|
كتاب الجريمة الأميركية المنظمة في العراق (الحلقة
السابعة
عشر) |
|
شبكة البصرة |
|
بقلم الباحث والكاتب العربي حسن خليل غريب - لبنان |
|
الفصل الثاني الإدارة الأميركية والحكومة البريطانية والهيئة الأممية أمام محكمة جرائم الحرب
مقدمة ملف الاتهام: المجرمون متَّهمون بالكذب كوندوليزا رايس: «إننا نعلم أن صدام يعمل بنشاط لإعادة إحياء برنامجه النووي المسلَّح». (في 10/ 9/ 2002). ديك تشيني: «في الواقع سيتم استقبالنا كمحررين... إن المسألة ستمر بسرعة نسبياً... فالمسألة ستُحسَم في مدة أسابيع، وليست أشهراً». كما «أننا على يقين أن صدام، في واقع الأمر، أعاد إحياء برنامجه للتسليح النووي». (في 16/ 3/ 2003). دونالد رامسفيلد: «إننا نعلم أين هي أسلحة الدمار الشامل». (في 30/ 3/ 2003). ووجد جورج بوش الكذبة أخيراً جورج بوش: «لقد وجدنا أسلحة الدمار الشامل». (في 29/ 5/ 2003([1]). ومن فمهم أدينهم: - وصف سكوت ريتر إعلان البيت الأبيض عن أن الولايات المتحدة ستنهي رسمياً عمليات البحث عن أسلحة الدمار الشامل في العراق بأنه وضع نهاية لأبشع شكل من أشكال الخداع الدولي في الأزمنة الحديثة. واعتبر غزو العراق بأنه أبشع جريمة ترتكب. وقال إذا علَّمنا التاريخ شيئاً منها فهو أن ندين الأفراد والدول التي ارتكبت الجريمة، والبلدان التي أغمضت أعينها وسدت آذانها أثناء ارتكابها([2]). أولاً: الاحتلال حالة مقيَّدة بالقوانين والشرائع الدولية بداية، قيَّدت القوانين والشرائع الدولية، منذ ما قبل منتصف القرن العشرين، سلطة الاحتلال بأنظمة وشرائع إنسانية، سواءٌ أكانت تتناول ضوابط الحرب في ما له علاقة بأسرى الحرب، أم كانت ذات علاقة بالمدنيين. وللاطلاع على أهمها، يمكن القارئ أن يعود إليها في ملاحق الفصل، كما أوجزتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي(*). يطلق البعض على القوات الأميركية – البريطانية ومن التحق بها، «قوات الائتلاف أو التحالف»، والبعض الآخر يطلق عليها تسمية «قوات الاحتلال». وحسماً للجدل حول طبيعة هذا الوجود والتسمية الحقيقية والواقعية التي تنطبق عليها، وصفته الأمم المتحدة في القرار (1483) بـ«قوة الاحتلال»، وأن السلطة الممارسة بفعل هذا التواجد هي سلطة احتلال. وبهذا الوصف تتحدد المراكز القانونية لكل إفرازاته على الصعد السياسية والعسكرية والأمنية. وطالما أن العراق واقع تحت الاحتلال، فإن تواجد قواته على أرض العراق تفتقر إلى سند قانوني وشرعي وبالتالي لا تكتسب أية سيادة على الأرض، سكاناً وموارد. وهذا ما أكدته المادة 43 من لائحة لاهاي سنة 1907، في المبدأين الأول والثاني، التي تحدد المبادئ الأساسية التالية: 1 -لا تكتسب قوة الاحتلال أية سيادة على الأرض. 2 - الاحتلال حالة مؤقتة بحكم التعريف. وتضيف المادة 43 من اللائحة المذكورة: «تتعين على سلطة الاحتلال ألاَّ تمارس سلطتها لخدمة مصالحها الخاصة أو الوفاء بحاجة سكانها. ولا يجوز في حال من الأحوال استغلال سكان الأرض الواقعة تحت سيطرتها أو مواردها أو أصولها الأخرى لصالح أرضها وسكانها هي، ويرتبط بذلك مبدأ أنه على سلطة الاحتلال ألا تجبر الأرض المحتلة، بسكانها ومواردها، على المساهمة في جهود الحرب التي يقوم بها الاحتلال ضد الحكومة المعزولة وحلفائها أو المساعدة في ذلك بأية وسيلة». إن قوات الاحتلال ومن التحق بها تخالف، في ممارساتها وسلوكاتها اليومية، ما ذهبت إلى تأكيده لائحة لاهاي وخاصة المادة 43. فالقوة المحتلة، لم تحترم القوانين القائمة وقواعد الإدارة، إذ أقدمت على إلغاء تشريعات دستورية وقانونية، وحلت أجهزة الدولة العسكرية والأمنية والإدارية وأحدثت فراغاً على مستوى إدارة الدولة. فمنذ اللحظة الأولى لوقوع العراق تحت الاحتلال، وقَّعت إدارة القوة المحتلة عقوداً نفطية واستثمارية للشركات الأميركية، وهذا يعني أن القوة المحتلة تعمل على استغلال موارد الأرض المحتلة وأصولها الأخرى لصالحها أرضاً وسكاناً([3]). في مقابلة نشرتها صحيفة (لفت هووك الأمريكية)، وصف نعوم تشومسكي الهجوم الأمريكي على الفلوجة بأنه يمثل «إحدى جرائم الحرب الكبرى»، وقال: «الرئيس جورج بوش مؤهل تماماً أن يكون عرضة لعقوبة الموت بموجب معاهدات جنيف والقانون الأمريكي بسبب تلك الجريمة وحدها». تمثَّلت خطوة الهجوم الأولى بالاستيلاء على مستشفى الفلوجة. ويضيف: «أنا شخصياً لا أعرف إذا كان النازيون قد عملوا أعمالاً مشابهة لتلك». وفي ذلك «خرق خطير لمعاهدات جنيف التي تقول من دون لبس إن المستشفيات وكادرها الطبي والمرضى ينبغي أن يكونوا جميعهم من دون استثناء محميين من قبل الأطراف المتحاربة في أي نزاع كان. ولا يمكننا أن نعثر على خرقٍ لمعاهدات جنيف أكثر خطورة من هذا الخرق». وأوضح أنه يوجد قانون في الولايات المتحدة خاص بجرائم الحرب أقرَّه الكونغرس، في العام 1996، جاء فيه: «إن عقوبة ارتكاب خروقات خطيرة لمعاهدات جنيف هي الإعدام». وطبقاً لمبادئ محكمة نورمبرغ، التي أطلقتها الولايات المتحدة ، خلصت المحاكمات إلى أن الجريمة الدولية العظمى هي الغزو، والعدوان. التي تتضمن أيضاً كل الانتهاكات التي تعقب الغزو. وعليه فإن تضاعف معدلات سوء التغذية، وأعداد القتلى التي ربما تصل إلى 100.000 ضحية، وجرائم الحرب الخطيرة في الفلوجة، تعني أن أي عمل شرير أرتُكِبَ عقب الغزو يقع تحت طائلة الجريمة الدولية الكبرى([4]). وتساءلت صحيفة أميركية: هل حان وقت رحيل أمريكا من العراق؟ وكيف نرغب في أن ينظر إلينا الآخرون من النواحي العسكرية والدبلوماسية والسياسية والأخلاقية؟ لتجيب: من الناحية السياسية يتطلب اعترافاً بأن الأمر برمته كان خطأً منذ البداية. ويبدو أن الرئيس بوش غير قادر على هذا الاستنتاج ما لم يتم إجباره على ذلك بسخط شعبي يعيد إلى الذاكرة حقبة حرب فيتنام، ويقلص رغبة الشباب للانخراط في الخدمة العسكرية. ويمكننا المجادلة بأن صدام حسين كان متسلطاً وطاغية وأن هزيمته ينبغي أن لا تستدر أي تعاطف منا، ولكن كان لديه بلد عامل: هنالك حكومة، والناس يذهبون إلى العمل، وإلى الأسواق والمدارس في أمن وسلامة، وهل يمكن لأي شخص أن يعتقد أن الفوضى التي أحدثتها الولايات المتحدة قد تركت الشعب العراقي أفضل حالاً؟. دمرنا العراق فهل لدينا حق أخلاقي في مغادرته وترك الدمار منتشراً في كل مكان؟ لكن استمرار تواجدنا فيه لن يعمل على إصلاح ما دمرناه وإنما سيؤدي إلى ديمومته([5]). يقول الكاتب البريطاني نيكولاس وود: إن الوسائل التي استخدمها الجنود الأمريكيون: القسوة، والانتهاكات الجنسية، والتصرفات السادية، والإذلال، والتلذذ بتدمير بيوت العراقيين، وإهانة أطفالهم، هي عملية غير شرعية مشتركة بين اللاعبين الرئيسين: أمريكا وبريطانيا. وفي حالة انتهاء الاحتلال بسحب القوات أو نهاية العمليات، فإن جرائم الحرب التي ارتكبت فيها يجب أن تكون مسؤولية أي منهما أو مسئوليتهما معاً. إن تدمير العراق، من خلال تدمير المؤسسات المدنية، وعمليات الاضطهاد السياسي، التي تبعت الغزو، تمثل عدداً من الحالات القانونية التي يمكن استخدامها في تحضير ملف إدانة بلير وبوش. إن تدمير البنية التحتية العراقية أثَّر على الخدمات الأساسية التي حرمت المواطنين العراقيين من الحياة الإنسانية الكريمة، بما في ذلك المستشفيات ومراكز العلاج الصحي. كما أن الغزو، دمر التراث الثقافي العراقي بواسطة النهب والسرقة والتدمير التي تعرضت لها المتاحف والمؤسسات الثقافية العراقية، خاصة المتحف العراقي الذي يحتوي على معظم تراث العراق الإنساني. ومثلما فشل الغزاة في حماية المؤسسات المدنية، فقد فشلوا في حماية المعالم التاريخية، بما في ذلك المتاحف والمكتبات. وإن البريطانيين شجعوا على النهب في البصرة، الذي نجم عنه عمليات سرقة وتدمير كبيرة، وهذه الأفعال تعتبر خرقاً لعدد من المواثيق التي تلزم المحتل والغازي بحماية واحترام السكان الذين وقع عليهم الاحتلال والغزو. كما أن أمريكا وبريطانيا، من خلال السيطرة على موارد العراق وأرصدته، قد انتهكتا قوانين محكمة جرائم الحرب الدولية. وأسرى الحرب يُربطون بأسلاك بلاستيكية. وهذا التصرف يعتبر خرقاً لميثاق جنيف. وتكميم الأسرى بأكياس بلاستيكية تحرمهم من الهواء النقي، لهو من مظاهر التعذيب وخرق واضح لمواثيق دولية تدعو لمعاملة إنسانية للأسرى. واستخدام الكلاب لترويع الأسرى وتخويفهم. كما استخدمت الكلاب الضخمة في الدوريات البريطانية والأمريكية في الأحياء العراقية، الأمر الذي ترك أثراً على مشاعر العراقيين. وهناك حالات كثيرة عن معاملة الأسرى والمعتقلين التي استخدم فيها المحتلون أساليب عديدة لإذلالهم وتعذيبهم مثل الوقوف ساعات طويلة. وعاش العراقيون كذلك حالة من الحصار بسبب الإجراءات القاسية أثناء الدوريات وعمليات المداهمة والتفتيش الليلي التي لم تراع حرمة البيوت. وكان الجنود يقتادون الرجال والشباب العراقيين مقيدين معصوبة أعينهم. أما إطلاق النار العشوائي، فلم يأخذ بعين الاعتبار وجود مدنيين، ويجعل البريطانيين شركاء في تصرفاتهم. والأدلة كثيرة على تصرفاتهم العشوائية. وسجلت الكاميرات الكثير من الحالات التي لم يحترموا فيها حرمة الموتى العراقيين، حيث كانوا يدوسون على رؤوس الجثث ويلتقطون الصور أمامها. كما استخدم البريطانيون والأمريكيون علامات حبر لتعليم المعتقلين على صدورهم أو رؤوسهم، أي مثل تعليم الحيوانات. هذا ناهيك عن حالات القتل العشوائي، مثل عملية القصف الأمريكي لعرس في الصحراء، وقتل أطفال يلعبون في شارع حيفا. واستخدام القنابل العنقودية وأثر إشعاع اليورانيوم علي حياة العراقيين. كما جلب الأمريكيون جيشاً من المتعهدين جنود الحراسة الأمنية «المرتزقة». واستبعادهم من العقوبات عندما تخرق القوانين. أما عن عملية احتلال الفلوجة في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2004 فهي عملية انتقام. وينقل الكاتب العديد من شهادات جنود المارينز الذي دخلوا المدينة بنية الانتقام لهزيمتهم في نيسان/ أبريل 2004، حيث قال أحدهم: «العدو له وجه، اسمه الشيطان، ويعيش في الفلوجة، وسنقوم بتحطيمه». ويقول آخر: «فتحنا باب جهنم وأخرجنا منها الكلاب، وأطلقناها عليهم، لا يعرفون ما ينتظرهم، جهنم قادمة، وإذا تواجد مدنيون هناك فهم في المكان الخطأ». وحسب عبارات تومي فرانكس، قائد القيادة المركزية الذي منحه بوش وسام الحرية: «نحن لا نعد الجثث يعني جثث القتلى العراقيين مدنيين ومقاتلين»([6]).
ثانياً: في استخدام الأسلحة المحرَّمة دولياً صعَّدت منظمات حقوق الإنسان الأوروبية، وبشكل خاص في بريطانيا، من حملتها لفضح جرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الأمريكية والبريطانية خلال حرب احتلال العراق. وقام فريق من خبراء القانون من بريطانيا وايرلندا وفرنسا وكندا بتقديم طلب إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لإجراء تحقيق حول ارتكاب القوات البريطانية لجرائم حرب في العراق، وبشكل خاص الاستخدام الواسع للقنابل العنقودية. وشددت على وجوب إجراء تحقيق كامل ومعمق، وإعطاء انتباه خاص إلى أولئك الذين يتحملون المسؤولية الأخيرة. وأكدت أنه لا يوجد أي سبب كي لا يلاحق رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ووزيري الخارجية جاك سترو والدفاع جيف هون أمام المحكمة الجنائية الدولية. وتشير إلى أن المعارك في العراق تسببت بمقتل أكثر من ثمانية آلاف مدني، وإصابة عشرين ألفاً على الأقل من المدنيين بجروح. وشددت على أنه «من المهم جداً بالنسبة للذين فقدوا حياتهم في هذا النزاع، والأجيال المقبلة التي ستواجه حروباً أخرى، أن يتحمل مسئولو الحكومات التي شنت نزاعاً كامل المسؤولية عن جرائم الحرب التي ارتكبت»([7]). بدأت مجموعة من المحامين البريطانيين المختصين بقضايا حقوق الإنسان جمع المعلومات اللازمة لرفع دعوى قضائية ضد الرئيس الأمريكي جورج بوش كمجرم حرب بسبب ما اقترفته القوات الأمريكية من جرائم في العراق. ووفقاً لشبكة سكاي نيوز أشار المحامي بيتر استون، الذي يقوم بتأسيس لجنة الادعاء ضد بوش، إلى أن الأدلة على ارتكابه جرائم حرب كبيرة وعديدة، وأن محاولات كل من لندن وواشنطن وضع حصانة لجنودهما من المحاكمة لن يؤثر على تحرك هيئة الادعاء التي سيشترك فيها محامون من كل دول العالم الغربي بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. وأوضح أن لجنة المحامين لن تتوقف عن مساعيها لتقديم بوش للمحاكمة. وأن اتصالات بهذا الشأن ستجري مع مسئولين في محكمة جرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة للتوصل إلى الصيغة المثلى لتحقيق الهدف من إدانة السياسة الأميركية خاصة تلك المتعلقة بشن الحروب([8]). خلال مؤتمر نظمه نشطاء قانونيون عراقيون، عُقد في بغداد بتاريخ 22/ 3/ 2005، تحت شعار (جرائم الحرب في الفلوجة)، طالب المشاركون بتقديم الرئيس الأمريكي جورج بوش وتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا للمحكمة الجنائية الدولية لمحاكمتهما على ما اقترفوه من جرائم بحق الشعب العراقي([9]). واعتبر صباح ناجي العلواني، رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر، وكمال حمدون، نقيب المحامين في مدينة الفلوجة، الهجوم على المدينة انتهاكاً صارخاً «لاتفاقيات جنيف الدولية وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تحرِّم وتجرِّم قتل الجرحى والأسرى والمدنيين». وأشار إلى أن «مثل تلك الأعمال الوحشية التي ارتكبت في العراق تعتبر جرائم لا تسقط بالتقادم ويتحمل مسئوليتها القتلة الأمريكان ومن عاونهم، وفي مقدمتهم بوش وبلير اللذان يجب تقديمها للمحكمة الجنائية الدولية». وطالب المشاركون في بيانهم الختامي بتشكيل «لجنة تقصي حقائق دولية تقوم بإجراء تحقيقات تتسم بالشفافية والنزاهة». ودعا إلى «إلغاء قرار مجلس الأمن الدولي الذي يعفي قوات الاحتلال من المسئولية عن الحوادث وحالات القتل وانتهاكات حقوق الإنسان»([10]). تنديداً بقتل الصحافيين في العراق، وجَّه الاتحاد الدولي للصحفيين خطابًا مفتوحًا للرئيس الأمريكي طالب فيه بإجراء تحقيقات مستفيضة على أعلى مستوى بشأن الحوادث التي أودت بحياة 14 صحفيًا منذ بداية غزو العراق. واتهم الأمين العام للاتحاد الولايات المتحدة بعدم الوفاء بالتزاماتها بالنسبة للقضاء والمعاملة بالمثل فيما يتعلق بضحايا عنف قواتها. واعتبر الاتحاد الدولي للصحفيين أن 8 نيسان/ إبريل يعد بمثابة «رمز للحصانة من العقوبة»، ذلك المبدأ الذي يتم بسببه اغتيال الكثير من الصحفيين في «أعمال متعمدة» كل عام، منددًا بأن تقارير واشنطن بشأن الاغتيالات غير منطقية أو مقنعة([11]).
ثالثاً: نقل المعتقلين إلى خارج العراق احتيال على القانون الدولي: استخدمت الـ«سي آي إيه» مذكرة سرية أصدرتها وزارة العدل، في آذار/ مارس 2004، كغطاء قانوني لنقل نحو 12 معتقلاً إلى خارج العراق. كما أنها أخفتهم عن أعين لجنة الصليب الأحمر، ولجان المراقبة بالكونجرس، ووزارة الدفاع، ومحققي الـ(سي أي إيه) الذين يشرفون على سياسة الاعتقال. وتسمح المذكرة، التي كتبها مكتب المستشار القانوني في وزارة العدل الأمريكية، في 19 آذار/ مارس 2004، لوكالة الاستخبارات المركزية بنقل العراقيين إلى خارج العراق من أجل الاستجواب «لفترة قصيرة، ولكن ليس لفترة غير محددة». وذكرت صحيفة أوبزرفر البريطانية، في 13/6/2004، أن السلطات الأمريكية تنقل متهمين بالإرهاب إلى دول حليفة، منها بلاد عربية، للتحقيق معهم. وإن تلك الوقائع جرت خلال عمليات سرية للالتفاف على قوانين تسليم المطلوبين. اعتبر بعض المختصين في القانون الدولي المذكرة انتهاكاً لأحد الحقوق الرئيسة التي يقرها البند رقم 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تمنع «النقل القسري الفردي أو الجماعي، وأيضًا ترحيل الأشخاص المتمتعين بالحماية من أراضٍ محتلة». وتعتبر معاهدة جنيف أن انتهاك هذا البند «خرق خطير» للاتفاقية. كما يعتبرها القانون الفيدرالي الأمريكي «جريمة حرب». وتعتبر الأعضاء السابقين في القوات المسلحة العراقية وحزب البعث والمتمردين والمدنيين العراقيين مشمولون بهذه المعاهدة. وقال سكوت سليمان، وهو مدعٍ عسكري سابق، والمدير التنفيذي لمركز القانون والأخلاق والأمن القومي بجامعة دويك الأمريكية: «لب الاتفاقية (جنيف) هو حماية الأشخاص من النقل خارج البلد». ورأى أن المذكرة تسعى إلى توفير غطاء شرعي يبرر إجراءً يعتبره المجتمع الدولي انتهاكًا لا لبس فيه للقانون الدولي وللمعاهدة ([12]). في بيان صحفي أعلنت منظمة العفو الدولية، بتاريخ 16/ 11/ 2004، أن القوات الأمريكية والعراقية ملزمة بموجب القانون الدولي بحماية المتمردين الجرحى الذين لم يعودوا يشكلون خطراً عليها وبتقديم الرعاية الطبية اللازمة لهم، هذا فضلاً عن المدنيين. كما أن إطلاق النار بشكل متعمد على المقاتلين العزّل أو الجرحى الذين لا يشكلون خطراً مباشراً يعتبر جريمة حرب بمقتضى القانون الدولي([13]).
رابعاً: تواطؤ الأمم المتحدة 1- برنامج النفط مقابل الغذاء: منذ العام 1991 حتى العام 1996، كانت الخلافات بين بغداد وواشنطن، في ما يتعلق بتطبيق آلية تصدير كميات محدودة من النفط العراقي، تنحصر في حدود الإشراف على صرف المبالغ المترتبة عن تصدير النفط العراقي. وأصرت الولايات المتحدة من خلال مندوبها في مجلس الأمن، على الإشراف الدقيق وعدم السماح بالتلاعب بالمبالغ الخاصة بالمشتريات العراقية. وطيلة تلك السنوات، كانت أجوبة المسؤولين الأميركيين، تتركز على أن واشنطن مصرة على حماية تلك المبالغ، وأنها تريد أن يتم صرفها على العراقيين، وأن لا تتلاعب بها أية جهة مهما كانت. وتم تشكيل لجنة (661) الخاصة بالإشراف على «برنامج النفط مقابل الغذاء»، وكان أبرز عضوين فيها الأميركي والبريطاني. وللتلاعب الذي كان يحصل، والذي كانت الحكومة العراقية تعرفه، وجَّهت اتهامات إعلامية متواصلة، بينما كانت الإدارة الأميركية تتباهى بأنها حريصة على أموال العراقيين. وتبيَّن لاحقاً أن المسؤولين عن الإشراف كانوا يمارسون خروقات وعمولات وفضائح([14]). كشفت اللجنة الفرعية الدائمة للتحقيقات التابعة لمجلس الشيوخ عن تجاوزات «برنامج النفط مقابل الغذاء» في العراق عن ان بينون سيفان، مدير البرنامج الدولي السابق، ربما حصل على عقود كبيرة حققت أرباحاً بقيمة مليون و500 ألف دولار، فيما تلقى مفتش متعاقد مع الأمم المتحدة رشوة من أجل السماح للعراق بتصدير شحنات نفط سرية. كما أشارت إلى احتمال وجود تعارض في المصالح استفاد منه كوجو عنان نجل الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان. وقال السناتور الجمهوري نورمان كوليمان، رئيس اللجنة الفرعية الدائمة للتحقيقات التابعة لمجلس الشيوخ «إن مشاكل البرنامج كانت أعمق وأخطر بكثير مما كنا نعتقد حتى الآن»([15]). 2- تشريع حكومة عراقية بواسطة انتخابات تجري تحت وصاية سلطات الاحتلال: يمكننا هنا مناقشة افتراضات ثلاثة لأهداف الانتخابات في العراق: الأول: إن إجراء الانتخابات سيساعد على إيجاد حل ديمقراطي لمشكلة السلطة ومن يمارسها في العراق، وهي مشكلة حساسة وخطيرة. الثاني: إن الانتخابات ستجنب العراق حرباً أهلية ستقع إذا لم تجر الانتخابات. الثالث: إن الخيار الوحيد المتاح للشعب العراقي، للخروج من محنة الاحتلال، هو إجراء انتخابات، لأن ذلك سيسهل انسحاب قوات الاحتلال بطلب من سلطة شرعية. أما الأهداف الحقيقية فهي تنصيب حكومة عراقية يمكن وصفها بالشرعية، من قبل الولايات المتحدة، وتقديمها لـ «المجتمع الدولي» على أنها حكومة شرعية تشكلت نتيجة لانتخابات حرة، ومن ثم فلها صلاحية قانونية كاملة لاتخاذ أي قرار، وتوقيع أي اتفاقية عسكرية أو اقتصادية، ذات طبيعة قانونية ملزمة طبقاً للقانون الدولي. ومن أهم الاتفاقيات العسكرية، التي تعوِّل عليها الإدارة الأميركية، اتفاقية توافق بموجبها الحكومة الجديدة على إقامة قواعد عسكرية أمريكية في العراق، يقدر عددها بـ(14)، وتتوزع على مناطق إستراتيجية، تؤمن لأمريكا السيطرة على منابع النفط، وإيصال ذراعها العسكرية إلى أي مكان في المنطقة، انطلاقاً من العراق. أما أهم الاتفاقيات الاقتصادية، فهي اتفاقيات تمنح، الحكومة العراقية بموجبها الشركات الأمريكية امتيازات طويلة الأمد لاستثمار النفط العراقي، وعلى الأرجح بعد خصخصة الصناعة النفطية العراقية. وتضع الإدارة الأميركية في حسابها أنها لن تستطيع الصمود أمنياً في العراق. لهذا تضع في أهدافها تسليم حكومة عراقية تعمل على تشريعها بانتخابات موهومة، من أجل توقيع تلك الاتفاقيات. ولكي تضمن استمرارية الاتفاقيات فهي تعمل على خطين: -خط إضعاف العراق من خلال تأسيس نظام فيدرالي ينشغل بصراعات طائفية دينية وعرقية: رغم أن الاحتلال الأمريكي في العراق قد شرع، منذ بدايته، بمحاولة تفتيت العراق، إلا أنه كان يدرك، أن إعادة وحدته ودولته المركزية أمران ممكنان، بمجرد رحيله. لذلك كان ضرورياً أن يكبِّل العراق بضمانات داخلية، أهمها إقامة نظام فدرالي، يكون فيه المركز ضعيفاً. فإقامة فدراليات ثلاث يتطلب وجود سلطة شرعية ودستور شرعي يسمحان بذلك. وتثبيت هذا التغيير ليس من صلاحيات المحتل. من هنا أصبح إ& |