صدام حسين...ماليء الدنيا وشاغل الناس

تجاوزتَ مقدار الشجاعة والنُهى - الى قولِ قومٍ أنتَ بالغيبِ عالِمُ

شبكة البصرة

محمد العماري

لم يعرف التاريخ على الاطلاق رجلا تصدّر مسرح الأحداث بشكل مثير للجدل, والفضول أيضا, كالرئيس صدام حسين. كُتبت عنه مئات الكتب وآلاف المقالات والقصص, ونُسجت حوله حكايات لا تعد ولا تحصى.  ودخلت صورته وصوته الى كل بيت, بل الى قلوب الكثير من الناس على أمتداد الكرة الأرضية. تناقل أخباره القاصي والداني حتى صار نارعلى علم.  وتحوّل الى نقطة إشعاع  ومركز جذب لفئات واسعة ومختلفة من البشر دون ان تكون لهم بالضرورة علاقة ما به أو بالنظام الذي كان يمثله. تعاطف معه الآلاف, بل الملايين في محنته, التي هي محنة شعبه أولا وأخيرا. وهم يشاهدون فصول المسلسل المسرحي الكوميدي المعنون "محاكمة رئيس النظام السابق" ويتابعون بشغف, مشهدا بعد مشهد, صولات وجولات رجل أعزل إلاّ من المصحف الشريف يواجه جبروت أعتى إمبراطورية عرفها العالم. تخلّى عن كل ما هو غالي وعزيز عليه, وكان باستطاعته ان يكون ملك زمانه وسيّد عصره  لو قال كلمة نعم واحدة لأمريكا.  لكنه رفض رفضا قاطعا وظلّ متمسكا بمبادئه, التي هي مباديء كل عراقي أصيل. ولم يتنازل عن مسووليته أزاء شعب عظيم ووطن جعله الله سبحانه, منذ فجر التاريخ, مهدا للحضارات وذاكرة حيّة  للبشرية جمعاء. 

لا يُنكربطبيعة الحال ان الناس إختلفت في شأنه أيضا وحارالكثيرون في أمره, وهذه هي حال جميع الرجال العظام على مرِّ العصور. وقد لا تجود السنوات القادمة علينا, مرة أخرى, بشخصية فريدة  ومن معدن نادر, كشخصية الرئيس صدام حسين. ملأ الدنيا عندما كان في الحكم, حتى أفقد أمريكا صوابها,  وشغل الناس وهو في الأسر.عصيٌّ على الأعداء فولاذيّ الارادة, رافضا بقوة ما يمليهِ عليه هذا الزمن الأمريكي الرديء. وكأنّ  لسان حاله يقول:

"أعطى الزمانُ فما قبِلتُ عطاءَه  - وأراد لي فأرَدتُ أن أتخيّرا".

منذ الفصل الأول لعرض مسرحية المحاكمة "المهزلة" بدأت حجوم الخونة والعملاء واللصوص بالتضاءل حتى أوشكت على التلاشي, لولا عمليات التجميل والتلميع المستمرة  من قبل أسيادهم الأمريكان. عاد هؤلاء النكرات كما كانوا , وسيبقون كذلك, أقزاماً ومهرّجين ووعّاظ سلاطين وخدم مدفوعي الأجر. تساقطت جميع أوراق التوت )وأوراق الدولارات( التي حاولت أمريكا أن تستربها عوراتهم, ومن ثم عوراتها. حّولهم الأسير البطل الى قِردة تحاصرهم وترعبهم ضحكات المتفرجين وسخرياتهم. حشرهم في زاوية مظلمة و سينتهي بهم المطاف, لا محالة, الى مزبلة التاريخ, إذا كان ما يزال فيها ثمة متّسع لأمثالهم.

في الوقت ذاته, تسامت شموخا وصلابة قامة الرئيس صدام حسين حتى لامست قرن الشمس.  وصار الناس, من شتى بقاع الارض, ينظرون اليه وكأنه تجسيد لآمالهم وطموحاتهم في الانعتاق والتحررمن هيمنة وعبودية دولة الشرأمريكا.  لقد إستطاع هذا الرجل, بروح الثوري وإرادة العراقي التي لا تلين, ان يثبت للعالم أجمع بانه وريث حضارة عريقة تمتد في أعماق التاريخ, لا يمكن لشذّاذ الأرض وحثالات البشر, وان ملكوا كل التكنولوجيا ومعظم خزائن الكويت وأخواتها, من ان يخدشوا ولو حجرا واحدا من صرحها العظيم.

لقد تعرض الرئيس صدام, كما هو معروف, الى حملة شيطنة  فريدة من نوعها. بُنيت في معظمها على الحقد الأعمى له ولنظامه الوطني. وساهمت فبها دول عظمى وبعض ذوى القربى, مع رهط كبير من عديمي الضمير وخونة الأوطان. لقد حاول أشباه الرجال هؤلاء ان يحمّلوه كل مساويء ومآسي الدنيا.ويصنعون منه رمزا وعنوانا ثابتا لكل الشرور, وتوهّموا أن باستطاعتهم, في وقت قصير, إسدال الستار عليه نهائيا. لكن السحر سرعان ما أنقلب على الساحر, وبقيَ صدام حسين, رغم أنف أمريكا ومن لفّ لفّها, ماليء الدنيا وشاغل الناس.

mkhalaf@alice.it

شبكة البصرة

الخميس 5 جماد الاول 1427 / 1 حزيران 2006

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس