|
المسابقة بين الوضع المزري والعلم الملائم |
|
 |
|
شبكة
البصرة |
|
حمدان حمدان |
|
ليس من قبيل المفاجأة، او اثارة الدهشة، ان يأمر السيد مسعود البارزاني، رئيس
(جمهورية كردستان) بانزال العلم الوطني لعموم العراق، واستبداله بعلم كردي،
كبرهان انفصالي اضافي، حيث حركات التمرد الكردية، بقصد تدمير الدولة العراقية
واقامة كيان كردي، ظل هو الهاجس الاول، رغم التبرقع بعباءات (العراقية)
و(الوطنية).. منذ ان نال المرحوم الملا مصطفي البارزاني، رتبة الجنرال من
اسرائيل، او منذ ان قامت الدولة العبرية، باقامة الشعائر اليهودية حزنا علي
وفاته، وهي عادة غير مسبوقة اطلاقا، في الطقوس الدينية العبرية، وان (الغريب)
الاول والاخير، الذي تقام له شعائر دينية عبرية احتفالية، هو الملا مصطفي
البارزاني، كما يؤكد الكاتب اليهودي شلومو ناكديمون في كتابه الموساد في شمال
العراق .
اليوم، يرفع ابن المرحوم الملا، علم كردستان ويسقط علم العراق، لان هذا العلم
من صنع نظام الرئيس صدام حسين، او هكذا هي الذريعة المتقولة، الي جانب ذرائع
اسلحة الدمار الشامل، والمقابر الجماعية في الانفال.. واستدعاء الاحتلال.
ليس غريبا ولا هو بالاستثنائي، ان القيادة السياسية الكردية تاريخيا، لم تترك
بابا خارجيا، الا وقرعته، والمشكلة ان هذه الابواب الخارجية، لم تكن متجانسة في
شيء، فمن ايران الشاه، بعد كارثة مهاباد، جمهورية الكرد الساقطة علي يد والد
الشاه، وما بين الشاه واسرائيل، كانت العلاقة الكردية العراقية، تجد طريقها
الميسور، كما يؤكد رئيس الموساد في ايران وشمال العراق، في مذكراته المعنونة
الخيار الاخير لديفيد كمحي ، وقبل ايران واسرائيل، كان زعيم التمرد الكردي
الملا مصطفي، يحط رحاله، اواخر الاربعينات وجزء من اوائل الخمسينات في موسكو
الشيوعية.
ومن موسكو، بعد العفو العام، الذي اطلقه المرحوم عبد الكريم قاسم، الي بغداد،
ثم ثانية ليثور التمرد ضد بغداد، اي ضد الطاقم السياسي (العسكري) الذي اعلن
ثورة تموز (يوليو) عام 1958.
ومع ذلك، فان رئيس العراق الحالي، السيد جلال الطالباني، يستظرف في انتقائية
كوميدية، علم العراق في ظل نظام عبد الكريم قاسم، وهو انتقاء له دلالته
الطالبانية المعهودة، مهزلة في الجد، او جد في المهزلة، فالطالباني، لا يقرع
توأمه في العمالة بارزاني، علي فعلته بحق علم الجمهورية التي هو رئيسها، بل
يختار من عنده، علما لطيفا للعراق، وكأن العلم، خارج كل اجراءاته الدستورية
والتصويتية والتاريخية والشعبية. حيث هو يسقط من الجو في ليلة صفاء مقمرة!
فاذا كان الطالباني، لا يعلم، وهو يعلم باليقين، بأن علم بلد ما، هو رمز تاريخي
لهذا البلد، وهو حيثية دستورية ترد في متن الدستور، بأبعاده والوانه وعدد نجومه
وعباراته، اما اذا كانت الاضافة، هي النشيد الجهادي، في كل تاريخ العرب
والمسلمين، فان نداء (الله اكبر) ليس خصوصية صدامية، بل انه النداء، كما اعتبره
المسلمون، وعلي رأسهم القائد المظفر صلاح الدين الايوبي، الذي يصل الارض
بالسماء، اذا لم يخض العرب المسلمون، معركة عظيمة او فتحا مبينا، الا وكان
سابقهم الي الجهاد، صرخة الله اكبر، فمن المشين حقا، ان يهزأ البارزاني من هذا
النداء، بوصفه كتب بيد صدام، او في تعليق استنكاري آخر، بان (الله اكبر هذه)
تارة تكتب بخط كوفي واخري بخط نسخي او بخط رقعي، او ليتم التهافت في سؤال السفه
الاخير: اي علم تقصدون؟
ومن الطبيعي الا يعرف السيد البارزاني، اي علم يقصد القوم، فهو كما يعترف
الحاكم بريمر، في كتابه (عام في العراق) رفض (اي البارزاني)، ان يصير عضوا في
مجلس الحكم الانتقالي الذي انشأه بريمر مع بداية الاحتلال، فلما استدعاه بريمر
ليسأله عن سبب رفضه اجاب: لمن الطبيعي ان يكون مكان المجلس هو بغداد، وانا لا
احب هذه المدينة ولا اطيق العيش فيها.. فما كان من بريمر الا ان اقنعه بأبسط
السبل! ويضيف بريمر: جميعهم كانوا يعرضون في البداية، لكنني كنت افهم فارق
الحقيقة، بين عرضهم واستعراضهم!
نعود الي القول، بأن من يكره بغداد، لا يعرف علمها بالطبع، فالحركة الكردية
السياسية، كانت منذ نهاية الخمسينات، تلعب دور المعول، في خراب العراق، بحجة
الحقوق المهضومة، علما بأن دماء الاكراد البينية (كردية ـ كردية) كانت تنسال من
الجبال الي السهوب، باكثر مما هبط شعب الفايكونغ الجبلي الي البلدان
الاسكندنافية، فيما توضح ارقام جميع الضحايا علي كاهل (فاشية) بغداد العربية.
ان اسقاط العلم الوطني العراقي، علي يد برزان، بمثابة مقدمة لاسقاطه في
فيدراليات اخري، فقد اصبح تقسيم العراق، بعد اخفاق الاحتلال الامريكي، والنزاع
مع ايران، والخنوع الكامل للنظام العربي، تجاه الامر الواقع في العراق وفلسطين،
من موجهات الاستراتيجية الامريكية، حيث لم يعد من بين الخيارات المتاحة، الا
تقسيم العراق، فاسقاط العلم، هو اسقاط لاقليم كردستان من خارطة العراق، وهو
البداية في الامتحان، اذ لا سبيل للاجتراء علي المحارم الوطنية، الا ما يقوم
به، او يبادر اليه، ساسة اكراد، كان لهم، ولآبائهم من قبل، (فضيلة) الارتماء في
احضان الخارج، من طهران الشاه، الي واشنطن جونسون، ثم منها الي تل ابيب دايان..
ومن اجل استكمال الدورة، فان الذاكرة ما زالت تستحضر، دروس مادلين اولبرايت في
الوفاق الكردي، وغيرها من دروس الاستخبارات الامريكية والبريطانية
والاسرائيلية، فقد عاشت المعارضة الكردية، وغيرها من المعارضات العربية
العراقية، طويلا في اكناف لندن وواشنطن، وبعضها الآخر، متدثرة بخيمة الستر، في
مكاتب تل ابيب الخلفية.
ومع اسقاط العلم، فانه لم يعد ما يستدعي التستر، فالقوم، باتوا يجترئون ـ
بالحماية الامريكية ـ اليوم، ما كان عصيا عليهم بالامس، ولعل ورقة التوت، كانت
قد سقطت ـ لمن يمتلك البصيرة ـ قبل اسقاط العلم، بنيف وثلاث سنوات، اذ ما هي
قيمة العلم، اذا كان الرغاليون الجدد (من ابي رغال)، قد استساغوا اسقاط الوطن
قبل العلم؟! ففي محفوظات الذاكرة، ما هو اشد وطأة واعظم نكيرا، فأجراء الغزو،
كانوا قد صمموا علما بالازرق والابيض للعراق، هو الوحيد من اعلام العالم،
الاقرب لعلم اسرائيل، وهم انفسهم، كانوا في جدل التحبيذ، ما بين الاحتلال
والتحرير، وهم انفسهم، من اقترحوا يوم احتلال بغداد، عيدا وطنيا.. فأين يقع
اسقاط العلم بين هذه الانجازات الحضارية؟! اين يقع مع اسقاط العلم، انجازات
مغاوير صولاغ الاجرامية، ومع انجازات لا تقل شأنا، من عصابات بدر وبيشمركة
اغوات بهدينان وصوران الكردية؟ اين يقع اسقاط العلم، من تفجير ضريح الامامين
العسكريين في سامراء؟ واين يقع في جنون الهجمات الوحشية، علي مساجد السنة
وحسينيات الشيعة.. فيما تقيد الوقائع ضد مجهول! فهو علم ملائم لوضع مطابق، مع
فوضي الامن، والقتل علي الغارب، وبرمجة النهب والسلب، ومع سرقة ثمنمئة الف
برميل نفط، من حوض البصرة فقط، وهو مال العراق السائب الذي يقتتلون علي
اختطافه، علما بانه ما من زعيم ميليشيا نهابية، إلا ويبتديء خطابه بـ بسم الله
الرحمن الرحيم ، ولا ينسي استحضار معلقات انشائية، بخصوص الاخلاص والكفاح
المميت من اجل انقاذ العراق وخلاصه.. ومع الاختلاطات الانحطاطية، باستساغة
الموت اليومي والجماعي، ومع تحلل الدولة وانفراطها الي مزارع عائلية عشيرية
وزارية، واقطاعات ميليشياوية نهابية، وموت النخوة والاستراحة من حمل الاخلاق،
فانه لا يشرف العراق ان يبقي علمه الوطني مرفوعا في ظل احتلال غاشم، وتبعية
عبودية في مدارس المروق والعتوق، ذلك ان المطابقة بين قاع الوضع المشين، يجب ان
يتكافأ مع اعلام القائمين عليه والمدافعين عنه، فعلم الوضع العراقي تحت زراية
الاحتلال وانحلاله هو فعلا علم بارزاني الملائم، وهو ذاته، علم الطالباني
والجلبي والحكيم والجعفري، مع بقية الجوقة العلقمية التي استساغت تسليم بغداد،
في مقابل الوثوب علي المال الحرام، وكرسي الوجاهة الداعر.
اما علم العراق الوطني، مرصعا بالنداء التاريخي الله اكبر، فسترفعه زنود
الاشاوس السمراء من ابطال المقاومة العراقية المنصورة، فارفعوا اعلامكم حيث
شئتم ما دامت تتدلي تحت زعيق الاباتشي والغربان السود من اسلحة بوش، علي ان
تكنيسها علي يد شعب البطولة ليس ببعيد.
كاتب من فلسطين يقيم في سورية
القدس العربي
11/9/3006 |
|
شبكة البصرة
|
|
الاثنين
18 شعبان 1427 / 11 أيلول
2006 |
|
يرجى الاشارة الى
شبكة البصرة
عند اعادة النشر او الاقتباس |