بين ضمانات 'الحكيم'.. وأوهام 'المالكي'.. وأطماع 'الطالباني'
وبدأ تقسيم العراق

شبكة البصرة
حيدر خضير الروبيعي

وبدأ تقسيم العراق، إنها الجملة الأكثر تعبيرا لوصف ما تشهده الدولة العراقية هذه الأيام، فقد بدأ مهندسو وفنيو 'التفكيك' بالادارة الأمريكية في تنفيذ 'مرحلة التفكيك الشرعي' للعراق، وهي تلك المرحلة التي سيتم فيها تفكيك الدولة العراقية نظريا، وسيتمثل هذا التفكيك في تصعيد المطالبات الانفصالية لاطياف العراق المختلفة، ثم منحها اطارا شرعيا ورسميا يتمثل في سن القوانين والمواد الدستورية المدعمة لذلك، بل والمؤكدة علي شرعية تلك المطالب الانفصالية، بذريعة انها جاءت كاستجابة لمطالب 'زعماء الانفصال' الموالين لواشنطن وقواتها المحتلة للعراق، وبالتأكيد بدعم امريكي عسكري وسياسي يحافظ علي سير المخطط كما حدد له.
فها هم الأكراد يجتمعون في 'برلمان اقليم كردستان' بأربيل، ليناقشوا ما يسمي بالمسودة النهائية لدستور كردستان العراق، التي صاغتها ما تسمي بلجنة 'صياغة الدستور' المنبثقة عن 'البرلمان الكردستاني' والتي يتوقع ان تقدم إلي رئاستي البرلمان والإقليم للمصادقة عليها، قبل طرحها للاستفتاء الشعبي الكردي خلال الأشهر القادمة، وهي المسودة التي نصت في البداية علي أن مدينة كركوك هي عاصمة الإقليم، إلا أنهم عادوا ليعلنوا أنها تقع في إطار الاقليم وليست عاصمة له كما نصت المسودة السابقة، ضاربين في كلتا الحالتين عرض الحائط بأي رأي عراقي آخر قد يختلف معهم، ومع توجهات زعيمهم 'جلال الطالباني' وعدوه وشريكه في ذات الوقت 'مسعود البرزاني'، فلا شيء في نظرهم يساوي الثراء المنتظر لهم كقادة للبيزنس السياسي الكردي، ومن أجل أحلام الثروات هم مستعدون ­ كما بدا ويبدو بوضوح ­ لخوض غمار الحروب، ضد أي وكل إنسان يحاول أن يحطم احلامهم في امتلاك ثروات وبترول 'المدينة الكنز' رغم ان وضع مدينة كركوك كان ومازال يثير جدلا واسعا، حتي اثناء صياغة الدستور الاحتلالي الدائم للعراق عام 2005، حيث تضم المدينة خليطا من قوميات مختلفة، وتضم اغني حقول النفط بالعالم.
وقد جاء هذا الموقف الكردي متزامنا بشكل لافت للنظر مع تجدد تأكيد المجلس الأعلي للثورة الإسلامية في العراق ضرورة إقامة نظام فيدرالي في جنوب البلاد (!!)، وقد طالب رئيس المجلس المدعو 'عبد العزيز الحكيم' مجددا في بيان صدر عن مكتبه بإقامة نظام فيدرالي جنوب العراق، داعيا اعضاء حزبه الي 'توعية الشعب' بما أسماها محاسن الفيدرالية (!!)، معتبرا أنها 'أكبر ضمانة للشعب'، ومشددا علي أهمية التصويت لصالح 'تشكيل إقليم الوسط والجنوب حتي لا يعود الظلم'(!!)، وقد طالب العاملين في المجلس بالعمل علي 'توعية وإقناع الناس بالفيدرالية لأن فيها محاسن لهم'!!
ليضع 'الحكيم' بذلك النقاط الحاسمة والمدعمة في طريق تصعيد حملات الانفصال عن الدولة العراقية، وهي ليست المرة الأولي التي يطالب فيها الحكيم بذلك، إلا أنها المرة الأكثر إثارة وتفعيلا عن باقي المرات الأخري، حيث جاءت بشكل منسق ولافت للغاية مع غيرها من تصريحات ودعوات مشابهة، وقد طالب في هذه المرة بتنفيذ اجراءات محددة، بما يعني انه تلقي الضوء الاخضر من قادته بواشنطن لتفتيت وتفكيك العراق، وقد اعلن ذلك بالرغم مما احدثته دعواته السابقة من صدمة بين العراقيين، وخاصة بين العرب السنة الذين اعتبروها مقدمة لتقسيم العراق، في وقت تطالب فيه العشائر السنية العراقية بتأجيل تطبيق الفيدرالية علي الأقل خمس سنوات، من أجل إنجاح مشروع المصالحة الوطنية.
فيما استمر رفض جزء من النسيج العراقي لتوصيفات وتصنيفات اتباع الاحتلال الأمريكي بالعراق، حيث نفي الأمين العام لهيئة علماء المسلمين الشيخ 'حارث الضاري' أن يكون الخلاف في العراق ذا بعد طائفي مذهبي، مؤكدا انه خلاف سياسي تقف وراءه جهات مدعومة من الاحتلال، مبديا استعداده للقاء المرجعية الشيعية العليا من اجل مصلحة العراق، ولإخراج البلد من الحالة الخطيرة التي يعيشها، وهو ما يتوافق الي حد كبير مع مضمون دعوة المرجع الشيعي الأعلي بالعراق 'آية الله علي السيستاني'، الذي دعا اعضاء الحكومة العراقية الي الخروج من مقراتهم، والتواصل مع العراقيين للاطلاع علي معاناتهم، وقال ممثل السيستاني الشيخ 'عبد المهدي الكربلائي': 'لا يمكن تحقيق الأهداف التي ضحي من أجلها هذا الشعب بالجلوس في قاعات محصنة، والخوض في نقاشات لساعات متأخرة من الليل'.
وقد جاءت تلك التطورات والتصريحات متزامنة مع توقيع رؤساء عشائر وقبائل العراق، المشاركين في المؤتمر الأول للمصالحة الوطنية ببغداد علي ميثاق شرف يحرم سفك دماء العراقيين، وتعهدوا باستخدام نفوذهم لوقف سفك الدم العراقي، فيما كان رئيس الحكومة العميلة 'نوري المالكي' يؤكد ان العراق لا يمكن ان يبني بالعنف وإنما عبر الحوار الجدي، مؤكدا أن تحرير العراق من 'النفوذ الاجنبي' لا يمكن ان يتحقق دون وحدة الاجماع الوطني ودور كل العشائر التي تضم بطبيعتها مزيجا من الاطياف العراقية من سنة وشيعة في قطع الطريق امام إثارة الفتنة الطائفية، وهي التصريحات التي تعبر عن حالة الخلاف الواضح بين رموز المرحلة الاحتلالية، فيما كان المالكي قد اعلن عن مبادرة تتضمن عفوا عن مرتكبي الجرائم وإعادة النظر في هيئة اجتثات البعث وحل الميليشيات الحزبية.
جاء هذا في الوقت الذي اكد فيه المالكي مجددا ان العراق لن يشهد ابدا حربا اهلية، إلا أنه كان يعد لتعديل الحكومة بعد ما يقرب من مائة يوم منذ تشكيلها، بسبب ما قيل انه يعود لشعوره بالاحباط من اداء بعض الوزراء وعدم ولاء وزراء آخرين لمصالح العراق، ومن ثم استبعاد الوزراء الذين ينقصهم الولاء واصحاب الاداء الضعيف، وحشد تأييد الفصائل المختلفة لخطته في المصالحة الوطنية، كما تداولت الانباء ان التغيير يشمل الحركة السياسية للزعيم الشيعي الشاب 'مقتدي الصدر'، الذي اشتبكت ميليشياته المسماة ب'جيش المهدي' مرارا خلال الأسابيع الماضية مع قوات الاحتلال.
فيما كانت الإدارة الأمريكية تحاول أن تستبق الاحداث للحفاظ علي ما يدعم خططها بالعراق، وتوفير الدعم العسكري اللازم لتحقيق التقسيم الفيدرالي بشكل عسكري، في اطار ما اعلن انه خطة تسلم قوات الاحتلال بمقتضاها القوات العراقية مسئولية الامن في كل المناطق العراقية، علي ان تنسحب قوات الاحتلال الامريكي لتتجمع في قواعد كبيرة خارج المدن للتدخل عند الضرورة، ولذلك خرجت وزيرة الخارجية الامريكية 'كونداليزا رايس' لتعلن أن: 'أي انسحاب سابق لأوانه من العراق، سيشجع المتطرفين واعداء الاعتدال والإصلاحات الديمقراطية بالشرق الأوسط'، واضافت: 'إن الاستراتيجية الامريكية بالعراق يمكن ان تنجح وسوف تنجح، ولكن اذا تم الانسحاب قبل الأوان فإن ثمن الفشل سيكون باهظا وهائلا'!!
ولا احد يعرف علي وجه الدقة طبيعة تلك الاستراتيجية الامريكية، التي تتحدث عنها رايس واكدت ضرورة نجاحها، في وقت يتحدث فيه قادة قوات الاحتلال الأمريكي بالعراق بشكل غامض عن امكانية اشتعال حرب اهلية هناك، قائلين ان العراق مازال بعيدا عن الحرب الأهلية، إلا أن خطرها مازال قائما (!!) ليستمر المسلسل الأمريكي في العراق حتي إشعار آخر، ربما يكون بإعلان مناطق العراق وأقاليمه الثلاثة في فيدرالية سيكون البيت الأبيض محركها الأوحد والمتحكم بها، أو اعلان الانفصالات المتتالية التي ربما ستطال كل محافظة في العراق لتنتهي دولة العراق، ولكن فقط عندما يحين موعد الرغبة الأمريكية، لتلتفت بدورها الي دولة أو فريسة اخري ولتنسجم بذلك مع تصريح وزير الحرب الامريكي 'دونالد رامسفيلد'، الذي قال: إن ما يحدث في العراق لا يؤثر علي مقدرة الولايات المتحدة الأمريكية علي الدخول في حروب اخري في نفس الوقت!!

الاسبوع 4/9/2006

شبكة البصرة

الاثنين 11 شعبان 1427 / 4 أيلول 2006

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس