الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة)

في المؤامرة على العراق

شبكة البصرة

د. صباح محمد سعيد الراوي

الفصل الخامس من الجزء الثاني عشر

خطابات للرئيس صدام

ملحق (2)

 

18/1/1998

بسم الله الرحمن الرحيم

((ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشر الصابرين)) صدق الله العظيم

 

يا أبناء شعبنا العظيم..

أيها النشامى في قواتنا المسلحة الباسلة..

يا أبناء أمتنا العربية المجيدة..

أيها الغيارى والأصدقاء أينما كنتم..

السلام عليكم.. ورحمة الله وبركاته

 

عندما قرر سيدنا ابراهيم، أبو الأنبياء، عليه السلام، وهو الجد الأكبر لسيدنا الرسول الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، أن ينتقل من العراق، الذي ولد وعاش فيه، هو وأهله، ليجوب أصقاعا أخرى من أصقاع الوطن العربي، بأمر الله، ليبشر بدعوته إلى التوحيد والإيمان، التي بدأها أساسا في العراق، بسم الله الرحمن الرحيم ((وابراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون)) صدق الله العظيم.. نقول ما كان سيدنا ابراهيم يحمل بيده يوم ذاك، لمواجهة مفاجآت الطريق، ومواجهة من يريد به سوءا،مقاومة لدعوته غير عصا، يهّوم بها على ذئب، أو كلب يهم به، ليؤذيه، وهكذا هو شأن الأنبياء والرسل، والمصلحين الكبار عبر الزمن الأزلي، منذ أن خلق الله، سبحانه، الأكوان، ومن عليها، وأوحى بأهمية التوحيد والإيمان في العلاقة بين الخالق والمخلوق، وبين ما ينبغي من همة تخلقها الروح، في المسعى، في ارض الله الواسعة، وفي خلق الحياة الجديدة، ومستلزماتها، لمواجهة عوامل الطبيعة، والمخلوقات الهائمة، وعوامل الارتقاء بها، وبالإنسان، إلى ما يبقي التطور مستمرا على قاعدته الصحيحة.

 

وهذا هو ما تعلمناه وعرفناه مذ كنا طلاباً، وشب عليه وعينا وإيماننا، حتى صار، هو وكل المعاني العالية، وإرهاصات ومعاني الإيمان العميق، يشكل أساس خلفية تفكيرنا، وفي صميم مكونات عقيدتنا البعثية، في النظرة إلى، وفي، خلق الحياة الجديدة، ومواجهة التحديات، التي تعترض سبيل الحق فيه.. وهذه هي الخلفية الحاضرة المتوقدة، قدرة وتأثيراً، في عقل، وفكر العراقيين، بل، وحتى في خلفية عقول وضمائر كل العرب، كل بقدر إيمانه ووعيه، وهمة الإيمان، التي تشكل بناءه النفسي.. وعلى أساس هذا الإيمان، واجهنا، وقاومنا شروط الإذعان، التي أطلقها طاغوت أواخر القرن العشرين، ودعوته العراق إلى الاستسلام أمام جبروته وغطرسته، ظانا أن هذا ممكن، لمجرد التلويح باستخدام القوة الغاشمة، التي يملكها، بعد أن أخضع استنتاجاته إلى تفاصيل مهلكة لضمير وتفكير جفّــا، وتيبسا، في مفاهيم المقارنة على أساس مفردات القوة، وفق النظرة المادية اليها، والتي تحجب إمكانية أن يستذكر المسؤولون، في تلك الدولة الغاشمة بقوتها، ومجانبتها للحق، خلفيات التفكير والمواقف، وقبل ذلك، التكوين التأريخي، والأساس الروحي والحضاري، للعراق المجاهد العظيم، ولامتنا العربية المجيدة كلها... ولإرث ثورة 17 - 30 تموز المجيدة..

ومن هذا، جعل الله أعداء العراق، وأمة العرب، يرونهما بعين مستصغرة، وجعل العراق يرى أعداءه قلة، بإرادته سبحانه، رغم كثرتهم.

 

بسم الله الرحمن الرحيم ((وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا، ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وإلى الله ترجع الأمور)).. صدق الله العظيم... فكان الرفض العراقي لشروط الإذعان والاستسـلام مدويا في الآفاق، وارتفعت، على ساريتها، راية الجهاد، راية (الله اكبر)، وابتدأت المنازلة على طرفيها، بعصا نهّوم بها، أو نضرب من يتقرب من حمانا، من كلاب العدوان، رغم أن بعضها مسلح بأسنان نووية.. وهكذا كان، ومن اجل معاني الموقف، والوقفة العظيمة لجيش العراق الباسل، والشعب العظيم، واستذكارا لكل معاني الشهادة في حومتها، نستذكر الآن، وتستذكر، ولا تنسى، أجيال العروبة، والعراق، من بعد ذلك، هذه المعاني أيضا، ويعيشون على أساسها، لتكون الهمة، والفعل، أعلى وأرقى، كلما واجههم ظلم وظالم، وطاغية وطاغوت، ليبقى الإيمان عامرا في الصدور، وتبقى الضمائر قادرة على تحسس مكان، ومواطن، ومسارات، وأهداف الحق من الباطل..

 

والله اكبر..

أيها الشعب العظيم..

أيها النشامى في قواتنا المسلحة الباسلة..

يا أبناء أمتنا العربية المجيدة..

أيها الأصدقاء في العالم..

 

اليوم هو السابع عشر من كانون الثاني، وفي مثل هذا اليوم وفي تمام الساعة الثانية والنصف فجرا منذ سبع سنوات مضت.. ورط الشيطان أمريكا، وغيرها ممن تورط معها، بعد أن أزّل أقدامهم عن صراط الله المستقيم، فوجه ثمانية وعشرون جيشا، بقيادة الطاغوت الأمريكي، نيابة عن أكثر من ثلاثين دولة، كانت قد ائتلفت على العدوان، قذائف الحقد، والضغينة، والسوء، والهوى على بغداد الفضيلة، والتأريخ العظيم، والمجد، بغداد الغرة الفارقة، في الموقف والصفة، في أمة العرب.. أمة المجد والفضيلة.. والصفة الفارقة، حيث اختار لها الله، وللعراق كله، ما شاء من دور ورسالات، تكريما، وتشريفا ولأعمال صفاتها وصفات العراق الذي هي عاصمته، في خدمة الإنسانية المعذبة، على مر العصور، من طواغيت العصور المتعاقبة، والشياطين الغواة في مسارهم إلى جهنم.. ومنذ ان تساقطت قنابل وصواريخ الشر على بغداد، وعلى كل عراق الجهاد والموقف، في ذلك اليوم الكانوني صار هذا اليوم غرة مجد إضافي وعظيم في جبين بغداد الرشيد، والمنصور، والبعث العظيم، وفي العراق المجاهد، أيضا، من أقصاه إلى أقصاه، وازدادت الغرة بهاء وإشعاعا، عندما صمد لها العراقيون الاماجد، والعراقيات الماجدات، حاملين راية الجهاد الكبيرة، راية (الله اكبر)، تتقدم، وترتفع عاليا، فوق هامات جحافل الموقف والجهاد.. ومنذ ذلك اليوم، وعلى الطرف الآخر، صار هذا اليوم لطخة عار وشنار إضافية، في وجوه من جعلوه يوم عار لهم، وصار المسؤولون الأمريكيون، مع تقادم الزمن، وثبات العراقيين على قاعدة إيمانهم ومبادئهم، شهودا، تسند حجتهم، بالإضافة إلى الموقف المشرف لهم، ألوف من مفردات شاهدة على عار وخسة موقف ذلك الطرف.. أقول: صار المسؤولون هناك، كلما نظروا إلى وجوههم في مرآة الحقيقة والإنصاف، وجدوها مليئة بالجذام المقزز، جذام ليس ببلوى مؤقتة يمكن أن تبرأ بالعلاج فيما بعد، وإنما هو جذام موقف السوء، المصمم مع سبق الإصرار، ليحقق نتيجة وهمية، حتى انتشر الجذام من الوجه إلى أجزاء الجسم الأخرى، مع ازدياد التعنت، والضغينة، والهوى لإيذاء شعب العراق البطل، وجيش الأمة الأمين، وراح برهان الله يظهر على سائر أجزاء الجسم، كلما هبت ريح تكشف عورة من نوى كشفها في ذلك اليوم، بإصراره على الموقف والحال، وعدم إصلاحهما، وتقف في مقدمة رهط الخائبين، والمدّلسين، أمريكا الشر المستطير، في هذا العصر، ضد الشعوب والأمم.

 

أيها الاخوة..

 

وفي هذا اليوم السابع عشر من كانون الثاني، قبل سبع سنوات، كان العالم مشغولا بحفلة زفاف أمريكا، لتتوج في مكان أسموه قمة الصعود، بعد أن أفلت نجوم، ومّزقت بيارق منافسيها الأساسيين، الذين كانوا يمنعون عليها التسلق، أو التسلل، إلى حيث أرادت، أو ظنت أنها وصلته.. وبينما كان المسؤول الأمريكي يهم من هناك، من ذلك المكان، بأن يعلن انه اصبح ملك العالم بلا منازع، أو معترض، وان على الجميع ان ينحنوا له راكعين، صاغرين، غير معترضين على التتويج، ولا على أي موقف يتخذ في واشنطن... هناك، وبينما كان شهود الزور والخدم يهمون بأن يضعوا التاج المطلق، الذي نقشت عليه أسماء الغالبية العظمى من دول العالم، عدا استثناءين أو ثلاثة خجولة تدمدم، مع نفسها، بموقف غير راض، ولكنه ليس مجلجلا في صوته في الآفاق، ولا ثابتا في ما يرفض بصورة مطلقة.

 

في ذلك الوقت، وحيث استصغر الطاغوت كل شئ، هب على بغداد عبق نسمة الذكرى العطرة، للأنبياء، الذين ولدوا في عراقها الأشم، وحملوا معاني الرسالات، والوحي العظيم، وكبر الإيمان وعظم في صدور فتيان بغداد، ورجالها، وماجداتها، وهم يستعيدون هذا السفر الروحي والحضاري الخالد فاستعادوا ذكرى سيدنا ابراهيم، عليه السلام، بسم الله الرحمن الرحيم ((يا نار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم)) وهو لا يحمل ألا عصا، إلى جانب دعوته بأمر الله، لينقل الى ارض فرعون وشعبها تلك الدعوة إلى الإيمان بالواحد الأحد، غير خائف، ولا وجل من الفارق في القدرات المادية.. وتذكروا عصا موسى، عليه السلام، التي جعل الله منها برهانا بوجه فرعون زمانه.. وتذكروا عصا السيد المسيح، عليه السلام، التي لم يستخدمها على أحد قط.. وتذكروا عهد صاحب العهد، والموقف، والجهاد الكبير، محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه، وكيف واجه أباطرة وأكاسرة زمانه، وكيف دحرت جيوش المسلمين صروح تلكم الإمبراطوريات، لتقيم العدل بعد أن ألحقت الهزيمة بكل باطل..

 

تذكر أهل العراق كل هذا، بعد أن اصطف الجمعان على طرفي موقفهما، ليرغم العراق، واهـــمين، على أن يقول (نعم) مع القائلين بها، ليتوج مسؤول الشر الأمريكي ملكاً للجهات الأربع، من غير اعتراض، وقد بلغت القلوب الحناجر في صدور من خافوا، بسم الله الرحمن الرحيم ((إذ جاءوكم من فوقكم ومن اسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا)) صدق الله العظيم.. وهنا، في بغداد، وعلى ساحة المنازلة، في العراق الأشم كله، ارتفعت حميّة الإيمان والموقف بوجه الخوف من الطاغوت، وقال العراقيون كلهم بصوت واحد : ( لا ) ودوت، مع الـ (لا) العراقية اليعربية قذائف الشر، وتقاطرت سفنهم، وبوارجهم، وطراداتهم، وتقاطرت معها، أفاعي وغربان الشؤم من طائراتهم وصواريخهم وبعدها جيوشهم البرية، لتضرب كل شئ حي وما يسنده، وكان دوي الـ ( لا ) العراقية اليعربية اقوى من كل أسلحتهم، بأذن الله، فتدحرج في مهبها، وصداها المدوي في بقاع الأرض، بعد ان هوى من بين أيدي المغلوب على أمرهم، هناك، عند منصة التتويج، تاج الملك المطلق، الذي ظنوه محققا لا محالة، فأنحدر إلى الحضيض، وتلطخ بعارهم، وبقي الملك لله وحده، بسم الله الرحمن الرحيم ((تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير)) صدق الله العظيم.. وانفض المدعوون، المجبرون على حضور التتويج المّزور، وبشهادة أعدت بتواقيع مزّورة، أو مرغمة، أو طائعة على غير هدى.. لأن الله لا يقبل بأن يسود الطاغوت العالم.. ولم يكن ليسمح بهذا على مر العصور.. ومع تدحرج التاج، بدأ كرسي الملك يتدحرج مع كل يوم يمر، محملا بموقف عنت، أو شر، ضد بغداد.. ومع هذا، بدأ الموقف، وراية ( الله اكبر ) يريان من ابعد جزء من العالم، ويحظيان بالتقدير والاحترام، وعلى نطاق واسع، بالمحبة أيضا، بعد أن أراد الله لهما الإبلاغ، والثبات على الفضيلة، والإيمان.. ومن خلاصة هذه المعاني، أيها الاخوة، تعرف جوانب أساس من أسباب الموقف العدواني الثلاثيني على العراق، وعلى فهم خلاصة هذه المعاني، وأمور أخرى، يفهم لماذا، وكيف قال العراق (لا)، وصمد، وقاوم، وانتصر، ومنها الرسالة الشماء، التي بعث بها العراق في يوم الشعب، في شهر تشرين الثاني من عام 1997، ذلك اليوم الذي توج أياما قبله، ليظهر للعالم كل ما حاولت أمريكا إخفاءه، وليكشف جانبا كبيراً من التضليل الذي اعتمدته وسائلها وأعوانها أمام دول، وربما ناس ظلوا تائهين عن الحقيقة، أو حاولوا أن يصوروا لهم الأمور على غير حقيقتها.. فتحية إلى يوم الشعب ذاك، وإلى رواده، وإلى الشعب العظيم، صانعه بالصبر، والجلد، والوعي، والتصدي..

 

والله اكبر.

أيها الاخوة العرب..

 

في خطابنا في تموز الماضي، من عام 1997، وفي سلسلة الكلمات والتصريحات الصادرة عن القيادة، وعن كبار المسؤولين في العراق، وردت دعوات متكررة ومتواترة عن أهمية التضامن العربي الرسمي، لمواجهة متطلبات ما ينبغي في البناء، ومواجهة الطمع الأجنبي والعدوان، وقد وجدت هذه الدعوة الكريمة صدى طيبا في نفوس وتصريحات بعض العرب، ممن يعرفون العراق وقيادته معرفة كافية.. وربما ظن قلة أن هذه الدعوة تنطلق من شعور بالضعف، او خوف وقلق من المستقبل على العراق وحده.. ولكي نزيل الغشاوة عن عيون من أصيب بها، نحب أن نقول: إن هذه الدعوة الكريمة والمسؤولة ما كانت لتذكر بهذا التواتر والوضوح في الأعوام 1991، و1992 و1993 و1994 و1995، ذلك لأن القيادة ما كانت لتريد أن تطلق دعوة كهذه في تلك الأعوام، اذ قد يتوهم من يتوهم في أسبابها ومراميها، سواء كان عربياً أو أجنبياً، ولكن عندما مرت على بدء العدوان والعدوانية مدة تقارب السبع سنوات، ذلك العدوان الذي استخدم في ساحات المنازلة كل ما هو معروف من وسائل، وإمكانات، وأسلحة، فشلت كلها في أن تنال من الموقف المبدئي للعراق، ومن وطنيته الصادقة، وقوميته المؤمنة، الأمينة على مصالح الأمة، فقد افترضنا، وهو افتراض صحيح، أن ليس ثمة وهم بعد، يضلل الكثرة الكاثرة من المسؤولين في الأمة، وأبنائها البررة ليفسروا دعوة العراق الأمة إلى الوحدة على الطريق الذي يعزها، ويحفظ لها كرامتها، وقدرتها، وأموالها، بغير مراميها، الأصيلة والمسؤولة، وبما يمكنها من أداء دورها بشرف ومسؤولية، ولو كانت دعوتنا تكتيكا لعبور مرحلة، لكان الأجدى أن توجه إلى أمريكا والصهيونية، كما يفعل الصغار المحبطون في أنفسهم، ولكن دعوتنا وجهت الى الامة، في الوقت الذي يقارع العراق، باقتدار وإيمان، أمريكا ورديفتها الصهيونية، كلما انفتحت ساحة منازلة بعـــدوان جديد على العراق، وهذا موقف يكاد أن ينفرد العراق وحده به، منذ ثلاثين عاما، وفي توجهه إلى الأمة، والظروف التي يكون فيها معافى، أو عندما لا توحي الظروف من حوله بالحد الأدنى مما يجلب اللبس أو التشويش، وقد فهمت دعوتنا على هذا الأساس من عقلاء القوم، الذين ليس في صدورهم ونفوسهم موقف ضغينة وغل مسبق، وثأر القاتلين أنفسهم.. إن دعوتنا، ودعوات رفاقنا الكريمة، في القيادة، إلى وحدة الموقف، بما يعز الأمة في دينها ودنياها، إنما الأساس فيها هو القلق على الأمة، ومصالحها، وثرواتها، والقلق على ما يحصل فعليا في أقطارها، وليس القلق على العراق.. فأن للعراق ربا يحميه، وهو في أيد أمينة قوية، وقلوب مستقرة على الإيمان، ومرتكزة على القدرة، وهو في حدقات عيون الثوار المجاهدين، الذين ما وجفت قلوبهم، ولا هانوا.. ولذلك، قد يؤذى العراق، وقد تسيل فيه دماء إضافية، مثلما، أو أقل مما، سالت من قبل.. وقد تزداد حالات الاستشهاد في صفوف من تلدغهم أفاعي الغدر والحصار.. وقد يتعطل تعجيل الحركة في مساره، ونمو قدراته، بعض الشيء، ولدرجة بعينها.. ولكن العراق، كوطن، وكدور حضاري قومي، وإنساني، وتأريخي، باق، بعون الله، يّعوض فيه ما يفوته من قدرات بسبب العدوان والعدوانية والحصار، بزخم ما يضخه جلال الموقف والصمود والمقاومة من دروس، وعبر، ومثل صالح، ومعان اعتبارية وروحية، للامة والإنسانية.. وقد يكون هذا هو الأكثر بلاغة في الإفصاح عن قدرة موقف الإيمان الإنساني، والقومية المؤمنة، وأعلى إشعاعا من سواه.

 

إن الذي يقلقنا، أيها الاخوة العرب، ليس ما يلحق شعبنا، وكل أبناء أمتنا، من اذى في هذه المرحلة وفي اكثر من مكان، وقطر عربي، ومنها العراق فحسب، إنما الذي يتقدم على هذا، لأنه الأكثر خطورة، هو مصير الأمة العربية أو على الأقل مصيرها لمرحلة تأريخية كاملة بما يعطل فرصتها في التطور التأريخي، وفي الدور القومي والإنساني، وخاصة في مجتمعات بعينها، في الأمة، لا تتهيأ لها فرصة أخرى من التطور، إذا ما فاتت على النفط والإنسان فرصتهما التأريخية، بقدرة الأمناء وفعلهم من أبنائها، لتطوير الأمة، وتحصين حماها.. ولهذه الأسباب، بالدرجة الأساس، نعاود طرح أهمية أن نتخطى، ويتخطى غيرنا، نتوءات وأشواك الطريق التي أدمت القلوب قبل الأقدام، وأحزان الماضي، بعد أن يتعّظ بدروسه، ويبنـى على فيض معانيه العالية، مما يتفق عليه بالحوار الصادق الأمين، لتمضي الأمة في مستقبلها، بعد أن تكون قد حصنت حاضرها، وأمدته بالقدرة الخلاقة المؤمنة التي ترضي الله والشعب.

 

وفي خطابنا هذا، بمناسبة استذكار معاني ودروس المنازلة التأريخية، في أم المعارك الخالدة، التي كانت صفحتها القتالية الكبرى قد ابتدأت في السابع عشر من كانون الثاني من عام 1991، لا بــد من أن نقول للمسؤولين في أمريكا حكمة مستخرجة من هذا السفر الخالد، خلاصتها : قد يتوهم من يتوهم في ما يتأمله لقدرته قبل استخدامها، وقد يصيبه الوهم، أيضا، تجاه قدرة عدوه، فيعطي لقدرته درجة أعلى من استحقاقها، وما يسمح به الله العزيز المقتدر، ويعطي لقدرات عدوه درجة اقل من استحقاقها، وما يمكن أن يوحي به الإيمان المقتدر، ولكنه يعد بطئ الفهم، إن هو كرر الوهم مع عدو قد جرب فعله عليه، واستخدم كل ما ينبغي من قدرات وإمكانات متاحة ضده..

 

لذلك فعلى أمريكا أن لا تتوهم بأنها قادرة على النيل من العراق، بما يحقق لها أهدافها، التي ورثها الخلف عن السلف، وليس غير الإيذاء، والإيذاء فحسب، الذي يصيب شعبنا، وهو ما يعوضه الرحمن الرحيم بما يبوئ العراقيين مكان الاستحقاق الاعتباري، ويعوض، إن شاء الله، الشهداء في جناته يرزقون.. ولكنه، سبحانه، يحفر على طرف الأمريكيين، حفراً في طريقهم، مغطاة، مظلمة، قد يعمقها الزمن، كلما ازدادت عصبيتهم وإحباطهم، وسيتراجعون ويبتعدون، يوما بعد يوم، عن القمة، التي ظنوا انهم قد وصلوا إليها، عندما تجاسروا على بغداد الحبيبة، العصية على عدوانية الأجنبي على مر التأريخ، يوم ضربوا بغداد بالقنابل وصواريخ العدوان..

 

لذلـك عليهم أن يتمعنوا، ويعـيدوا النظر في ما هـم فاعلوه، لينتهي الحصار الظالم عن العراق.. وعليهم أن لا ينخدعوا مرة أخرى، أو يخدعوا أنفسهم فيتوهموا بان ما عجزوا عن تحقيقه بأساليب الخبث، والمكر، والدجل، يمكن أن يحققوه بعدوان عسكري، لأنهم كانوا قد جربوا، ابتداء، هذا العدوان في اكثر من مناسبة، ثم ظنوا بعد ذلك، أو قبل ذلك، بأن المكر، والدجل السياسي، عن طريق الحصار، والكيد في الظلام، قد يفضيان إلى ما يمنون به النفس..

 

وعليهم أن يعوا، وهذا ليس من باب التهديد، لأننا حاربناهم عندما واجهنا عدوانهم على مر الزمن الماضي، خلال ثماني سنوات، ونعرف قوتهم، وقدرتهم في الإيذاء، مثلما نفترض انهم يعرفون قدرة العراق الكبير، ورعاية الله له.. لذلك، لا نريد أن نقع في سوء التقدير، الذي وقعوا هم فيه، فننافسهم على بطء الفهم، وإنما أردنا أن ننبه فحسب، لكي لا نحرج عدونا، لان الحرج ليس هدفنا وغايتنا، فنقول إن العراق شعبا، وقيادة، ومجالس تمثيلية، وعلى كل المستويات والعناوين مصمم، من غير تراجع، على الجهاد الأكبر لرفع الحصار، فأن لم يتخذ مجلس الأمن قراره، ليفي بالتزاماته المنصوص عليها تجاه العراق في اصل قراراته الجائرة المعروفة، التي اتخذها بنفسه، من غير مشاركة العراق فيها، كالتزامات متقابلة عليه، فأن العراق مصمم على ان يقف الموقف المنسجم مع توصيات ممثلي الشعب في المجلس الوطني، ويتحمل مسؤولية موقفه، لان لا سبيل، ولا بديل بعد ذلك، غير هذا الموقف.. وأننا لعلى ثقة كبيرة بأن أبناء أمتنا العربية سيكونون عند حسن ظن أمتهم بهم، ليس في فهم موقـف العـراق فحسب، وإنما في تعضيده، وإسناد جهوده في شتى الميادين والمحافل، ليفوز شعار رفع الحصار الظالم، ويحقق غرضه بكسر بوابة أساسية من بوابات مهب النار المتآمرة على الأمة.. ونأمل، ونتوقع، أن يفهمنا أصدقاؤنا في العالم، ليقوم كل بدوره، وعلى أساس مسؤوليته تجاه ما ينبغي، للجم الشر، وإحقاق الحق..

 

وإلى شعوب بلدان العالم الثالث، والمسؤولين فيه، وكل الدول صاحبة النظرة المتوازنة إلى علاقاتها ومصالحها مع هذا العالم، نقول: لقد بانت أمريكا على حقيقتها، قوة متغطرسة، أنانية، عمياء، لا ترى إلا مصالحها الضيقة، حتى لو أدى تحقيق تلك المصالح إلى إفقار، وإضعاف، وتدمير تلك الدول والمجتمعات، بعد إغراقها في سلسلة من الأزمات، والحروب والكوارث.. إنها إمبريالية جديدة مقيتة، هي وكل مشاريعها، وسياساتها، وان ارتدت ثياب أهل النار المزركشة في ظاهرها البّراق، لتخفي مخالب العذاب لوحوش كاسرة، لا تعتاش إلا على لحوم البشر.

 

وأمام حالة كهذه، وبعد ان صار لكل شعوب العالم قصص مؤلمة، بعضها مأساوي معها، مما ينتقص من سيادة تلك الشعوب والأمم، ويهدد أمنها ومصالحها الحيوية، فلا ينقذ العالم منها إلا وطنية إنسانية متعاونة في كل دولة من دول هذا العالم، وفي مقدمتها، بلدان العالم الثالث فيه، وإلا التضامن، والتعاون الاقتصادي والسياسي والثقافي، الشعبي والرسمي، وعلى شتى المستويات، لتطويق شرورها، وشررها المستطير، الذي يهدد العالم بحرائق شتى..

 

إننا نعرف أن هذا الوصف، الذي نقوله عن أمريكا، إنما يعبر عما هو في قلوب وضمائر الناس في العالم أجمع، ولكننا نعرف ان ليس كل من لديه هذه القناعة بقادر على أن يقول ما في قلبه، وفي ضميره، وعقله عنها، لذلك فإن الجميع مدعوون لان يعملوا بالتضامن معاً، وجميعا، باتجاه واحد، وان اختلفت مسالك، وخصوصية كل دولة من دول العالم في التعبير عن موقفها الوطني والقومي، وفي كل المحافل والساحات، وبخاصة في المحافل الدولية والإقليمية، وحيثما انفتحت الفرصة أمام الإرادة الوطنية، لتفعل فعلها النزيه المنصف.. وليتذكر الجميع مؤامرات أمريكا الاقتصادية، ومضارباتها المالية ومؤامراتها الأخرى، وخاصة تلك التي استخدمتها على شعوب العالم في أمريكا اللاتينية، وفي جنوب شرق آسيا، وعلى اليابان في المرحلة الأخيرة، رغم أن الكثير من دول هذه الجهات هو صديق لها حتى الأمس القريب، وكثرا منها شريك لها في ميدان العمل، والتعاون الاقتصادي، حتى الآن..

 

وعليهم ان يستذكروا، ولا ينسوا، إن عدوان أمريكا المستمر على العراق عسكريا، ومحاصرته اقتصاديا وثقافيا، وفي كل الميادين الأخرى، إنما هو لتحقيق جانب من نظرتها الأنانية، ومصالحها الضيقة، ومن بينها السيطرة على النفط والمقدرات الوطنية لشعوب، ودول المنطقة، ليغدو شعارها في السيطرة على العالم ممكنا.

وعلى هذا الأساس، فأن نضال شعب العراق الآن، إنما هو نضال إنساني، يدفع البلوى عن العالم، مثلا يدفع البلوى عن نفسه، وعن أمته بمعانيها الوطنية والقومية، لذلك فأن تضامن دول العالم مع العراق، لمنع العدوان، ورفع الحصار عنه، إنما هو عمل وطني، وواجب ينبغي القيام به من غير إبطاء، أو تردد، لكل دولة من دول العالم عدا استثناءات معروفة..

 

وعليه فان النضال الوطني في هذه الحقبة، وحيثما التقى على أهداف مشتركة مع آخرين لمواجهة هذا الغول المتوحش الأناني المتغطرس، إنما هو نضال وواجب إنساني ملح، ندعو الجميع إلى القيام به، من اجل عالم لا ينفرد به طاغوت، ومتجبر، ومستغل ظالم.. عالم متعاون، آمن، يتقدم كل من دوله وأفراده على طريق فرصته المشروعة، من غير جبر وتسلط أجنبيين.

 

والله اكبر..

المجد، وعليين لشهداء الأمة والعراق في أم المعارك الخالدة..

المجد، وعليين لشهداء الأمة في كل مكان..

وعاشت امتنا العربية المجيدة..

وعاش العراق المجاهد..

وعاشت فلسطين حرة عربية..

والله اكبر..

الله اكبر..

وليخسأ الخاسئون.

17/1/1999

 

بسم الله الرحمن الرحيم

((قل اعوذ برب الفلق، من شر ما خلق))

صدق الله العظيم

أيها الشعب العظيم..

أيها النشامى في قواتنا المسلحة الباسلة..

 

يا جماهير امتنا العربية المجيدة..

السلام عليكم، ولكم يا أبناء أمتنا في الشارع العربي، وفي كل بيت وعائلة..

 

السلام على كل طالب، ومثقف، وعسكري، وفلاح، وعامل.. نساء ورجالا، صبية وصبايا، وأطفالا..

السلام لكم، والسلام عليكم، ومعكم شعب العراق برجاله وماجداته من رفاق صدام حسين في القيادة، ومن أخيكم وابن شعبكم وأمتكم: صدام حسين، الذي أصابه مرض الحب لكم: المرض الذي ليس للمسؤول في أمته صحة من غيره.. إنه المرض الذي اتهمه به بعض المسؤولين العرب عندما قالوا أن صدام حسين مريض بالشارع العربي، وفي ظنهم أن ذلك سبّة على صدام حسين، ولكنها الحقيقة، أيها الاخوة، وهو شرف لنا أن يكون مرضنا حب أبناء أمتنا في الشوارع، والمدن والقرى، والمعامل، ودور العلم والثقافة، والأزقة، والأحياء الفقيرة، والريف، وكم كنا نتمنى أن يصيب هذا المرض المسؤولين العرب المعنيين بدلا من مرض حب الصهيونية وأمريكا، والاستخذاء أمامهما، وتلبية أوامرهما، والاستجابة لخططهما على حساب أمن العرب، وقضاياهم ومصالحهم العليا، إذ لو أصاب بعض الحكام العرب مثل هذا المرض الصحة والشرف، لما أصاب الأمة ما أصابها من أمريكا والصهيونية وأعوانهما..

 

فالله اكبر.

وعاش مرض حب الشعب والأمة.. وليخسأ المرضى بحب طاعة الصهيونية وأمريكا، ومن حسب عليهما، أو والاهما على حساب أمته وشعبه..

وكل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد الفطر المبارك، أعاده الله عليكم وانتم بأحسن حال..

والله اكبر.

 

مرة أخرى نذكركم، أيها الاخوة العرب، وأيها الأصدقاء، بحالة لا تنسى.. ففي مثل هذا اليوم، السابع عشر من كانون الثاني من عام 1991، وفي ليلته الليلاء، قبل الفجر، كان الليل الأعمى يحد النهار المشرق البهي، وكان برزخ يفصل بينهما، أراده الله أن يتسع لخطايا وأرواح شريرة لمن ارتكبوا الجريمة والسوء، تشرف عليه من الجهة الأخرى، وتترفع عن هوته السحيقة النتنة، قمة شامخة شاهقة من المبادىء العظيمة والمجد في عراق الإيمان، والصبر، والتضحية، والجهاد..

 

في هذا اليوم، وفي ليلته الليلاء، خاب من خاب، وأصاب من أصاب، بوقفة مثلت على طرف الذي ناش جلد بغداد بقذائفه، فكانوا اكثر من ثلاثين خيبة من مواقف، سيلاحقها العار والشنار، على مدى الدهر، وثمانية وعشرين جيشا، طاشت سهامها، الا على من كتب الله له شرف الشهادة والمجد، وما دمروا من ممتلكات.. وعلى الطرف الآخر، وقف من استلهم الماضي المجيد العريق، وأعلى شأن ومجد بغداد التاريخ، والفضيلة، والمعاني العالية... وقف شعب العراق الأبي ينتخي، هو وقيادته التي أحبته، وأحبت أمتها حتى أصابها حبها (بالمرض) العافية العظيم، وضحت من أجلهما العمر كله، والزمن كله، فكانت مفارقة قل نظيرها، ولوحة من زهو الإيمان والفضيلة والمجد، ليس لها قياس على طرفنا، وسوءا ليس له مثيل على طرف الأشرار المعتدين، حيث ارتضى مستسلما، طائعا طائشا، أو مستخذيا وذليلا، من قادته أمريكا والصهيونية، على فعلته الشنعاء..

 

وقف العراق كله في هذا اليوم بهمته وإيمانه بسلاحه، وجلده، ومعانيه، ومعه أبناء أمته الغيارى، في دعائهم إلى الباري عز وجل أن ينصر عراق الإيمان والعروبة، والإنسانية، والمعاني العالية، على أعدائه، أعداء الأمة، وكل على أساس موقفه، وما أتيح أمامه، أو مكنه حاله من أن يأخذ لونه، وطريقه، وتعبيره...

هكذا كان الحال قبل ثماني سنوات خلت، وذلك في مطلع النصف الأول من يوم السابع عشر من كانون الثاني سنة 1991.

 

ومع هذا، وكل ما تلاه من حصار قل نظيره في السوء والأذى، سجل من سجل له أو عليه مواقف، كلها على الطرف الذي استمر في الحقد، والضغينة، والعدوانية، والشر، يندى لها جبين الإنسانية المعذبة والمظلومة بهم، وعلى طرف العراق، ومن أعانه الله في قول الحق، أو في اتخاذ وقفة حق، تشرف النفس الزكية، الأبية النـزاعة للخير والفضيلة والعافية، من شر ودنس الصهيونية والإمبريالية العالمية، التي تقودها أمريكا إلى الهاوية.

 

أيها العراقيون الاماجد، وأيتها العراقيات الماجدات..

أيها الاخوة أبناء أمتنا، يا هوانا وليس من غيره هواء..

 

مرة أخرى نعيد السؤال المسموع: لماذا استهدفت قوى الشر العراق وحده، وركزت عليه، في هذا الاستهداف، هذا الزمن كله، وبخاصة في العقدين الأول والثاني من عمر ثورة تموز 1968 ومسيرتها العظيمة؟

 

إن أهم صفات طهارة الإنسان، أيها الاخوة، ومستوى جديته تجاه ما يقوله ويعلنه، أو يعد به، هو أن يكون صادقا، وعندما يكون صادقا فأنه يكون أمينا على ما يؤتمن عليه.. وأن المبادىء، وما تتضمنه من وعد، كأهداف لنضال الشعب والأمة، وسلطة الدولة وما فيها، وتعبئة الناس على مواقف للنضال والجهاد ضد أطماع الأجنبي، في مرحلة ما قبل الحكم، والثبات على أهدافها.. كلها، هي أمانة يتوجب حملها، ورعايتها، والوفاء بها، صدق عظيم، ونضال وجهاد كبيران.

 

وأن أهم ما ينبيء بتخلي أي من أبناء الأمة عنها، عندما يكون أي منهم في مسؤولية ذات طابع، ودور، ومهمة جمعية، هو تخليهم عن احترام هذا، وتحولهم من صفة الصادق الأمين، إلى مستوى آخر، لا يعز النفس ولا الأمة..

 

لقد اكتشف أعداء الأمة والطامعون بها أن من يقودون الثورة، ومسيرة الحكم والبناء والجهاد فيها، صادقون في دعواهم، أمناء على ما كلفوا أنفسهم، أو كلفهم الشعب، بالائتمان عليه، وزادهم شراسة، عندما عرفوا، بدلائل غير قابلة لأن تتغير، إن من يقودون المسيرة قادرون، بعد الاتكال على الله، على تحويل المباديء المعلنة إلى خطط عملية، وتطبيق الخطط، ومن ذلك أنهم قادرون على تحويل قدرات العراق، الغني بموارده الطبيعية، والبشرية، وبتراثه العميق المجيد، من مجرد موارد عامة مطمورة داخل الأرض، أو تحفظها الذاكرة، أو معطلة الفعل عليها، هي وأرضه، ومياهه، إلى ثروة وقدرات حية، واستنباط المعاني العظيمة من تراث العراق الروحي والحضاري، وتراث أمتنا الخالدة، وتفعيلها، وليس النظر إليها كمادة للثقافة العامة والاطلاع فحسب، وذلك لتساهم بصورة فعالة وملموسة في عملية انبعاث جديدة لإنسان الحضارات والأدوار العظيمة، الذي كانت نسبة كبيرة منه لا تملك إمكانية أن تلبس حذاء في مطلع ثورة تموز العظيمة، إذ كانت نسبة الحفاة في الريف نسبة طاغية، بل أن الاستثناء هناك في حينه كان لمن يلبس حذاء، وقد نهشت الأمراض، والابتعاد عن الدور، والتناقض بين الماضي التليد، والحاضر العاجز والمتخلف، هممهم، وكانت بغداد، التي تحمل كل ما تحمله من تاريخ أمة مجيدة ودور حضاري كبير، أقرب إلى قرية كبيرة مهملة، شكلا وخدمات، منها إلى مدينة بهذه المعاني التاريخية، وتعيش في القرن العشرين، وكانت ميزانية الدولة خاوية، لأنها رهينة خطط شركات النفط الاحتكارية وأطماعها، والذين يعملون من مواطني بلادنا قلة، وتضرب الأمية أطنابها في أرجاء العـراق، والتخلف، والموقف العاجز من الحياة ينهش العقول.. وهكذا، أو على ما هو أدنى من هذا، حال مدن العراق الأخرى، وبعد الثورة أصبحت هي والحياة على ما هي عليه الآن، رغم مؤامرات قوى الشر، التي جاءت تترى، وكلها من مستوى الفعل الاستثنائي، لتقمع الإرادة الجديدة، التي انطلقت تبني، وتجدد الدور بعد انبعاثه، وتنمي الثروة بعد خلقها، وتنمي الأمانة بالصدق والاقتدار بعد تثبيتها على قاعدة صحيحة، لا تفسد الذمم والهمم بالعجز ومثل السوء، فحافظ الأمناء على ثروة الأمة، بعد أن خلقوها وحولوها من مجرد موارد طبيعية، وثروة غير حية، إلى ثروة حية، انعكست في كل بيت، وفي كل حي، وقصبة، ومستشفى ودار علم، في الريف وفي المدينة على حد سواء.. وكان هم من يقودون هذه المسيرة، ومازال، أن يمتعوا أنفسهم، وعيونهم، وعقولهم، وضمائرهم فحسب، بما يعرفون ويرون ويسمعون عن تملك الشعب لما ملك، وعن حيازة ما حاز من معاني الارتقاء والتقدم، ويقطعون اليد التي تمتد إلى ثروة الشعب وأمواله من أي عنوان كان بالسوء والأذى والاستغلال، ولذلك حرموا بنوك الغرب من أن تغص بحسابات العناوين المسؤولة في دولة العراق، مثلما كانت في العهود السابقة، وبخاصة العهد الملكي، ومثلما هو حال عناوين أخرى في الوطن العربي الآن، لذلك أدركت قوى الشر أن الثروة الطبيعية، ومنها النفط، تستخدم لتقوية دور الإنسان وتحوله صعودا في العراق لا تخريبه أو مجرد أن تسمنه ليأكله الغرب، وأدركت مع هذا، أن الصدق في الانتماء للأمة والشعب والمباديء، والأمانة عليها، وعلى مسؤولية ما أؤتمن عليه المؤتمنون، هو حالة لا تراجع عنها، لا بالإغراء الذي تقدمه السلطة، ولا بالتهديد الذي يقوم به الأجنبي، لقد وجدوا في صفات الصدق والأمانة خطرا كبيرا على مصالحهم غير المشروعة، لأن مصالحهم هذه لا يمكن أن تتعايش لتنمو مع مسؤولين صادقين مقتدرين وأمناء على أمتهم وشعبهم، فأرتفع مستوى خطورة المؤامرات وما يزج لها من إمكانات، وصارت الدسائس التي كان بعض الحكام العرب، الذين هم من صنفهم، يقومون بها في الخفاء غير كافية، وأصبحت الخطط بحاجة إلى أدوار مباشرة، بعضها علني.. وهكذا، انكشفت أدوار وعناوين في صفحة العدوان الثلاثيني من أم المعارك، وانفضحت، على أوسع نطاق، أمام الجماهير العربية كلها، وأمام العالم كله في صفحة المجابهة في يوم الفتح، أدوار وعناوين ما كانت لتنفضح هكذا لولا ما اقتضته مستلزمات المجابهة من الباطل للحق، وأن صمود شعبكم العظيم في العراق، وإسنادكم له، يا أبناء أمتنا المجيدة، قد جعل مثل هذه الأدوار، واللعب على المكشوف لتنفيذها، حالة لابد منها..

 

هكذا إذن، في هذا الجانب فحسب، هي الأسباب، التي جعلت قوى الشر المعادية لأمتنا، وللإنسانية، فضلا عن الأسباب الأخرى المعروفة، تستهدف العراق، وتنشغل به، كسد عظيم، في العقد الأخير كله، ذلك لأن انهياره، لا سمح الله، يفضي إلى طوفان يغرق الأمة زمنا طويلا، ويبعد الإنسانية عن ممارسة دورها في مواجهة هذا الشر زمنا طويلا أيضا، وإن صمود العراق، كما أراد الله له أن يكون، سيقود إلى أن تعي الأمة الحقائق مثلما هي، وتؤسس قياساتها الجديدة على نماذج حية، مثلها أبناء بررة لها، في الوقت الذي تستوحي نماذج أمتنا في تراثها الخالد العظيم، بل أن نماذج أمتنا التي نعرفها، ونقرأ عنها في تراثها الخالد، أصبحت الآن مفهومة أكثر، ومصدقة أكثر من السابق، بعد أن اكتشفت الأمة إمكانياتها في الحياة والإبداع والخلق، وقدرة المقاومة، من خلال عناوينها النضالية والجهادية الأصيلة، يتقدمها عنوان شعب العراق العظيم ليحمل راية (الله اكبر).. لذلك، فوالله لن يكف الأشرار عن بغداد، حتى تخون نفسها وأمتها، وما كانت بغداد خوانة أبدا، أو أن يهزموا وييأسوا من إمكانية تحقيق أهدافهم الشريرة، وهذا هو الذي سيكون، إن شاء الله..

وإن غدا لناظره قريب..

 

أيها العرب..

أيها الناس في البشرية جمعاء..

 

منذ زمن معروف، عندما خرج الغرب من حدود دوله وتجمعاته السكانية، ليتجه إلى الشرق، جاء من جاء إلى الشرق، ليس داعيا إلى خير وفضيلة، أو لقضايا إنسانية، ذات طابع ومعان، تحمل معها الاهتمام المشترك لصاحب الدعوة بالوسط الذي يدعوه إليها، وإنما جاء الغرب مستعمرا، مغتصبا، معتديا، ناهبا خيرات الناس، وبذلك ازداد الناس غما، وهما، وفقرا على ما كانوا عليه، وصاروا يرزحون تحت ثقل أعباء إضافية، رتبها عليهم الاحتلال العسكري والاستعماري، ولم يجلو الغرب عن الديار، التي احتلها عسكريا واستعمرها، إلا بعد تضحيات طائلة لأبنائها، وبعد أن أدركت دول الاستعمار المعنية أن لا سبيل لبقائها وفق ما كانت عليه من حال وأساليب، فرحل من رحل، بجانب من جيوشه البرية، التي أصبح وجودها غير ممكن ومكلفا للغاية، واستبدل الاستعمار القديم بما هو جديد يناسب التطور والحال، وبعد كل حرب تقع في الغرب، إثر تنافس على المصالح فيما بينهم، أو شؤون أخرى، تدفع الإنسانية المعذبة بهم، وبخاصة في الشرق ثمنا باهظا، فضلا عن حملاتهم القديمة المعروفة على بلاد الشرق...

 

إن كل هذا، ومستوى التهديد الذي تقوم به الآن أمريكا ومن يتحالف معها ضد الإنسانية جمعاء، وإبقاء الغرب على الحلف الأطلسي، وزيادة المنتسبين إليه وتوسيعه باتجاه الشرق، بعد أن تفكك الاتحاد السوفيتي السابق، الذي كان الحلف الأطلسي قد أقيم بذريعة مواجهة مخاطره، فضلا عما يمكن قوله من أن الغرب غرب بمفاهيمه ومصالحه، وتراثه، وقياساته، وشؤونه الأخرى، والشرق شرق بموقعه، ونشأته، ودوره، وعمق هذا الدور تاريخيا، وما يترتب عليه هو، وثقافته، وتراثه، وما بني عليه أساسه، وما هو عليه من معان وشؤون أخرى..

 

ولأن سياسة أمريكا وبريطانيا، والصهيونية المتحالفة معهما، ومن يسندها ويتعاون معها، قد أصبحت خطرا على أمن واستقرار العالم أجمع، ومصالحه الدولية والإقليمية.. فأن العراق، بعد تأمل غير مقتصر على ظرف مجتزأ، يرى أن يتأسس، بين الراغبين من دول العالم، مبتدئين بالشرق، تجمع مؤسسي ذو أنظمة ومواثيق متفق عليها، لإقامة تعاون جدي في الميادين الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لحفظ التوازن، وتحقيق السلام، ابتداء في آسيا وما يتصل بها.. على أن ينظر للأمة العربية بأنها أمة واحدة من حق أي من دولها الانتماء إلى هذا التجمع ابتداء، بغض النظر عن موقعهم الجغرافي، سواء في آسيا أو أفريقيا.

ومن الطبيعي أن نقول أن هذا التجمع، ليس موجها ضد أحد، ولكنه مستعد ليحمي منتسبيه، ويدافع بالحق، وفق قياسات إنسانية صحيحة، عن أمن ومصالح أعضائه، والأمن الدولي..

 

وأن التعاون الإيجابي بين الأعضاء هو الأساس الذي يبنى عليه، ليحقق ما هو إيجابي وطيب لصالح الجميع، ولصالح الأمن الدولي والإقليمي..

وهو منفتح أمام من ينضم إليه وفق أسسه وشروطه..

 

إن العراق وهو يدعو لهذا، يعرف أن هذه الدعوة ستجد صداها الإيجابي في كل العقول الوطنية الشريفة، التي يهمها أمن شعبها وبلدانها، وأمن العالم أجمع، ولكن قد لا تكون قادرة كلها ابتداء على الإفصاح عنها خوفا أو رهبة..

وأن العراق مستعد للحوار، على هذا الأساس، مع الجميع، لبلورة ميثاق هذا التجمع، وهيئاته واختصاصاته، وكل ما يتصل به..

وسوف ينشط، على هذا الأساس، مع من يعنيهم الأمر..

 

والله من وراء القصد.

 

عاشت أمتنا العربية المجيدة..

وعاش العراق وجيشه الباسل، جيش الأمة الصادق الأمين..

والمجد، وعليين لشهداء أم المعارك..

وعاشت فلسطين حرة عربية أبية، ضمن حدودها الطبيعية..

والمجد وعليين لشهداء أمتنا العربية المجيدة.

المجد ورعاية الرحمن الرحيم، القادر العظيم، للقدس وللحرمين الشريفين..

والله اكبر..

الله اكبر..

وليخسأ الخاسئون.

 

 

 

نص خطاب الرئيس صدام حسين بمناسبة الذكرى الحادية عشرة ليوم النصر

في الثامن من آب 1988

آب 1999

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أيها الشعب العظيم..

أيها النشامى في قواتنا المسلحة الباسلة..

يا أبناء امتنا العربية المجيدة..

أيها الأصدقاء..

 

مثلما الإنسان جزء من عائلته، ووسطه الاجتماعي في تفكيره، وطباعه وعاداته، فان أي مرحلة من مراحل تطور الشعوب تشكل جزءا من تاريخها وطباعها وعاداتها أيضا"، ومع أن للأمم والشعوب نوعا من خصائص عامة مشتركة يمكن إجمالها والاهتداء إليها، فأن لكل منها خصائص أخرى خاصة تختلف، وتأخذ ألوانها وعناوينها ومستوى وعمق تأثيرها في النفس أو الآخرين في ضوء تباين ونوع خصائص كل شعب وأمة، واختلاف أدوارهما، ونوع ومستوى التطور بالقياس إلى خط البداية الإنسانية، أو وصفه ضمن مرحلته، وكلما كان الوصف والمسافة بين أمة وأخرى على هذا واسعا، كانت خطوط الافتراق بينها متباينة بقوة كبيرة، ومتباعدة أيضا"..

 

ويلعب القادة، ونوع الدور والمهمة، أو المهمات، دورا" حاسما" في بلورة الخصائص الخاصة، ومستوى واتجاه ونوع فعلها وتأثيرها، وعلى أساس هذا الوصف فأن مستوى إنسانية، أو عدائية الشعوب والأمم، ومستوى قبولها لهذا أو ذاك من المحامد أو النقائص، يتأثران بخلفية تلك الخصائص، ونوع ومستوى نماذجها التاريخية في ضوء وصف خصيصتها الخاصة في ميدانها ومناسبتها.. ومن هذا يمكن أن نستعين بتفسيرات ظواهر وحقب تاريخية كثيرة، أو حتى الاتجاهات الأساسية من تاريخ الشعوب والأمم، ومنها شعبنا وأمتنا، وعليه لو عدنا إلى شيء من الماضي مما يتصل بصورة أو بأخرى بمناسبة هذا

الخطاب، وتساءلنا مثلا :

 

لماذا دمرت بغداد عام 1258 للميلاد؟ ولماذا دمرت بابل عام 539 قبل الميلاد؟ ولم تدمر بصورة نهائية روح الإنسان فيهما وينقطع فيه الأمل والرجاء لينهض من جديد..؟ ولماذا كانت غفوة بغداد طويلة بحدود ثمانية قرون؟ ولماذا صحت بغداد مرة أخرى ولم تنثن أو تلتو، أو تتوقف، أو تساوم؟

 

لو اجبنا على هذا تفصيليا، مستندين إلى الخصائص الخاصة لشعبنا، ولمن آذى شعبنا من وسط الشعوب الأخرى، لوجدنا الإجابة مقنعة، بالإضافة إلى عواملها الظرفية، ولوجدناها تفسر لنا جوهر ما يسجله المنصفون من معان إيجابية لشعبنا، وما يسجلونه على الذين آذوه في الماضي، ويؤذيه آخرون، كلما حضرت في أنفسهم الخصائص المشتركة مع رعيل الماضي المتصل بتأريخه في شعبهم، أو بمناسبة يوم النصر العظيم، الذي نلقي فيه خطابنا هذا، رغم اختلاف الزمن بين ما مضى وما هو حاضر.

 

أن بابل وبغداد وآشور ونينوى والحضر وأور لم تعش على الحياد بين حضيض وقمة، لذلك عندما ترى القمة وتتيقن من صدق وأمانة الحداة، مع شروط أخرى معروفة، تغذ السير إليها، وتتربع هناك فوقها، فتصبح الفنار الأعلى بين محيطها، ويصبح إشعاعه مرئيا" من مسافات بعيدة، تتوضأ منه شعوب كثيرة، وتهتدي إذا ما ضلت طريقا"، وأناس آخرون تدفعهم الغيرة، والحسد، والشعور بالعجز، ونقائصهم إلى الهياج المسعور الذي يستحضر غريزة العدوان والتدمير ليقعدوا على الإطلال ويتصوروها القمة الأعلى، أو حيثما تصورت الأنانية القائلة أن إمكانية السير باتجاه عام واحد ومشترك، للمصالح لا تجد طريقها إلى توافق بين قمة ومستوى آخر من الوصف، فيحصل عند ذلك التصادم، ولان الوصول إلى القمة بسلوك طريق العمل والمعاني العالية، هو حالة متكررة في تاريخ العراق وتاريخ الأمة، بل هي الحالة اللائقة بالأمة وبالعراق،وعندما يصلان إلى القمة غالبا ما يمكثان عليها حتى يراهما أو يسمع عنهما القاصي والداني، وانهما بسبب خصائصهما لا يتدحرجان على عجل إلى سفحها بخلاف حالات شعوب أو أمم أخرى، نظرا" لعمق ومستوى الاقتدار والحكمة في عقول وضمائر حداتها، وصدق محبتهم لمعاني ومسلك البناء.. فأن إزاحتهم عن القمة لا تكون إلا بتصادم يداهمهم ويأخذهم على حين غرة، في أي مرحلة من مراحل المكوث فيها عندما تغفل العين، أو تنشغل النفس بما لا ينبغي، أو تخطيء الحسابات، ومن هذا أيضا" يمكن أن نفسر.. لماذا عندما تغمض بغداد عينها تغمض عيون كل العرب؟ ولماذا عندما تفتح عينها مرة أخرى، يقترن السيف بالقلم وتكون الحكمة أساسهما ويكون كل منهما جناحا" على قاعدة المعاني الحضارية العظيمة وتراث أمتنا الخالد، تحلق به عمالقة الصقور لتحمي سماء العراق وأرضه، ولتمضي بغداد في طريقها إلى القمة مسلحة بمعاني البناء والقلم، وحاملة سيف المعاني العالية ليذود، ولتعبر في كل هذا عن عبقرية الأمة والشعب، في ظل رسالة القومية المؤمنة، والإنسانية الخالدة، لذلك قدحت بغداد إشعاع ضوء يعبر عن معانيها، لتنير الطريق، ويبلغ ضياء نورها أرجاء المعمورة في كنف ورعاية الرحمن، فكان السيف سارية القلم، وكان القلم هاديا إلى معاني البناء واليقين حتى صار قاعدته الراسخة، ورايته الخفاقة، حيث أنارت مفاهيمه العظيمة زوايا ظلام كثيرة في الإنسانية، فتكالب من تكالب على بغداد حقداً وحسداً، وسخرت قوى، بعضها متخلف أستخدم كقوة تدميرية، وبعضها أستخدم مخزون خبثه وجشع مصالحه الضيقة، ليصور للمتخلفين صواب منهجهم التدميري، ومثلما حرق المغول والتتر كتب العلم والمعرفة، وقتلوا العلماء في بغداد، وضيعوا على الأمة فرصتها إلى وقت طويل، ظن متخلفون، دفعتهم قوتهم التدميرية، ومع ما ترادف معها من أغراض خبيثة، أنهم قادرون على قتل علماء وعناوين القلم، والحكمة، والسيف، والراية في بغداد الناهضة إلى الأعلى والأفضل، فخاب ظنهم، وساء ما يفعلون.

 

أيها الأخوة..

 

لا نريد في ما قلناه، وما سنوضحه في هذه المناسبة، أو غيرها، وفي هذه الموضوعات أو سواها، أن نستذكر مجرد العوامل المفرقة، ولا نريد نكأ الجراح التي مازالت فاغرة، وإنما اجتهدنا ونجتهد بأن نضع الحقائق بمضمونها الإيماني والاجتماعي والتاريخي الصحيح، ضمن سياقها العلمي، لنعاون على الاهتداء إلى ما هو خير كجزء من مسؤوليتنا الوطنية والقومية على قاعدة إيمانها، بل ومسؤوليتنا وعلاقتنا الإنسانية، سواء مع إيران، أو الأمم الأخرى، منطلقين من رغبة وتصميم دائمين على المساعدة والمبادرة في مد جسور المحبة والسلام، كلما تمكنا من ذلك، أو انفتحت أمامنا فرصها بصورة متوازنة وصحيحة، ولذلك نقول أيضا:

 

إن الحاكم، أي حاكم، إذا وجد في داخله وداخل شعبه طاقة كامنة يمكنه أن يطلقها، ولا يمتلك، وليس لديه قدرة تصور الأفضل، ومنها مؤهلات البناء وفعل الخير ومعانيه، غالبا" ما يطلقها بمعان مناقضة للخير والمحبة والإنصاف أو البناء، فتجيء طاقة تدميرية في علاقاته بالأمم والشعوب، وبخاصة الشعوب والأمم المجاورة، لذلك فان الانشغال بالبناء والقيم والمعاني العالية، وفي النظرة إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها نظرة متوازنة، مؤشر قوي على استخدام الحاكم والقائد الطاقة الكامنة في فكره ونفسه، وفكر ونفس شعبه وأمته، بالاتجاه الإنساني الحضاري، وعلى محبته للخير بدلا" من الشر، والبناء بدلا" من التدمير والعدوان، ومع الأسف، فإن حكام ايران، وبخاصة من سلف، ومن هم على مسلكهم حتى الآن، لم ينشغلوا في بناء، ولم يزرعوا محبة أو خيرا"، لذلك جاءت شعاراتهم بعد انتهاء عهد الشاه متعالية، عدوانية، توسعية، وان أخذت برقع الدعوة الإسلامية، فوقع العدوان ونشبت الحرب.

 

ومن ذلك ومن سجلات التاريخ المؤكدة، قد يفسر هو الآخر كيف ولماذا سرق الملك الفارسي العيلامي شوترك ـ ناخونتي المسلة الشهيرة المدون عليها شرائع الملك العراقي (حمورابي) وكيف حاول محو اسم حمورابي الذي ذّيل به تلك الشرائع، حسدا" وحقدا" على هذا الملك العظيم، وسعيا" لعلاج مرض العقل والنفس الذي ورثه هذا العيلامي عن آبائه.. وهكذا بعد عملية التدمير التي قام بها ذلك الملك الفارسي داخل العراق، سرق جانبا" من تاريخ وحضارة العراق الثقافية والقانونية، بدلا" من أن يصنع حضارة صاعدة، ذلك لأنه عاجز عن الصعود وفق خواصه، فانحدر إلى الدرك، لان ذلك يلائم خواصه ونزعته … ولماذا وكيف دمر الملك كورش ملك الفرس مدينة بابل بعد حوالي ستة قرون، تلك المدينة التي تعد مركز الحضارة الإنسانية الأول والأكثر إشعاعا" وتأثيرا" في الحضارات الإنسانية آنذاك، وبالتعاون مع جذام أصاب جسم بابل حينذاك : (اليهود) الذين جاء بهم الملك نبوخذ نصر مكبلين في الأسر إلى بابل؟.

 

لقد هدّم الملك كورش بابل بغريزته التدميرية وبحسده وحقده ليس تعبيرا" عن اقتدار مبصر، وإنما عن عجز أعمى وأحمق، ظانا" أنه يعالج بذلك عقدته المتمثلة في ضعف أو انعدام الوعي، وانعدام أو ضعف قدرة الصعود عن طريقها الإنساني الصحيح، فأورثها غيره، لكن إلى أن يأذن الله، بما ينير القلوب والضمائر وما في الصدور لمن داهمهم الظلام، لو أراد ذلك، سبحانه، وستبقى بغداد، مثلما كانت عصية على الأعداء، محروسة بالعز، والاقتدار الواعي الأمين على المعاني الإنسانية، ولن تفتح أبوابها إلا للشعوب التي تطلب العلاقة الطيبة والصداقة، وللمؤمنين الخيرين، إن شاء الله.

 

وعلى هذا فأن الشعوب ذات الجذر العميق في دورها الحضاري هي غير الشعوب في دور حضاري متواضع، وان الشعوب التي يلعب في حياتها وتاريخها ومهماتها الجانب الإنساني دورا" كبيرا" أو حاسما" في تبني دعوة خير أو دعوات، وفي حمل رسالة أو رسالات، وفي مستوى ونوع النماذج المتصلة بهذا على طريق الصيرورة الإنسانية الأفضل والمعاني العالية، هي غير الشعوب التي يقتصر تاريخها الأساس على دور متصل بدور محلي أناني محدد وضيق في أغلب الأحيان، والفرق أيضا ذو معنى تأثيري عميق في هذا أو ذاك من الشعوب، بين ما إذا كانت الأرجحية الغالبة في هذا الدور للعوامل والاعتبارات المادية أو مفرداتها الحياتية ضمن مرحلتها فحسب، أو بصفات وعوامل أخرى، وما إذا كانت نماذجها المحفزة أو المذكرة بهذا الدور ليس غير نماذج للتدمير وإيذاء الشعوب والأمم وتجاوز الحق للغرق في الباطل، أمام نماذج أخرى تذكر بالخير والمحبة، والإيثار، والدور الإنساني الكبير.. والعمل من أجل ما هو حق وعدل.

 

ومن العوامل المؤثرة في نوع واتجاهات الحكام والشعوب بوجه عام أيضا، هو هل يكفيهم ما في داخل بلدانهم ويكفهم عن غيرهم، ويشغلهم عن العداوة والعدوان، أم هل ينقصهم ذلك، وبخاصة عندما لا يهتدون إلى طريق زيادة الإمكانات، ومفردات الحياة عن طريق آخر والعوامل والأسباب الإنسانية الصحيحة لمعنى خلق الله للإنسان، وهكذا وجدنا أن الهضبات الجرداء الأجنبية المجاورة غالبا" ما يتدحرج منها من يقع في السهل الرسوبي الخصيب بعضهم يأتيه مسلحا" شريرا" عدوانيا"، وبعضهم يأتيه طلبا" للعيش بعد ضائقة، فيما يصعد إشعاع سهل الرافدين، كعمود ضوء عظيم وبهي، لينير الطريق لمن هم من حوله، ومن هم في العمق البعيد كلما صعدت فيه القدرة إلى مستواها.. وكما أن لكل إنسان طاقة ومشاعر وتفكيرا"، فأن للأمم طاقة ومشاعر وتفكيرا"، وتعتمد النتائج ونوعها ومستواها على الاتجاه الذي توجه فيه الطاقة والمشاعر والتفكير، وهنا يلعب القادة دورهم ومسؤوليتهم الحاسمة في تقرير النتائج، في ضوء اختيار الأهداف والطريق، فأن أطلقوا الإمكانات وخصائصها باتجاه التدمير والشر يحصدون ما يتصل بهما، ذلك لان هذا هو طريق الهبوط إلى الحضيض، وقد يبدو هو الأسهل، أو الأوحد، لتستخدم غريزة التدمير والشر عندما يقصر العقل عن ميدانه الفسيح، ومسوغات المبادئ العظيمة، ونواهي ناموس المعاني العالية، بل أن العجز عن التصور الأعلى يجعل الطاقة تنحدر إلى حيث ترتطم بحضيضها، ومن بين أخطر الأمور أن يتوهم أصحاب هذا التصور ومسلكه، انهم ينتصرون حتى عندما يتحطمون عن طريق تسارع انحدار طاقتهم إلى حضيضها، ذلك لأنهم عاجزون عن تصور مسالك الصعود فيتجهون إلى الانحدار، كما أسلفنا، وان وجهوها باتجاه الخير وسبله يحصدون ما يتصل بهما أيضا.. وعلى أساس هذه المعاني ومستوى حضور النماذج ذات الصلة في الصفين، أو الصفوف المتقابلة، يمكن للجموع المختلفة أن تسير في اتجاه واحد، أو أن تتناقض فتصطدم، وعلى أساس المعاني التي تحدثنا عنها في خطاب السابع عشر من تموز الماضي أيضا، يمكن أن يفسر جانب من الصراع الذي أحتدم في القادسية المجيدة، بعد سلسلة العدوان التي أطلق فيها المسؤولون الإيرانيون المعنيون شره ونهم الطاقة الكامنة من المشاعر التي أطلقتها وحررتها من قمقمها الثورة على شاه إيران، في الشعوب الإيرانية التي لم تخض حربا" منذ زمن طويل آنذاك، وواجهت هذه الشعوب كل أنواع المذلة والعنت والجوع في ظل ذلك النظام، فصارت تبحث عن طريق إضافي لتؤكد ذاتها، فدفعها المسؤولون الإيرانيون المعنيون الجدد، أو أطلقوها في الاتجاه المدمر وغير الصحيح، مجردة من المعاني الإنسانية والروحية في أبسط وصفها، وان اتخذت غطاء مهلهلا وشكليا ولفظيا" فحسب، من الجانب الروحي، كما أسلفنا، بعد أن جعلت معانيه وروحه أهدافا" تصوب عليها طاقتها وأسلحتها التدميريتين.. فصدها العراق العظيم بصدره العامر بالإيمان، والنظرة إلى الحياة والعمل والمسؤولية بصورة متوازنة، فكان الذي كان، وصار الانتصار أكيدا" داخل النفس وخارجها عند العراقيين، عند خط البداية مثلما هو في نتيجتها النهائية، وكمحصلة طبيعية لهذا النوع من الصراع.

 

ومن أجل أن نزيد بعوامل إضافية تأكيد هذا الوصف كل على ما يستحقه على طرفي الصراع، نأخذ أمثلة محدودة من بين كم هائل وركام كبير، ومن ذلك أن العراق أطلق سراح كل أسرى إيران، بعد زمن من توقف القتال، عدا واحدا" منهم أطلق سراحه أخيرا"، وفق ما ورد في خطابنا في العام الماضي بنفس المناسبة، وقد أطلقنا سراحهم مهتدين بالمبادئ التي نؤمن بها، مستندة إلى عمقها العظيم، معاني الدين الإسلامي الحنيف، ومبادئ ثورة تموز المجيدة.. وكان أسرى إيران، طيلة وجودهم في أقفاص الأسر، على اتصال بالصليب الأحمر الدولي، ويتمتعون بحقوق الأسير، وفق سياقها الصحيح، فيما تحتفظ إيران حتى الآن بآلاف الأسرى العراقيين، وبعضهم ترفض حتى أن تسجله لدى الصليب الأحمر، ونال وينال أسرانا الأبطال شتى صنوف التعذيب والضغط، بل والقتل داخل أقفاص الأسري في أحيان كثيرة، لا لشيء إلا لأنهم يحترمون آدميتهم وإنسانيتهم ووطنيتهم ومباديء أمتهم، فلا يخونون، ولا يسيئون لوطنهم وشعبهم، ولا يذكرون رموزهم ومبادئهم بسوء، وان تصرف ايران هذا ليس له مثيل، ولأنه ليس له مثيل، لذلك ليس أمامنا إلا أن نبحث في جانب من التاريخ لنهتدي إلى أسبابه ووصفه لنقول أن وصف هذا التصرف لا يصدر إلا عمن ينطبق عليه الوصف المقابل بالضد لوصف شعب العراق ونظامه ومعانيه وقيادته ومعانيها , ولان كلا العنوانين العراق من جهة وايران من جهة أخرى قد بان وصفه، وفعله، ومنهجه، ومسلكه، بعد هذا الزمن من الحكم والصراع.. فأن بإمكان القريب والبعيد، ومنهم شعوب ايران، أن يرتب لكل من الحالين وصفه، وما هو لصالحه، أو عليه.

 

والمثل الثاني، هو أن العراق قد أودع طائرات مدنية وحربية لدى إيران، بعضها قبل أن تبدأ المنازلة الثلاثينية في أم المعارك، وبعضها أثناء المنازلة، على أساس تصور خاطئ من جانبنا بأن المعنيين في إيران يمكن أن يشتركوا في ميزة ما هو مشترك في الإنسانية، وينحوا منحى الخير، وعلى أساس أن ايران لم تعد عدوا للعراق، بعد أن غلبنا الله على صف الشر في 8/8/1988، وتوقف القتال باتفاق الطرفين، وعلى أساس ما أوحى به استذكارنا لشعارات المسؤولين في ايران على عهد من مضى، وبعضه مستمر، ومن بين ذلك استذكرنا شعاراتهم عن أمريكا يومذاك التي كانوا يسمونها بالشيطان الأكبر، متصورين نحن، خطأ، إمكانية تشبث المسؤولين فيها بالحد الأدنى من تلك الشعارات، لأننا لم نكن نتصور آنذاك، أن كائنا من كان، وبخاصة أولئك الذين يقولون بالإسلام دينا لهم، يمكن أن يقولوا بخلاف ما يضمرون وان يتخلوا عن شعاراتهم بين ليلة وضحاها، ويعملوا ما هو عكسها ونقيضها تماما"، خاصة وان المنازلة كانت بين العراق، مودعا" في كنف الرحمن من جهة، وبين ما كانوا يسمونه الشيطان الأكبر، أمريكا، وحليفها، والصهيونية وحلفائهما الآخرين، أو المصطفين مع هذا الصف من جهة أخرى.

 

وان هذين المثلين، أيها الاخوة، هما من بين أمثلة كثيرة أخرى، تملأ مجلدات على الطرف المقابل للعراق، وتكشف جانبا" من أخلاق طرفي الصراع المباشرين، وان نتائج الصراع، لا يمكن تفسيرها بغير العودة إلى هذا الذي قلناه، ونقوله في خطاب اليوم، والعودة إلى عمق خطاب تموز، الذي ألقيناه في الشهر الماضي، بمناسبة عيد الثورة المجيدة، وغير ذلك من الحقائق التي نضحت من مسيرتين متجاورتين، وتجربتين لا تفصل بينهما جغرافيا غير الحدود.. نعم لقد دفع المسؤولون الإيرانيون وأججوا لدى شعوب إيران كل عوامل الكبت والطاقة التي لم تستخدم باتجاهها الصحيح مع العرب بوجه عام فاصطدموا بالسد العظيم المنيع للامة وحصنها الحصين على الجهة الشرقية، العراق العظيم.

 

ورغم كل الدعوات المتكررة، قبل وبعد المنازلة، للتروي والابتعاد عن بواعث ومواطن الشر، ورغم كل دعوات السلام التي أطلقها العراق من أعلى المستويات، وشتى المستويات الأخرى، استمرت شعارات وطبول ومدافع العدوان والحرب، وشعارات الأطماع الخائبة، حتى اندحرت وخابت شعارات الغزو ونيته المبيتة والمخططة في ساحات القتال، فأنتصر الحق على الباطل، وكان انتصارا للمعاني العالية للإنسانية جمعاء، ومن ضمنها من كان يؤمن بعكس طريق العدوان من شعوب إيران.

 

وهكذا أيها الاخوة كان السيف والقلم.. أو الذراع وحكمة العقل: صنوان متوازنان في فعل متوازن في تاريخ العراق والأمة وتراثهما الخالد، وكانا متوازنين في هذا الصراع أيضا، ولذلك لم نشمت، ولم نغدر عندما توقف القتال، لان الحكمة عندنا لا تستخدم السيف بديلا" عن القلم، ولا الذراع محل الحجة والإقناع والتفاعل، ولا تعيش على أرض بلا سماء، أو تداري العجز بالتعلق لفظيا" بمعاني السماء من غير إيمان حقيقي ومن غير أرض راسخة، ولا تتردد في استخدام السيف عندما يغدو السبيل الذي لا بد منه لتثبيت حجة، وعندما يعجز طريق العقل عن إقناع من هو على باطل بأن لا يهم بارتكاب جريمة عدوان ببطلان موقفه.

 

والله أكبر.

 

وعلى أساس هذا، وعلى أساس معانيه، نستذكر يوم النصر العظيم، يوم نصرنا الله نصره العزيز المقتدر في 8/8/1988 في القادسية الثانية المجيدة، ومنه، ومن مقدماته، وما رافقته من ولادة، يمكن أيضاً إلى جانب ما قلناه، إدراك سبب حصار العراق منذ اكثر من تسع سنوات، وسبب قيام من تقع دولهم على حدود العراق، ومنهم إيران، بمهمة الحصار الميداني، بما يطمع ويشجع ويردف العدوانيين الأمريكان والصهيونية في الاستمرار بقتل شعب العراق بكل الوسائل.. وسبب حجب شعوب إيران عن زيارة العتبات المقدسة بينما كانوا يحرضون على زيارتها عن طريق اقتحام العراق بالسلاح، بما كان يوحي يوم ذاك بأن العراق وبخلاف الواقع وكأنه يمنع على الشعوب الإيرانية زيارة العتبات المقدسة بما يغطي شعارات التوسع والعدوانية، ويكشف أيضا سبب مشاركة إيران المخابرات الأمريكية والصهيونية وأعوانهما في احتلال مدينة السليمانية في شمال العراق، بعد وقوع العدوان الثلاثيني على العراق، بالإضافة إلى حالات عدوانية أخرى معروفة من بينها استخدام الطائرات الإيرانية بغارات عدوانية على أهداف في عمق العراق واستخدام الصواريخ أيضا لنفس الغرض، بل أن هذه النماذج من العدوان والعدوانية تعين على تصور روح العدوانية التي وقعت على العراق عام 1980؟

 

ومن هذا يكون الجواب واضحا" على: أليس في كشف الزيف والدجل، وفضحهما وإظهار الحق والحقيقة خدمة جليلة للإنسانية، وليس للعراق أو الأمة العربية فحسب؟ ومن ذلك أيضا" يتضح اكثر فأكثر كيف ولماذا يستحق يوم النصر العظيم : 8/8/1988 منا ومن شعب العراق والأمة، ومن جميع الشعوب المحبة للخير والسلام، أن نستذكره بخير، ونحتفي ونحتفل به على مدار الأيام والأعوام كنتيجة إنسانية رائعة رغم كل ما حصل.

 

بلى والله، انه يوم إنساني خالد وكل ما لا يتصل به أو يعاكسه حالة خائبة مرجومة.

انه يوم عظيم أراده الله برهانا وعنوانا وراية.

 

والله اكبر..

وعاش العراق..

وعاشت أمتنا العربية المجيدة، مثلا إنسانيا" مشعا" بالمحبة والخير والنماذج العالية والاقتدار العظيم..

وعاشت صداقة شعبنا وامتنا مع الشعوب المجاورة، وشعوب العالم اجمع..

وتبا" لعدوانية المعتدين..

وليخسأ الخاسئون..

 

أيها الاخوة..

إن الأمم والشعوب بنات تاريخها الخاص والعام.

 

ورغم حالة الوصل القائمة، بصورة أو بأخرى، بين خط البداية، وآخر صورة، أو أي صورة من صور تطور الشعوب والأمم، فان كل حلقة من حلقات التاريخ، نوعا" ووضعا"، لا تكون صورة طبق الأصل للصور، أو حتى الصورة، التي تسبقها في الصيرورة، ليس لان مراحل الزمن هي مراحل تطور، أو هكذا ينبغي أن تكون فحسب، وإنما لان جانبا" أساسا" في صور التأريخ، ضمن حلقاته الصاعدة أو الهابطة، إنما تمثل صورة الحلقات القيادية فيه، بشكل أو بآخر أيضا، لذلك بإمكاننا أن نقول أن أعمدة التاريخ هي عامة وخاصة، أما العامة فهي ما تمثله من وصف وفعل وخواص وتأثير الحالة الجمعية المتكونة تاريخيا" كخاصية عامة للشعب والأمة، وهي أيضا وصف وفعل وخواص وتأثير الحالة الخاصة لمن يقودون الشعب والأمة، ضمن مرحلتهما، وكلما كان الاقتناع عميقا" والتفاعل جديا" وعميقا"، وعلى نطاق واسع بين من يقودون الشعب والأمة، وبين الشعب والأمة، اقترب العام : الشعب والأمة، إلى الخاص : القائد والقادة، وتصير عندئذ الفروقات بين الخاص والعام فروقات مرحلتها النسبية فحسب، أي فروقات التطور التاريخي بين مرحلة وأخرى مع ما يصاحبها من ذيول عادات منقولة، وعند ذلك تغدو المرحلة كأنها، بصورة أو بأخرى، هي خواص القائد أو القادة، مضافا" إليها المنقول وما أريد له أن يكون موصولا مع خواص وعادات المراحل التاريخية السابقة.

 

ومن هذا يتبين لنا كيف ولماذا يحوّل قائد يقود قادة آخرين، أمة أو شعبا" في المعاني والواقع إلى حالة صعود عظيمة إلى أعلى وأمام عندما يتطابق القائد أو القادة مع شعوبهم على طريق معانيها الإنسانية العالية، ويحول حاكم وحكام آخرون أمة وشعبا" إلى حالة متراجعة، ضمنيا" عن فرصتها ودورها بعد أن يفترقوا عن شعبهم وأمتهم، ويغدوا غير قادرين على تفعيل قدرتهما بمستوى ما ينبغي وما يجب، لضعف تأثير الحاكم، أو انحراف دفعه للأمور، أو استقطابه لهم إلى مسارها الصحيح، ومن ذلك نفهم لماذا، وكيف حصل ما حصل بين دولتين إسلاميتين في ما تعلنان، أو في ما يؤمن به من آمن، وموضوعتان ضمن وصف الدول الإسلامية: وهما العراق وإيران!؟

 

إن الوصف الديني أيها الاخوة الذي أدخل على الأمم والشعوب، سواء كانت تلك الشعوب إسلامية العقيدة، أو الانتساب إليها، أو تحت وصف وعناوين ديانات أخرى، لا يلغي تاريخ الأمة قبل وبعد الانتماء أو الانتساب، ولا يلغي تأثير تاريخها العام حيثما تعارض أو تناقض مع العقيدة الجديدة، ولكن العقيدة الجديدة، في ضوء سعة انتشارها ومستوى الالتزام بها، وعمق تأثيرها، تدخل معاني جديدة في تاريخ الأمم، ويمكن أن تدخل مراحل تاريخية كاملة مطبوعة بطابع المبادئ الجديدة، أو جوهر تلك المبادئ، حسب مستوى إيمان القائد أو القادة في تلك الأمم بالعقيدة الجديدة، وليس الشعوب فحسب، ومدى استعدادهم لاعتبار أساسياتها أساس تفكيرهم وفعلهم وأخلاقهم.

 

لذلك إذا لم يتحقق شرط الانتماء الصميم للحالة الجمعية للشعب والأمة، مع انتماء خاصة الأمة والشعب، وبصورة أخص حاكمه وحكامه، للديانة الجديدة، ويضعوا أنفسهم، تصورا وفعلا، وفق ميزانها، ويتخلقوا بأخلاقها، يكون تاريخ الأمة، من حيث محصلته النهائية، منقطعا" عن التواصل والوصل التفاعلي بين القديم والجديد، ويغدو الدين الجديد حالة شكلية عامة، كلافتة موضوعة للدعاية، وليس للالتزام والتفاعل الصميم، ويعتمد الوصف هنا على مدى تطابق أو افتراق الحالة الجمعية للامة عن الحالة الخاصة للحاكم أو الحكام في هذا.

 

أيها الاخوة..

 

كانت إيران ضمن حالة الدولة الإسلامية التي قادها العرب بوجه عام، وكانوا لها قادة أو حكاما" ومرشدين إلى حين، حتى إذا تكون حكام، أو قادة محليون في ايران، من الشعوب الإيرانية نفسها أو كردفاء لغيرهم، فانهم غالبا" ما كانوا لا يضمرون خيرا" لمصدر القرار في الدولة الإسلامية، ويشيعون على مستوى الشعوب الإيرانية انهم يعاملون بأقل من استحقاقهم، وغالبا" ما يقيسون وينظرون إلى الاستحقاق على أساس ما كانت عليه إيران تحت قيادة الفرس وأكاسرتهم، عندما احتلوا أجزاء من دول وأراض مجاورة لهم، سواء إلى الشرق أو إلى الغرب منهم، وليس على أساس الاندماج في الدولة الجديدة، تحت لواء إيمانها ومبادئها، وتحت قيادتها، وفقا" لمبدأ الإسلام الواضح في الحكم والتصرف ( وأطيعوا الله، وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) وإنما غالبا ما يجتزئونه، أو يجمدونه، أو يحاولون إعطاءه تفسيرا" لا ينسجم مع السنة النبوية المطهرة، أو ما تجمع عليه الأمة الإسلامية، بل انهم، في بعض الأحيان، يعطون معنى ضيقا لمعنى (وأولي الأمر منكم)، فيقتصرونه على الحاكم المحلي للإقليم في تلك اللحظة، بدلا من الخليفة، أو أمير المؤمنين، بما يسهل مهمة حاكم الإقليم المحلي في إيران على مشاكسة أمير المؤمنين أو الخليفة، أو التمرد عليهما.. واخذ هذا الحال مستواه الآخر في إيران في ضوء إلغاء حلقات أساسية من تاريخ الدولة الإسلامية، والقسم الأكبر من رموزها، والاقتصار على حلقات مشرقة بعينها، ولكنها مجتزأة عن قاعدتها وسياق تواصلها وعمقها، وقد تم وضعها في إطار من التضاد، الذي لا يقبل التلاؤم والتفاعل مع كل الحلقات المشرقة العظيمة الأخرى، وبذلك، أعطى المعنيون فرصة، في كل هذه المعاني والحال، ليتواصل تاريخ الأكاسرة في إيران من غير انقطاع، ومن غير أن يعتدوا بتاريخ الدولة الإسلامية في هذا، وبذلك انقطعوا عن عمق هذا التاريخ وفقه الدولة، الذي لا يمكن تصور ما هو افضل منه آنذاك إلا بمراعاة التطور في يومنا هذا، لأنه قد نضج وتطور آنذاك من خلال دولة الإسلام، وشجعوا في إيران، منذ وقت طويل، نمو فقه خاص، ليس على أساس الاجتهاد الذي هو حق، بل وواجب أيضا"، لمعالجة حالة وظروف وإفرازات التطور ضمن مراحله المتعاقبة، وإنما على أساس ولادة جديدة مقطوعة عن عمقها والنسب، بعد أن انقطعت الصلة منذ ما يقرب من ثمانمائة عام عن اصل الولادة وتطورها اللاحق، وعن كل فقه الدولة الإسلامية وتشريعاتها في مرحلة الخلفاء الراشدين، وتاريخ ورموز الدولة والجهاد وراياتها، ليفسحوا المجال، وفق تصور مسبق للتاريخ الإيراني، ليتواصل من غير انقطاع، ولفقه جديد مقطوع الصلة عن عمق فقه الدولة الإسلامية ورموزه، بما في ذلك أبناء وأحفاد سيدنا علي ( رضي الله عنه ) فحورب، أو أستبعد عن مسار الصلة، ناس على أساس مواقفهم الأخرى، أو حتى على أساس أسمائهم، وعلى سبيل المثال استبعد من تأريخ صلة الأبناء والأحفاد من أبناء سيدنا علي وسيدنا الحسين رضي الله عنهما كل من أسمه أبو بكر أو عمر أو عثمان، عدا انتقاءات، وفق غرض أو أغراض خاصة، من فقه سيدنا علي، عليه السلام، وغالبا" ما يستشهد بها، وتحشر عن قصد في إطار، وهدف أو أهداف بعينها، أو في الأقل، وفق صيغة أريد لها وكأنما لتبدو متعارضة وليس منسجمة مع فقه الدولة الإسلامية وتاريخها.

 

وفي كل الأحوال، ومهما كانت الحلقات مشرقة ضمن مسيرتها الكلية ونبعها الأصيل، فغالبا" ما تضعف جذوتها عندما تنفصل عن اصلها، ويضعف تأثيرها مثلما تضعف رائحة العطر الزكي تدريجيا عندما ينفصل عن قارورته، أو تضعف جذوة الجمرة المتوهجة عندما تنفصل عن مجمرتها.

 

أن هذا الوصف الذي قدمناه عن تصرف المعنيين في إيران إزاء التاريخ الإسلامي، هو الذي شجع شاه ايران على الاحتفاء والاحتفال بمضي ألفين وخمسمئة عام متصلة على قيام الدولة الفارسية، متجاوزا" تاريخ ايران ضمن دولة الإسلام، بغض النظر عن موقف شعوب إيران، أو حتى موقف قسم من الخاصة منهم وسط الشعب الإيراني آنذاك، وهو نفس الوصف الذي جعل حاكم إيران، عندما غابت، أو غيبت، المبادئ العظيمة للإسلام الحنيف، يسعى لتدمير بغداد في عام 1980 للميلاد ليحتل العراق، مثلما دمر كورش بابل بالتعاون مع اليهود عام 539 قبل الميلاد.

 

ومن هذا الذي قلناه، يفسر لماذا لا يدرس طلاب إيران تاريخ الدولة الإسلامية، بل ولماذا لا تدّرس حتى المدارس الدينية هناك، تاريخ الدولة الإسلامية وفقهها عندما كانت ايران جزءا منها، وبالتالي كيف ولماذا اعتدت إيران على العراق، وقامت الحرب، وبقيت مستعرة ثماني سنوات..!؟ ومن هذه المعاني نجد التفسير لسبب وقوع العدوان بقيادة من قادوا إيران ضد العراق، وسبب استمرار الحرب ثماني سنوات، وعدم نجاح كل الجهود، بما في ذلك جهود منظمة المؤتمر الإسلامي ولجنتها التي شكلت لإيقاف الحرب وإحلال السلام بين العراق وإيران آنذاك، وعدم توقفها إلا بما أراده الله في ساحة القتال، فجعل الغلبة للمؤمنين، أصحاب التاريخ الموصول على قاعدة إيمانه العظيم، ونماذجه ورموزه الطاهرة ككل من غير اجتزاء، على من أراد أن يكون تاريخ إيران مقطوعا" عن معاني التواصل مع ذلك التاريخ، وابعد عوامل ومعاني المحبة، لتحل محلها البغضاء، بعد أن حشرها وفق صورة ما أراد وأبعدها عن نهر مبادئ الإسلام العظيم، لتمضي من غير أن تتطهر بماء مبادئه القويمة.

 

وعلى هذا أيضا"، يمكن تفسير لماذا وكيف تتحالف الإدارات الأمريكية، التي تدعي الانتماء إلى مبادئ السيد المسيح، عليه السلام، مع الصهيونية البغيضة المعتدية على ارض وحقوق العرب والفلسطينيين، وتدعمهم ليقتلوا النساء والشيوخ والأطفال والشعب في فلسطين مهد السيد المسيح ( عليه السلام) وأجزاء عربية أخرى أيضا، ولماذا وكيف تتحالف الإدارات الأمريكية مع من تحالفت معه لتقتل، وتجوّع شعب العراق وتدمر مرتكزاته الحضارية، بل وحتى آثاره الحضارية !؟

 

وعلى هذا يمكن القول كيف أن كل مرحلة زمنية من مراحل بغداد بعد التدهور والجمود الذي حلّ بها، بل وكل امتنا العربية والإسلامية، بوجه عام، مع استثناءات نسبية معروفة، تبدو كأنها تجمدت لتكون ذات التي سبقتها في كل شؤون الحياة، ولكل ميادينها، بما في ذلك العلاقات الاجتماعية آنذاك، لان التطور على مدى ما يقرب من ثمانية قرون قد توقف، بل وتراجع، من جهة أخرى، تراجعا" مستمرا"، لان الأجنبي العثماني، كان في حقيقته، ورغم ادعائه بأنه يحكم باسم الإسلام، يدير الحكم وفق نظرة ضيقة، تتصل بتراث وهواجس وتمنيات أمته وشعبه فحسب، وأهمل الأمة العربية كمعان وحاملي سيف وراية، وكادر قيادي عظيم للإيمان وراياته وللبناء والمعاني العالية الأخرى، وكمرجع أصيل لتفسير مبادئ الإسلام وما يتصل بها، وإسداء النصائح باختيار الطريق أو الطرق المناسبة، وأهمل تاريخ الدولة الإسلامية ونماذجها العظيمة، وإذا أراد أن يشير إلى جانب من تراثها، كان يتعامل تعاملا" مجتزأ وانتقائيا" وشكليا" أيضا" مع ذلك التراث، وعلى أساس هوى الحاكم بهذا الوصف، وليس المسؤول المؤمن ذي الأفق الواسع والبحر الزاخر من عمق الانتماء المصيري، وعمق التراث والمبادئ العظيمة، ولذلك لم يتفاعل الشعب والأمة مع الحاكم العثماني، وبقي معزولا" عن الشعب في رأيه وموقفه وقراره، وبقي موقف الشعب ورأيه وما يتمنى أن يكون بعيدا" عن الفعل، ومجرد تمنيات نظرية فحسب، وقد حدث كل هذا بعد أن انعدمت أو ابتعدت خواص الحاكم عن التفاعل مع الشعب، بل وانقطع التاريخ أو تجمد في احسن وصف له، وكأن آخر حلقة فيه قبل سقوط الحكم العثماني تنطبق في احسن وصف لها على آخر حلقة سبقت بيوم واحد حكم العثمانيين لبغداد، وبالتالي لكل الدول الإسلامية بوجه عام..

 

ومن هذا أيضا"، ومن مستوى نوع المعاني العالية التي تختزنها بغداد، والقدرة التي يمكنها، بشروط معروفة، أن تكون مبصرة، نفسر كيف لم تكن الشمس تطلع على أهل بغداد وغيرهم، على عهد الدولة التي حكمها العثمانيون باسم الإسلام، عندما غابت عين بغداد، وكيف يشرق الضياء على جبين كثر من أبناء المجتمع الإسلامي، وكل أبناء العروبة، أصحاب السيف والقلم والراية والمبادئ العظيمة، عندما يشرق النور من عيون بغداد التاريخ والمجد.

 

أيها الاخوة..

 

إننا عندما نحتفي ونحتفل بيوم النصر العظيم في 8/8/1988، فليس لأننا نقصد تأكيد قيمة، ومعاني البطولة المتصلة بجذرها الأصيل، وقاعدة إيمانها عميقة الجذور، والمعاني لامة كانت على الدوام مجاهدا"، وحامل راية مؤمنا للرحمن الرحيم، وأمينا" على قيمة وفاعلية المبادئ المتصلة بكل هذا، ومسؤولية الدور القيادي في معاني التطور كعنصر حاسم في الصراع عند وقوعه فحسب، وإنما أردنا أن نؤكد أن معاني مبادئ البناء، ودور الإنسان القيادي، المؤمن في تطوير الحياة، وما يؤمن به من إعلاء شأن المحبة على الكره، وإعلاء هدف وأهداف وطرق ومعاني البناء على التخلف، وروح التدمير، والسعي لربط الحاضر بجذوره الإيمانية الأصيلة، وماضيه العريق، يحقق نصرين على الوصف المضاد، والعناوين المضادة، نصرا" داخل النفس، مستوحى من شعور المرء بأنه جزء حي من كل، وليس حالة منبوذة عنه، وبما يرضي النفس إزاء واجبه تجاه المعبود، الذي لا يعبد غيره، ونصرا" على الأعداء بعد أن يحجب المستحيل عنهم منيتهم، وليس نصرا واحدا فقط، إذا ما تحقق بأي وصف من بين الوصفين فحسب، أما انه يدخل وحشة الشعور بالوحدانية في الطريق الذي لا يشترك فيه غيره، أو وحشة القنوط، الذي مهما بلغ فيه الشعور بالرضا داخل النفس، فانه في حالة كهذه يبقى الشعور بالهزيمة أمام العدو، يلهب الظهور بسياط الغلبة، وربما الضمائر والعقول، بندبات وكدمات قصف مدافع المنتصر.

 

وأردنا أن نقول للعالم اجمع، ومنها شعوب إيران، أن النصر الذي تحقق للعراقيين إنما هو نصر إنساني عظيم، ذلك لأنه نصر للتقدم على التخلف، ونصر للإيمان والحقيقة على التزييف ونصر للبناء على التدمير، وانه لو لم يتحقق، وتحقق شيء آخر بفعل ضربة شيطان رجيم، لا سمح الله، لانتصرت المادية التي يروج لها الغرب، بقيادة أمريكا، في منطقة الشرق الأوسط، وربما في أماكن أخرى، أمام حالة التدمير المرعبة التي تسببها الحالة المتخلفة القابعة حول صورتها المهترئة، التي لبست لبوس الدين، وجانبا" من مظاهره، ولاندحر الإيمان، بعد أن تجفوه نفوس وعقول الناس إلى حين، جراء ما يصيبهم تحت شعارات الدين، ولكسبت الصهيونية وأمريكا المعركة من خلال لجوء الناس إلى حماهما، تعلقا" بأمل زائف للسلام والاستقرار، اللذين يمكن أن يوفراهما للشعوب، أمام غول التخلف والتدمير وطبول الحرب الطائفية.. ولبقيت شعوب إيران أسيرة حالة تغشها إلى وقت طويل، بعد أن تبدد طاقتها، وتصيبها بالإحباط المرير بالنتيجة، بعد أن تطمسها في جرائم العدوانية والتدمير، بل أن النصر قد أنقذ شعوب إيران من كل ذلك، وشعوب العالم اجمع، من أن تسود المادية الغربية، بما يدعها تعلي نظرتها وطريقها في الحياة على حساب مبادئ الروح المتوازنة، والجوانب الحياتية والاعتبارية الصحيحة، والى زمن طويل.

 

وهكـذا يحـق، بـل هـو واجب أيضـا علـى الشعوب والأمم، وليس شعب العراق فحسب، أن تقول: عـاش يـوم 8/8/1988، كيوم نصر للشعوب كلها، وللحق على الباطل، وللمعاني العالية على قعر مهاوي الحضيض والدرك الأسفل.

 

وعاش حاملو رايته ومبادئه، وسيفه..

والله اكبر.

أيها الشعب العظيم..

 

أننا نعرف أننا ربما أثقلنا عليكم في الأسلوب في هذا الخطاب، حيث عرفتم مما استمعتم إليه منا في مثل هذه المناسبة، أو قرأتموه عنا، إننا نسعى قدر ما نستطيع لان نجعل كلامنا ابسط في أسلوبه، سواء من كان منكم في مقتبل العمر أو من بين الشيوخ وكبار السن، ولكن الأسلوب المبسط أيها الأحبة ليس هو القادر دوما" على التعبير عن معنى ما نريد قوله، إذا ما نحا القول منحى فكريا"، وانطلق ليكون وفق وصفه هذا، ثم أن مشكلتنا في ذلك ليست داخل شعب العراق وإنما مع الآخرين تعرفونهم، ومشكلتنا هناك مع أناس يدعون بأنهم في عدوانيتهم إنما يعبرون عن فكرة، لذلك، لا بد أن نتناول الأساس الخاطئ لفكرتهم بأساس صحيح لما نعتقده، ونؤمن به، ونراه صوابا" حتى على مستوى القياسات الإنسانية العامة المشتركة مع الناس، حيثما انطلقوا وتصرفوا على أساس منصف وموضوعي، وعذرنا في هذا، وفي غيره، أيها النشامى والماجدات، وأيها الأحبة من صبية وصبايا، أننا في العراق قد صرنا نتفاهم بالإشارة والعيون قبل الكلام، أو كرديف له، بل وبتلاقي ضمائرنا في سماء محبتنا العظيمة، حيثما تسمو لينعقد العهد العظيم الدائم في بناء بلدنا، وإعلاء شأن الإنسان المؤمن فيه، والدفاع عن الوطن الغالي، والمبادئ العظيمة لامتنا المجيدة، لذلك أرجو أن تفهموا منا هذا وأنتم أهل الفهم، وجمجمة العرب، وان الكلام المبسط، أيها الاخوة، في هذا الأمر قد ينحو المنحى الذي يشج الجباه، ويفطر قلوب خصومكم، في الوقت الذي ليس هذا غايتنا، بعد أن عرفوا إنكم قادرون، باسم الله، على أن تشجوا الجباه، وتمزقوا القيود في ساحاتها، وإنما أن نعالج النفوس والقلوب المريضة، ونفتح العيون بالحسنى على الحقائق كما هي، حيثما قام الحدس بحده الأدنى على إمكانية ذلك، وهو واجبنا القومي والإنساني، وبه سبحانه نستعين، ومن قاعدة حكمة اكثر من ثمانية آلاف عام من الحضارة وتراث امتنا الخالد ننطلق (اذهبا إلى فرعون وقلا له قولا لينا) صدق الله العظيم.. مع المحافظة على جوهر مواقف الشعب المجاهد، وقيادته المؤمنة بالله وبالوطن والأمة والشعب.

 

والله أكبر..

المجد وعليين لشهداء القادسية المجيدة..

وحياة العز والمعاني العالية لجرحانا والأحياء الذين يرزقون..

(ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا").. صدق الله العظيم

 

وتحية إلى أسرانا في أقفاص الأسر في إيران، واعتزازا" كبيرا" بمواقفهم الوطنية هناك..

وتحية إلى المؤمنين الصادقين حيثما كانوا..

وعاشت امتنا المجيدة..

وعاش العراق.. عاش العراق..

وعاشت فلسطين حرة عربية.. وعاش شعب فلسطين ومجاهدو الموقف الكبير..

 

والمجد لعوائل العراق التي كان لها وسام شرف في فقد أبنائها، أبنائنا الغيارى، في سوح الشرف والجهاد، والتي صبرت واحتملت الأذى بقلوب مفعمة بالإيمان والمعاني العالية..

وعاشت الصداقة مع الشعوب..

 

وكان الله في عون كل الأسر الإيرانية التي فجعت بمصيبة ما أصابها في الحرب، ومازالت متمسكة، وتضمر نية الخير والمحبة للعلاقة مع العراق لأنها تدرك وتفهم مغزى الصراع وأسبابه ومسببيه.

 

والله اكبر.. الله أكبر..

وليخسأ الخاسئون

يتبع.....

د. صباح محمد سعيد الراوي

كييف – أوكرانيا

29.12.2005

توطئة للموضوع ... الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة) في المؤامرة على العراق
الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة) في المؤامرة على العراق بدءا من عام 1990

ibnbaghdad_3@hotmail.com

شبكة البصرة

 الاربعاء 4 ذو الحجة 1426 / 4 كانون الثاني 2006

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس