات أمام الأسرى الرجال.....................187

9- تقرير سري يؤكد اغتصاب العراقيات وإجبار الأسرى على ممارسة اللواط...................188

10- معاناة المعتقلين في سجون الاحتلال الأميركي.......................................189

11- ضباط أميركيون: تعرية السجناء في أبو غريب ممارسة يومية وليست أحداثا منعزلة.........190

12- إيران تؤكد استمرار تعذيب السجناء العراقيين ومدير سابق لـ(سي آي إيه) يعتبر

الانتهاكات انعكاساً لتجاهل البيت الأبيض معاملة الآخرين بشكل لائق... 192

13- شهادات جديدة لسجناء من  أبو غريب.............................................. 193

14- شهادة عيانية من داخل معسكرات الاعتقال الأمريكية في العراق.. 194

15- ضابط عراقي: سجانون ومحققون كويتيون يهينون الضباط الأسرى وأحدهم اعترف بتأنيب الضمير........197

16- معتقل عراقي سابق يروي فظائع معاملة الأمريكيين للأسرى...... 199

17- معتقل عراقي يكشف تفاصيل مروعة عن تعذيب القوات البريطانية للعراقيين.......200

18-جرائم وفضائح سجن (بوكا) الأمريكي........201

19- في رسالة من معتقلي سجن (بوكه) العراقي: لدينا أسوأ من أبو غريب.. 202

20- استشهاد 4 عراقيين تحت التعذيب الأمريكي.........203

21- أسماء 12 عراقيا آخرين استشهدوا تحت التعذيب في أبو غريب.....204

22- الكشف عن مقتل 26 معتقلا علي أيدي القوات الأمريكية بالعراق وأفغانستان...............205

23- أمريكية تحز رقاب 4 عراقيين في الطارمية – تقرير خاص بجريدة البصائر...............205

24- فضيحة جديدة : جنود بريطانيون يقتلون 37 عراقيا بينهم طفلة بدم بارد...................206

25- مئة رصاصة أميركية لتصفية 3 جرحى عراقيين.............207

26- العفو الدولية : مقتل أسرى عراقيين تحت التعذيب ولا مساءلة لأحد..........208

27- التمثيل بجثث الشهداء: خبر عاجل لأهل العراق النشامى.......208

28-مناضل الجميلي قتل بعد رفضه أمرا بخلع ملابسه والإفطار في رمضان.......209

29- وفاة 25 عراقياً بطريقة متشابهة بعد الخروج من المعتقلات الأمريكية...........210

30- القوات الأمريكية تنتزع أحشاء الشاب السعودي (سعيد) وتمثل بجثته غربي العراق......210

31- المعتقل العراقي أبو بكر الحسيني .. شهيد آخر لسجن أبو غريب...........211

32- وثائق سرية تكشف إن القوة الأمريكية اغتصبت وهتكت أعراض السجناء العراقيين.......212

33-أمريكيون غير مؤهلين مارسوا عمليات بتر أعضاء معتقلين في سجن أبو غريب...............215

34- حقائق خطيرة يفجرها فيسك عن فضحية تعذيب الأسرى العراقيين....217

35- فضيحة تعذيب جديدة في معسكرات الاعتقال في العراق......217

36- الصليب الأحمر: ما خفي كان اعظم في سجن أبو غريب....218

37- تعرض أكثر من 100 طفل للاغتصاب في العراق.......218

38- القائد الأمريكي لسجن أبو غريب يعترف بانتهاكات ضد الأطفال العراقيين.......219

39- منظمة دولية تدعو للإفراج عن أطفال معتقلين في سجون الاحتلال بالعراق......220

40- عراقي لدنيا الوطن: جندي أمريكي انتهك رجولتي.........221

41- مجندات أمريكيات اجبرن معتقلين عراقيين متدينين على ممارسة الجنس معهن..........221

42- تقرير أوروبي: اغتصاب النساء وهتك عرض الرجال في معسكر (كروبر).........223

43- جنود أمريكيون اغتصبوا سجينات عراقيات أمام أزواجهن في أبو غريب..........224

44- صور من تعذيب المعتقلات العراقيات في سجون الاحتلال.........225

45- جنود الاحتلال أدخلوا علينا سجينات عراقيات عاريات تماما في سجن أبي غريب.........226

46- منظمة العفو الدولية : القوات الأمريكية اغتصبت عراقيات.......227

47- مجموعة من رسائل السجينات العراقيات: شهادة رقم 1- أختكم المسلمة نادية: هكذا اغتصبني الأمريكيون! فهل من مجيب.........229

48- شهادة رقم 2- يسرا: ثلاثة أمريكيين تناوبوا اغتصابي وتركوني في حالة إغماء...........231

49- شهادة رقم 3- رسالة من معتقلة تدعو العراقيين للانتقام من الأمريكان......233

50- شهادة رقم 4- رسالة من بغداد الجريحة أرسلها لكم لعل وعسى تحرك مشاعر من بقيت له غيرة على شرفه......................233

51- شهادة رقم 5- فاطمة العراق: تصرخ لقد امتلأت بطوننا من أولاد الزنى...................234

52- شهادة رقم 6- يوميات أسيرة...........................235

53- هذه هي خديجة.. المـرأة العـراقية التي صرخت بوجه الأمريكي: يا حمـار........237

54- المرأة العراقية في سجون الاحتلال..مادة الانتهاك ووسيلة له......238

55- موقع وزارة الخارجية الأمريكي  وتقرير صادر عن إدارة مراقبة ومكافحة تجارة البشر...247

56- هيومن رايتس ووتش : الشرطة ترتكب الانتهاكات ضد المعتقلين بصورة منهجية............248

57- تقرير الرابطة الإنسانية العراقية لحقوق الإنسان في الديوانية عن ملف الانتهاكات

من قبل قوى الأمن.........249

58- فرقة موت من قاطعي الرؤوس..................253

59- بيع عقارات الدولة............................255

60- تقرير حـول انتهاك قـوات الأمـن العراقيـة لحقوق الإنسان في الموصل..........255

61- تقرير خاص جديد حول انتهاكات القوات الأمريكية في مدينة الموصل........302

62- في ظل الاحتلال الأميركي البغيض: العراق يغرق في جحيم المخدرات،........304

 

ملاحق الفصل الثاني

1- فضيحة جديدة : دخل المرتزقة السجن وكشفوا المستور.............309

2- أسرة عالم مصري توفي بسبب تعذيب الاحتلال بالعراق تقاضي بوش وبريمر.................310

3- علماء العراق أهم من النفط !......................311

4- آلاف من علماء العراق أجبروا على الرحيل منذ بدء الاحتلال......312

5- بعد تخريب بغداد ... أمريكا تخطط لاغتيال علماء الأسلحة العراقية!!!......315

6- مخطط أمريكا لمحاصرة علماء العراق..........318

7- مسؤول عراقي يتهم  الموساد  بتصفية العلماء بمساعدة قوات الأمريكان.......320

8-ثلاث حافلات تنقل صهاينة بينهم أعضاء في الموساد إلى العراق يومياً........321

9-اغتيال عشرات الأكاديميين العراقيين................321

9-«مخاطر استهداف الكوادر العلمية في العراق»........323

10- الأطباء العراقيون يختارون الهجرة بعد تكرار حوادث الخطف ضدهم.......326

11- الاتفاقية العسكرية العراقية-الأمريكية ودروس من تجارب اليابان وكوريا وألمانيا.........327

12- تقرير دولي حذر من تصاعد المواجهات العرقية في الموصل وكركوك.....338

13- تخوف من ترسّخ النزعة الطائفية وتأييد ضمني لعقد مؤتمر وطني.........338

14-أمريكا ارتكبت عملية إبادة حضارة في تدميرها وسرقتها المخطوطات والآثار العراقية.....344

15- تقرير خاص: إسرائيل «تسرح و تمرح» في شمال العراق.............346

16-جرائم حرب أمريكا في الفلوجة ومواد القانون الدولي.............348

 

الفصل الأول

الجريمة الأميركية المنظمة ضد حقوق الإنسان

قال مساعد وزيرة الخارجية الأميركية بالنيابة، مايكل كوزاك: أحداث أبو غريب هي نقطة لوَّثت الشرف الأمريكي ولا يمكن وصفها بغير هذا([1]).

ونقلت صحيفة لو موند عن انطونيلا نوتاري، الناطقة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، قولها «ما من شك بأن الصور مثيرة للصدمة والذهول، لكن تقاريرنا أسوأ». وأضافت «لسنا بحاجة إلى الصور لمعرفة ماذا يجري داخل سجن أبو غريب في بغداد، وهذا غير مقبول»([2]).

 

أولاً: في تحديد وضعية الأسرى والمعتقلين العراقيين

غيَّر القرار 1546، الصادر عن مجلس الأمن(*)، صفة تواجد القوات الأميركية والبريطانية من «قوات محتلة» كان القرار 1483 قد أكَّدها(**)، إلى «قوات متعددة الجنسيات». ولأن هناك تواطأً واضحاً من الهيئة الدولية، تبقى مسألة الطعن في تلك القرارات ماثلة بسهولة. فهناك احتلال واضح وصريح، وهناك احتيال واضح وصريح أيضاً. فالقوات الأميركية والبريطانية في العراق ومن التحق بها، قوات احتلال. وأن السلطة الممارسة بفعل هذا التواجد هي سلطة احتلال. وبهذا الوصف تتحدد المراكز القانونية لكل إفرازاته على الصعد السياسية والعسكرية والأمنية. وهذا ما يجب التوقف عنده لتحديد المركز القانوني للمعتقلين.

إن المعتقلين لدى قوات الاحتلال هم ثلاث فئات:

الفئة الأولى: الأشخاص الذين أسروا أو اعتقلوا أثناء العمليات العسكرية من تاريخ 20/3/2003 حتى 9/4/2003. يمكن تصنيف الذين اعتقلوا إلى فئتين أيضاً، فئة الأشخاص الذين ينتمون إلى القوات المسلحة النظامية، وفئة الذين ينتمون إلى الميليشيات والوحدات المتطوعة (كفدائي صدامي وجيش القدس والميليشيا التابعة لحزب البعث).  وينطبق على وضعهم أسرى الحرب استناداً إلى المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة(*).

وبما أن الإقليم المحتل وضع كل قواته المقاتلة من جيش نظامي ومليشيات ووحدات متطوعة تحت إمرة عسكرية واحدة فإن من اعتقل أثناء العمليات العسكرية من هذه الفئة هم أسرى حرب. وبالتالي فإن تغيير وضعهم القانوني وعدم النظر إليهم باعتبارهم أسرى هو خرق فاضح لأحكام اتفاقية جنيف.

الفئة الثانية: الأشخاص الذين خطفوا أو اعتقلوا بعد وقوع العراق تحت الاحتلال واستناداً إلى لائحة إسمية وزعتها قوات الاحتلال.  وبالاستناد إليها أقدمت على اعتقال غالبية من ورد اسمه فيها، يتبين أنهم كانوا يشغلون مواقع في السلطة وكانت لهم علاقات تابعة أو متبوعة مع القوات النظامية أو مع الوحدات المتطوعة أو مع المليشيات. فهم يقعون تحت الوصف القانوني للبند (2) فقرة أ من المادة الرابعة من اتفاقية جنيف. وبما أن قوات الاحتلال وجهت إليهم إنذاراً بقصد الاعتقال ولم يمتثلوا له، لذلك فهم مشمولون بأحكام المادة الرابعة فقرة (ب) وبالتالي فإن وضعهم القانوني في الاعتقال هم أسرى حرب.

الفئة الثالثة: الأشخاص الذين اعتقلوا بعد وقوع العراق تحت الاحتلال بتهمة مقاومتهم له، أو بتهمة التعاون مع المقاومين.  فإذا كانت الأمم المتحدة قد حسمت طبيعة الوجود الأميركي والبريطاني في العراق بأنه احتلال، فهو بالتالي لا يتسم بأي مشروعية ولذا، فإن مقاومة هذا الاحتلال يكتسب مشروعية طالما أن الأمم المتحدة قد أقرت بحق الشعوب في تقرير مصيرها واعتبرت حقها في تحرير أرضها هو حق مشروع.  وأقرَّت الهيئة العامة للأمم المتحدة باعتبار المقاومين للاحتلال، إذا اعتقلوا، أسرى حرب(*). لذا تنطبق عليهم أحكام اتفاقية جنيف مادتها الرابعة الفقرة (2) من الفقرة (أ).  كما أنهم يستفيدون من الحماية المنصوص عليها في المادة (75) من الملحق البرتوكول الأول من اتفاقية جنيف.

وعلى ضوء هذا التحديد للوضع القانوني للمعتقلين واعتبارهم أسرى حرب، تتحدد الأسس التي تحكم وضعهم وكيف يجب أن يعاملوا؟ أما كيف تتم المعاملة، وحجم الانتهاكات التي تقوم بها قوات الاحتلال لحقوق الإنسان ولخرقها أحكام المعاهدات والمواثيق الدولية فهذا بحث آخر له علاقة بخروقات قوات الاحتلال لأحكام اتفاقية جنيف حول أسرى الحرب والانتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان([3]).

ثانياً: أعداد المعتقلين

من الصعوبة أن تحصل أية جهة على عدد السجناء والأسرى العراقيين بشكل أقرب إلى الصحة. هذا الأمر يستدعي الباحث إلى وضع تقديرات أقرب إلى الواقع. ولهذا السبب لم نستطع أن نتعاطى مع الأرقام المُعلَنة باطمئنان. ولعلَّ مناقشة مظاهر ما يُعلن يعطينا فكرة من معرفة العدد أو تخمينه. فالاحتلال يرفض إعطاء رقم محدد للمعتقلين لديه ربما ليتمكن من زيادتهم أو إنقاص أرقامهم حسبما تملي المصالح وتفرض الظروف، وهنا يبدو التقدير بين 18 ألفاً إلى 150 ألفاً مروراً بثمانين ألفاً ضرباً من التقدير غير المتصور في إدارة ادعت أن أولى أولوياتها تحرير إنسان العراق([4]). (راجع الصورة الرقم 1)

إن أسباب الاعتقالات تعود إلى أن ملاحقة العراقيين له علاقة بالعمليات العسكرية التي تتعرض لها قوات الاحتلال. فكلما اشتدت المقاومة ورفعت من وتيرة عملياتها تقابلها قوات الاحتلال بالمزيد من الملاحقات والاعتقالات. وحيث إن العمليات العسكرية في تصاعد مستمر، تكون عمليات الاعتقال في تصاعد أيضاً. ونعتبر أن بعض التصريحات التي تصدر عن قيادة الاحتلال وتقاريرها تعترف بأن السجون الحالية عاجزة عن استيعاب أعداد المعتقلين مما يعطي انطباعاً حول كثرتهم.

وحول ذلك أكد مسؤولون عسكريون أمريكيون في العراق أن السجون التابعة لقواتهم امتلأت بالمعتقلين العراقيين حيث يحتجزون في مراكز اعتقال لم تعد قادرة على الاستيعاب أو حشروا بها. وقال تقرير في صحيفة نيويورك تايمز إن الجيش الأمريكي، منذ احتلال العراق في نيسان/ أبريل 2003، وهو يحاول إنشاء نظام للتحكم في السجون والمعتقلين في الوقت الذي كان يواجه فيه مقاومة مصممة وقادرة على إدارة العمليات، إلا أن زيادة أعداد المعتقلين يشكل عقبة كبيرة أمام الجيش([5]).

ويشكو الجنود من عدم وجود عدد كاف لحراسة السجون، فيما تم نقل عدد من أفراد كتيبة المدرعات للعمل في الحراسات. ويقول مسؤول في الجيش إن الجنود الذين تحولوا لأعمال الشرطة في السجن دُرِّبوا على القيام بمهام الحراسة. ويدافع الأمريكيون عن ازدحام السجون، حيث يقول: لا يوجد خطر جدي من ازدحام السجون، ففي أبو غريب أقام الجيش مناطق جديدة للاعتقال، كما زاد من نسبة الجنود الذين يحرسون المعتقل. ومنذ اندلاع فضيحة أبو غريب في أيار (مايو) العام 2004 ([6]).

يقول عراقي خرج من السجن: هناك 15000 من السجناء، وعندما يصبح هناك ضغط في الأعداد يضطرون إلى إخراج بعض المعتقلين أو نقلهم إلى البصرة. وكل شخص يدخل السجن يحمل رقماً لا يعطونه لسجين آخر. وفي الوقت الذي كنت فيه كان الرقم بحدود 160 ألفاً بمعنى أنه دخل السجن وخرج منه 160 ألف سجين. ويحوي السجن كل الفئات العمرية ومن كل المستويات من الشباب في عمر (17) أو (18) سنة. حتى كبار السن من أعمار (80) أو (85) سنة. كذلك يوجد معاقون على كراس متحركة. ورداً على سؤال عن سبب اعتقال معاق، أجاب أحد الحراس:  إن رأس المعاق يعمل ويخطط. وهناك في السجن أشخاص مجانين. وأئمة المساجد وأهل دين وأطباء ومهندسين وضباط كبار وشيوخ عشائر من مختلف طبقات المجتمع ونساء، وفيها تجد أم مع ابنتها المراهقة([7]).

ومما جاء في تقرير صحفي: «ارتفع عدد السجناء في مراكز الاعتقال العسكرية الأميركية في العراق بدون انقطاع منذ خريف العام 2004. وامتلأت المراكز بشكل يفوق قدرتها الاستيعابية، الأمر الذي دفع القادة للشروع في خطة مفاجئة لتوسعة السجن. ولتوقعهم استمرار الزيادة قرر القادة الأميركيون توسعة ثلاثة من السجون القائمة، وفتح رابع، بتكلفة إجمالية تصل إلى حوالي 50 مليون دولار»([8]).

 

ثالثاً: كيف تتم الاعتقالات؟

إن الحقوق الديمقراطية الأكثر جوهرية للسكان العراقيين تنتهك يومياً من قبل قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية. فالبيوت تدمر والمواطنون يعتقلون بشبهة مشاركتهم في المقاومة الشرعية للاحتلال، والشوارع طوقت و الطرق سُدَّتْ، ومناطق بأكملها تحت حظر التجول، والرقابة قائمة على الصحافة، والإضراب قد أعلن عنه أنه غير قانوني وأطلقت النار على المظاهرات بانتظام. وطبقاً لصحيفة نيويورك تايمز، في 7/ 3/ 2004، اعترفت القوات المسلحة الأمريكية باعتقال 10.000 عراقي على الأقل من دون تهم، وأن بعض المعتقلين من صغار السن لا تتجاوز أعمارهم 11 سنة، (الصورة الرقم 3)، كما تم اعتقال كل المواطنين الذكور في العديد من القرى بشبهة مساندة الأنشطة المضادة لقوات الاحتلال([9]).

وعادة ما تتم المداهمات والاعتقالات في الليل، وفيه ما يُعرِّض السكان المدنيين لمخاطر غير محسوبة. ففي الليل تنتشر المدرعات والدوريات الراجلة وتتم الاعتقالات والمداهمات وعمليات التفتيش، وفيها ما يجب على الجميع توخي الحذر. فإما أن يكون القناص الأمريكي فوق سطح جاره أو على سطحه دون أن يدري([10]) .

تبدأ مداهمة البيوت في أوقات متأخرة من الليل. (الصورة الرقم 4) فيتفاجأ المواطنون بأصوات تحطيم الأبواب بالمتفجرات، أو إطلاق النار، وصراخ الجنود الأمريكان.  وتستفيق العوائل من النوم مذعورة (الصورة الرقم 5) ليجدوا الجنود يوجهون بنادقهم إليهم ويصرخون في وجوههم بكلام لا يفهمونه. ويقومون بتقييد الرجال، ومدهم على الأرض، (الصورة الرقم 6) وتعمد إهانتهم والاعتداء عليهم بالضرب أمام زوجاتهم وأولادهم. كما يقومون بإخراج كل أفراد العائلة من البيت للقيام بالتفتيش (الصورة الرقم 7). وفي أثنائه، يسرقون ما يعثرون عليه من أوراق وأسلحة ونقود وذهب. وبعدها يسوقون الرجال إلى المعتقل بعد تغطية رؤوسهم بالأكياس ذات الرائحة الكريهة وسط صراخ النساء والأطفال.

يستقبل الجنود الأمريكيون المعتقلين بالإهانات. وينظرون إليهم على أنهم أعداء ومجرمون وإرهابيون. وحتى الجنود الذين ليس لهم علاقة بالتحقيق يعمدون إلى إهانة المعتقلين لمجرد الانتقام لمقتل زميل لهم. وتُعتبر هذه المسائل طرقاً فعالة لتحطيم معنويات المعتقل قبل البدء في التحقيق معه لانتزاع المعلومات عن المقاومة ونشاطاتها وأهدافها([11]).

إن العشوائية والجماعية هي ما تميز اعتقال العراقيين. وهناك آلاف من المعتقلين للضغط على ذويهم بقصد المقايضة بشخص مطلوب، ويعتقل البعض لأدنى شبهة، أو للتشابه بينهم وبين مطلوبين سواءٌ أكان التشابه في الاسم أم السحنة أم المسكن.  وتكون «الوشايات عنصراً مشتركاً في هذه الاعتقالات وتقف الأسباب الاقتصادية والشخصية خلف تلك الوشايات»([12]).

من أطرف ما سمع به أهالي الموصل عن عمليات الاعتقال العشوائي: قامت القوات الأمريكية بأخذ طفل منغولي في منطقة موصل الجديدة، وطلبت منه إبلاغهم عن منازل الأشخاص الذين يقومون بذبح الحرس الوطني والشرطة وغيرهم... فكان عندما يؤشر بإصبعه تقوم تلك القوات بمداهمة المنزل واعتقال من يكون فيها من الذكور حتى لو كانوا غير بالغين. وهكذا حصلت تلك القوات على أكثر من عشرين مواطناً دون ذنب وعندما يدافع الشخص عن نفسه ويقول: إن هذا الطفل منغولي ولا يدرك شيئاً تجيب تلك القوات إن العقلاء لا يعلمونا بالحقيقية أما هؤلاء فعندهم الحقيقية([13]).

عادة ما يأخذ الجنود رهينة مقابل أن يسلَّم المطلوب نفسه. وتتم كتابة عبارة وتعليقها على باب المنزل تقول: «إذا كنتم مسلمون، كما تقولون، وتغارون على شرفكم، سلّموا أنفسكم لقاء الإفراج عن أمكم أو أختكم»([14]).

 

تلك الأساليب أثارت حتى حفيظة عملاء الاحتلال. لذا انتقد من يُسمَّى وزير حقوق الإنسان العراقي، عبد الباسط تركي، انتهاكات حقوق الإنسان في العراق، وقال في مقابلة مع وكالة الأنباء الفرنسية: «هناك انتهاكات في ظل الاحتلال»، و«هناك اعتقالات وعمليات تفتيش تقوم بها القوات الأمريكية دون محاكمة ولا أحكام قضائية»([15]).

ولا تنفرد القوات الأمريكية بارتكاب الانتهاكات، بل الجميع لهم حق الاعتقال ابتداءً من قوات الحرس الوطني وقوات المغاوير والقوات الخاصة والمليشيات وحتى العشائر([16]).

إن عدداً كبيراً من السجناء عراقيون أبرياء احتجزتهم القوات الأمريكية بشكل عشوائي، واستجوبهم ضباط مخابرات غير مؤهلين. وإن براءة بعضهم تجعلهم عرضة أكثر لسوء المعاملة. فالمحققون يرفضون التصور أنهم اعتقلوا ظلماً. ولذلك يتعاملون معهم على أنهم «أهداف صعبة» يجب كسر شوكتها. وإن الانتهاكات حدثت نتيجة الاعتماد الكبير على الشركات الخاصة، التي تستأجر محققين غير مؤهلين للعمل المخابراتي، وتكون متلهفة على إثبات جدارتها بالمهمة ([17]). وهذا ما تؤكده مؤسسة راند الأمريكية، التي اعتبرت أن غياب الكفاءات في التحقيق وإدارة المعتقلات، يعني احتجاز الأبرياء في السجون، مما يجعلهم هدفاً جيداً للتجنيد في صفوف المقاومة، وقد يحملون السلاح بعد خروجهم من المعتقل([18]).

ويشمل الاعتقال النساء والأطفال, والملفت في الأمر أنه يتم تعذيب الأطفال العراقيين لكي يقروا باشتراك ذويهم في أعمال المقاومة([19]). ومعظمهم يُحتجزون بين الثلاثة والستة أشهر. ويخرجون ناقمين على قوات الاحتلال، لأنها اعتقلتهم بدون أي تهم أو مبرر([20]).

وغالباً ما تترافق حملة المداهمات بقتل مدنيين. قال ممثل للادعاء العسكري بقوات مشاة البحرية الأمريكية أن اتهاماً بالقتل مع سبق الإصرار وُجِّه لضابط بمشاة البحرية، وأنه قد يحكم عليه بالإعدام لقتله رجلين عراقيين أثناء تفتيش سيارتهما([21]).

 

نقلت الغارديان عن أحد العراقيين قوله إنه شاهد معتقلين مقيدين منبطحين على أرض قذرة (الصورة الرقم 8 و9). تركهم الجنود على الأرض الحارة والقذرة لمدة ساعتين. ونقلوا والأكياس على رؤوسهم في عربة عسكرية، ووضعوا فوق بعضهم البعض وأقدام الجنود عليهم، وتبقى الأكياس على رؤوسهم حتى اليوم التالي الذي يبدأ فيه المحققون عملهم. وعن التعذيب قال: كانوا يستخدمون لغة سباب قذرة، ويصرخون على المعتقلين، ويركلونهم ويضربونهم على الوجه والرأس وكامل الجسد، وشاهدت أحد المعتقلين وفكه متورم بشكل لم أستطع التعرف عليه([22]).

-مداهمة أماكن العبادة: تقوم قوات الاحتلال الأميركية بتفتيش الجامع وبعثرة المصاحف والكتب الدينية من دون أي مراعاة لحرمة المكان أو لحرمة المصاحف الشريفة. وتقوم بالعبث بجهاز الصوت وبالمواد الموجودة في داخل الجامع. وأن حملة اعتقالات واسعة تستهدف أئمة الجوامع. وإن الجوامع أصبحت كأنها ملجأ للمسلحين، أو أماكن لصنع العبوات الناسفة. فمعظم حالات الاعتقال التي حدثت داخل الجوامع كان مصير أصحابها الترحيل إلى معتقل أبو غريب أو بوكا في البصرة([23]).

 

نقلت وكالة (قدس برس) للأنباء عن أحد سكان مدينة الفلوجة ويدعي جمال عبد الله قوله: إن القوات الأمريكية قامت بمداهمة مسجد المهاجرين في الفلوجة بعد أن قامت بتفجير الأبواب الرئيسية للمسجد وخلعها من أماكنها. فيما قام بعض الجنود بسكب الخمر على سجاد المسجد. وعبث الجنود بمحتوياته وأثاثه، وبعثروا كتب المكتبة واسقطوا المصاحف على الأرض. ونقلت رويترز عن الشيخ ظافر صبحي قوله للمصلين في مسجد المهاجرين بالفلوجة: « قدسية مساجدنا تدنس والقرآن الكريم يمزق، هذه هي الديمقراطية التي يتحدثون عنها». يذكر أن الجريمة تكررت في عدد من مناطق العراق خاصة في الفلوجة والمناطق التي تنشط بها المقاومة العراقية بقوة([24]).

نشرت صور جثة الشيخ (حسن هادي النعيمي) عضو مجلس شورى هيئة علماء المسلمين وإمام وخطيب جامع الشهيد يوسف في حي الشعب وقد بدت عليها واضحة آثار التعذيب الوحشي. فبعد أن اعتقلته قوات ما يسمى بمغاوير الشرطة، في 15/5/ 2005، من مسجده مارست عليه أشد أنواع التعذيب الهمجي، فكسرت يديه ورجليه وأعملت المثقب الكهربائي(الدريل) في جسده فثقبت ذراعيه وكتفيه وظهره وحتى رأسه. وقد بدت الأصفاد الحديدية في إحدى يديه في إشارة واضحة إلى الجهة التي تتلبس بلباس الأجهزة الأمنية([25]).

لم تكن المساجد هدفاً للمداهمات فحسب، بل شملت الكنائس أيضاَ: تعرضت كنيسة الآباء الدومينيكان في الموصل لعملية دهم على خلفية انفجار عبوة ناسفة على الشارع العام قرب الكنيسة. حطَّم الجنود بوابتها الخارجية باستخدام عجلة همر، ما دفع بالقس بالخروج إلى الدورية لتوضيح طبيعة المكان. لكن الدورية طلبت منه أن ينطرح على الأرض لتفتيشه، فيما طلبت من العوائل والتلاميذ داخل الكنيسة الخروج لأغراض التفتيش أيضاً.

-مداهمة المستشفيات: يومياً، تداهم القوات الأمريكية المستشفيات الرئيسية، وتعتقل كل مصاب فيها. وتقوم بعملية الاعتقال بغض النظر عن الحالة الصحية للشخص المصاب، وعما إذا كانت الإصابة بنيران القوات الأمريكية أم بنيران قوات الحرس الوطني، أو بإطلاقات طائشة. وأحياناً يعتقل الشخص المقيم مع المريض. وينقل المعتقلون المرضى إلى مكان لا يسمح لأحد بزيارته. وأحياناً يرحل بعضهم إلي مستشفى أبو غريب ليمكث فيها فترة طويلة([26]).

 

رابعاً: وصف المعتقلات الأميركية

يتخذ الأمريكيون إجراءات أمنية مشددة، حيث يتم وضع المعتقلين أولاً في مركز مكتوب عليه: مركز إنزال المعتقلين، وبعد ذلك يطلب من المعتقلين الجلوس على الأرض قبل أن يتم تصنيفهم، ويطلب منهم وضع ملابس السجن البرتقالية، وهي الملابس التي يلبسها المعتقلون في معسكر غوانتانامو في كوبا([27]).

وفي الوقت الذي يعتقل فيه سجناء للاشتباه بمشاركتهم في المقاومة، يقبع عدد كبير آخر في السجن لارتكابهم جنحاً بسيطة لا يستطيع النظام القضائي العراقي في حالته المرتبكة الحالية التعامل معها كما يجب، وفي النتيجة يعتقل آلاف السجناء ويسجنون من دون محاكمة بانتظار النظر في قضاياهم ويتركون ليمضوا الساعات وراء القضبان في المنشأة المخيفة ذات الحراسة المكثفة وأبراج المراقبة المجهزة بالمدافع الرشاشة.

 

ومع وصوله إلى السجن، يستقبل الجنود الأمريكيون والموظفون الأمنيون المتعاقدون المعتقل بسلسة من الإهانات. ويطلب منه نزع ملابسه كلها (الصورة الرقم 10 و11)، والقيام بسلسة من التفتيشات المزعجة، والإهانات والتعليقات التي تجعلها عملية غير محتملة. بعد خلع الملابس بالكامل يبدأ الجنود بقرص مؤخرات المعتقلين، وإدخال أصابعهم فيها، ويلمسون أعضاء المعتقل التناسلية ويدلون بالمزيد من التعليقات. المعاملة مقرفة. وبعد دخوله السجن يمضي 18 يوماً مع 30 أو 40 سجيناً آخر قبل الانتقال إلي داخل المنشأة. وهناك يتشارك غرفة يبلغ طولها 15 قدماً وعرضها 15 قدماً مع ثمانية رجال آخرين. ومن العادات المتبعة في معاملة السجناء، تركهم عراة ومربوطين إلي أحد الأعمدة خارج السجن طوال النهار([28]).

-تصف إحدى المعتقلات اليوم الأول لاعتقالها، فتقول: كان ثقيلاً ولم أكن معتادة على رائحة الزنزانة الكريهة إذ كانت رطبة ومظلمة وتزيد من الخوف([29]).

- ويصف آخرون بأنهم يبقون مقيدي الأيدي لمدة ثمانية أيام متواصلة حتى إنه عندما يذهبون لقضاء الحاجة أو حتى للصلاة يبقون مقيدي الأيدي.

-في كل غرفة تحقيق، يوجد ما بين 20 إلى 30 معتقلاً، وفيها يستلم السجين بطانيتين من اردأ النوعيات، وهي لا تكفي في مكان بارد جداً، ويستحم السجين تحت صنابير مياه في الهواء الطلق في ظل جو ممطر ودرجة حرارة منخفضة.

 

1-واقع السجناء والمعتقلين والأسرى في المعتقلات:

تُعلِّق إدارة السجون في زنازين الاعتقال عبارة «لا تتحرك، سوف تتعرض للقتل».

يبدأ اليوم بالنسبة للسجناء بآذان الفجر.  وفي الساعة السابعة صباحاً يبدأ بجمع السجناء لإحصائهم. وعند الساعة الحادية عشرة تقريباً يتم توزيع وجبة طعام رديئة جداً، وهي عبارة عن رغيفين صغيرين من الخبز إضافة إلى كأس من الأرز مع القليل من المرق. ويتم توزيع الوجبة الثانية بعد المغرب أو بعد العشاء وهي وجبة اردأ من الأولى. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المتعهد بتموين السجن للمعتقلين والقوات الأمريكية هو شخص قطري للأسف، حيث فهمنا من المترجمين أن المتعهد يشتري الطعام بعشرة دولارات للسجين الواحد ومن ثم يبيعها لمتعهد عراقي ثانوي بقيمة أقل([30]).

يتعرَّض السجناء إلى معاملة سيئة تزيد من معاناتهم، حول كل ما له علاقة بحياة المعتقل: طعام وشرب ونوم ونظافة...([31]). كما يتم إرغامهم على النوم في مكان مساحته متر واحد. وتطلق عليهم أعيرة غير مميتة حسبما ذكرت (واشنطن بوست) ([32]).

يعيش المعتقلون ظروفاً في غاية القسوة في صحراء بوكه، التي تبعد عن مركز محافظة البصرة أكثر من تسعين كيلومتراً، حيث الحرارة المرتفعة، والأتربة تغطي سماء المنطقة لساعات النهار المتواصلة وحتى قبيل مغيب الشمس، إضافة إلى الماء الحار، الذي سبَّب للبعض آلاماً في الكليتين من آثار الحصى والرمل. كما أنهم يعيشون في خيم شديدة الحرارة، في فصل الصيف القائظ، حيث تصل درجة الحرارة إلى 50 درجة مئوية. ويشكون من العزلة التامة عن العالم الخارجي، محرومون حتى من الراديو. أما الأوضاع الصحية فسيئة، فبين المعتقلين مرضى وكبار السن والمعوقين والأطفال. وهناك تنتشر بعض الأمراض المعدية كالسل الرئوي والجرب. وبسؤال المشرفين عن سجن (بوكه) عن سبب صبهم أرضية السجن بالإسمنت، بعد أن فر بعض المعتقلين عن طريق الحفر تحت السياج، قالوا: سنبني لكم قاعات تكون مقبرة لا ترون فيها شمساً ولا أهلين، ويكون مصيركم كمصير (غوانتاناموا)([33]).

تصوِّر بعض التقارير السرية، المقدَّمة إلى الكونجرس الأميركي، الحالة المزرية للسجون في العراق، كما أنها في حالة فوضى تامة, وأن السجناء تم إطعامهم الحشرات وأُجبروا على العيش في ظروف مزرية. ويُقدِّم بعض ما تسرَّب من تقرير (توكابا) صوراً واقعية لما هو عليه حال السجون والمعتقلات في العراق:

- عن تقرير لنقابة الحريات المدنية الأمريكية أن أحد العاملين الطبيين في سجن أبو غريب تحدث عن فحص ما بين 800 و 900 معتقل يومياً. مما يعني أن الفحص كان يستغرق أقل من دقيقة. كما أن طبيب السجن، وأحد زملائه من غير الأطباء، يقومون بعمليات بتر وغيرها من العمليات لمعتقلين. ويعاني من نقص في الأدوات الطبية وأنابيب التنفس والإمدادات الخاصة بالعظام، بما في ذلك الجبائر التي تستخدم لعلاج الكسور الناتجة عن شظايا القذائف والمتفجرات. وقدر ضابط اختصاصي في علم النفس أن خمسة بالمئة من المعتقلين يعانون من أمراض عقلية ولا يوجد طبيب في السجن لمعالجتهم([34]).

-عاملوا السجناء بكل قسوة حتى يصلوا إلى حد من اليأس، بحيث يصبح السجين مستعداً لبيع أمه من أجل الحصول على بطانية أو على طعام بدون حشرات أو الحصول على قليل من النوم ([35]).

- أفاد بعض المعتقلين، في فترات اعتقالهم، أنهم تعرضوا للضرب بوحشية (الصورة الرقم 12و 13) والاعتداء الجنسي، وعلقوا بالمقلوب، وحرموا من الماء والنوم، ولم يسمح لهم باستعمال المراحيض، وتعرضوا للترهيب بواسطة الكلاب (الصورة الرقم 14). ويفيد العراقي محمد صبّار (36 عاماً) أنه أجبر مع غيره من المعتقلين على الاصطفاف أمام فرقة إعدام وهمية راح الجنود الأمريكيون يضحكون حيال طريقة انهيار أعصابهم قبل إعدامهم الوهمي([36]).

- كانوا يُعاملون المعتقلين كالكلاب الضالة. يرمون إليهم الطعام بكل احتقار. بينما كانوا يُكرمون كلابهم ويدللونها ويطعمونها بأيديهم، أما المعتقلون فلا يستحقون، لأنهم وهابيون، حسب اتهامهم. ومن يجرؤ أو يتكلم يكمم الجنود الأمريكيون فمه بقطعة قماش يأتون بها من تحت أرجل كلابهم([37]).

أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أن الجيش الأمريكي تلقى خلال العام (2004) 1700 شكوى بشأن وقوع اعتداءات جنسية كان ضحيتها أو مرتكبيها أفراد في القوات المسلحة. وشهد العام 2004 وقوع اعتداءات جنسية ارتكبها جنود ومجندات بالجيش الأمريكي بحق أسرى في العراق وأفغانستان، وكذلك جوانتانامو، وهي الانتهاكات التي نددت بها منظمات حقوقية دولية، مطالبة بمحاكمة المسئولين عنها([38]).

وفي إحدى الوثائق المؤرخة في 24 يونيو/ حزيران2004 تحت عنوان «تقرير عاجل» موجه إلى روبرت مولر مدير مكتب المباحث. يتضمن مشاهدات عن إساءة معاملة جسدية خطيرة لمعتقلين مدنيين عراقيين، تتضمن وقائع محاولات خنق وضرب ووضع أعقاب السجائر في فتحات آذان المعتقلين، واستخدام وسائل استجواب غير مصرح بها. وتشير الوثيقة إلى وجود محاولات للتغطية على أساليب التعذيب. وفي سجن غوانتنامو قال محققو مكتب المباحث إنهم شاهدوا معتقلين  معلقين بالسلاسل في أوضاع غير إنسانية لأكثر من 24 ساعة (الصورة الرقم 15 و16)، تركوا يتبولون ويتبرزون على أنفسهم. وأشار أحد المحققين إلى أن معتقلاً شوهد وقد نتف أكثر من نصف شعر رأسه بشكل جنوني. وكشفت الوثائق أن أحد المعتقلين شوهد جالساً على أرض غرفة الاستجواب وقد لف حوله العلم الإسرائيلي. كما فتحت أصوات الموسيقى بشكل مرتفع لدرجة لا تطاق، إضافة إلى مضايقته بالأضواء القوية. وزعم القوصي الذي كان من بين أول فوج بدئ بمحاكمته عسكرياً بتهم ارتكاب جرائم حرب، أن المحققين في غوانتانامو لفوا السجناء بعلم إسرائيلي وأظهروا لهم صورا عارية وأرغموهم على الحضور، في الوقت الذي كان فيه البعض الآخر يمارس الجنس. وقد نفى المسؤولون العسكريون تلك المزاعم([39]).

ومن أهم الشهادات عن حالة المعتقلين في السجون، تلك الشهادة التي قدَّمها عميد كلية الشرطة في النظام السياسي الذي سبق الاحتلال:

1-كان عدد المعتقلين كثيفاً في معسكر أسرى الحرب في المطار بحدود 5000 شخص، وفي أم قصر بحدود 12000 شخص من مختلف التهم والأصناف، بينهم عسكريون وموظفون وقياديون ووزراء، ومعهم مجرمون عاديون من المتهمين بالسرقات والقتل. كما كان هناك أحداث، ونساء دون أي عزل أو تصنيف، فضلاً عن الكثافة الإسكانية فالخيمة التي طاقتها الاستيعابية 12ـ16 كان يوضع فيها أكثر من 30 معتقلاً.

2-المحققون في المعسكرات من جنسيات مختلفة، وأكثريتهم من الاستخبارات العسكرية والمخابرات الأميركية وعدد من البريطانيين. ووجود عدد كبير من الكويتيين ضباطاً وصف ضباط، ويبدو أن بعضهم متطوع والآخرين منتدبين للعمل مع القوات الأميركية، وكان تعامل الكويتيين أكثر قسوة وخشونة من الأميركان. وهناك جنود من جنسيات أخري: باكستانيون، وهنود، وإيرانيون، ومترجمون من لبنان ومصر.

3-كان يمنع علي المعتقلين حلاقة الوجه أو الرأس، وتقليم الأظافر. فضلا عن منع التدخين، وكان بعض الحراس يبيعون السيكارة  الواحدة للأسرى بسعر 750 ديناراً.

4-للجندي المسؤول عن الحراسة كامل الصلاحيات في إساءة التصرف ومعاقبة المعتقلين بالحرمان من الماء، أو منع الذهاب إلى المرافق الصحية، أو الحرمان من الطعام.

5-مُنع ممثلو الصليب الأحمر، ومنظمة العفو، وجمعيات حقوق الإنسان من دخول المعتقل سوى مرة واحدة مع الصليب الأحمر علي مدى 42 يوماً([40]). كما أن الحق في زيارة الأهل ممنوع إذ«إن الوصول للسجناء صعب جداً ويقتضي الانتقال من مسؤول أميركي إلى آخر قبل الانتهاء بفشل ذريع»([41]).

 

2-عقوبات السجناء والأسرى نتيجة ما تعتبره مخالفات داخل قاعات الاعتقال:

الاقتياد إلى القسم الانفرادي. ووضع الأكياس السود في الرؤوس. وضع المعاقبين في ساحة مكشوفة بعد ربط الأيدي. ثم عمليات التعذيب بإشراف ضابط أمريكي مع عدد من المجندات. خلع الملابس بالرضا أو بالقوة. وضع المعتقلين في قاعة رطبة. إجبارهم على ممارسة العادة السرية مترافقة بحركات إغراء تقوم بها المجندات. الكتابة على المؤخرة عبارات تؤدي بالحراس إلى الضحك بهستيريا. الربط بالحبال وأمر المعتقلين بالنباح. والمشاهد تصور من قبلهم ([42]).

نتيجة احتجاج السجناء سلمياً إثر منعهم من مغادرة زنزاناتهم لمدة ثلاثة أيام متتالية، ألقى حراس السجن عليهم قنابل الصدمة، وأطلقوا الرصاص المطاطي، حتى أنهم قتلوا أحدهم برصاص حقيقي عندما ساء الوضع. ومن بعدها حشروا نزلاء كل ثلاث زنزانات من الرجال في زنزانة واحدة وسط التهديد بالسلاح والحرمان من الماء. ونتيجة لذلك ينشب العراك بين السجناء بسبب ضيق المساحة وقلة السجائر. وإذا تعارك رجلان كانوا يستخدمون الغاز المسيل لدموع في مساحات ضيقة وفي مواجهة مجموعات كبيرة([43]).

أن القوات الأمريكية قامت أثناء موجة الاحتجاجات الأخيرة في سجن بوكا، في جنوب العراق، برش المعتقلين بالطائرات بمادة سمية بيضاء اللون، أدت إلى تشوه وجوه بعض المعتقلين وانتشار الحروق بينهم، و بعد انتشار حكة جلدية شديدة بين المعتقلين، الذين أصابتهم تلك المادة. كما تسببت تلك المادة في فقدان بصر وقتي عند بعض الذين أصيبوا، في حين قتل عدد من المعتقلين في تلك الأحداث([44]).

ومن أجل عزل المعتقلين المخالفين قامت قوات الاحتلال ببناء محاجر حديدية، بلغ عددها العشرات، ما إن تراها حتى يقشعر جلدك، هي عبارة عن أقفاص حديدية متر في مترين، القضبان الحديدية فيها من كل جهاتها الستة([45]).

والعقوبات الفردية والجماعية موجودة حيث يتم تعريض السجناء لعقاب جماعي بإدخال كلاب بوليسية إلى مخيمات السجناء ويطلقون الرصاص المطاطي أحياناً على المعتقلين بسبب وبدون سبب([46]).

 

3-وسائل الاستجواب:

خوَّلت مذكرة، حصل عليها «الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية»، أعلى رتبة في جيش الاحتلال الأميركي للعراق باستخدام وسائل الاستجواب التالية: أساليب من بينها الإبقاء على السجناء في أوضاع متعبة، واستخدام موسيقى صاخبة والتحكم في الإضاءة، وتغيير أنماط النوم. واستخدام كلاب الجيش المكممة بهدف «استغلال خوف العرب من الكلاب مع الحفاظ على الأمن خلال الاستجواب»([47]).

أكد القائد العسكري الأميركي الأسبق في العراق، الجنرال ريكاردو سانشيز، أنه وحده كان يمتلك الصلاحية للمصادقة على أساليب التحقيق القاسية في أبو غريب. ولكن جنود الاستخبارات العسكرية الذين عملوا في فريق «المشاريع الخاصة»، قالوا إنهم لم يعودوا بحاجة إلى مصادقة الجنرال سانشيز على استخدام الأساليب القاسية، خاصة أن الكولونيل توماس باباس، ضابط الاستخبارات المسؤول في السجن، كان قد ابلغهم بأن لديهم موافقته المسبقة على استخدام تلك الأساليب.

 

ولم تعد هناك حاجة إلى رفعهم خطط التحقيق إليه للمصادقة عليها. ويمكن أن تأتي من رقباء في شعبة الاستخبارات العسكرية في السجن بدلاً من مصادقة الكولونيل، وهو ما جعل عملية المصادقة أقصر من الناحية الإجرائية. كما أعطيت صلاحيات الموافقة على وسائل التعذيب لـ«فريق المشاريع الخاصة». وقال جندي كان يعمل مع المجموعة إنه «ما إن أصبحنا فريق المشاريع الخاصة تغيرت قواعد العمل. وبات الأمر: افعلوا ما تحتاجون إلى فعله للحصول على معلومات. ومن الطبيعي أننا فعلنا الشيء الذي نريده»([48]).

قامت الإدارة الأميركية بخصخصة قطاع التحقيق مع المعتقلين في العراق، لمصلحة الشركات الخاصة. وقد أشارت تقارير إلى تورط بعض الموظفين الأمنيين المتعاقدين من شركة (سي أي سي آي انترنشونال إنك) من ارلينغتون في فيرجينيا في هذه الممارسات وسوء إدارة التحقيقات. وتتولى الشركات الخاصة معظم الوظائف الأمنية للجيش الأمريكي في العراق، ومن ضمنها العديد من العمليات الأمنية والاستخباراتية([49]).

لقد طلبت الاستخبارات العسكرية الأميركية، التي تشرف على التحقيق، من الجنود أخذ الصور البشعة، وذلك لإهانة المعتقلين، وإجبار الآخرين على الاعتراف([50]).

4-سادية جنود الاحتلال الأميركي: (الصور 17 و18 و19)

السادية، كما ظهرت واضحة في سلوك الجنود الأميركيين تعود إلى عاملين: أيديولوجي ومسلكي تربوي. أما الإيديولوجي، فله علاقة بالقائمين على تعذيب العراقيين فهم من جنود الاحتلال الذين ينتمون إلى المجموعة المسيحية الصهيونية التي تحكم في أمريكا([51]).

ليست السادية نزعة غريزية، بل عادة يمكن اكتسابها بالإعداد النفسي. بالتدريب أولاً، وبالممارسة ثانياً. وعلى مقاييس المهمات، التي أعدَّت فيها الإدارة الأميركية جنودها، دربَّهم ضباط «البنتاغون» وخبراؤه في النفس والاجتماع على أن يسلكوا سلوكاً سادياً في الحروب التي يشاركون فيها. يقول الجندي جيم ميسي الذي أخرج من الجيش الأميركي لأسباب صحية: لقد رأيت الرعب الذي كنا نسببه كل يوم في العراق. لقد كنت جزءاً منه.

 

فنحن جميعاً قتلة. «لقد قتلنا العراقيين المدنيين الأبرياء في كل الأوقات، فتلك كانت هي الطريقة التي اتبعناها». أنا أعتقد أن «عليهم» أن يسحبوا جميع القوات الأجنبية من العراق حالاً. وأنا أقول ذلك عن الجنود الآخرين: لتجنب العقاب أو الثأر من قبل الجيش، فإنهم لا يريدون أن يتكلموا ويعترفوا بأن قتل «الإرهابيين» هو ليس مهمتنا. إنها حرب لقتل المدنيين الأبرياء.  ويتابع قائلاً: خضعنا لدورات تدريب لمواجهة «العنف والعدوانية»، ُتسمى «مخيم الجزمة»، وفيه يتعرض كل جندي إلى طرق نزع الإنسانية وعدم التأثر بالعنف. ولكنهم لم يخبروني بأن ذلك يعني قتل مواطنين مدنيين أبرياء. وفي الجبهة يُتخمون الجنود بمضادات الاكتئاب، وبعد ذلك يعيدوهم إلى المعارك مرة أخرى. وهذا هو علاج الطوارئ لما يسمى بـ«إجهاد الصدمة النفسية»، عندما تتغلب فكرة رفض القتل على حياة الجندي([52]).

 

قال الجنرال جيمس ماتيس(*): «في الحقيقية، القتال شيء مليء بالمتعة. عندما تذهب لأفغانستان تجد رجالاً كانوا يصفعون النساء بلا مبالاة لأنهم لا يرتدون الحجاب. إن رجالاً مثل هؤلاء ليس لديهم أية رجولة متبقية. لذا قتلهم هو شيء مليء بالمتعة»([54]).

يقول الجندي الأميركي ماسي(*) إنه رأى جثثاً تهان وتسرق وجرحى مدنيين يرمون على قارعة الطريق دون إسعاف. وبعد أن أخبر ضابطه أنه يشعر بأنهم يرتكبون جرائم إبادة، أطلق عليه الضابط لقب «جبان».

يعدد أحد جنود الاحتلال الحوادث التي شاهدها: في أوائل نيسان/ أبريل 2004، قرب مجمع عسكري عراقي يبعد خمسة أميال عن مطار بغداد: كان هناك تقريباً 10 رجال قرب دبابة. فتحنا عليهم النار. تركنا القتلى في أماكنهم .لاحظنا بعض الار بي جي على بعد 200 متراً منهم، يعني أن المتظاهرين كان بإمكانهم أن يطلقوا علينا النار ولكنهم لم يفعلوا. أطلقنا النار على شاحنة مسرعة. أحد الركاب قفز فقتلناه . وكان السائق ميتاً.

-أطلقنا النار على سيارة تويوتا كورولا . قتلنا السائق وخرج من السيارة راكب رافعاً ذراعيه إلى الأعلى فقتلناه.

-أطلقت النار على سيارة فيها امرأة وطفلين . وقتل الجميع.

وفيما بعد قلت لقائدي: انه يوم سيئ، فرد قائلاً: كلا إنه يوم جيد.

وقد شاهد الجندي أثناء أداء مهامه في العراق عراقيين جرحى يرمى بهم على جانب الطريق دون إسعاف.  ويوضح قائلاً : إن العراقيين شاهدونا ونحن نهين أمواتهم طوال الوقت. كنا نتحلق حول جثثهم المتفحمة نمثل بها، ونركلها خارج السيارات ونضع سجائر في أفواههم . كما رأيت مركبات تدوسهم . وكان عملنا تفتيش جيوب العراقيين القتلى لنجمع معلومات. ولكني كنت أشاهد المارينز وهم يسرقون السلاسل الذهبية والساعات والمحافظ المليئة بالنقود([56]).

نستدل على تلك السادية من خلال الصور التي التقطها الجنود، ومنها:

تظهر الصور جنوداً يمارسون الجنس مع بعضهم البعض، وفي أخرى جنود قرب بقرة مذبوحة بعد سلخ جلدها، حيث يظهر رأس البقرة المليء بالرضوض والدماء، وفي مرات أخرى التقطت صور لجنود بجانب قطة مشوهة الرأس، ومن هذه الصورة مئات المناظر.

وتظهر صور أخرى رجالاً جرحى وجثثاً، وفي واحدة من الصور ظهرت صورة رجل مطروح على أرضية شاحنة، ووجهه وقميصه وذراعه مغطاة بالدماء، ويبدو أنه فقد يده، فيما تشير صورة إلى جثة رمادية متعفنة، وبجانب الصورة جندي يبتسم رافعاً إبهامه. وفي صورة أخرى، امرأة تستعرض نهديها، ولا يعرف إن كانت سجينة أم لا. وتظهر صورة أخرى ثلاثة أو أربعة معتقلين عراة أوثقوا مع بعضهم البعض وهم ملقون على الأرض، بينما يتبختر جنود أمريكيون من حولهم. ومعظم المعتقلين الذين ظهروا في الصور يلبسون أساور بيضاء تحمل هويتهم. وتوجد صور لرجال عراة سجناء كوموا فوق بعضهم بينما وقف جنود حولهم. وصورة لسجين عراقي مات تحت التعذيب، ووضعت جثته بالثلج مدة أربع وعشرين ساعة، قبل أن يرمى به خارج السجن([57]).

جندي أميركي يوجه بندقيته إلى عراقي جريح كان يئن ويبدو متألماً بينما ينظر الجندي إلى الكاميرا قائلاً: «لقد أطلق عليَّ النار». وبعد ذلك يوجه الجندي ركلة إلى الجريح. وفي لقطة أخرى، تصور الكاميرا صفاً من المعتقلين الذين ربطت أيديهم وراء ظهرهم بينما يكرر صوت «قذر. قذر. قذر». كما يظهر جنود من الوحدة نفسها يقومون بتفتيش شاحنة متوقفة ليلاً ويكتشفون أن سائقها قتل بالرصاص. ويقوم جندي بهز الجثة قائلاً: «انتظروا سأجبره على تحيتنا»([58]).

 

أما حول بطل السادية، الجندي غرينر، وحسب شهادة الذين استمعت هيئة المحكمة لشهادتهم، فقد أجاب الشاهد الذي سألته المحمكة إن كانت تبدو على غرينر المتعة عندما كان يقوم بتعذيب المساجين، فرد أنه كان يضحك ويصفر ويغني([59]).

يقول مايكل راتنر، أحد خبراء مركز حقوق الإنسان في نيويورك: إن كل الجنود الأمريكيين عصبيون، ويسيرون على قاعدة «أولا.. أطلق الرصاص، وبعد ذلك اسأل». وكثير جداً من المواطنين العراقيين أصيبوا أو قتلوا أمام نقاط التفتيش في كل مكان في العراق، ونحن نعرف أن مئات المدنيين الأبرياء قتلوا بإطلاق الرصاص عليهم من قبل الجنود الأمريكيين من دون أي سبب. وقال جون بايك، من معهد الأمن الكوني في واشنطن، إنه إذا ما قام جندي أمريكي في نقطة تفتيش بقتل أي مدني وتم التحقيق معه.. لا يحدث له أي شيء، فهو يعمل هناك بتكليف من الولايات المتحدة، ولا يخضع لمحاكمة إلا إذا خالف التعليمات.. وهو الأمر الذي يكاد لا يحدث أبداً.

وعرض برنامج قدَّمته قناة (إي بي سي نيوز)، شريط فيديو مصور ظهر فيه أحد جنود مشاة البحرية الأمريكية، وهو يمسك مدفعاً رشاشاً فوق سيارة جيب عسكرية تسير بجوار سيارات مدنية عراقية، فيأمرهم الجندي قائلاً: تراجعوا.. تراجعوا، بينما يقوم بعض ركابها برفع المنديل الأبيض إشارة إلي أنهم مدنيون.. وفجأة وبعدها بثوان وبلا أي مبرر يطلق الرصاص عليهم.. فيقتل ثلاثة منهم.

ويُظهر الشريط مواطناً عراقياً تعرض لإصابة خطيرة بعد أن قاموا بإطلاق الرصاص على كليته ويقومون بضربه بأحذيتهم في وجهه وجسده، ثم يضع أحدهم قدمه فوق رأسه. (الصورة الرقم 20) ويظهر الشريط صورة جثة محترقة لعراقي، بينما جندي يقول ضاحكاً: «شكله يبدو (مقرمشاً) بصورة حقيقية». وظهرت صورة جندي أمريكي يركل بقدمه رأس أحد القتلى، فيعلق عليه مايكل رايتنر، من مركز حقوق الإنسان في نيويورك، بالقول: عندما يأتي جندي ويلعب الكرة برأس خصم ميت، هذا أمر سيئ بما فيه الكفاية، والمشكلة الكبرى أن هؤلاء الناس يصورون كل ذلك بالفيديو، ما يظهر أنهم يعتبرونه أمراً عادياً، وأنهم ليس لديهم خوف من أن يرى هذه الأدلة المادية أي قائد لهم.. من أصغر ضابط وحتى دونالد رامسفيلد.  وتختم القناة برنامجها قائلة: إن صور ما يحدث من انتهاكات أمريكية بصورة يومية تثبت مدي السادية التي يتمتع بها الجنود الأمريكيون.

ويصورون عراقياً تم قتله وهو يقود سيارته، والجنود يتلاعبون بيده تارة وبرأسه تارة أخرى، بينما أحدهم يشد جسده ويهزه بقوة، في الوقت الذي يرد عليه آخر قائلاً: «اجعله يحني رأسه ويقول.. هالو». وهو ما علق عليه فرانك روديجر، أحد الضباط بقوله إن هذا يظهر انحطاط الأخلاق وإهانة الكرامة الإنسانية وانتهاكها. مضيفاً أن المرء لابد له أن يؤكد أن هذا يعد نتيجة طبيعية للثقافة الأمريكية التي تقوم علي التفوق علي الثقافات الأخرى، وبأن الأمريكيين يستطيعون أن يفعلوا أي شيء يريدونه بالآخرين([60]).

قال بوب هيبرت، في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز: إن إحدى الأمور المميزة للحرب في العراق هو الانتشار غير العادي للصور التي التقطها الجنود الأمريكيون والتي توثق الرعب الشديد للحروب، والمعاملة السيئة التي يتعرض لها المدنيون العراقيون من قبل القوات الأمريكية.  ويبرز شهادة الجندي الأمريكي الذي يدعى ديلجادو(*)، حمل معه مجموعة من الصور، كان من الصعب النظر إلى بعضها. كانت معه صور لأطفال اقتربوا من الموت لجراحهم التي أصيبوا بها أو نجوا من الموت، فيما بدا البعض وكأنه ميت. كما كانت هناك صور للعراقيين كما لو كانوا ميتين من هول موقف لا يمكن تصور حدوثه لهم. بالإضافة إلى صور تظهر سعادة الجنود الأمريكيين بالتقاط صور بين جثث المعتقلين العراقيين بعد قتلهم.  ويؤكد الصحفي: إن موقف الأمريكيين بوجه عام تجاه حرب العراق، كان سيتغير بشكل كبير إذا كشف النقاب للجمهور عن مشاهد إراقة الدماء وصور التعذيب الأخرى المستمرة دون انقطاع في العراق([61]).

صوَّر جنود أمريكيون مشاهد القتل والجثث المتفحمة في العراق وحولوها إلى فيلم بعد إضافة موسيقي تصويرية. وحمل أحد الجنود الذين عادوا من العراق، أفلاماً صنعها الجنود الأمريكيون عن العمليات التي يقومون بها، ويعرضونها لتمضية الوقت.  وبعضها يصور جنوداً يحملون مناظير ليلية، وصوت راديو للاتصال بين الجنود يعلو قبل أن يختفي بفعل الموسيقي التصويرية المأخوذة من أغنية لفرقة دوب وفيها لا أريد معرفتك. ومع الأغنية، تبدأ الصور بالظهور، جنود أمام مدرعة من نوع برادلي، امرأتان تلبسان العباءة السوداء تسيران في شارع مغبر، قبة مسجد زرقاء، وملصق يظهر الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، وبعد ذلك علا صوت موسيقي وأغنية تقول: «مت، لا احتاج لمقاومتك، مت لا احتاج لدعواتك»، وتظهر جثثاً متفحمة، وجثثاً بدون رؤوس تملأ الشاشة.

يقول أحد المحامين أن التقاط الصور للعراقيين القتلى هو تعبير عن ذوق فقير، وتعبر عن شعور مريض . يقول أحد الجنود إن خطيبته خرجت وهي تصرخ من مشاهدة جثث متفحمة، ورصاص ينطلق ويدخل في أجساد. وتقول إن الصور مثيرة وعنيفة وإنها لم تكن تعتقد أن عنفاً من هذا النوع موجود في العراق (الصورة الرقم 21)، مشيرة إلى أنها تشاهد الأخبار بين الحين والآخر، ولكنها لم تكن تعرف أن أشياء من هذا القبيل تحدث هناك. كما دهشت من قيام الجنود بالتقاط الصور وتحويلها لأفلام عائلية. ويحاول خبير في علم النفس في جامعة سينسيتناتي، تقديم بعد آخر لتصرفات الجنود فيقول إنها تعبير عن حالة غير طبيعية ورضوض نفسية يتعرض لها الجنود.

وتقول صحيفة لوس انجليس تايمز أن الجنود الأمريكيين يُنتجون أشرطة فيديو على شاكلة أفلام محطة ام تي في الموسيقية، ويستخدمون الموسيقي التصويرية، ويضمونها مع لقطات حقيقية لحقول القتل والموت في العراق التي يشاركون فيها. والنتيجة أن الجنود لديهم مخزن هائل من الصور عن مشاهد القتل والجثث المتفحمة التي يتبادلونها. ويقول جندي أمريكي إن لديه الكثير من صور القتلى العراقيين، وكل واحد لديه هذه الصور .

وفي فيلم يظهر جندي يركل جريحاً عراقياً معتقلاً. وفي لقطة أخرى، يقوم جندي برفع يد جثة عراقي وكأنه يؤدي التحية.  وتنقل الصحيفة عن مسؤول في منظمة هيومان رايتس ووتش قوله إن قيام الجنود بتصوير القتلى العراقيين أمر مثير للقلق.  فالعنف في الفيلم، كما يقول جندي، ليس أكثر عنفاً من أفلام هوليوود التي تمجد العنف([62]).

 

5-وسائل التعذيب

قال الاكاديمي ستيفن مايلز، من جامعة مينسوتا، في دورية لانست الطبية الشهيرة، إن التقارير المؤكدة أو الموثقة بشأن الانتهاكات في العراق وأفغانستان تشمل الضرب والحرق والصدمات والتعليق من الاطراف، والحرمان من الأوكسجين والتهديدات ضد المعتقلين وذويهم والإذلال الجنسي والسجن الانفرادي وتغطية الرأس واستخدام الأصفاد لفترات طويلة والتعريض للحرارة والبرودة والضوضاء المرتفعة. وقال إنه في أحد الأمثلة قام جندي بربط معتقل بعد تعرضه للضرب، في أعلى باب الزنزانة وقام بسد فمه([63]).

أكَّد تقرير رفعه الجنرال أنطونيو تاغوبا أن الانتهاكات في سجن أبو غريب كانت «منهجية», وذلك بعكس ما أعلنه دونالد رامسفيد بأن ما تشهده السجون الأميركية في العراق هو عبارة عن «حوادث فردية». وأكَّد التقرير على المسؤولية الجماعية (الصورة الرقم 22) استناداً إلى أن الذين كانوا يمارسون التعذيب، تلقّوا عبارات المديح من رؤسائهم([64]).

كان التعذيب يجرى في «قسم الأحكام الثقيلة» وهو عبارة عن بناية مريعة مكونة من طابقين حيث يحتجز فيه عدد من المقاومين وعدد من المجرمين. ومن شهادات بعض السجناء، الذين يذكر التقرير أسماءهم، ننقل بعض الصور المرعبة التالية:

-شارل غرانر ومساعد له ربطوا أحد السجناء إلى السرير في منتصف الليل وأدخلوا مصباحاً فسفورياً في دبره وهو يصرخ «ساعدني يا الله», والمجندة تلتقط الصور.

-عوقب سجين في غرفة مغلقة وسكبوا عليه الماء البارد ووضعوا رأسه في البراز، وضربوه بعود مكنسة كبيرة, وبعد ذلك قاموا بحصر دبره بالمكنسة وأخذوا يبصقون عليه.

- وقام السجان غارنر بوضع معتقل في زنزانة حوالي الساعة الثانية فجراً بعد تقييد يديه وقدميه، ثم أخذه إلى الحمام حيث تقوم مجندة باستجوابه، وبعد مغادرتها لطمه غرانر بأوراق التحقيق بوجهه ثم ضربه بكرسي حتى تحطم الكرسي، ثم بدأ بخنقه حتى كاد أن يفارق الحياة, واستمر غرانر، مع مساعد له، على ذلك بحدود نصف ساعة حتى تعبوا منه, ثم اخذوا استراحة قصيرة وأعادوا ركله بأقدامهم بكل قوة وبطش حتى فقد الوعي, و ظلوا يضربونه حتى شقوا أنفه شقاً.

-أخذ الحراس معتقلاً ووضعوه في غرفة مظلمة، وبدأوا يضربونه على الرأس والمعدة والقدمين. وفي إحدى المرات اقتاده خمسة من الجنود، ووضعوه في غرفة، ووضعوا كيساً في رأسه وبدأوا بتعذيبه. وجعلوه يجلس كالكلب وينبح مثله وهم يضحكون.  وضرب أحد الجنود رأسه بالحائط, وآخر طلب منه باللغة العربية أن يزحف, والعسكري يبصق عليه ويضربه على ظهره ورأسه وقدميه. واستمر على تلك الحالة حتى انتهى واجبهم في الساعة الرابعة صباحاً. وقام أحد الجنود بالتبول عليه وهو يضحك. ووضع في غرفة مظلمة وضرب بعود المكنسة الغليظ  ووُضعت العصا الغليظة في دبره لمسافة كبيرة. وقامت مجندتان، في أثناء ذلك، بضرب قضيبه بكرة مطاطية صلبة. ومرة عندما كان مقيداً في الزنزانة جاءت إحدى المجندات وهي شقراء بدأت تلعب بعضوه الذكري وزميلاتها يلتقطن الصور وقد شاهد المعتقل عدة حالات مماثلة في ذلك القسم.

- دفع الحراس بعض السجناء باتجاه الحائط حتى تساقطوا على الأرض  على شكل كومة تسميها مجندة أميركية (كومة الكلاب) (الصورة الرقم 23), ثم قام عدد من أفراد الشرطة العسكرية بتدويرهم أكثر وأكثر ثم السير والجلوس فوقهم،  بينما المعتقلون يتأوهون من الألم. وكان بعض الجنود يدوسون بكل قوة على أصابع أيدي السجناء وأرجلهم.

- إجبار السجانين لبعض المعتقلين بالزحف على الأرض، وضربهم على ظهورهم, وأجبر اثنان منهم على ممارسة الجنس من الفم.

- وضع السجناء في خيم من المشمع التي تكون حارة كالتنور في الصيف، وباردة في الشتاء, وأن قسماً من هذه الخيم قد غطيت بالطين وقسماً منها فاضت بمياه الأمطار.

- إن الطعام الذي يزودون به المعتقلين غير صالح للاستهلاك، ولا يمكن حفظه لأنه يحتوى على الحشرات.

-في أثناء احتجاج المعتقلين على المعاملة السيئة، يأمر الجنود بإطلاق الرصاص الحي وقتلوا 3 من السجناء وجرحوا 9 منهم([65]).

اعترفت الجندية سابرينا هارمان(*)، أنها تصرفت بأوامر مباشرة من الاستخبارات العسكرية. وقالت إنها كلفت كسر معنويات المعتقلين قبل استجوبهم. و«إن مهمتها كانت تحويل السجن لجحيم» بالنسبة للسجناء كي يتكلموا. وأوضحت أن «مهمة الشرطة العسكرية كانت الإبقاء عليهم متيقظين وجعل حياتهم لا تطاق ليدلوا باعترافاتهم»([67]).

- أرغموا رجلاً وابنه على نزع ملابسهما. ووضعوا أكياساً على رأسيهما. وطلبوا من الفتى أن يبول. وعندما نزعوا غطاء رأسه تبين أنه فعل ذلك على والده في وقت كان الجنود يلتقطون الصور ويضحكون([68]).

- سكب الماء البارد على المعتقلين وإيقافهم أمام مكيفات الهواء في الشتاء وتحت حرارة الشمس اللاهبة لساعات طويلة في الصيف بدون ماء أو طعام([69]).

- إجبار محتجزين مقيدين على الجلوس على فضلاتهم([70]).

- تفنن إدارة الاحتلال  في تعذيب المسجونات بطريقة مذلة ومهينة. فهذه محامية عراقية (55عاماً) أجبرتها القوات الأميركية على تجميع الفضلات الآدمية في قدر كبير وغليها بالنار وتحريكها حتى درجة التبخر على مرأى من السجناء الرجال الذين يبدؤون بالتكبير لحظة بدأ هذه الممارسة الوحشية بحق سيدة مثقفة تعمل بالمحاماة([71]).

-أنموذج علي الشلال (42 عاما) أوقف في 13/ 10/ 2003 في بغداد. كان نزيل الزنزانة الرقم 49 . في بداية الاستجواب، طلب منه نزع ملابسه. وضعوا مسدساً على صدغه، وآخر على إحليله، وصرخوا إعدام (الصور 24 و25). كان هناك مترجم مصري ومحقق في الوقت ذاته اسمه عادل نهلا أبو حمد قام بالمشي على أصفاده قائلاً: أعطنا أسماء وإلا سندع يدك تصاب بالغرغرينا. والتقطوا صوراً له بينما كان عارياً وهو يبول على نفسه. وهددوه بإرسال الصور إلى عائلته وجيرانه. ومن وسائل التعذيب أنهم  وضعوا التيار الكهربائي بين أصابعه، فشعر بأن عيونه خرجت من حدقتها، وكانوا يلتقطون الصور مسرورين.

ومن بين وسائل التعذيب، ما يلي:

-تصوير معتقلين رجالاً ونساء بالفيديو والكاميرا وهم عراة.

- إرغام معتقلين ذكور على ارتداء ألبسة نسائية داخلية.

- إقدام عنصر من الشرطة العسكرية على ممارسة الجنس مع إحدى المعتقلات.

- تصوير عدد من الجنود الأميركيين جثث المعتقلين العراقيين.

- رمي أحد المعتقلين من شاحنة([72]). وأن السجين العراقي حطمت أسنانه وأصيب بكسر في الفك قبل أن يرمي به الجنود الذين عذبوه من شاحنة تتحرك([73]).

- تطويق رقاب معتقلين ذكور عراة بجنزير كلب والتقاط صور فوتوغرافية معهم (الصورة الرقم 26).

- عرض السجناء عراة أمام سجناء وحراس آخرين، وإرغام بعضهم على القفز أو الغناء. وقد جرت تعرية أب وابنه وإرغامهما على الوقوف والنظر إلى بعضهما البعض.

- ترك سجناء عراة في زنازينهم لمدة أيام([74]).

- إن ضباط مخابرات عسكرية أو رجال أمن مدنيين ممن كانوا يقومون بعمليات الاستجواب كانوا يسلمون المعتقلين لوحدة الشرطة العسكرية. وصرَّحت إحدى المجندات أنها كانت مكلفة بجعل المعتقلين ينهارون استعداداً للاستجواب. وكانت مهمة الشرطة العسكرية جعلهم متيقظين وتحويل الأمر إلى جحيم حتى يتكلموا([75]).

-وضع ملابس داخلية نسائية على وجوه بعض المعتقلين.

-الانتهاك الجنسي للمعتقلين. التُقطت صور إباحية لجنود يمارسون الجنس، وتظهر الصور جنوداً يقومون باغتصاب المعتقلين([76]).

- استخدم أساليب تحقيق قاسية: تقديم وجبة طعام واحدة يومياً، والنوم لأربع ساعات يومياً، ووضعهم في زنازين انفرادية لمدة 30 يوماً واستخدام كلاب بوليسية([77]).

قال عدة شهود إن ديفيز سحق بحذائه أصابع سبعة سجناء وهم يرقدون مقيدين وقد غطيت رؤوسهم على أرض السجن في نوفمبر تشرين الثاني عام 2003([78]).

- تصوير المعتقل عارياَ ورأسه مغطى، وجندية تشير بإصبعها إلى عضوه التناسلي (الصورة الرقم 27 و28).

- تعليق المعتقل على عامود ضخم موثوق الرجلين واليدين وراء الظهر, وكان الجنود يربطونه بحبل ويرفعونه بعصا([79]).

- وفي تقرير لـ(هيومن رايتس ووتش) أن السجناء ضربوا بالأسلاك المعدنية وتعرضوا للصدمات الكهربائية في مناطق حساسة, وحرموا من الطعام والماء وكدسوا في زنازين بقوا فيها وقوفاً. وأن التحقيقات كانت تغلق قبل الاستماع إلى الشهود([80]).

- كسر أنابيب الإضاءة الكيميائية وصب محتواها من الفسفور على أجساد السجناء العارية. وتهديدهم  بمسدسات بالذخيرة الحية وصب الماء البارد على أجسادهم([81]).

-تصوير المعتقل واقفاً على معتقلين آخرين تحت أنظار جنود أمريكيين منشرحين (الصورة الرقم 29).

- نوع من الأقفاص يسمي التابوت، يجبر فيه المعتقل على البقاء واقفاً لأيام دون نوم أو جلوس أو راحة. وحجز بعض المعتقلين في صناديق القمامة لساعات أو أيام([82]).

-تصوير المعتقل مع معتقل عراقي آخر راكع على ركبتيه أمامه، وكلاهما مغطى الرأس. فيُطبِق فم الراكع على عضو المعتقل الواقف التناسلي. وعندما نزعوا الغطاء عن رأسه اكتشف أنه صديقه (الصورة الرقم 30)([83]).

- إجبار المعتقل على الاستمناء أمام الجنود.

- ضرب رجل المعتقل بعصا حديدية.

-إجبار المعتقل على أكل لحم الخنزير، وشرب الكحول.

-إجباره على سب الإسلام.

-إجباره على الأكل من المرحاض([84]).

-إستخدام الصدمات الكهربائية، ونزع الملابس بالكامل، وجمع اليدين والقدمين وتعليقهم إلى سقف المحجر، وضرب المحاشم، والقيام بالعمليات الجنسية. وإذا حاول أحد المعتقلين الامتناع، يتلقى ضربة قوية تفقده وعيه.

-يقوم بعض الحرس ببيع المخدرات والمجلات الخليعة والراديوات إلى المسجونين بتهم السلب والقتل والاغتصاب والسرقة، الذين يقومون بأعمال الفاحشة مع بعض المعتقلين، وكذلك خدش أجسامهم وتجريحها ([85]).

- السجناء «الأشباح» وهم بعض المحتجزين الذين تم اعتقالهم واحتجازهم من قبل بعض الجهات وهم بلا سجلات أو بطاقات هوية ولم يتم تدوين أسمائهم رسمياً. وكان القائمون على السجن يحركون هؤلاء السجناء الأشباح من مكان إلى آخر عندما تكون هناك أي عملية تفتيش دولية من الصليب الأحمر([86]).

- استخدام الكهرباء وإطلاق الكلاب على المعتقلين المصابين، وبلغت هذه العمليات حد إجبار المساجين على عدم النوم لأيام متواصلة لإرهاقهم ذهنياً وتنفيذ عمليات غسيل مخ لهم، عبر استمرار الضرب المتقطع، وتشغيل مكبرات صوت بالموسيقى، ووضعهم تحت أضواء كاشفة قوية([87]).

- احتجز صدام صالح لأربعة أشهر، وكان الحراس الأمريكيون يجبرونه على البقاء عارياً لمدة 23 ساعة يومياً طوال 18 يوماً، كانوا يقيدون خلالها يديه وساقيه إلى قضبان زنزانته فيما كانوا يديرون موسيقى صاخبة في أذنيه على الدوام([88]).

-والحالة الأكثر خطورة هي حالة عراقي اعتقل في تكريت، في الثامن من أيلول/سبتمبر 2003، وأكد أن أميركيين بالزي المدني رفسوه على كتفيه ومشوا على وجهه وضربوه على رجليه بقطعة حديد ووضعوا مسدساً فارغاً في فمه ووضعوا الإصبع على الزناد وحاولوا خنقه بحبل خلال عدة أيام من الاستجواب. قال إنه أرغم على توقيع إعلان يتراجع فيه عن شكوى تقدم بها عن سوء المعاملة. وأوضح للمحققين في آب/أغسطس 2004 أنه تلقى تهديداً بأنه لن يطلق سراحه إذا لم يوقع عليها([89]).

ويستغل المحققون المعتقلين للحصول منهم، بواسطة الخديعة، على اعترافات يُراد الاستفادة منها لتشويه أعمال المقاومة، أو رجال الدين المتعاطفين معها. فبالضغط والإجبار أو الإغراء، يجعلونه يعترف بما يريدون مقابل الإفراج عنه لاحقاً. وتمارس قوات الشرطة عادة تلك الوسائل. وبعد أن يتم تسجيل الاعترافات يسلم للقوات الأمريكية مرفقاً بالأدلة، كالأسلحة وغيرها. وقد أُجبر بعض أصحاب السوابق على الاعتراف أن له علاقة بالمقاومة، وأنه يغتصب الفتيات بالتعاون مع إمام المسجد الفلاني([90]).

كشفت وثائق تحقيق في ممارسات الجيش الأميركي في العراق أن شون مارتين، ضابط أميركي برتبة كابتن أدين لارتكابه جرائم في العراق، أجبر معتقلاً عراقياً على حفر قبره بنفسه ثم أمر جنوده بالتظاهر انهم يطلقون النار عليه في واحدة من العديد من الإعدامات الوهمية. ويقول مسؤولون في الجيش الأميركي أن هذا الإجراء يعتبر انتهاكاً لقوانين الجيش التي تحظر الإعدامات الوهمية كوسيلة من وسائل التعذيب([91]).

وحسب الفقرات التي نشرتها صحيفة لوس انجليس تايمز الأمريكية من تقرير الجنرال تاغوبا، تتضمن وسائل التعذيب الذي تقوم به الشرطة العسكرية ما يلي:

1ـ اللكم، الصفع والركل والدوس على الأقدام العارية.

2ـ تصوير السجناء والسجينات عراة. (بالكاميرا وبالفيديو أيضاً).

3ـ صف المعتقلين في أوضاع جنسية مختلفة وتصويرهم.

4ـ إجبار المعتقلين علي خلع ملابسهم وتركهم عراة لأيام.

5ـ إجبار المعتقلين الذكور علي ارتداء ملابس النساء الداخلية. (وتركهم داخل زنازينهم وهم عرايا كما ذكرت (صحيفة تايمز)([92]).

6ـاجبار الذكور للعب بأعضائهم التناسلية وتصويرهم في تلك الحالة.

7ـ ترتيب المعتقلين علي شكل كومة وهم عراة ومن ثم القفز عليهم.

8ـ وضع المعتقل وهو عار علي صندوق يوزع فيه الجيش وجبات طعام جاهزة للأكل، ومن ثم ربط عضوه التناسلي وأصابعه بأسلاك كهربائية جاهزة للصعق.

9ـ كتابة عبارة «أنا سفاح» أو «أنا مغتصب» علي قدم أحد المعتقلين.

10ـ ربط سلسلة عنق للكلاب في عنق معتقل وتصويره مع مجندة.

11ـ أحد أعضاء الشرطة العسكرية، قام بقتل معتقل.

12ـاستخدام كلاب الحراسة التابعة للشرطة العسكرية لترويع وإخافة المعتقلين.

13ـ تصوير جثث عراقيين ماتوا في المعتقل.

وأشار التقرير إلى وسائل أخرى، مثل سكب مادة فوسفورية علي المعتقلين وأحياناً الماء البارد على أجسادهم العارية، تهديدهم بالمسدسات، تهديدهم بالاغتصاب، ممارسة اللواط مع معتقل باستخدام عصاة مكنسة أو ضوء كيماوي. ويختم تاغوبا تقريره قائلاَ: قام عدد من جنود الجيش بارتكاب أفعال شنيعة تعتبر انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي([93]).

 

6-ضحايا التعذيب

من جراء وحشية أساليب التعذيب التي تمارسها اللجان المكلَّفة بالتحقيق، توفي العديد من المعتقلين، وسنخصص هذا الجزء من الفصل لرصد وإحصاء الحالات ذات الصلة:

-أيار/ مايو 2003م: أثبتت منظمة العفو الدولية حالة وفاة أحد العراقيين الذي كان قد اعتقل في أيار/ مايو عام 2003 بديلاً عن ابنه . وقد توفي الرجل وهو في الأسر([94]).

- عدة أشخاص يعملون في أحد فنادق البصرة اعتقلوا عام 2003 بتهمة العثور على أسلحة في الفندق وقد توفي أحدهم بعد ثلاثة شهور داخل المعتقل وكان على الجثة التي سلمت لأهله آثار واضحة للتعذيب([95]).

-أوائل العام 2004م: العالم المصري الدكتور محمد عبد المنعم الأرميلي. حدثت وفاته بسبب إصابته بضغط في أسفل المخ ناتج عن ضربة مفاجئة في أسفل الرأس([96]).

-27/ 2/ 2004م: التقطت كاميرا مروحية أباتشي تابعة لكتيبة المشاة الأميركية الرابعة, لثلاثة عراقيين يلتقون قرب سيارتين, والى جوارهما على الطريق شيء غير محدد, أثار شكوك الجنود واعتبروه سلاحاً. وتلقت المروحية أمراً, لإطلاق النار على الثلاثة, فقتل اثنان وجرح الثالث. و سأل جندي أميركي بواسطة الهاتف هل عليه قتل الجريح أيضاً فتلقى أمراً بالإيجاب. وعلى الفور نفذ الجندي الأمر وقتل الجريح([97]).

-4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003م: مقتل مناضل الجميلي. أكَّد السجناء الذين رأوه داخل السجن ، أنه عومل معاملة قاسية جداً لأنه قاوم عمليات إجباره على الإفطار كونه كان صائماً في رمضان، كما رفض تلاوة مقتطفات من الصلوات المسيحية، وأخيراً رفض خلع ثيابه. وكان الشهيد قد اعتُقل في تشرين الثاني/ نوفمبر 2003م. وهو صاحب الصورة الشهيرة، التي ظهرت فيها الأميركية سابرينا هارمن قرب جثته، وهي تبتسم رافعة إبهامها([98]).

ويُعتقد، من خلال مراجعة تقرير أجرته مجلة التايم الأمريكية، أن الجثة الذي عُرف صاحبها بـ«رجل الثلج»، قد توفي خلال جلسة تحقيق معه في منتصف الليل, وقرر الجيش أن وفاته كانت نتيجة عملية قتل. وطبقاً لإفادات، أمر عسكريون بوضع جثة العراقي فوق الثلج ثم وضع في ذراع القتيل أنبوب تغذية في محاولة لجعله يبدو حياً. وقال الطبيب ديفيد اوتش قائد كتيبة الاحتياط أنه لم يتم التحقيق معه في قضية قتل ذلك العراقي. إلا انه أكد للمجلة أن أحد ضباط الاستخبارات العسكرية أمره بالمشاركة في الخدعة وعدم مناقشة المسالة إطلاقاً([99]).

-نيسان/ أبريل 2004م: ألقى العدو الأمريكي القبض على المقاتل محمد نمر الدليمي 19 عام من المقاومة العراقية في الفلوجة، وتم رميه بالرصاص، وتعليق جثته على سيارة هامر أمريكية، وداروا بجثته حول المنطقة وهم يطلقون النداءات لأهل الفلوجة بتسليم ما تبقى من المطلوبين، وإلا فسوف يصيبهم ما أصاب الدليمي حسب قولهم([100]).

-نيسان/ أبريل 2004م: استشهد تحت التعذيب كل من: محمد جعفر جاسم، وفاضل لطيف، وعلي هادي، أما الرابع فمجهول الهوية. وبدت على جثثهم آثار واضحة للتعذيب والكسور والحروق بالتيار الكهربائي إضافة إلى إصابات بإطلاقات نارية أنهت حياتهم علي ما يبدو([101]).

واعترفت واشنطن بـ25 حالة وفاة قبل هذا التاريخ([102]).

- أوضح الأسير عصام الحماد أن الأمريكيين دخلوا قريته قرب بلدة القائم لاعتقال والده اللواء في الجيش العراقي السابق. واعتقلوه مع أخوته الثلاثة، وأشار إلى تعرضه واخوته للضرب والصدمات الكهربائية. وكانوا يصوبون فوهة المسدس إلى أحد الأشقاء لإجباره على الاعتراف، وهددوهم باعتقال والدتهم وأخواتهم. وعرض صورة جثة والدهم، الذي سلم نفسه للقوات الأمريكية بعد احتجاز أبنائه، وعليها آثار الحروق. وأكد أن الأمريكيين عذبوا والده على مدي شهرين ثم ألقوا بجثته أمام باب مستشفى([103]