حول قرارمسعود بانزال العلم العراقي

أصفار تحت حكم الاحتلال

شبكة البصرة
محسن خليل

فاجأ قرار مسعود البارزاني بانزال العلم العراقي ورفع علم اقليم كردستان مكانه، الكثيرين داخل العراق وخارجه.وبصرف النظر عن الاسباب التي قيلت لتبرير هذه الخطوة، فانها وبكل المعايير تكشف نوايا الحزبيين الكرديين الانفصالية وتوجههما للاستقلال عن العراق، مستفيدين من ضعف وتفكك الدولة المركزية التي استحدثها المحتل واقامها على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية. وقرار مسعود هذا جاء في توقيته مفاجئا لكنه كان متوقعا. فمنذ ان تبنى قانون أدارة الدولة المؤقت ولاحقا الدستور،الفدرالية كنظام سياسي للعراق، حذرت قوى سياسية عراقية عديدة من النتائج السلبية لهذه الخطوة ومخاطرها على وحدة العراق. ورغم أن الاحتلال واحزابه الحاكمة يزعمون أن الدستور حاز على اغلبية أصوات المقترعين عليه في الاستفتاء الذي جرى في 15\10\2005، ألا ان العراقيين يعلمون ان الاستفتاء كان مزورا ونتائجه المعلنة كانت مقررة سلفا ولا علاقة لها بنتائج صناديق الاقتراع.. لقد اراد المحتل تمرير دستور طائفي عرقي يؤسس لتفكيك الدولة العراقية الوطنية في الوقت المناسب، فأباح لأحزاب الاحتلال أستخدام كل وسائل القمع والارهاب لمنع معارضي الدستور من الوصول الى صناديق الاقتراع،واطلق يدها في توليف النتائج بالاحتيال والتزوير والمخالفات الصريحة.. وما قيل عن الملايين التسعة او الاحد عشر التي شاركت في التصويت، مجرد فرية، وادعاء تكذبه أوامر سلطة الاحتلال التي منعت وسائل الاعلام من تغطية عمليات الاقتراع يوم الاستفتاء، واكتفت بأعداد وتهيئة بضعة مراكز انتخابية حشد لها اعداد مناسبة من المقترعين وسمح بتغطية عمليات الاقتراع في هذه المراكز فقط  لوسائل أعلام تم اختيارها بعناية. ومنعت وسائل الاعلام الاخرى الموجودة في العراق من الوصول الى أي مركز عدا المراكز التي تم اختيارها. يؤكد هذا قيام سلطات الاحتلال قبل يومين من موعد الاقتراع بالغاء الرخص التي منحتها للاعلاميين والتي تخولهم تغطية الاستفتاء.

 

الفدرالية أساسا أقرت تحت حراب المحتل سواء عن طريق قانون ادارة الدولة المؤقت أو الدستور الذي هو عبارة عن صورة مستنسخة من قانون ادارة الدولة المؤقت. وهذا الاخير وضع في عام 2000 في أجتماع لندن للاحزاب الحليفة للمحتل برعاية وزارة الخارجية الامريكية وأشراف نقابة المحامين الامريكيين، وشارك فيه عدد من الخبراء من حملة الجنسيات الامريكية والبريطانية والسويدية والايرانية من ذوي الاصول العراقية.. أي أن مؤامرة التقسيم متفق عليها بين المحتل والاحزاب الحليفة منذ عام 2000.. فالذين يتذرعون بالدستور لتبرير شرعية الفدرالية، يعرفون قبل غيرهم ان الشرعية لا تمنح من محتل وأن كل ما افرزه الاحتلال من هياكل سلطوية ومن تشريعات، باطلة طبقا للقانون الدولي ومرفوضة من شعب العراق استنادا الى وحدته ووحدة ارضه التاريخية التي عمرها آلآف السنين...

أما ادعاء مسعود البارزاني بأن العلم العراقي هو علم البعث وان مجازر ضد الكرد قد أرتكبت تحت هذا العلم، فهذا هو الكذب الصريح والافتراء المكشوف.. لأن مسعود يعرف ان العلم هو علم العراق وليس علم البعث.. هذا أولا، وثانيا ان الجرائم المزعومة ضد الشعب الكردي أفتراء على الحقيقة والتاريخ. فالحكومة العراقية في أي عهد قبل الاحتلال لم ترتكب جرائم بحق الشعب الكردي لانه شعبها، ولكن قواتها قاتلت تشكيلات عسكرية مسلحة هي البيشمركة والتي كانت تقوم بهجمات عسكرية على معسكرات الجيش وروابيه وكان الجيش يرد عليها. وثالثا كان البعث أول من اعترف في وثائقه السياسية والايديولوجية بالحركة القومية الكردية وأصدر على أساس هذا الاعتراف (أتفاقية 11 أذار / مارس 1970)  وصيغتها التطبيقية (قانون الحكم الذاتي لعام 1974)، التي بموجبها أستحدثت ادارة اقليم كردستان العراق، وهي تتكون من مجلسين احدهما تشريعي (برلمان ) والاخر تنفيذي (حكومة اقليم).. ومارست سلطة اقليم كردستان للحكم الذاتي صلاحياتها في الاقليم طيلة المدة (1974 – 1991) الى ان فرضت الولايات المتحدة سنة 1991 الحماية على المنطقة الكردية وأضطرت الحكومة المركزية معها الى سحب وجودها من المنطقة.

وقد اعترف مسعود شخصيا في كتاب مذكراته المنشور عام 2002 بأن قانون الحكم الذاتي وأتفاقية أذار لعام 1970 هو أفضل ما حصل عليه الشعب الكردي في تاريخه، كما أشاد بدور صدام حسين في صدورهما..وسأقتبس نص ما كتبه مسعود حول هذا الجانب :

 ((لأول مرة في التاريخ الحديث جرى الاعتراف بوثيقة قانونية من دولة ذات سيادة بحقوق الشعب الكردي السياسية لا سبيل الى طمسها ولا حجبها، وستبقى الى الابد، لا يمكن الانتقاص من قيمة القرار الذي تتضمنه. كان اتفاق الحادي عشر من آذار للعام 1970 حلا تقدميا عادلا للمشكلة الكردية ونصرا عظيما للشعب العراقي عموما وللشعب الكردي خصوصا وفوزا عظيما للثورة والحزب. ولم يكن فيه أي عيب أو قصور الا أنه تعثر في التنفيذ. وعليّ الاقرار هنا أن مسؤولية تعثره تقع على الطرفين، علينا وعلى الجهة الحكومية، ولكن ليس على سبيل المناصفة فنصيب الجهة الحكومية من التنكر للأتفاق كان أكبر من نصيبنا بكثير))

 

وحول دور صدام حسين قال مسعود البارزاني ((ليس بوسعي وانا بصدد هذا الحدث العظيم في تاريخ الشعب الكردي أن اغفل الشجاعة والجدية التي ابداها صدام حسين في هذا المجال ولا بدوره المركزي من الجانب الحكومي في اخراج هذا الاتفاق الى حيز الوجود)).

 

وحين تتحدث أجهزة الاعلام الكردية التابعة لحزبي مسعود وجلال عن أضطهاد الدولة العراقية للشعب الكردي تتجاهل أن قوات البيشمركة وبدفع قوى خارجية كانت هي التي تبادر دائما الى شن هجماتها ضد الجيش ومؤسسات الدولة، فيضطر الجيش الى الرد عليها وملاحقتها كما تفعل أي دولة تواجه حالة مماثلة. وفي عام 1974 موعد تطبيق الحكم الذاتي رفض البارزاني الاب الحكم الذاتي واعلن التمرد العسكري المسلح ضد الدولة بناء على طلب أمريكي وبمشاركة أيرانية.. كانت الولايات المتحدة قد أعدت لهذا التمرد منذ تاميم النفط عام 1972، وكلفت  كيسنجر وزير خارجيتها آنذاك عن طريق شاه أيران بتحريض البارزاني على رفض الحكم الذاتي واعلان التمرد المسلح... وبافتراض ان الحكم الذاتي لم يلب كل المطامح القومية للشعب الكردي، وهذا غير صحيح بدليل أشادة مسعود به في كتابه المشار اليه، فهل يكون الجواب عليه الرفض واعلان التمرد المسلح أم مواصلة المفاوضات لتطويره؟ ثم من يتحمل مسؤولية ما اوقعه التمرد العسكري عام 1974 – 1975 الذي شاركت فيه قوات أيرانية ترتدي ملابس البيشمركة مشاركة فعلية وبأسلحة ثقيلة متطورة لم يكن لدى الجيش العراقي ما يضاهيها ومنها المدافع 172مم، وتحمّل الجيش العراقي جراء تلك المعارك 50 ألف أصابة بين شهيد وجريح.. لقد سمحت قيادة البارزاني لنفسها ان تستخدم ضد مصالح العراق الوطنية وكأداة لخدمة السياسات الايرانية والامريكية الموجهة ضد العراق...أن هذه الملاحظة المعروفة لدى أوساط واسعة من الاكراد، لا تعني اننا نسحب هذا السلوك على مجمل الحركة القومية الكردية،أبدا  فهذه الحركة وطنية لا اختلاف عليها وتضم آلآف المناضلين الكرد المخلصين للشعب الكردي وللعراق الواحد..

العلم الذي يستنكف مسعود من رفعه اليوم في أقليم كردستان، هو العلم نفسه الذي صدر تحت لواءه أول اعتراف حكومي بالحركة القومية الكردية وبالحكم الذاتي لأكراد العراق، فيما ظل أكراد تركيا وأيران محرومين من أبسط الحقوق القومية. والمتابع للشأن الكردي يدهشه التساؤل المنطقي الذي يقول : لماذا تركز أجهزة الاعلام الكردية وبعض السياسيين الاكراد حملاتهم التشهيرية والظالمة ضد العراق وهو الوحيد الذي منح الكرد حقوقهم القومية وحكما ذاتيا واسعا، ولا تتحدث عن الاضطهاد الحقيقي الذي يتعرض له الاكراد في أيران وتركيا ؟.. ثم ماذا يقول مسعود البارزاني في احداث العام 1996؟ في هذا العام تمكن جلال الطالباني وبمساعدة ايرانية من احتلال أربيل مركز حكومة مسعود. فبعث مسعود برسالة الى الرئيس صدام حسين يناشده فيها التدخل عسكريا لطرد قوات جلال من اربيل وأبعاد النفوذ الايراني عن المنطقة. وأستجاب صدام حسين لطلب مسعود وقامت القوات العراقية بطرد قوات جلال من المدينة واعادة مسعود اليها... الم يكن الجيش العراقي الذي طرد قوات الطالباني من اربيل واعادها الى سلطة مسعود يرفع نفس العلم الذي يرفضه مسعود اليوم ؟ فكيف قبله بالامس ويرفضه اليوم؟

اذا كان مسعود يريد أن يحاسب (العلم العراقي) لأرتكاب أعمال وحشية مزعومة تحت رايته فعليه أن يطالب بأقصاء الطالباني من موقعه كرئيس لجمهورية العراق، وأن يقدمه الى محكمة جنائية لمحاكمته على أشتراكه مع الجيش العراقي في العمليات العسكرية ضد البيشمركة خلال السنوات 1966 - 1970، عندما كان الطالباني خلال هذه المدة ضمن قيادات قوات (الفرسان) الكردية المرتبطة بالجيش العراقي، وعليه أيضا أن يحاسبه حين أعترض على أصدار الحكومة لأتفاقية آذار 1970، وعلى حل تشكيلات الفرسان الكردية التي كان الطالباني يقود بعضها ضد البارزاني الاب، ولأستمراره بتقاضى راتبه من الحكومة كأحد عناصر الفرسان حتى بعد صدور أتفاقية  آذار وحل تشكيلات الفرسان..

أذن المسألة لا علاقة لها بكون العلم العراقي هو علم البعث وأنما بمخطط يمهد لأنفصال الاقليم الكردي عن العراق.. قد لا يكون الانفصال النهائي وشيكا، ولكن الانفصال الفعلي وألغاء سلطة المركز في بغداد على الاقليم هو المطلوب. قرار مسعود لا يمكن ان يتم بدون موافقة امريكية، وهذا يرجح أن يكون قرار أنزال العلم العراقي الوطني حلقة في سلسلة الخدمات التي يقدمها البارزاني للأمريكان. فبعد أن ضاقت الارض بما رحبت على قوات الاحتلال الامريكي في العراق وتفاقم مأزقها  بفعل ضربات المقاومة العراقية ووصول الادارة الامريكية الى طريق مسدود بشأن أيجاد مخرج مشرف من العراق، لم تجد هذه الادارة أمامها غير الانسحاب الى اقليم كردستان كحل يحفظ ماء وجهها امام الراي العام الامريكي، ليصبح الاقليم  مركزا أمريكيا أسرائيليا للتآمر على دول المنطقة بأسرها.. فهل ستكون خطوة مسعود بانزال العلم العراقي تمهيدا لهذا التحرك الامريكي المحتمل ؟

الغريب في أمر قرار مسعود ان جلال الطالباني (رئيس جمهورية العراق) لم يحرك ساكنا، ولم يصدر عنه ما يعبر عن موقفه من هذه الخطوة الخطيرة. فان كانت رئاسته للعراق بصفته عراقيا كرديا، فأين مسؤوليته أزاء تصرف مسعود الذي يتنافى مع السيادة العراقية والقوانين العراقية ؟وما هو موقف مجلس النواب العتيد ورئيس الوزراء المزعوم من تصرف مسعود؟ أم ان الجميع يعرفون أنهم أصفار تحت حكم الاحتلال ؟

مجلة الموقف العربي

القاهرة

5\9\2006

شبكة البصرة

الاحد 10 شعبان 1427 / 3 أيلول 2006

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس