كتاب الجريمة الأميركية المنظمة في العراق (الحلقة التاسعة)
صدر الكتاب عن دار الطليعة في بيروت

شبكة البصرة

بقلم الباحث والكاتب العربي حسن خليل غريب - لبنان

الفصل الثاني

جرائم الحرب المنظَّمة

أولاً: في استخدام الأسلحة المحرَّمة دولياً

أشار الخبراء الذين يعملون في منظمة حقوقية تدعى (بيسرايتس) إلى أن الطائرات البريطانية أسقطت 70 قنبلة عنقودية، وأطلقت قوات المدفعية البريطانية ألفي قذيفة منها. وأعلنت منظمة هيومان رايتس ووتش أن اكثر من 1000 مدني قتلوا أو أصيبوا بجروح من جراء انفجار نحو 13 ألف قنبلة عنقودية أمريكية وبريطانية في حرب العراق([1]).

وطعنت مجموعة من أطباء الصحة العامة بالإحصاء الرسمي للقتلى المدنيين في الحرب العراقية الذي وضعته وزارة الصحة العراقية الذي يقول إن 3853 مدنياً عراقياً فقط قتلوا وجرح 15517 آخرين خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب على العراق. وطالبوا بإجراء تحقيق مستقل لتحديد أرقام القتلى بشكل دقيق. وهذه محاولة جديدة من المختصين الطبيين لتحديد عدد القتلى المدنيين بعد أن رفضت الحكومة البريطانية قبول تقديرات خبراء الأوبئة(*) في تشرين الأول/ أكتوبر 2004، بأن عدد القتلى هو 100 ألف قتيل([3]).

وفي المؤتمر الذي نظمه نشطاء قانونيون عراقيون، عُقد في بغداد بتاريخ 22/ 3/ 2005، تحت شعار (جرائم الحرب في الفلوجة)، عُرض فيلم فيديو يبين حجم الدمار والخراب الذي فعلته الآلة العسكرية الأمريكية بالفلوجة، وتضمن مشاهد عدد كبير من المنازل والمباني السكنية والمحال التجارية التي دُمّرت بشكل كامل. كما عرض مئات الصور الفوتوغرافية لمقاتلين قتلتهم القوات الأمريكية ومارست ضدهم أعمالاً وحشية. وتبين هذه الصور عددًا من القتلى وقد أجريت لهم عمليات جراحية، قبل قتلهم، في أنحاء متفرقة من أجسامهم، مما يشير إلى سرقة أعضائهم. واتهم صباح ناجي العلواني، رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر، وكمال حمدون، نقيب المحامين في مدينة الفلوجة، القوات الأمريكية باستخدام كل أنواع الأسلحة وبينها المحرمة دوليًّا في هجومها على المدينة (الصورة الرقم 1)([4]). وتؤكد تلك الأقوال صور المآتم الجماعية التي تشهدها مدن العراق وقراه (الصورة الرقم 2).

كما عرض قسم حقوق الإنسان التابع لهيئة العلماء المسلمين في بغداد يوم 19/ 3/ 2005 المؤتمر أظهرت آثار حروق وتفحم على بعض الجثث، مما يشير إلى استخدام قوات الاحتلال أسلحة محرمة أثناء هجومها. واستعرض شهادات لعراقيين أكدوا تعرضهم لغازات سامة. و شهادات أخرى لجرائم ارتكبتها قوات الاحتلال في مناطق أخرى من العراق.

وقال حارث الضاري الناطق باسم الهيئة: «لقد تم توثيق هذه الانتهاكات بالصوت والصورة، حيث تم أخذ توقيعات من تعرضوا لتلك الانتهاكات». وأشار إلى أن «مرحلة التوثيق بدأت بتسجيل أسماء الشهداء القتلى على يد الاحتلال في منطقة بغداد، حيث قام فرعا الرصافة والكرخ (ببغداد) بمسح جغرافي لتلك المناطق التي شهدت مداهمات وعمليات قتل لمواطنين على يد جنود الاحتلال»([5]).

وأعلن الدكتور خالد الشيخلي ممثل «وزارة الصحة العراقية»، أن المسوحات والأبحاث التي رفعها الفريق الطبي إلى الوزارة تؤكد استخدام مواد محرمة دوليًا مثل غاز الخردل والأعصاب والمواد الحارقة الأخرى، حيث إنها ستسبب للمواطنين أمراضًا خطيرة على المدى البعيد. ولم يستبعد استخدام المواد النووية والكيماوية, بدليل أن جميع أشكال الطبيعة انتهت فيها, كما أن الكلاب السائبة والقطط والطيور قد نفقت من تلك الغازات([6]). ونقلت صحيفة الغد الأردنية عن مدير قسم الحروق في مستشفى الفلوجة القول إن (700) جثة محترقة، بفعل الأسلحة المحرمة دولياً، عثرت عليها الفرق الصحية في المدينة([7]).

أعلن الدكتور محمود العامري مدير قسم أمراض السرطان في مستشفى اليرموك في بغداد أن الحرب على العراق نتج عنها أمراض فتاكة. وقال: إن الولايات المتحدة استخدمت في حربها 61 صاروخًا جربته لأول مرة في العراق, كما استخدمت اليورانيوم والنووي المحدود بكمية كبيرة جدًا خاصة في الفلوجة والرمادي وسامراء والموصل وتل عفر وبعقوبة والنجف. ونقل عن إحصائية رسمية للوزارة أن 40 حالة سرطان شهريًا تفتك بالعراقيين, فيما سجلت 7500 حالة سرطان للجلد في نهاية العام الماضي. أما عن مجمل الإصابات التي سجلت في صفوف العراقيين من بداية الاحتلال وحتى الآن فهي 140 ألف حالة سرطان في الجلد والدم. وقسم كبير منها لأطفال تتراوح أعمارهم ما بين تسعة أشهر إلى تسعة أعوام, مبينًا أن قوات الاحتلال تحاول التكتم على الموضوع لأنه سيسبب لها فضيحة تاريخية([8]).

الأسلحة الأمريكية التي استخدمها جيش الاحتلال الأميركي، تحتوي على الكثير من اليورانيوم، فهم استعملوا ما مقداره أربعة ملايين رطل من اليورانيوم في العراق.وحيث لا يمكن إزالة اليورانيوم من الجسم فإنه ليس له أي علاج. وسيبقى عملياً في الجسم إلى الأبد. فكم قنبلة نووية بحجم القنبلة النووية التي ألقيت على ناجازاكي يمكن أن تنشر أربعة ملايين رطل من اليورانيوم ؟ الجواب هو 250,000 قنبلة نووية . ويتساءل كاتب التقرير الأميركي قائلاً: من يمكن أن يفعل شيئاً كهذا ؟ ليجيب: نحن فعلنا ذلك. الوحيدون في تاريخ هذا العالم الذين شنوا حرباً نووية بهذا الشكل هم الأمريكان.  وأوضح أن تأثيراته ستصل إلى أوربا، كما لن تسلم أميركا نفسها منها. فما نشره الأميركيون في العراق سيعود إلى أميركا، سيكون غبار اليورانيوم في أجساد الجنود الذين سيعودون فكل منهم قنبلة موقوتة([9]).

إن كمية اليورانيوم المنضب، التي استخدمتها الولايات المتحدة في عدوانها على العراق، يشكِّل حرباً نووية . وعن ذلك نشرت صحيفة علم النفس الوقائي، في عددها 169، مقالة كتبها آرثر بيرنكلو، المدير التنفيذي لمنظمة «محاربين قدماء من أجل الدستور»، قال فيها: إن سبب استقالة انطوني برنسيبي سكرتير شؤون المحاربين القدماء هو فضيحة استخدام قذائف اليورانيوم في حرب العراق .ويضيف: إن تلك القذائف سبَّبت «المرض الذي أصيب به الآلاف من جنودنا وماتوا به، وقد كشفت الآن الحقيقة الشنيعة». وقال أيضاً: «إنه من بين 580400 جندي شاركوا في حرب الخليج الأولى مات حتى الآن منهم 11 ألفاً». وفي سنة 2000 كان هناك 325 ألف إعاقة طبية مستديمة. إن العدد المذهل للجنود المعاقين يعني أنه بعد عقد من السنين أصبح لـ 56% من الجنود الذين خدموا في هذه الحرب مشاكل طبية مستديمة. وكانت نسبة الإعاقة في حروب القرن الماضي 5% وحرب الفيتنام 10%، أما الآن فأصبحت 56%. ويقول بيرنكلو: «وقد كشفت الآثار طويلة المدى أن اليورانيوم المنضب هو بمثابة حكم بالإعدام».

ماريون لولك وهي كيماوية طبيعية نووية، تفسر أن سبب الأورام الجديدة والسريعة التي تصيب الجنود (من حرب العراق 2003) «منتشرة بشكل يبعث على القلق»([10]).

أثبت بحث آخر أجرته الجمعية العلمية الملكية في بريطانيا أن مادة اليورانيوم المستنفد التي استخدمها الجيش الأميركي في العراق يمكن أن يؤدي إلى: تلويث مصادر مياه الشرب. ويزيد من احتمالات الإصابة بسرطان الرئة. ويعتبر مادة سامة ذات تأثيرات مختلفة على الجسم البشري وخاصة على الكليتين، حيث يعتقد العلماء أن التعرض لجرعات كبيرة منه يؤدي إلى عجز الكليتين خلال أيام معدودة([11]).

وذكرت صحيفة زمان التركية، أن بيان الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز، جاء فيه: أكد تقرير وزارة الصحة العراقية قيام القوات الأمريكية باستخدام غاز الخردل وغاز الأعصاب المحرمة دوليًا. وإن الجثث الذائبة، التي عثر عليها في الفلوجة، وكذلك فناء كل ما هو حي بالمدينة من كلاب وطيور ومزروعات، يمكن فقط أن يحدث إذا ما تم استخدام غاز الخردل. وهذا ما يجب أن يثير قلقًا بالنسبة للعالم بأسره، محذرًا من أن «العالم يواجه مشكلة غاية في الخطورة»([12]).

رصاصة قاتلة خارقة للدروع من تصيبه لا بدَّ من أن يموت. الرصاصة يجب أن تجرب على «فئران تجارب حية». توماس مقاول أمريكي(*) يعمل في العراق. يجرب الرصاصة على عراقي . ويبعث بتقريره إلى الشركة المنتجة. وتوصف الرصاصة بأنها قاتلة في أي مكان تصيب من الجسم. وهذه الرصاصة قياس 56ر5 ملم لديها كل القوة الفتاكة التي تحتاجها ولكنك لا تستطيع استخدامها. الذخيرة هي من نوع (غير تقليدي) ولم يوافق عليها الجيش حتى الآن . رصاصة الآمو (ammo) ليس لها رأس متفجر. والرصاصة التي أطلقها توماس كانت مصنوعة من مادة خارقة للدروع ولها قابلية محدودة للتغلغل وقد صنعتها شركة RBCD في سان فراسيسكو. وبدلا من أن تخترق الجسد فإنها تتشظى محدثة جروحاً لا يمكن معالجتها([13]).

على الرغم من الشائعات المتواصلة حول الإصابات التي تعرض إليها العراقيون المتزامنة مع استعمال الأسلحة الحارقة كالنابالم (الصورة الرقم 3)، فلقد طمأن وزير الدفاع البريطاني، آدم إنجرام، أعضاء البرلمان المنتمين لحزب العمل في كانون الثاني بأن القوات الأمريكية لم تستعمل جيلاً جديداً من الأسلحة الحارقة، من طراز إم كي 77(*)، في العراق. لكنه اعترف في رسالة، تمكنت جريدة الإنديبندنت من الحصول عليها، موجهة إلى عضو البرلمان وحزب العمل هاري كوهين بأنه ضلل البرلمان بشكل غير متعمد بسب المعلومات الخاطئة التي زودته إياها الولايات المتحدة، وقال أيضاً للسيد كوهين :«لقد أكدت الولايات المتحدة للمسؤولين في وزارتي بأنها لم تستعمل قنابل إم كي 77 في العراق وهذا هو أساس إجابتي لك». «أتأسف للقول بأنني قد اكتشفت أن هذه ليست الحقيقة ويجب علي الآن تصحيح المواقف»([14]).

 

ثانياً: في انتشار المآسي الاجتماعية

معاناة الأطفال أنموذجاً

(الصورة الرقم 4)

تركت الحروب التي خاضها العراق الكثير من الندوب على وجه المجتمع العراقي، منها الظاهرة ومنها المخفية .. ندوبٌ مازالت شرائح كثيرة تعاني منها، وظواهر مأساوية لم تجد لها طريقاً إلى الظهور وتعريف العالم بها، بسبب طغيان ملفات عراقية أخرى عليها، بحيث لم تترك لها مجالاً ليعرفها العالم. ومن بين تلك الندوب، ظاهرة انتشار المعاقين في البلاد إلى الحد الذي وصل عددهم إلى المليون من بين نحو 27 مليون عراقي.  لذا راحت المئات من المنظمات والهيئات المستقلة، تتاجر بقضية المعاقين، واتخذت منها مادة للربح على حساب معاناتهم ومآسيهم.

ويقول محمد العبيدي، عضو جمعية المعاقين العراقية، إنه لا توجد إحصائية دقيقة بشأن عدد المعاقين العراقيين، معظمهم تعرضوا للألغام الأرضية، أو عمليات عسكرية. كما أنه لا توجد إحصائيات دقيقة بعدد الذين تعرضوا للإعاقة في العامين الأخيرين من احتلال العراق. وجمعية المعاقين العراقية هي الوحيدة الآن التي تتولى رعاية شؤون المعاقين، غير أنها تعاني هي الأخرى من صعوبات، بسبب عدم وجود دعم حكومي، يتناسب مع ما تحتاجه تلك الشريحة. كما أن البعض منهم أصبح متهماً، لأنه شارك في حرب إيران، أو شارك في غزو الكويت. فجمعية المعاقين العراقية تقدم إعانات لعدد منهم لا يتجاوز الخمسين ألف معاق، من مجموع المليون([15]).

أصبح العراقيون، في ظل الاحتلال، في وضع سيئ اضطرهم للقيام بعمليات سلب ونهب. وحسب ما قاله الكاتب الأمريكي مارك جوي تحوَّل العراقيون إلى مجموعة من اللصوص والمجرمين عندما توقفت أعمالهم. ولم تعد هناك صناعة أو تجارة والكل أغلق محلاته ومصانعه. وشُكِّلت عصابات منظمة ترتكب جرائم السطو والسرقة([16]).

في تقرير رفعه جان زيغلر(*)، مقرر الأمم المتحدة للحق بالغذاء، أمام الدورة السنوية لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، حذَّر من أن «وضع الحق بالغذاء في العراق مقلق جداً». وأشار إلى وجود صعوبات يعاني منها المواطنون العراقيون في التزود بالمياه الصالحة للشرب والى وجود «مزاعم أفادت بان قوات التحالف قامت بقطع المياه عمداً».

وقال زيغلر: «إن ما تم إثباته هو أن في الفلوجة تم استعمال الحصار وحظر دخول المواد الغذائية وتدمير خزانات المياه كسلاح حرب». وهي تعتبر «انتهاكاً واضحاً لمعاهدة جنيف». كما أنه وجَّه تنديداً صارماً «بالتداعيات الإنسانية التي نتجت عن الاستراتيجية العسكرية التي تطبقها قوات الاحتلال منذ آذار/ مارس 2003»، وندد «باستعمال أساليب إعاقة التزود بالغذاء وتدمير مجاري الصرف الصحي كسلاح حرب»  .وكان قد أشار إلى أن «سوء التغذية لدى الأطفال العراقيين ما دون الخمس سنوات قد تضاعف منتقلاً من 4 % إلى 7،7% منذ سقوط نظام صدام حسين». مؤكداً أن «ربع الأطفال العراقيين يعانون من نقص حاد في الغذاء ونسبة الوفيات لدى الأطفال تزداد كل شهر»([17]).

وتحدثت مي الدفتري، رئيسة ومؤسسة جمعية العون الطبي لأطفال العراق، عن سوء تعامل قوات التحالف مع المساعدات الطبية التي أرسلتها الجمعية إلى مستشفيات العراق، وعن سوء الأوضاع الصحية في هذا البلد المعذب والمحتل. وأشارت إلى انه منذ نهاية الحرب في العراق أرسلت المؤسسة ثلاث دفعات من المساعدات الطبية لمستشفيات الأطفال. وقد تم تسليمها إلى المسؤول الطبي البريطاني في قوات التحالف وأعطى إيصالاً بتسلمها ثم أكد إتمام توزيعها على المستشفيات. وتبين لاحقاً أن الحقيقة كانت مخالفة لذلك. إذ أن عملية توزيع هذه المواد استغرقت شهرين مما أدى إلى فقدان كميات كبيرة من الأدوية وأدوات الجراحة والكراسي الطبية، وإن تقديرات الخسارة بلغت حوالي نصف الشحنة. ولما استفسرت عما جرى لم تتلق أي رد وأشارت إلى أن نسبة وفيات الأطفال في العراق أصبحت من أعلى النسب في العالم، إذ ارتفعت من 40 وفاة من أصل ألف ولادة في العام 1989 إلى 108 وفاة من أصل ألف ولادة. مما يعني أنه في السنوات الـ 13 الأخيرة توفي في العراق ما يوازي المليون طفل لنقص المعدات الطبية اللازمة الناتج عن سياسة العقوبات والحرب. وقالت إن مستوى العناية الطبية انخفض إلى أقل ما كان عليه قبل 1995، ويموت الأطفال العراقيون بسبب عدم توافر المحضنات ونتيجة للأمراض المعدية أو التورمات التي كان بالإمكان معالجتها لو توافرت المواد المضادة للجراثيم أو لو أجريت العمليات الجراحية سريعاً. بيد أن عدم توافر المواد الطبية أدى ويؤدي إلى تزايد الوفيات([18]).

وحسب وكالة (إسوشيتدبرس) قام المسئول عن حقوق التغذية بالأمم المتحدة جين تسيجلر بتقديم تقرير عن الأوضاع الغذائية في العراق. وقد تضمن إدانة واضحة للاحتلال الأمريكي في العراق. وأشار إلى أن عدد الأطفال الذين كانوا يعانون الجوع قبيل الغزو قد وصل إلى ما يقرب من الضعف منذ دخول القوات الامريكية والبريطانية إلى العراق. كما أكد أن نحو 7.7 في المائة من أطفال الشعب العراقي الأقل من خمس سنوات كانوا يعانون من نقص حاد في الوزن وسوء التغذية قبل الغزو الأمريكي، وأن هذه النسبة قفزت نحو 4 درجات أخرى لتصل إلى ما يقرب من 11.5 في المائة([19]).

يعلِّق أحد الكتاب البريطانيين قائلاً: هذه النَتائِجِ الخطيرة تَخْذلُ البعض منا في قسمِ «إجعل حياة أطفال الشرق الأوسط أفضل بالقوة العسكرية» (الصورة الرقم 5).

وقد أثبتت المحاولاتِ السابقةِ مِن قِبل بريطانيا وأمريكا لتَحسين وضع الأطفالِ العراقيينِ فشلها. على سبيل المثال، سياسة تَطبيق العقوباتِ الأكثر تشدّداً قد أخفقتْ في تَحسين ظروف المعيشة كلياً، عندما فرضوا الحصار في 1990، فان عدد وفيات الأطفالِ تحت الخامسة قد تضاعف إلى ستّة أمثال. وبحدود العام 1995 قضى مليون ونِصْفِ مليون طفل عراقي نحبهم كنتيجة جُهودِنا المزعومة لمُسَاعَدَتهم.  لكن جورج بوش أصر على قصفهم، وأْسرهم، وتعذيب آبائهم، وإذلال أمهاتهم، وقتلهم عند حواجزِ الطرق (الصورة الرقم 6).  وبَعْدَ سَنَة، من هذا التاريخ حاولت مادلين أولبرايت أن تبرر ذلك عندما سُئلت: الأطفال الذين ماتوا في العراق خلال العقوباتِ هم أكثر مِنْ الأطفال الذين قُتِلوا في هيروشيما، أجابتْ: «نعتقد بأن النتيجة تستحق كل ذلك» (الصور الرقم 7 و8). 

في المملكة المتحدةِ هناك الآن 3.6 مليون طفلَ يَعِيشونَ تحت حدِّ الفَقرِ، و12.9 مليون في  الولايات   المتّحدةِ،  والحكومتان     عاجزتان   عن   إيجاد     أموال     لمعالجة   ذلك، ولكن جورج بوش وتوني بلير، يُمْكِنهما أَنْ يوفرا أية كمية من المالِ للقنابلِ والقذائفِ والرصاصِ لتَحسين حياةِ الأطفالِ العراقيين (الصورة الرقم 9)([20]).

دانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الاستخدام المفرط للقوة من قبل القوات الأمريكية وذلك في أعقاب معلومات اتهمت هذه القوات بقتل عشرات العراقيين أثناء إحيائهم مراسم حفل زواج(*). وقالت المتحدثة باسم اللجنة الدولية في بغداد ندى دوماني إن «الاستخدام المفرط للقوة ينتهك حقوق الإنسان الدولية». و«حتى إذا تعرضت لإطلاق النار فهناك قواعد للرد المناسب وضرورة ملحة لتجنب إصابة مدنيين»([21]).

كما حذرت منظمة هيومان رايتس ووتش من عزم الجيش الأمريكي نشر نظام ألغام «ماتركس»، المضاد للأفراد ذي التحكم عن بعد في العراق. هذا مع العلم أن البنتاجون لم يجر تقييمًا مناسبًا حول الأضرار التي قد تسببها مثل هذه الأسلحة للمدنيين الأبرياء([22]).

والأجنَّة يُقتلون في بطون أمهاتهم: استهدفت القوات الامريكية بنيرانها امرأة في الموصل كانت حاملاً في شهرها الثامن. فأصيبت في بطنها وغادر الأميركيون المكان وكأن شيئاً لم يحدث. نقل ذوو السيدة المصابة الى مستشفى الجمهوري في الموصل. قام الاطباء بانقاذها. ولكن الجنين فارق الحياة حيث كانت الرصاصة قد اخترقت جسده (الصورة الرقم 10)([23]).

 

 

ثالثاً: في تدمير البنى التحتية وارتكاب الجرائم ضد المدنيين العراقيين

مدينة الفلوجة أنموذجاً

أعلن الدكتور حافظ الدليمي رئيس لجنة تعويض أهالي مدينة الفلوجة أن الدمار الذي لحق بالمدينة جراء العدوان الأمريكي عليها، بلغ 7000 آلاف منزل مهدم بشكل كامل أو شبه كامل موزعة على عموم أحياء الفلوجة (الصورة الرقم 11).

8400 محل تجاري وسوبر ماركت ومحلات صناعية ومجمعات إنشائية ومكاتب بيع مواد البناء وعيادات طبية. و65 جامعًا ومسجدًا هدم أغلبها بشكل كامل ومُسح من وجه الأرض، والبعض الآخر هدمت مآذنه أو هدم الحرم الذي بداخله.

59 مدرسة ابتدائية ومتوسطة وإعدادية وثانوية ومعهد معلمين ومعلمات ومدارس التأهيل الصناعي والتجاري وروضات الأطفال. و13 بناية تابعة لدوائر الدولة العراقية.

تدمير محطتي الكهرباء ومحطات تصفية المياه الثلاثة الموجودة في المدينة ومحطتي سكك القطار الذي يربط العراق بالدول المجاورة, وإتلاف شبكة الصرف الصحي للمياه الثقيلة ومياه الأمطار بشكل كبير جدًا. وتدمير جسر واحد وهو الآن لا يصلح للعبور عليه على نهر الفرات غربي الفلوجة.

نفوق أكثر من 100.000 (مائة ألف) حيوان داجن وبري داخل الفلوجة بفعل الغازات السامة والمواد الكيماوية, مثل الأغنام والأبقار والجاموس والدواجن والطيور في الحقول المنتشرة في عموم الفلوجة.

إضافة إلى إحراق بعض المكتبات الأثرية في المدينة التي تحتوي على أنفس كتب العلم الإسلامي بواقع أربعة مكتبات تحوي مئات الكتب إن لم تكن الآلاف، بحسب قوله([24]).

أكَّد الفريق الميداني الخاص بـ«مركز بغداد لحقوق الإنسان» من الدخول أن قوات الاحتلال انتهكت أعراض 149 امرأة عراقية داخل مساجد الفلوجة, وهدمت حوالي 17 ألف منزل سكني تمت تسويتها بالأرض, بالإضافة إلي هدم 45 مسجدًا بشكل تام و56 مدرسة و459 محلاً تجاريًا, وكذلك استشهاد ما يزيد علي 300 مدني عراقي أغلبهم من النساء والأطفال([25]).

كما عقد قسم حقوق الإنسان التابع لهيئة العلماء المسلمين مؤتمرًا في بغداد يوم 19/ 3/ 2005 عرضت خلاله شهادات موثقة بالصوت والصورة لانتهاكات ارتكبتها قوات الاحتلال ضد مدنيين عزل في الفلوجة وفي مناطق أخرى في العراق، ومن بين تلك الانتهاكات تحرشات جنسية تعرضت لها عراقية من أهالي الفلوجة في أحد معتقلات الاحتلال. وأظهر الشريط السيدة العراقية وهي تبكي قائلة: «الله وحده يعلم ما فعلوه بي أثناء التحقيق، وقد تمنيت الموت على أن أبقى على هذه الحال». ولم يطلق جنود الاحتلال سراح السجينة إلا بعد أن سلم زوجها نفسه للأمريكان([26]).

أصعب ما واجهني في بداية دخولي إلى المدينة رائحة الموت التي سوف لن أنساها ما حييت, مئات الجثث المتعفنة, داخل البيوت, والحدائق, والشوارع. جثث لرجال ونساء وأطفال, نهشتها الكلاب الضالة (الصورة الرقم 12), خلفتها موجة الحقد التي اكتسحت ثلثي المدينة, فدمرت البيوت والمدارس والعيادات الطبية. تلكم هي حقيقة الاجتياح الأمريكي الرهيب والمرعب لمدينة الفلوجة. قالها مسؤول إحدى قوافل المساعدات الإنسانية في مدينة الفلوجة (الصورة الرقم 13).

مستشفى الفلوجة احتلته القوات الأمريكية منذ اليوم الأول للحصار. أما المستشفى الثاني في حي النزال فقد ضرب لمرتين من قبل الأمريكان وقتل الطبيب ودمرت جميع مخازن الأدوية والمعدات. لا توجد أية سيارات إسعاف في المدينة فالسيارتان الوحيدتان اللتان ذهبتا لمساعدة الجرحى تم استهدافهما وضربهما من قبل الأمريكان. ولا يعرف أحد من الذين قتلوا. فقوات الاحتلال تدفن الجثث بالبلدوزرات لكي تغطي على جريمتها([27]).

جاء في تقرير لمنظمة العفو الدولية أن يكون المدنيون في مدينة الفلوجة قد قتلوا على نحو يخالف القانون الإنساني الدولي (الصورة الرقم 14)، ونتيجة لعدم اتخاذ الأطراف المشاركة في القتال الاحتياطات الضرورية لحماية من لا يشاركون في القتال. فقد قُتل عشرون من الموظفين الطبيين وعشرات من المدنيين العراقيين الآخرين عندما ضرب صاروخ عيادة طبية في 9 نوفمبر/تشرين الثاني(*).وفي 11 نوفمبر/تشرين الثاني، بثت قناة الأخبار الرابعة للتلفزيون البريطاني برنامجاً تضمن لقطات ظهر فيها جندي أميركي وهو يطلق النار في اتجاه أحد المتمردين الجرحى، الذي لم يظهر على الشاشة. ثم غادر الجندي المكان قائلاً: «لقد مضى في سبيله». إن منظمة العفو الدولية تشعر ببواعث قلق من أن الناطق الرسمي العسكري للولايات المتحدث قد أورد تقديرات لعدد القتلى بين المتمردين، الذين قال إنهم بالمئات، إلا أنه لم يتحدث عن عدد القتلى أو الجرحى من المدنيين (الصورة الرقم 15). إن جميع انتهاكات القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان يجب أن تخضع للتحقيق، كما يجب أن يقدم للعدالة المسؤولون عن الهجمات غير المشروعة، بما في ذلك الاستهداف المتعمد للمدنيين والهجمات العشوائية وغير المتناسبة وقتل الجرحى. وهناك بواعث قلق من أن أزمة إنسانية تلوح في الأفق مع النقص الحاد في الغذاء والماء والأدوية، وبعد انقطاع التيار الكهربائي. كما إن هناك العديد من الأشخاص الجرحى الذين لم يتلقوا أي رعاية صحية بسبب القتال. وأورد الهلال الأحمر العراقي أنه قد طلب من الحكومة العراقية وقوات الولايات المتحدة السماح له بإيصال مواد الإغاثة للمدنيين في الفلوجة، وبإرسال فريق طبي إلى المستشفى الرئيسي، إلا أنه لم يتلق أي رد([28]).

قد يكون قادة المليشيات الطائفية في العراق مشغولون بمواصلة حربهم ضد المجموعات المسلحة المناوئة للاحتلال، ويواصلون حربهم المتنقلة من بلدة إلى أخرى لينقلوا إليها البؤس والدمار ولأبنائها الاعتقالات وأعمال التعذيب. ولكن ماذا عن الضحايا الذين يتركونهم وراءهم؟ ماذا عن الأطفال؟

فإذا كانت الفلوجة واحدة من أبرز ضحايا أسلحة الدمار الشامل الأميركية (الصورة الرقم 16)، فكيف يعيش الأطفال فيها، وبماذا يحلمون وما هو شعورهم وما هي معاناتهم وبماذا يحلمون؟

أول ما يتبادر إلى الذهن وأنت تحاول الغوص في عالم الطفولة بمدينة الفلوجة وتستشعره بعمق هو أن هذا العالم خاو مقتول فالضحكة البريئة ضاع سبيلها إلى شفاه أطفال هذه المدينة، وعندما تتحدث إليهم تلمح في أعينهم نظرة حزن ممزوجة بخوف من المجهول وتوجس وقلق يعطيك انطباعا بأن البراءة والعفوية التي يتمتع بها الأطفال في أي بقعة من العالم قد فقدت من أطفال هذه المدينة([29]).

وأفاد مراسل شبكة (إن بي سي) بشهادة قال فيها، إنه رأى أحد الجنود، في أثناء اقتحام القوات الأميركية لمدينة الفلوجة، وهو يطلق النار على أحد الجرحى العراقيين في رأسه بينما كان الجريح ملقى على الأرض، ولم تُشاهد بقربه أي قطعة سلاح. وكانت منظمة العفو الدولية قد دعت سلطات الولايات المتحدة إلى التحقيق في حادثة سابقة بثتها قناة الأخبار الرابعة في المملكة المتحدة، وظهر فيها أحد الجنود الأمريكيين وهو يطلق رصاصة باتجاه أحد المتمردين الجرحى الذي كان خارج إطار الشاشة. وبعد ذلك غادر الجندي المكان وهو يقول: «لقد انتهى أمره» (الصورة الرقم 17)([30]).

رابعاًً: جرائم تدمير التُراث الأثري وسرقته

في افتتاح المؤتمر الثاني للّجنة الدولية للتنسيق من أجل حماية التراث الثقافي العراقي في مقر المنظمة في باريس،  ندّد المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة، اليونيسكو، بالأضرار الخطيرة التي يمكن أن تنجم عن بناء قواعد عسكرية في العراق، كما طلب «التعبئة» ضد التنقيب غير الشرعي عن البقايا الأثرية في الدولة. كما أشار إلى أن أحد أقدم الموروثات في العالم تتعرض للخطر، مشيرًا إلى أن واجبهم هو القيام بكل ما يمكنهم القيام به. وأشار إلى الآثار التدميرية بالنسبة للتراث الوطني العراقي التي يمكن أن تسببها القواعد العسكرية المنشأة في مناطق مثل مدينة بابل، جنوبي بغداد، أو مدينة الحضر التاريخية، شمالي العراق، موضحًا أن مدينة الحضر على الأخص، التي تم إنشاء مواقع عسكرية أمريكية في ضواحيها، تشكل منذ العام 1985 جزءًا من التراث العالمي لليونيسكو. وندّد كذلك بعمليات التنقيب الخفية التي مازالت مستمرة، الأمر الذي يدمر التراث العراقي خاصة جنوبي الدولة في مناطق أثرية مهمة، كما جدد تنديده بالسرقة «الهمجية» التي تعرض لها متحف بغداد. وفيما يتعلق ببابل، كان المتحف البريطاني قد ندد، في شهر كانون الثاني/ يناير 2005، بأن القواعد العسكرية البولندية والأمريكية تسبب «أضرارًا خطيرة» على هذه المدينة التاريخية (الصورة الرقم 18)([31]).

أكد مصدر مسؤول في مديرية الآثار العامة العراقية أن قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة لم تستطع الحيلولة دون وقوع جريمة في حق التاريخ، إن لم تكن ساهمت فيها. وقال كبير خبراء الآثار العراقيين الدكتور دوني جورج، في ندوة نظمتها وزارة الثقافة، إن سرّاق الآثار المحترفين، وعملاء مافيا التحف العالمية. تمكنوا من اختراق بعض الأبواب المغلقة في مخازن متحف بغداد، وسرق اللصوص عدداً من التحف التي لا تقدر بثمن، مثل مجموعة الأختام الاسطوانية وعدد كبير من التحف الآشورية المحفورة. وأضاف إن أكثر من 15 ألف تحفة سرقت وهرب الكثير منها إلى خارج العراق، وعرضت للبيع.

وقد تمت استعادة 3 آلاف قطعة حتى الآن في بغداد، بعضها أعادها مواطنون عاديون، وبعضها استعادته الشرطة، وصودرت أكثر من 1600 قطعة أثرية في الدول المجاورة، وأكثر من 300 في إيطاليا، وأكثر من 600 في الولايات المتحدة. وأضاف: «وبالرغم من ذلك، فإنه لا يوجد حصر لمعظم القطع المسروقة.

وجود هذه السوق ألهب عملية سرقة ونهب المواقع الأثرية جنوب العراق (الصورة الرقم 20). فالصورة هناك لا شك، تبعث على الإحساس بالصدمة. من جانب آخر، قال عالم الآثار المسؤول في منطقة الناصرية، عبد الأمير حمداني، إن السارق قد يبيع القطعة بخمسين دولاراً فقط.. إننا نشهد كارثة، تحدث أمام أعيننا، ولا نفعل شيئا لمنع وقوعها.

لكن بعض هواة اقتناء الآثار في الشرق الأوسط وأوروبا اعترفوا بامتلاك قطع تحمل ختم المتحف العراقي. كما تعرضت بعض القطع الأثرية والتي يرجع تاريخها إلى 7000 سنة للبيع على مواقع شبكة الإنترنت».وأشار إلى أن الذي لاشك فيه هو أن عدد القطع الأثرية المعروضة للبيع يفوق عدد القطع الأصلية.

وقد دمرت قوات التحالف نفسها عدداً من المواقع الأثرية استعملتها كمواقع عسكرية. وأشار إلى أن انسحاب هذه القوات من بابل كشف النقاب عن الدمار الذي لحق بإحدى عجائب الدنيا السبع في العالم القديم، والذي لا يمكن إصلاحه.. وأن أحد المواقع الأثرية وهو بوابة عشتار، سوي تماماً بالأرض لتجهيز مهبط للمروحيات الأميركية ومنطقة انتظار للعربات الثقيلة([32]).

نظمت مؤسسة الفرقان للحفاظ على التراث الإسلامي محاضرة في لندن حول مصير المخطوطات في العراق على اثر التدمير الذي تعرضت له المراكز الثقافية والتراثية والتعليمية في بغداد والمدن العراقية الأخرى نتيجة للغزو الأمريكي

وتحدث في المناسبة الاختصاصي البريطاني والعالمي في حفظ المخطوطات والآثار جيفري روبر الذي وصف تدمير متحف بغداد والمكتبات الرئيسية في العاصمة والمدن وسرقة وحرق الكتب التراثية الثمينة في معظم هذه المراكز بواسطة الجيش الأمريكي وأعوانه بـ«عملية إبادة الحضارة» معتبراً دافعها النية السيئة والجهل والحقد وفي كثير من الأحيان الربح المادي عن طريق السرقة([33]).

وتفيد بعض التقارير أن ثلاثة حاخامات من «إسرائيل» يقومون بالإشراف على عملية بحث وتنقيب في آثار بابل، وذلك بتغطية وحماية وحدات الجيش البولوني العاملة ضمن قوات الاحتلال، والتي تقع منطقة بابل تحت إشرافها([34]).

لم تكن عملية تدمير الآثار العراقية، أو سرقتها، عائدة إلى عامل الفوضى التي تولدها الحروب عادة، بل كانت عملية منظَّمة خططت لها بعض الجمعيات المرتبطة بالمافيات الأميركية، تلك المجموعات كانت تتستَّر تحت غطاء ثقافي جهدت من أجل تغيير القوانين الأميركية ذات العلاقة بمنع دخول الآثار المسروقة إلى الولايات المتحدة الأميركية، واستبدالها بقوانين تسمح بإدخال ذلك النوع من الآثار. وقد كشفت إحدى المحررات في مجلة (E I R) الأميركية أن تلك المحاولات حصلت في وقت سابق لاحتلال العراق على خلفية أن العراق سيقع تحت الاحتلال. وبالفعل قامت عصابات منظَّمة ولديها الخبرة بوضع يدها على أهم الآثار في متحف بغداد، والمناطق الأخرى في العراق. وإن تلك العمليات كانت تتمّ بتنسيق متكامل بين القادة العسكريين لقوات الاحتلال الذين حموا عمليات السرقة المنظمة([35]). ويبدو أن ثمن تلك الحماية هو حصول أولئك القادة على حصتهم من عائدات بيعها.

 

خامساً: جرائم اجتثاث البنية العلمية في العراق:

ملاحقة علماء العراق، اغتيالهم – تهجيرهم...

1-دور الولايات المتحدة الأميركية:

تناولت الدراسات والكتابات الأهداف الأمريكية من الحرب على العراق، وتعددت اتجاهات الكتاب في تحديد وترتيب أولويات وأهمية هذه الأهداف. وبينهم من يرى أن الأولوية هي لتخلص الولايات المتحدة و«إسرائيل» من قدرات العراق الاستراتيجية([36]).  ومن بينها، ولعلها الأهم هي العلماء العراقيين. 

شرح البريجادير جنرال فينسنت بروكس في مقر القيادة المركزية في قطر أهمية هؤلاء العلماء بقوله بأن الولايات المتحدة «لها أهداف أخرى غير الإطاحة بصدام، وعلى الأخص القضاء على مقدرة العراق على تطوير أسلحة نووية أو كيماوية أو بيولوجية». والذي ظهر بوضوح منذ صدور القرار 1441 لمجلس الأمن أن واشنطن أصرت على أن يتضمن بندًا حول استجواب العلماء العراقيين([37]).

 لقد بدأ الاهتمام الأمريكي مبكراً بموضوع العلماء العراقيين ، وبالخبرة العراقية المتراكمة في الفترة الأخيرة ، فمنذ بداية التسعينات أخذت مؤسسات أمنية وسياسية أمريكية تبحث في شأن هؤلاء العلماء والخبرة الكبيرة التي يملكونها. فهناك الآلاف منهم الذين يشكلون مصدراً خطيراً في الشرق الأوسط، قد يؤدي إلى نقل الخبرة العراقية إلى دول عربية وإسلامية أخرى. فطالبت المخابرات الأميركية، المحققين في لجنة الانفوميك، قبل الاحتلال، لتحضير قائمة معلوماتية موثقة ودقيقة بأسماء العلماء لتتم عملية ملاحقتهم وترتيب آليات التعامل معهم([38]). وعبَّر السيناتور الأمريكي جوزيف بايران عن أن الهدف هو حرمان العراق من الكوادر الفنية والهندسية الضرورية لاستمرار برنامجه في إنتاج أسلحة الدمار الشامل. ولهذا صدر القرار الأمريكي، في تلك المرحلة، الذي قضى بتسهيل منح العلماء العراقيين الراغبين في إفشاء أسرار أسلحة الدمار الشامل الجنسية الأمريكية، ووصل الأمر لسن قانون خاص لهجرة العلماء العراقيين صادق عليه مجلس الشيوخ لمنح العلماء العراقيين، الذين يوافقون على إفشاء معلومات مهمة عن برامج بلادهم التسليحية، بطاقة الهجرة الأمريكية الخضراء. وليس أدل على اهتمام الأميركيين بملاحقة علماء العراق من وجود أسماء عدد من العلماء النوويين والبيولوجيين على القائمة الشهيرة التي وزعتها وزارة الدفاع الأمريكية للمطلوبين العراقيين([39]).

وفي هذا الإطار مثّل استهداف العلماء العراقيين جانبًا مهمًا في توجهات وأهداف السياسة الأمريكية تجاه العراق، سواء قبل الغزو أو بعده، حيث عملت واشنطون من وراء ذلك على تحقيق مجموعة من الأهداف:

أولها: محاولة منع العراق بعد سقوط النظام السابق من إعادة بناء قدراته في مجال الأسلحة الكيماوية والجرثومية بعد وصوله إلى درجة متقدمة في هذين المجالين.

ثانيها: منع وصول هؤلاء العلماء إلى دول عربية أو إسلامية قد توظفهم في برامج لإنتاج أسلحة دمار شامل، مما قد يؤدي إلى تكرار تهديد العراق لجيرانه ولـ«إسرائيل».

ثالثها: معرفة المصادر التي استمد منها هؤلاء العلماء خبراتهم لتجفيفها ومنع العلماء العرب الآخرين من التفكير في الاقتراب من مجالات البحث التي ترى واشنطن أنها محظورة عليهم([40]).

وتتَّبع الإدارة الأمريكية، بعد احتلال العراق، أسلوبين مع العلماء العراقيين : إما التصفية والاعتقال والمطاردة، وإما الإغراء بالمال والامتيازات للهجرة. وتبين تقارير غربية وأمريكية أن هناك حالات قتل وتصفية لعدد كبير من العلماء العراقيين ، فيما تم اعتقال عدد منهم ، بينما استطاع عدد آخر الهروب من العراق، ولكن من المتوقع أن يبقوا موضع اهتمام وبحث من قبل الأجهزة الأمنية الأمريكية. وخصصت الإدارة الأمريكية في كانون الأول/ ديسمبر 2003 برنامجاً بقيمة 22 مليون لـ «تأهيل العلماء العراقيين»، الذين عملوا في برامج التسلح العراقية حيث إن الهدف الحقيقي هو استغلال عدد كبير من هؤلاء العلماء من خلال ترحيلهم إلى الولايات المتحدة وإعطائهم الجنسية([41]).

وتسهيلاً لمهمتها، وضعت الإدارة الأميركية خطة تغزو فيها علماء العراق في عقر دارهم.  وأوضحها الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر معلناً تأسيس مكتب في بغداد في إطار برنامج التوظيف السلمي، يضم خبراء أسلحة الدمار الشامل العراقيين، قررت واشنطن أن تسميه «المركز الدولي العراقي للعلوم والصناعة». وغاية الخطة، كما أوضحها باوتشر، في بيان أصدره في 18/ 12/ 2003: «سيقوم المركز بتحديد الاحتياجات وتوفير التمويل لمشروعات علمية محددة تستخدم خبرة الأشخاص الذين كانت لهم علاقة في السابق ببرامج أسلحة الدمار الشامل بالعراق». وتغطي الخطة تكاليف العام الأول من البرنامج الذي سيعتمد بشدة على مساعدات تطوعية من مجتمع العلماء الأمريكيين. وستكون تكلفتها 16 مليون دولار في العام الأول. و تهدف إلى جذب العلماء العراقيين للعمل في برامج أبحاث سلمية في العراق، بدلاً من انتقالهم، هم وخبرتهم، إلى دول أخرى أو منظمات «إرهابية» يمكن أن تهدد الولايات المتحدة.

ويرى محللون أنه إذا كان العلماء العراقيون هم أحد محاور الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق، فإن الاحتلال الأمريكي للبلاد وتقويض الدولة العراقية المستقلة جاء إيذانا بعملية تصفية حسابات عسيرة مع طابور العلماء العراقيين، الذين يُعدون بمثابة ظاهرة فريدة في زخمها في العالم العربي بأسره([42]).

كشف علماء عراقيون، في نداء استغاثة عبر البريد الإلكتروني، أن قوات الغزو الأمريكية والبريطانية، التي لديها كشوف بأسماء وعناوين هؤلاء العلماء، تدهم منازلهم وتحقق معهم وتعتقل بعضهم وتطالبهم بتسليم ما لديهم من أبحاث وأوراق. وأوضحت الرسالة أن قوات الاحتلال تحمل قوائم بأسماء العلماء العراقيين وعناوينهم والأبحاث التي يعملون بها؛ وهو ما يسهل لهم عمليات التهديد والتحقيق في ظل غياب كامل لأي سلطة وانشغال العالم بالفوضى الحادثة في العراق. وأشارت إلى أن جنود الاحتلال يشجعون أعمال السلب والنهب ويقومون بنقل غوغاء إلى المؤسسات العلمية، ومنها جامعة الموصل والمعاهد التعليمية، ويستغلون هذه الفوضى في تدمير مراكز الأبحاث ومصادرة كل الوثائق وأوراق المشروعات الأكاديمية الموجودة بهذه المؤسسات لحرمان العراق من أي نواة لنهضة علمية، على حد تعبير الرسالة([43]).

كما أكد تقرير أعدته وزارة الخارجية الأمريكية أن أجهزة الاستخبارات الخارجية الصهيونية الموساد، التي تنشط في الأراضي العراقية منذ أكثر من عام ونصف العام، قتلت، بمساعدة من القوات الأمريكية في العراق، 350 عالمًا عراقيًا وأكثر من 200 أستاذاً جامعياً في مختلف المجالات العلمية. وجرت التصفية بعد أن فشلت الإدارة الأمريكية في جذبهم للعمل مع مراكز بحث حكومية أمريكية. أما من بقي منهم في العراق فتم استجوابهم والتحقيق معهم. وأوضح التقرير أن الموساد الصهيوني يرى في بقاء العلماء العراقيين أمر خطير للغاية بالنسبة لمستقبل الكيان الصهيوني. وأكد أن تصفيتهم الجسدية حيث تخيم على العراق حالة من الفوضى والعنف هو الحل الأمثل. وأشار التقرير إلى أن وسائل الإعلام كانت تظهر الشخص المستهدف على أنه ضحية عمليات إرهابية([44]).

 

2-دور المخابرات الصهيونية:

المعلومات التي ذكرت في ندوة عقدت بالقاهرة، تشير إلى أن فرق الاغتيالات «الإسرائيلية» اغتالت حوالي 310 من علماء وأساتذة العراق، ولاحقاً تم الكشف عن أن أكثر من 500 من علماء العراق، وأساتذته موضوعون على قوائمها. وتشير أيضاً إلي أن 17 ألفاً من العلماء والأساتذة أجبروا على الرحيل عن العراق منذ بدء الاحتلال. ويؤكد جنرال فرنسي متقاعد دخول وحدات من الكوماندوز «الإسرائيلي» الأراضي العراقية بهدف اغتيال العلماء العراقيين. ولأن «إسرائيل»، تعلم جيداً أن المشروع العراقي القومي لن يجهض إلا بإبادة القائمين عليه، وهم العلماء([45]).

قال الجنرال المذكور، في تصريحات لقناة التلفزة الفرنسية الخامسة: إن أكثر من 150 جنديًا «إسرائيلياً»، من وحدات الكوماندوز، دخلوا إلى الأراضي العراقية في مهمة تستهدف اغتيال العلماء العراقيين الذين كانوا وراء برامج التسلح العراقية، وقُدّمت أسماؤهم إلى لجنة مفتشي الأسلحة الدولية برئاسة هانز بليكس. وعددهم قرابة 3 آلاف و500 عالم عراقي، من بينهم نخبة تتكون من 500 عالم اشتغلوا في تطوير مختلف الأسلحة، وهذه النخبة هي المستهدفة من العمليات الإسرائيلية بالدرجة الأولى([46]).

واتهم عبد الحميد عبد المجيد مدير هيئة البحوث في وزارة التعليم العالي العراقية المخابرات الصهيونية «الموساد» باغتيال العديد من العلماء العراقيين وذلك بمساعدة قوات الاحتلال الأميركي في العراق([47]).

قالت مصادر عراقية إن ثلاثة حافلات كبيرة تدخل يومياً إلى العراق من منفذ طريبيل الحدودي، تحمل (إسرائيليين). من بينهم أعضاء مخابرات يعملون في جهاز الاستخبارات (الإسرائيلي) الخارجي (موساد). وهم يقفون وراء تنفيذ العديد من العمليات المسلحة التي تستهدف العلماء العراقيين. وتذهب بعض المصادر العراقية إلى أن هذه المجموعة من عناصر الموساد تتألف من 900 عنصراً، وأنها تقيم في مدينة كركوك، في شمال العراق([48]).

 

3-عملاء الاحتلال من المنفذين البارزين:

إن العديد من الذين في مواقع دوائر الأمن والمخابرات العراقية المتواطئين مع الاحتلال عادوا إلى العراق من واشنطن ولندن وطهران محملين بقوائم أسماء العديد من المواطنين لغرض تصفيتهم جسدياً. وراحوا يهددون بقتل كل من يرفض الاحتلال ويرفض التعاون معهم. وما أعلنه في النجف المدعو صدر الدين القبنجي المرتبط بتنظيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وفيلق بدر، مطالباً كل من يرفض الاحتلال، وخصوصاً من كان ينتمي منهم إلى حزب البعث، بمغادرة وزارته أو مؤسسته أو مصنعه وإلا تم قتله على يد العاملين في تلك المؤسسات. ووجَّه رسالة تحذير بعدم العودة للعراق إلى الآلاف من العقول الأكاديمية العراقية الموجودة في الخارج التي غالبيتها رفضت وشجبت التدمير الذي لحق بالدولة العراقية على أيدي المحتلين وأعوانهم([49]).

 

4-نماذج من عمليات الملاحقة والاغتيال:

أعلن عصام الراوي رئيس رابطة أساتذة الجامعات العراقية أن 300 عالم وأستاذ محاضر عراقي قد تم اغتيالهم منذ بدء الاحتلال الأمريكي للعراق. ويرفع الدكتور فاضل بدران، على موقعه (سيبقى العراق إلى الأبد) إلى 800 عالم وأستاذ ومحاضر.

ويقول الراوي: إن حوالي 2000 أستاذ آخرين قد فروا إلى خارج العراق خوفاً على حياتهم. وقال رئيس جامعة النهروان إن عمليات الاغتيال والمطاردة للعلماء العراقيين لها أهداف سياسية وهي إجبار العلماء والأساتذة على الفرار من العراق وإن الاغتيالات شملت جميع الطوائف من شيعة وسنة وأكراد([50]).

لدى رابطة التدريسيين الجامعيين إحصاءات بأسماء العشرات الذين تمت تصفيتهم، من الأساتذة الجامعيين، والأطباء والمهندسين، وأئمة المساجد من حملة الشهادات العليا. ولكن ما لديها لا يمثل إلا جزءًا من الحقيقة. فلدى وزارة التعليم العالي، وفق آخر إحصائية، قائمة تضم 46 اسماً من أسماء الأساتذة الجامعيين المسجلين في كلياتها ومعاهدها، تم اغتيالهم، وقد قيدت جميع تلك الجرائم ضد مجهول، كما أن هناك عدداً من الأساتذة تعرضوا للقتل على أيدي جنود الاحتلال الأمريكي، وأن هناك أكثر من جهة تقف وراء هذه العمليات. وأن بعضاً منها لها بعد طائفي عند غلاة المتدينين من مختلف المذاهب والأحزاب. ونتيجة لذلك اضطرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى إغلاق 156 قسماً للدراسات العليا([51]).

-اغتيل الدكتور غائب الهيتي الأستاذ في الهندسة الكيماوية في جامعة بغداد. وكان الهيتي قد تلقى تهديدات بالقتل إذا لم يترك عمله في الجامعة([52]).

- مقتل الأستاذ عبد اللطيف علي المياح، وهو من نشطاء حقوق الإنسان ومناهض للاحتلال الأنكلو أمريكي للعراق. قتل بعد 12 ساعة من ظهوره في قناة الجزيرة الفضائية حين شجب فساد «مجلس الحكم» المعين من قبل الأمريكان، وطالب بالانتخابات العامة بأسرع ما يمكن، كما قال: «يمكن أن أتحمل أي حكومة عراقية، ولكنه شعور مخيف لي كوني تحت الاحتلال». وقال لأحد أخوته بأنه سيأتي اليوم الذي تقتلني فيه إما المخابرات الصهيونية أو الأمريكية. وقبل اغتياله بأيام قلائل قال لأخيه بأنه قد استلم رسائل تهديد تطالبه بالكف عن تصريحاته كان من بينها رسالة من أحد أعضاء «مجلس الحكم». وكان الأستاذ الجامعي الرابع من جامعة المستنصرية والسابع من بين أساتذة الجامعات العراقية الأخرى الذي قتل بهذه الطريقة الإجرامية([53]).

- اغتيال الدكتور مروان غائب مظهر، الأستاذ في كلية الهندسة في جامعة بغداد، في منطقة حي الخضراء، وسط بغداد([54]).

-وبحسب السجلات الرسمية لوزارة الصحة العراقية جرى اختطاف عدد من خيرة أطباء العراق في مجال تخصصهم. تلك الظاهرة دفعت بالعديد من الأطباء إلى المغادرة، أو التفكير جدياً بمغادرة البلاد، إلى دول الجوار بحثاً عن عمل وملاذ آمنين([55]).

ومن وسائل اجتثاث العقل العلمي العراقي، ما ذكره تقرير أصدرته رابطة الجامعيين العراقيين : القتل والاعتقال والخطف والإقصاء القسري من المناصب الإدارية، وانتهاك حرمة الجامعات والمؤسسات التعليمية من قبل القوات الأمريكية والحرس الوطني وميليشيات خاصة، وقوى وجهات طائفية، وعصابات إجرام منظمة، ضمن حملة تصفية وإبادة منظمة لكل علماء وأستاذة العراق وعقوله، وهي حملة تخريب شاملة لكل مؤسساته العلمية وجامعاته([56]).

ذكرت مصادر نقلاً عن أجهزة وزارة الداخلية أن ألف عراقي، من الكوادر العلمية والثقافية والفنية، لقوا مصرعهم اغتيالاً. ولم يرد في الإحصائية شيء من اغتيالات ضباط وعناصر الشرطة العراقية والموظفين الصغار في دوائر الدولة بالمحافظات([57]).

سادساً: جرائم اغتيال البعثيين

تتم تصفية عناصر حزب البعث بشكل منظم. وقد أُبعدوا عن الوظائف العامة أولاً ثم بدأت تصفيتهم جسدياً إما من قبل عناصر الأحزاب أو من قبل أشخاص. وتمت تصفية بعض الضباط الطيارين من الجيش العراقي السابق ممن اشتركوا في الحرب العراقية ـ الإيرانية([58]) وأشارت وكالة (قدس برس) إلى أن العاصمة تشهد تصاعد  موجة الاغتيالات بالإضافة إلى مدن عراقية أخرى. وتشمل   اغتيال عدد جديد من البعثيين السابقين:

-قتل في حي البياع أحد عناصر الأمن العراقي السابق وزوجته في أحد الأسواق. وخلال الفترة نفسها اغتيل ثلاثة عراقيين كانوا أعضاء فرق، على أيدي مسلحين. وهم: محسن العقيدي في منطقة النعيرية، وعلي عواد حسام، وسعدون الساعدي.

-اغتيل في مدينة كربلاء عضو قيادة فرقة سابق في حزب البعث، ليكون الثاني الذي يتم اغتياله في تلك المدينة، بعد أن تم اغتيال عضو فرقة آخر قبله.

-قتل مسلحون مجهولون معلماً، يدعى فلاح،في مدرسة تغلب الابتدائية في منطقة البلديات ببغداد.  وكان مدير المدرسة المذكورة هو الآخر قد تعرض لإطلاق نار قبل أيام، وذلك بتهمة انتمائهما سابقاً لحزب البعث([59]).

وقد نشرت  جريدة القدس العربي قائمة ببعض من اغتيلوا في فترة ما بعد الحرب بالعراق ما عدا منتسبي الشرطة وقوات الدفاع المدني([60]).

 

سابعاً: في الجرائم الاقتصادية

1-تحويل الاقتصاد العراقي في ظل الاحتلال مخالف للقانون الدولي:

بول بريمر الذي أدار احتلال أمريكا للعراق، من 2 أيار 2003، إلى اليوم الذي التحق بأول طائرة للخروج منه، في 28/6/2004، اعترف بأنه حين وصل بغداد «كانت المدينة تحترق، في الوقت الذي كانت السيارة تقلني من المطار». ولكن قبل أن تطفأ نيران حملة «الصدمة والترويع» فرض في صيف واحد تغييرات هائلة أكثر مما استطاعه صندوق النقد الدولي في أمريكا اللاتينية خلال 30 سنة . ويصف جوزيف ستجلتز، الحائز على جائزة نوبل والاقتصادي البارز السابق في البنك الدولي ، إصلاحات بريمر بأنها «شكل أكثر راديكالية في صدمته من علاج الصدمة الذي تبنته جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفيتي». إذ كان أول قرار اتخذه بعد توليه مهام منصبه: طرد 500000 من موظفي الدولة ومعظمهم عسكريون، وأطباء وممرضون ومعلمون ... ثم فتح حدود البلاد على مصراعيها أمام الصادرات: لا تعريفة ، لا رسوم ، لا تفتيش ، لا ضرائب. وقد أعلن أن البلاد أصبحت «مفتوحة للبزنس».

بعد شهر ، كشف بريمر الهدف الرئيسي لإصلاحاته: قبل الغزو كانت تدير الاقتصاد مائتا شركة تابعة للدولة. تنتج كل شيء: من الأسمنت إلى الورق إلى الغسالات...  وفي حزيران شارك في قمة اقتصادية في الأردن، وأعلن أن تلك الشركات ستتم خصخصتها فوراً تحت ذريعة «أن تسليم المشاريع الحكومية إلى أيدي القطاع الخاص ضروري لإنعاش الاقتصاد العراقي». فكان القرار أكبر تصفية للقطاع العام منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.

وفي أيلول ومن أجل تشجيع المستثمرين الأجانب على الاستثمار في العراق، أصدر عدة قرارات جذرية غير مسبوقة في كرمها الزائد للشركات متعددة الجنسية. ومن أهمها القرار 37 الذي خفَّض نسبة الضرائب من 40 بالمائة إلى 15 بالمائة . والقرار 39 الذي سمح للشركات الأجنبية بتملك 100% من الأصول العراقية ماعدا قطاع الموارد الطبيعية. وسمح للمستثمرين أن ينقلوا كامل الأرباح إلى خارج العراق: لن يكون عليهم أن يعيدوا استثمار أرباحهم ولن تفرض ضرائب عليها . وبموجب القانون 39 يمكن أن يوقعوا تراخيص وعقود يمكن أن تستمر لأربعين سنة. أما القرار 40 فقد رحب بالبنوك الأجنبية إلى العراق تحت الشروط الكريمة ذاتها([61]).

كان ذلك الخريف ذروة المعارض التجارية حول «إعادة بناء العراق» في واشنطن ولندن ومدريد وعمان . ووصفت الايكونومست العراق تحت حكم بريمر بأنه «حلم الرأسمالي». وأُنشئت العديد من الشركات الاستشارية، يديرها مديرون لهم صلات جيدة بالجمهوريين، لتقديم العون للشركات الراغبة بالدخول إلى السوق العراقية. وكانت أبرزها: شركة (نيو بردج ستراتيجيز) التي أنشأها جو ألبو وهو مدير حملة بوش – تشيني الانتخابية، وقال أحد شركائها متحمساً: «إن الحصول على حقوق توزيع منتجات بروكتور و جامبل يمكن أن يكون بمثابة منجم ذهب. مخزن كبير ذو أقسام مليئة بالبضاعة يمكن أن يقضي على ثلاثين مخزناً عراقياً . يمكن لمخازن (ولمارت) أن تكتسح البلاد»([62]).

في أشهر قليلة جداً، تحققت خطة ما بعد الحرب لتحويل العراق إلى مختبر تجارب المحافظين الجدد. قد يكون ليو شتراوس هو الذي وضع الإطار الفكري لغزو العراق استباقياًً. ولكن من قدم دليل خطة العمل بعد أن تقع البلاد في أيدي الأمريكان هو أستاذ جامعة شيكاغو ملتون فريدمان مؤلف البيان المناهض للحكومات بعنوان «الرأسمالية والحرية». وكان هذا بمثابة نصر هائل لأشد الأجنحة إيديولوجية في إدارة بوش. من ناحية أخرى كانت هناك المجموعة المعتادة من المحافظين الجدد : نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، الذي امتدح إصلاحات بريمر الكاسحة باعتبارها «من افضل قوانين الضرائب والاستثمار المستنيرة والمشجعة في العالم الحر».

اتخذت بعض الإجراءات الصغيرة على أية حال، لاستجلاب السياسيين الذين عينتهم الولايات المتحدة إلى العراق أمثال يغور جيدار العقل المدبر لمزاد خصخصة روسيا في منتصف التسعينات والذي وزع ممتلكات الدولة على أعضاء حكومة القلة الحاكمة. وكذلك ماريك بيلكا الذي أشرف، باعتباره وزير مالية، على الإجراء نفسه في بولندة.

وعندما مزق بول بريمر دستور العراق واستبدله بما رحبت به مجلة الايكونومست باعتباره «قائمة التمنيات للمستثمرين الأجانب» كان هناك أمر واحد نسي أن يذكره: كان الإجراء كله غير شرعي . لقد استمدت سلطة الائتلاف المؤقتة سلطتها القانونية من قرار مجلس الأمن للأمم المتحدة الرقم 1483،  22/ 5/ 2003، الذي اعترف بالولايات المتحدة وبريطانيا بأنهما المحتل الشرعي للعراق . كان هذا القرار هو الذي منح السلطة لبريمر ليصدر القوانين من جانب واحد في العراق. ولكن القرار أيضاً نص على أن الولايات المتحدة وبريطانيا يجب أن تنفذا التزاماتهما كاملة بموجب القانون الدولي، وبشكل خاص اتفاقيات جنيف في 1949 ولاهاي في1907، لقد نصت الاتفاقيتان على أن المحتل يجب أن يلتزم بالقوانين القائمة في البلاد. فهو في موقع «المدير» و«الوصي» حتى تقام حكومة ذات سيادة. إذا حدث ذلك فإن الاستثمارات التي أقيمت بموجب قوانين بريمر يمكن مصادرتها دون أن تستطيع الشركات إقامة الدعاوى القضائية لأن استثماراتهم كانت مخالفة للقانون الدولي منذ البداية.

لم يفت الأمر في عزيمة بريمر: إذا كان القانون الدولي يمنع المحتلين من بيع أصول الدولة بأنفسهم فإنه لا يمنع الحكومات «الدمى» التي يعينها الاحتلال من أن تبيعها بأنفسها.  ففي 30 حزيران سوف ينتهي الاحتلال رسمياً ولكن ليس واقعياً. وسوف يستبدل بحكومة معينة تختارها واشنطن . هذه الحكومة غير ملزمة أمام القانون الدولي الذي يمنع المحتل من بيع أصول الدولة، ولكنها ستكون ملزمة أمام «دستور مؤقت» وهي وثيقة سوف تحمي قوانين بريمر للاستثمار والخصخصة .

وإذا سار كل شيء حسب الخطة فسوف يستطيع بريمر أن ينجح في فرض حكومة عراقية «ذات سيادة» لتنفيذ إصلاحاته غير الشرعية. لذا استطاع أن يقنع مجلس الحكم أن يوافق على كل شيء : الجدول الزمني الجديد ، الحكومة المؤقتة والدستور المؤقت. واستطاع أن يدس في الدستور المادة 26 التي تنص على أنه خلال فترة الحكومة المؤقتة: «تطبق القوانين واللوائح والأنظمة والتوجيهات التي أصدرتها سلطة الائتلاف المؤقتة». ولا تتغير إلا بعد إجراء انتخابات عامة.

لقد وجد بريمر ثغرة القانون هذه : سيكون هناك فترة فاصلة حتى ينتهي الاحتلال رسمياً. وضمنها لن يطبق الحظر الذي تفرضه معاهدات لاهاي وجنيف على خصخصة أصول الدولة المحتلة، وإنما ستطبق قوانين بريمر حسب منطوق المادة 26 من الدستور المؤقت. وخلال سوف يأتي المستثمرون الأجانب إلى العراق ويوقعون عقوداً مدتها أربعين سنة لشراء أصول العراق . فإذا قررت حكومة عراقية منتخبة في المستقبل تغيير القوانين يستطيع المستثمرون رفع قضايا التعويضات. وفي 2/ 3/ 2004، وقع السياسيون الشيعة الدستور المؤقت. كل الذي تبقى لبريمر هو تدعيم الدستور المؤقت بقرار من مجلس الأمن وعندها يستطيع المحامون وسماسرة التأمين تنهد الصعداء ويبدأ مزاد العراق([63]).

تستطيع الوزارات العراقية أن تقترض بلايين الدولارات من أجل استيراد ما تحتاجه من معدات من الخارج. ولكن مقابل رهن عائدات النفط العراقي من خلال (بنك جي بي مورجان تشيس)(*) في نيويورك.  ومن أجل ذلك حصل «بنك التجارة العراقي»، الذي يديره «بنك مورجان تشيس» في مدينة الكويت، على 4ر2 بليون دولار بشكل ضمانات استيراد للتجارة بين العراق والشركات والحكومات الأجنبية. وقال ديفد شافيرن مسؤول في البنك الأمريكي للتصدير والاستيراد في اجتماع عقدته شركة (اكويتي انترناشيونال) لتشجيع الاستثمار في العراق: «سوف تستخدم عوائد النفط هذه من أجل دعم خطابات الائتمان لبنك التجارة العراقي. وسوف نضمن أن خطابات الائتمان هذه سوف تكون للمصدرين الأمريكيين». كما أن سلطات الاحتلال والبنوك متعددة الجنسيات سوف يحمِّلون الحكومة العراقية القادمة ديوناً لا يُعرف حجمها. ومثل عقود إعادة إعمار العراق التي أرسيت على شركات أمريكية لها صلة بالحزب الجمهوري الحاكم، فإن قروض التصدير التي يقدمها بنك التجارة العراقي سوف تذهب إلى الدول المساهمة مع قوات الاحتلال بغض النظر عما إذا كانت مصنوعاتهم رخيصة أو جيدة.

إن السماح لخضوع النظام المصرفي العراقي لسيطرة مجموعة شركات يقودها بنك عرف عنه تاريخه الطويل من الفساد والعمل مع حكومات غير ديمقراطية، لا يطمئن الشعب العراقي حول أهداف الولايات المتحدة من احتلال العراق. لذا يجب أن يعرف الجميع أن ما تقوم به الإدارة الأمريكية مخالف للقانون الدولي بخصوص التزامات القوة المحتلة التي يجب ألا تغير من السياسة الاقتصادية للبلد المحتل([64]).

فقبل الإعداد لما أطلق عليه الاحتلال «انتقال السلطة» في كانون الثاني/ يناير 2004، قام (بريمر) بفرض مجموعة من القرارات على العراق يصل عددها إلى 100 قرار التي من شأنها ضمان تمكن الولايات المتحدة من التحكم في جميع مفاصل الحياة الاقتصادية للعراق وفقاً لمصلحة السوق الحرة بواشنطن. فإن واحداً من أخطر قرارات (بريمر) كان فرضه تحديد مستقبل الإنتاج الزراعي للعراق بما يتوافق مع أهواء شركات احتكارية مثل (مونسانتو وسينجينتا ودو كيميكال) وغيرها من شركات المنتجات الزراعية الأمريكية العملاقة التي تسعى جاهدة لفرض سيطرتها على إنتاج الغذاء في العالم من خلال البذور والنباتات المعدلة وراثياً. فقد قام (بريمر) بفرض القرار الرقم 81 أسماه «براءة الاختراعات والتصميم الصناعي وسرية المعلومات والدوائر المتكاملة وتنوع المحاصيل»، وهو قرار ملزم لكل الحكومات التي نصبتها وستنصبها الإدارة الأمريكية في العراق(*).

وينص قرار (بريمر) المرقم 81 على إلزام المزارعين العراقيين بأن يدفعوا مبالغ كبيرة للشركات متعددة الجنسيات، مثل (مونسانتو)، للحصول على البذور لزراعتها كل عام، حيث سيعتبر استخدام البذور أمراً مخالفاً للقرار، كما عليهم دفع رسوم حقوق الملكية الفكرية لـ(مونسانتو) أو (سينغينتا) مقابل البذور المعدلة وراثياً بهدف «حماية» حقوق الملكية الفكرية لـ(مونسانتو) ومثيلاتها. علاوة على هذا، تمتلك هذه الشركات حقوق الاحتكار الحصرية لهذه البذور ولمدة عشرين عاماً([65]).

 

2-تهديم البنى التحتية: إن الحرب الأنكلو ـ أميركية التي شنت على العراق وأطاحت بسلطته وأدت إلى احتلاله, أُسقطت خلالها آلاف الأطنان من القنابل والمتفجرات لتدمير البنى التحتية للعراق وكل المرافق العسكرية وشبه العسكرية والمنشآت المدنية للدولة والمجتمع ولم تبق منشأة أو مرفق, مهما كان نوعه أو حجمه لم تطله تلك المتفجرات والقنابل التي كانت تُقذف بهدف أن تلحق بها أكبر قدر ممكن من التدمير, من أجل تعطيلها بالكامل و إخراجها نهائياً من الخدمة. وأسهمت في التدمير عمليات السلب والنهب والتخريب عقب دخول قوات الاحتلال إلى بغداد والتي أتت على ما تبقى منها. وكانت عمليات السلب تجري تحت أعين قوات الاحتلال وأحياناً تحت حمايتهم، أو بالتحريض منهم أو من أعوانهم, كي يعود العراق إلى الوراء سنوات عديدة. وبها أضحى لا يمتلك شيئاً إلاَّ الخراب والدمار الذي عم جميع مرافقه ومنشئاته, وأصبح في أمسِّ الحاجة إلى المساعدة في كل مجالات الحياة([66]).

في أبريل (نيسان) من العام 2004، قرر بول بريمر رئيس إدارة سلطة التحالف أن تمنح وزارة التجارة خردة المعادن ترخيصاً كي يتم تصديرها خارج العراق.

وتقدَّر خسائر العراق المباشرة، جراء الحرب العدوانية والاحتلال، بأكثر من أربعمائة وخمسين مليار دولار، شاملة نفقات بناء الجيش العراقي لأغراض التسليح والإعداد والتدريب وتلبية احتياجاته ومتطلباته من الناحية البشرية والأسلحة والعتاد والمعدات وكذلك المنشآت والمرافق العسكرية كمعاهد التدريب والمعسكرات والمطارات والمقرات والمصانع الحربية ومراكز الصيانة وكل المستلزمات والأجهزة الأخرى. كما يشمل المصانع الحربية التي تمَّ تقطيع أجزاء منها، وبيعها على شكل خردة إلى الدول المجاورة بأثمان بخسة ذهبت عوائده إلى الاحتلال مباشرة، أو عبر متعاونين معه من تجار الحروب, ويشمل المعدات والآليات العسكرية والأسلحة الخفيفة والثقيلة، ومعدات المطارات والمصانع العسكرية، وكل ما كان يشتريه العراق من العتاد. ويقدر الخبراء العراقيون بأن تلك المعدات والأسلحة إذا ما بيعت كان يمكن أن تسترجع ما يزيد على مائة مليار([67]).

مع إنفاق الولايات المتحدة مليارات الدولارات في إعادة إنشاء البنى التحتية المدنية والعسكرية في العراق، فهناك أدلة على أن أجهزة عسكرية حساسة، وأخرى لحفر النفط ولمحطات تصفية المياه وكل المركبات الخاصة بالمباني القديمة تغادر البلد على ظهر شاحنات. ويعتقد أن الكثير منها جديدة. وحسب بعض التقديرات هناك ما لا يقل عن 100 شاحنة شبيهة بالمقطورات محملة بما يطلق عليه بـ«الخردة العراقية» تتوجه كل يوم من العراق صوب الأردن الذي هو واحد من ستة بلدان تشارك العراق حدوده. ويقول الكثير من الخبراء إن الكثير مما يحدث هو عملية نهب واسعة الآفاق.

وكشفت الفحوص الأخيرة التي جرت في مخازن قطع الخردة الأردنية، بضمنها تلك التي قام بها مراسل «نيويورك تايمز»، عن وجود كميات هائلة من خردة المعادن ومكونات أخرى تدخل في تركيب البنى التحتية المدنية العراقية وهذا يشمل أكواماً ضخمة من النحاس الثمين وقوالب وقضبان من الألمنيوم، وهناك أكداس ضخمة من القضبان الفولاذية وأنابيب مياه، ومثبتات عملاقة لأجهزة استخراج النفط وكلها تبدو جديدة، إضافة إلى شاحنات سكك حديدية مقطعة إلى أجزاء، كما أن هناك عدداً كبيراً من الدبابات المحطمة، بل يمكن إيجاد حتى براميل البيرة التي تحمل كلمات «الجعة العراقية».

وقال سام ويتفيلد المتحدث باسم إدارة سلطة التحالف: إن زيارة إلى فناء خاص بقطع الخردة في مدينة «الرعوية» التي تبعد مسافة عشرة أميال عن عمان، وكذلك مدينة الزرقاء التي هي الأخرى منطقة تجارية حرة، تثير علامات استفهام قوية. وقال يوسف واخيان، العامل في فناء خاص بالخردة، إن ما بين 60 و100 شاحنة قدمت في يوم واحد من العراق، وإن هناك 50 غادرت مع حمولات من الخردة لبيعها إلى أماكن أخرى.

في العام 2003، صدرت تقارير كثيرة تشير إلى وقوع نهب واسع لخطوط التحويل الكهربائي ولقواعد عسكرية، إضافة إلى مثبتات عملاقة خاصة بمعدات حقول النفط، بين الأشياء المنهوبة الأخرى. ويؤكد تلك المعلومات المهندس محمد الداجه الذي يعمل مديراً تقنياً في مناطق التجارة الحرة. وقال المحلل السياسي الأردني لبيب قمحاوي: إن هناك الكثير من الحديث بين الأوساط التجارية عن وجود صفقات لـ«شحن أشياء جديدة تحت يافطة قطع الخردة». كما أن مسؤولا عسكريا أردنياً سابقاً قال: شاهدت دبابة روسية من نوع تي ـ55 كاملة مع رسوم تشير إلى أنها عراقية وكانت موضوعة فوق شاحنة بعد أن قطعت سبطانتها ووقفت تلك العربة أمام مصنع للفولاذ بالقرب من طريق عمان الموصل بالمطار التجاري الرئيسي.

وقال جون هامر، رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الواقع في واشنطن: «هناك عملية نهب هائلة تهدف إلى تجريد أي شيء يُعتقد أن له قيمة داخل العراق لنقله إلى الخارج. إنه سلب نظامي للبلد.

وظلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية المتمركزة في فيينا تراقب بإحكام صور الأقمار الصناعية الملتقطة لمئات من المواقع العسكرية والصناعية في العراق. وكانت نتائج تحليلها مريعة حسبما قال جاك باوت، مدير مكتب التحقق النووي في العراق التابع للوكالة الدولية، إن «أكثر من عشرة مبان ومجمعات قد اختفت بالكامل من الصور الملتقطة». وقال: «نحن نرى مواقع قد تمت إزالتها تماماً» ([68]).

ويذكر أن الحزبين الكرديين لعبا دوراً كبيراً في تدمير ونهب سلاح ومعدات الجيش العراقي وبيعها إلى دول الجوار ومنها إيران وتركيا. وفي الجانب الآخر كان الجلبي وقوات بدر وعلاوي، وغيرهم ممن أخرجوا ثروات العراق إلى إيران والكويت والأردن ومصر ودبي. وساهم الكثير من تجار العراق بهذا العمل الشنيع. كما أن أحد معامل الهند اشترى 250 ألف طن خردة وسكراب. وبيع الطن الواحد بما لا يتجاوز 40 دولاراً. وبأربعة آلاف دولاراً للطن من المكائن المتطورة وذات التقنية العالية، ومنها مكائن التصنيع العسكري البالغة الأهمية. كما أن السلعة التي قيمتها مليون دولار تباع بعشرة آلاف دولاراً أو اكثر بقليل. أما الطائرات فقُطِّعت وبيع الطن الواحد ما بين 700 إلى 900 دولاراً. والدبابة العراقية قُطِّعت إلى أربعة أجزاء سعر الطن الواحد بين 30 إلى 50 دولاراً([69]).

أما البنى التحتية الأخرى، التي تم تدميرها، فتشمل خطوط الكهرباء والاتصالات السلكية واللاسلكية وخطوط مياه الشرب والصرف الصحي. المراكز الصحية والتعليمية، ومحطات الري , والطرق والجسور والمباني والمصانع والمنشآت الحكومية والمرافق العامة والمخازن الكبيرة والمستودعات، حيث تمَّ حرق الكثير منها وتدميرها، والمختبرات الجامعية ومراكز الأبحاث العلمية ومختبراتها تم تدميرها بالقصف، ونهب المتبقي منها أو حرقه. وقد تم تدمير بنى الخدمات الأساسية وقطاعيْ الزراعة والصناعة كلياً, بالإضافة إلى تدمير كميات هائلة من الخزين الاستراتيجي من مختلف المعدات والأجهزة والمستلزمات اللازمة لديمومة الحياة اليومية للدولة والمجتمع بكل نواحيها([70]).

 

3-الأموال العراقية المنهوبة والمهدورة: وهي على أنواع، ومنها:

أ-أصدرت الإدارة الأميركية في العام 2003، في أثناء العمليات العسكرية، قراراً بوضع اليد على الأموال العراقية الموجودة في مختلف أنحاء العالم البالغ حجمها أكثر من 13 مليار دولار. والاستيلاء على الأموال العراقية الموجودة داخل الولايات المتحدة، البالغة أكثر من ثلاثة مليارات دولار، ومصادرتها. وأجازت الإدارة الأميركية لنفسها بالاستحواذ على الأموال العراقية المجمدة تباعاً. منها ما اعترف به بنك «يو بي إس»، ثاني أكبر بنوك سويسرا، في آذار 2003 عن قيامه بتحويل أرصدة عراقية لديه إلى الحكومة الأمريكية دون إذن من السلطات الرسمية. وكان قد سبق للبنك المركزي السويسري أن أعلن عن وجود أرصدة تعود للحكومة العراقية مسجلة في عدد من البنوك السويسرية.  ثم أفشت النيويورك تايميز في تشرين الأول من العام 2003 بأن الإدارة الأميركية تمكنت من مصادرة مليار و700 مليون دولار أخرى من الأرصدة العراقية.

ب-رصيد برنامج النفط مقابل الغذاء لغاية آذار 2003البالغة 21 مليار دولار.

ج-منذ الأسابيع الأولى للاحتلال جمعت القوات الأمريكية من القصور الرئاسية والمجمعات الخاصة عدداً من المليارات، بلغت حوالي 6 مليارات دولار، كما أنها استحوذت على ما قيمته 4 مليارات دولار أرصدة البنك المركزي العراقي وبقية المصارف العراقية من النقد الأجنبي. وقال الضابط الأميركي الذي كان ناطقاً باسم قوات التحالف في العراق الكولونيل تشارلز استوليت على مبالغ نقدية كبيرة وجدتها في القصور والمجمعات الرئاسية والدوائر الرسمية العراقية.

د-جمعت من الأموال العراقية المودعة في البنوك العربية والأجنبية ما مجموعه ملياريْ دولاراً تقريباً([71]). ولكي تغطي جريمتها وتمحو آثارها، استحوذت إدارة الاحتلال والمتعاونون معها على كل الوثائق الرسمية والحسابات التفصيلية الخاصة بالالتزامات المالية للدولة العراقية (الموجودات والأصول والمطلوبات والمستحقات). ولابد من التنويه إلى اعتراف المحققين في مكتب المحاسبة العامة الأميركي، الثلاثين من نيسان/ أبريل 2004،  بأنه كانت هناك حوالي 58 مليار دولار من مصادر مختلفة متاحة للعراق لاستخدامها في إعادة إعماره. فأين ذهبت تلك الأموال؟

الحقيقة أنها نُهبت وسُرقت وذهبت إلى جيوب المسؤولين الأميركيين وعملائهم، وتلك بعض المعلومات عن الحقيقة:

كشفت القاضية العراقية، زكية إسماعيل حقي، المفتش العام في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، عن اختلاسات وتلاعب مالي كبير قام بها المستشار الأمريكي السابق في وزارة العمل العراقية روبرت كروس. كان المستشار الأمريكي يمارس الكثير من الخروقات والتجاوزات المالية والقانونية ويضع موظفي الوزارة تحت طائلة الفصل والطرد عند اعتراضهم على أية حالة تجاوز، فضلاً عن تجاوزه جميع التعليمات الصادرة من الجهات الأمريكية والعراقية([72]).

-في رسالة بعث بها السيد ديل ستوفل، وهو أحد المسؤولين في مكتب التعاقدات الأميركي الخاص بإعمار العراق، إلى الجنرال ديفيد بتراوس بتاريخ 30 تشرين الثاني من عام 2004 قال بالنص «لو أننا استمرينا في السير في الطريق ذاته الذي نسير عليه الآن فإني مقتنع تماماً بأننا سوف ندخل في دوامة اتهامات قضائية تقودنا جميعًا إلى السجن»([73]).

اتَّهم المفتش العام المكلف بأمور إعادة إعمار العراق الولايات المتحدة بأنها تعاملت بأسلوب يتسم بالإهمال و الغش مع بعض الأموال العراقية المستخدمة في إعادة البناء. وخلصت مراجعتان حسابيتان أجراهما المفتش الخاص الأمريكي في إعادة الإعمار بالعراق أوجه قصور في الطريقة التي أبرم بها المسئولون في الحكومة وجيش الاحتلال الأمريكي العقود التي دفعت أموالها من صندوق تنمية العراق وهي أموال عراقية استولت عليها الولايات المتحدة بعد الاحتلال في العام 2003. وشملت أوجه القصور عقوداً دُفعت قيمتها مرتين في بعض الأحيان، وملفات فقدت، وأموالاً دُفعت، ولم يعرف أين ذهبت، وأدلة ضئيلة على أن البضائع والخدمات قُدمت. وانتقد تقرير آخر منفصل ما وصفه بالطريقة الغامضة التي صرف بها نحو ثمانية عشر مليار دولار من الأموال المحصلة من دافعي الضرائب الأمريكيين والموجهة لإعادة الإعمار. وكانت مهمة صرف تلك الأموال من صلاحيات سلطة الاحتلال الأمريكي، وأنيطت في وقت لاحق بالسفارة الأمريكية في العراق([74]).

زياد القطان(*)وجدت المخابرات الدولية الأمريكية في حسابه مائة مليون دولار. ومعه بدأت قصة أكبر سرقة في تأريخ العراق الحديث. كانت ميزانية وزارة الدفاع العراقية كلها تحت تصرفه، جاء من بولندا أو ألمانيا مفلساً ليصبح في ظرف أشهر قليلة من أغنى أغنياء العراق أو لنقل (البولنديين). إستعمل علاقات زوجته مع الشركات البولندية ليشتري طائرات هلكوبتر رديئة جداً للجيش العراقي بدل طائرات أم آي 17 المتفق عليها([75]).

-كشفت هيئة الاستشارات والرقابة الدولية التي تم تشكيلها طبقاً لقرار مجلس الأمن 1483 الصادر في 22/5/2003 عن وقائع مهمة عن هدر أموال «صندوق التنمية العراقي» المودعة فيه إبان عهد بول بريمر. كانت تقدر بـ«20 مليارا و200 مليون دولار»، منها 11 ملياراً من عائدات النفط العراقي، وسبع من الأموال التي نقلت من حساب برنامج النفط مقابل الغذاء. قام بريمر في يومي 25 و28 حزيران من العام 2004، بتوزيع عدد منها قبل مغادرته العراق فكانت حصة حزبيْ الطلباني والبارزاني ملياراً و800 مليون دولار من فئة 100 دولار. وقد أكدت ذلك هيئة الإذاعة البريطانية. في حين أن صحيفة (الفاينانشيال تايمز) ذكرت أن تلك الأموال مودعة في بنك كردي مجهول في جنيف، وتم التفاوض مع شركة أميركية لتمثل «الحزب الديمقراطي الكردستاني» في واشنطن لتوظيفها في البنوك السويسرية. وهذه قد أسسها اثنان من مساعدي الرئيس بوش، والرئيس السابق لمستشاري البيت الأبيض حول العراق.

ب- انتقدت وكالة الرقابة المالية، التابعة للأمم المتحدة، سلطة الاحتلال بأن الطريقة التي أنفقت بها عائدات النفط العراقي كانت عرضة لأعمال النصب والاحتيال.

-جاء في تقرير صادر عن «منظمة مراقبة إيرادات العراق» في نيويورك ، وهي مكلفة بمراقبة الشئون المالية للبلاد، أن المخالفات المحاسبية ونقص الإشراف على العقود كانت أمراً اعتياديا في ظل سلطة الاحتلال.

-كشفت «منظمة كرستيان ايد» البريطانية أن بريمر سرق 4 مليارات. في حين أن شركة المحاسبة «كيه. بي. أم. جيه»، التي اضطلعت بمسئولية تدقيق حسابات صندوق التنمية، شددت على أن كثيراً من العقود التي أبرمت لم يطلع عليها «مجلس الحكم المنحل». ومن بين ما أوردته أن هناك 4 مليارات و600 مليون دولار رصدت لالتزامات معلقة ولم يتم التعرف على تلك الالتزامات .وأيدت هيئة الإذاعة البريطانية ما ذهبت إليه «منظمة كريستيان ايد»، وقال أحد المشاركين في التحقيق الذي أجرته الإذاعة: إنه قياساً على عمليات السرقة والفساد والنهب التي أعقبت الاحتلال فإن إعادة إعماره تنذر بأن تكون من أكبر فضائح الفساد في التاريخ.

-اتهم محمد بحر العلوم، عضو مجلس الحكم المنحل، بول بريمر بممارسة عمليات احتيال وهدر للمال العام العراقي، «داعياً الحكومة الحالية إلى التدقيق في مجمل مداخيل صندوق التنمية العراقي الذي أنشئ بموجب قرار مجلس الأمن الرقم 1483». ثم كشف ابنه إبراهيم بحر العلوم عن سرقات أمريكية وعمليات نهب منظم لأموال العراق جرت بشكل سري وتحت أغطية رسمية وغير مشروعة قادها الحاكم المدني السابق بول بريمر.

-كشف تقرير أعده المفتش العام لإعادة الإعمار في العراق الحقوقي ستيوارت باون أمثلة كثيرة من الفساد والاختلاس منها أنها قامت بدفع مبالغ على لائحة بالنفقات تضم أسماء 8206 لأشخاص غير موجودين أو غير حقيقيين ، وإضافة إلى ذلك وقعت عقوداً بملايين الدولارات في غياب أي وثائق أو آليات أصولية لتك العقود مما يشير إلى وقوع عمليات اختلاس وسرقة .

-إحالة مناقصة إعمار الهياكل الارتكازية إلى «شركة هاليبرتن» بمبلغ مليار ونصف المليار دولار دفعت مرة واحدة إلى هذه الشركة قبل حتى البدء بالتنفيذ.

-أمر المستشار الأميركي لوزارة النفط العراقية بصرف مبلغ مليون و600 ألف دولار لمقاولة لم يتم العثور على أي معلومات عنها.

-دفع بريمر مبلغ 10 ملايين دولار لكنعان مكية، أميركي من أصل عراقي، ادعى أنه سيبني «متحف ضحايا صدام حسين»، وسلم له المبلغ وطار هو ومشروعه والأموال عائداً إلى مكان إقامته في الولايات المتحدة الأميركية من دون أن يقدم شيئاً يذكر.

-مع الأخذ بالاعتبار أن التصدير النفط خارج إطار برنامج النفط مقابل الغذاء، التي تتراوح ما بين 100 إلى 200 ألف برميل يومياً تتم في إطار صلاحيات وزير النفط وبإشراف مباشر من الرئاسة([76]).

قالت وكالة الشفافية الدولية في تقريرها الذي ركز على مشكلة الرشوة والفساد في صناعة البناء والإعمار: إن عملية إعادة الإعمار في العراق مهددة بأن تتحول إلى أكبر فضيحة فساد في العالم ما لم تتخذ إجراءات عاجلة، فإن العراق لن تصبح منارة الديمقراطية الساطعة التي تتخيلها إدارة بوش. إن الحاجة الملحة لتمويل البناء في فترة ما بعد الحرب تزيد من أهمية فرض شفافية صارمة بالنسبة لجميع العقود للمشتريات، وإنه ما لم تتوفر التدابير الصارمة المضادة للرشوة، فأن تحويل الموارد إلى الصفوة الفاسدة وإهدارها سيقوض جهود الإعمار في العراق([77])

 

4-المافيا وتهريب النفط العراقي: أشارت جمعية خبراء النفط إلى انتشار ظاهرة المافيا التي دخلت العراق مع الاحتلال، أو أنها قد تشكلت لهذا الغرض للقيام بأعمال تهريب النفط الخام والمنتجات النفطية. وكانت تقوم بعملها في خضم العمليات العسكرية. وتسير الشاحنات المحملة بالنفط باتجاه الكويت على طريق مليئة بالآليات والعجلات العسكرية الأميركية الداخلة إلى العراق. كما أن مافيا التهريب اخترعت طرقاً أخرى لسرقة النفط الخام بوضع محطة ضخ على خطوط أنابيب النفط الخام قرب جسر الزبير على شط البصرة، كي تتمكن المراكب الصغيرة من تحميل النفط ونقله إلى ناقلات أكبر رست خارج خور الزبير، علماً بان الممرات المائية لخور الزبير وشط البصرة كانت تحت سيطرة القوات البريطانية. كما أشارت في تقريرها بأن المنتجات النفطية في الجنوب كانت تهرب بمراكب صغيرة محملة (500-1000 طن)، ثم تتنقل إلى الدول الخليجية وإيران، وعبر الحدود الأردنية، والحدود السورية، والمنطقة الشمالية للعراق.

وقد أعلن تامر الغضبان، المشرف على وزارة النفط العراقية، أن سلطات الاحتلال باشرت بعملية تصدير ما مقداره 700 ألف برميل من النفط الخام يومياً من الجنوب. كما صدَّرت، منذ حزيران 2003، كميات النفط العراقية المخزونة، في المنشآت النفطية الجنوبية، التي كانت معدة للتصدير قبل الاحتلال، والبالغة 8 ملايين برميل. وصدَّرت، في تموز 2004، عبر مرفأ جيهان التركي، عشرة ملايين برميل. وبحساب بسيط لعائدات النفط، منذ نهاية حزيران 2003،  ولغاية نهاية كانون الأول 2004، تكون بحدود 40 مليار دولار. وإذا احتسبت الطفرات المتتالية للأسعار في خلال تلك فإن العائدات ستزيد عن الـ 50 مليار دولار([78]).

وتبيَّن بشهادة مدققي حسابات انتدبتهم الأمم المتحدة، أن العراق هو البلد الوحيد المنتج للنفط في العالم الذي لم تستخدم فيه سلطات الاحتلال عدادات لقياس كميات النفط المستخرجة والمصدرة وتسجيلها. ولفت التحقيق إلى أن غياب العدادات كان الطريقة التي اختفى بها الجزء الأكبر من الأموال العراقية. يضاف إلى هذا أن عوائد النفط العراقي لا توضع في صندوق تنمية العراق، ما يشكل خرقاً لقرارات الأمم المتحدة([79]).

 

5-التلاعب بأموال إعادة الإعمار: كان أول عمل قام به جاي غارنر، الرئيس السابق للإدارة المدنية الأمريكية، بعد احتلال بغداد، هو تشكيل هيئة استشارية للقطاع النفطي يترأسها الأميركي فيليب كارول، ونائب رئيسها العراقي فاضل عثمان، على أنها المسؤولة عن موضوع النفط استخراجاً وإنتاجاً وتسويقاً. واستولت اللجنة على كل الملفات  الخاصة بذلك ونقلتها إلى مقر الإدارة المدنية الأمريكية. وأعلنت سلطة الاحتلال في نهاية أيار/ مايو 2003 أنها أسست «صندوق تنمية العراق» بهدف استخدام أموال النفط في إعمار العراق وتُودَع عائداته فيه تحت إشراف سلطة الاحتلال. وهذا الصندوق يختلف عن الصندوق الذي أقرت الأمم المتحدة إنشاءه لإدارة أموال إعادة الإعمار([80]).

تكثر السرقات وتتكاثر لجان التحقيق، وكشف تقرير أعده ستيوارت بوين المفتش العام لسلطة الاحتلال السابقة، ونشرته صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأمريكية أن السلطات الأمريكية تجري ‏تحقيقات بشأن عمليات فساد واحتيال وسوء استخدام أموال إعادة الإعمار في العراق‏.‏ وأوضح أن المراجعة الشاملة لعمليات الوكالة التي رأستها الولايات المتحدة وأشرفت على إعادة الإعمار قدمت الدليل على أن ملايين الدولارات تم اختلاسها وإساءة استخدامها وتبديدها‏.‏ وأن المسئولين الأمريكيين تلاعبوا بأموال عقود الإعمار أو أساءوا إنفاقها‏,‏ بالإضافة إلى عدم القدرة على معرفة مصير ملايين الدولارات التي تم إنفاقها على شراء معدات‏.‏ ومنها تلاعب مستشار أمريكي بارز في نظام التعاقد لمنح عقد أمني قيمته ‏7,2‏ مليون دولار لإحدى الشركات‏,‏ كما طالب أحد المتعاقدين بنحو ‏3,3‏ مليون دولار كأجور العمال في عقد لإصلاح خط أنابيب بترول‏,‏ لكن هؤلاء العمال لم يكونوا موجودين. وأعلن المتحدث باسم المفتش العام أنه تم تحويل ‏35‏ حالة انتهاك إلى وكالات حكومية أخرى لإجراء مزيد من التحقيقات فيها‏,‏ وذلك بالإضافة إلى التحقيقات الجنائية الـ‏27‏ والتي تجري بواسطة المفتش بوين([81]).

واتهم عضو مجلس الشيوخ السناتور هاري ريد الرئيس الأميركي جورج بوش بعدم القدرة على إدارة الأمور بشكل صحيح في العراق، والسماح لعملية إعادة الإعمار بالغوص في حالة من الفوضى، بعد عامين من احتلاله. وأفاد شهود في جلسات استماع لمناقشة الفساد العام أثناء تولي سلطة التحالف المؤقتة برئاسة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر أن أكياساً مليئة برزم من الأموال كانت توزع وتلقى ككرة القدم. واتهموا سلطة التحالف بتخزين ملايين الدولارات في سرداب تابع لمقرها وتغاضى قسم المحاسبة عنها. وكان تقرير نشره المفتش العام على عملية إعادة الإعمار، ستيوارت براون، في شهر كانون الثاني/ يناير 2005، حمَّل سلطة التحالف مسؤولية اختفاء حوالي تسعة مليارات دولار واتهمها بالفساد والتورط في دفع رواتب لعاملين غير موجودين والموافقة على عقود تقدر بملايين الدولارات دون إشراف محاسبي.

إلى ذلك، واجهت الإدارة الأميركية اتهامات بأنها أعاقت ملاحقات قضائية ضد شركة «كاستر باتلز» الأميركية المتهمة بالتزوير والنصب في العراق. وقال محام يمثل موظفين قدامى في الشركة إن الحكومة الأميركية خسرت عشرات الملايين من الدولارات حصلت عليها الشركة لمدة عام كامل بغير وجه حق، ولم تقم الإدارة بشيء لاستعادتها. واستطرد أن «كاستر باتلز» وقعت عقوداً قيمتها 100 مليون دولار مع السلطات الأميركية([82])·

وجَّه تقرير لهيئة مكلفة من الأمم المتحدة اتهامات مباشرة بالفساد أو الرشوة أو سوء الاستخدام لعائدات النفط، ولاحظ أن الوزارات العراقية والوكالات الأميركية منحت عقوداً لشركات من دون مناقصة بلغت حوالي 100 مليون دولار(*)، واستنتج التقرير أن كل حسابات الحكومة المؤقتة كانت غير كاملة وأن وزارات الحكومة كانت تنفق عائدات النفط بطريقة غير ملائمة، وأحياناً تمنح عقوداً من عائدات النفط بطريقة غير معهودة وأنها تفشل في متابعة المشاريع التي مولتها لضمان استكمالها([83]).

إن الأمور في العراق تزداد كل يوم شذوذاً ودناءة. وإن محاباة الأصدقاء عامل حقيقي في الشأن العراقي منذ البداية، فإعادة الإعمار ليست فقط أكثر تكلفة مما ينبغي أن تكون، بل إن تلك المحاباة تُعطى العقود كجوائز للأصدقاء. فقد أُعطي عقد ضخم لهيلبرتون، وهي الشركة التي جعلت من ديك تشيني رجلاً غنياً.  وأحد أسباب تأخر عودة التيار الكهربائي هو أن الأميركيين استبعدوا الخبراء العراقيين والمؤسسات العراقية، وعوضاً عن ذلك أُعطي العقد لشركة بكتل؛ التي تربطها علاقات جيدة بالجمهوريين. والشركة القانونية، التي كان يعمل فيها دوغلاس فيث مساعد وزير الدفاع، حصلت على عقد. وكذلك شركة فيها جو ألبو، منظم المعركة الانتخابية لبوش وتشيني عام 2000. ثم هناك باب يرعاه سالم الجلبي المعروف([84]).

كشف تحقيق أجرته «هيئة الإذاعة البريطانية»، حقائق عن نهب ما يزيد على 20 مليار دولار من ثروة العراق وثلاثة مليارات من أموال الضرائب الأمريكية بددت سرقة ونهباً ورشوة. وقد شارك وتواطأ بالسرقة كل من قوات الاحتلال الأمريكي وعدد من الشركات الأمريكية، خصوصاً في الفترة التي سبقت حل مجلس الحكم العراقي([85]).

ووجد مدققو حسابات من الحكومة الأمريكية أن 8.8 مليار دولار «مفقودة»، ولا توجد سجلات حسابات تشير إلى أوجه صرفها أو إلى الجهات التي تلقتها أو أخذتها.  وكشف الكولونيل تشارلز كرون، الناطق باسم قوات الاحتلال، التي كانت مسئولة عن ثروة العراق النفطية، أنها استولت على مبالغ نقدية كبيرة منها مبلغ واحد يتراوح بين 700 مليون و800 مليون دولار كانت ملكاً للحكومة العراقية قبل الاحتلال، ربما أعطيت للقادة (العسكريين) ليصرفوها في مناطق قيادتهم بحرية.

ويذكر أن قوات الاحتلال نقلت، بأمر من «مجلس الحكم المؤقت»، في صيف 2004 مبلغ 1.4 مليار دولار من بغداد إلى الحكومة الكردية الإقليمية في أربيل في شمال العراق وأن مصير هذا المبلغ بات لغزاً([86]).

-أشارت صحيفة (بالتيمور صن) الأمريكية إلى التقرير الذي أصدره ستيوارت بوين المفتش العام على برامج «إعادة إعمار العراق»: إن مشروعات إعادة الإعمار وبرامج الإشراف عليها تعاني من الإدارة السيئة وضعف فعاليتها([87]).

-واجهت الإدارة الأميركية اتهامات بأنها أعاقت ملاحقات قضائية بحق شركة (كاستر باتلز) المتهمة بالتزوير والنصب في العراق([88]).

كشفت القاضية العراقية، زكية إسماعيل حقي، المفتش العام في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، عن اختلاسات وتلاعب مالي كبير قام بها المستشار الأمريكي السابق في وزارة العمل العراقية روبرت كروس([89]).

 

6-نهب أملاك الدولة العقارية:

شملت أعمال النهب القصور والممتلكات الأخرى، التي كانت لحزب البعث الحاكم، ومنها القصور الرئاسية، ووزعت بقرار من جهة غير معلومة على أفراد «النخبة» العراقية الجديدة ونهبت عشرات السيارات من دون أن يعرف أحد بما جرى لها([90]). ومن الوثائق التي حصلت عليها بعض الأوساط وثيقة صادرة عن رئيس مجلس وزراء الحكومة المعيَّنة بعد الثلاثين من حزيران/ يونيو 2004، تكشف عن بيع عقارات للدولة إلى مؤسسات خاصة بثمن بخس([91]).

 

7-حماية رؤوس العملاء تستنزف ميزانية لقمة المواطن العراقي:

كشف مسؤول في حزب المؤتمر الوطني الذي يتزعَّمه أحمد الجلبي أن كلفة حماية المسؤولين العراقيين تبلغ سبعة مليارات دولار في السنة الواحدة. وقال انتفاض قنبر الناطق باسم حزب الجلبي إن 20 مليون دولار تُدفع يومياً لأفراد حمايات المسؤولين العراقيين.. مشيراً إلى أن هذه المبالغ تُدفع لشركات أجنبية متخصصة بتوفير الخدمات الأمنية لمسؤولي الحكومة العراقية، وقد تمَّ استقدام هذه الشركات من أمريكا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأن عدد أفراد هذه الشركة يبلغ حوالي 20 ألف عنصر. وتخصص الحكومة العراقية لكل موظف كبير طاقماً من الحماية يتناسب مع موقعه الوظيفي، حيث يشمل كل من يشغل منصب مدير عام صعوداً بنظام الحماية باعتبار أن جميع هذه المستويات الوظيفية مستهدفة. أما من خرج مفلساً من العملية السياسية، أو من أُعفي من منصبه، فغادر من حيث أتى آخذاً معه حصته من ثروة العراق عل