|
نواب الاحتلال يناقشون مسابقة العلم والنشيد الوطني! |
|
شبكة
البصرة |
|
هيفاء زنكنة |
|
راقبت يوم الاربعاء ولمدة ساعة بثا مباشرا لاحدي جلسات ما يسمي بمجلس النواب
العراقي. وقد بدا النواب اناثا وذكورا بصحة جيدة، تشي اصواتهم بالحماس اثر
عودتهم من العطلة الصيفية بعيدا عن حرارة بغداد والمفخخات ونحر الاعناق وقصف
القوات الامريكية ومداهمتها البيوت وقتال ميليشيات الاحزاب السياسية. بدا علي
وجه كل نائب او نائبة استقرت عليه عدسة الكاميرا ولو لثانية بأنه سيتخذ قرارا
حاسما، اليوم اليوم وليس غدا، سينهي من خلاله بلاء المواطن العراقي.
وفعلا، قام النواب بالتصويت علي قرار خطير، سيمرر الي (حكومة المصالحة الوطنية)
في اليوم نفسه، ان لم يكن اللحظة ذاتها. ما دام نقل الجلسة المهمة حيا ومباشرا
وقد تتاح لرئيس الوزراء نوري المالكي ورئيس الجمهورية الطالباني، ان لم يكونا
مشغولين باستقبال أحد المسؤولين الامريكيين أو البريطانيين، مشاهدتها. لقد صوت
النواب بشجاعة كبيرة علي قرار، بدا لمن يتابع البرنامج، بانه سيغير فورا من
مأساة المواطن العراقي الامنية والمعيشية وقد يساعد علي تشجيع الاربعة ملايين
مغترب علي العودة الي ربوع وطنه. فما هو القرار الذي تم التصويت عليه بأغلبية
الحضور؟ هل طالب النواب الحكومة الديمقراطية المنتخبة بالتحقيق في اختلاس
المليارات من ثروة ابناء الشعب، بينما يتحسر الكثيرون علي لقمة الطعام، ويتعارك
الاطفال فيما بينهم علي جمع كل ما يمكن بيعه من أكوام القمامة، وتبيع الفتيات
اجسادهن لاعالة بقية افراد الاسرة؟ هل طالبوا بان تنصب اجهزة قياس كمية النفط
التي يتم ضخها من حقول النفط فورا وبعد ثلاث سنوات ونصف من السرقة العلنية؟ هل
سيتم طرد حراس/ حرامية المنشآت النفطية من مرتزقة الجلبي وبقية الميليشيات؟ هل
صوت النواب علي مطالبة الحكومة باجلاء قوات الاحتلال التي تعيث في البلاد قتلا
وتعذيبا واغتصابا؟ هل صوتوا علي رفع الحصانة عن جنود الاحتلال والمتعاقدين معهم
من المرتزقة وحراس شركات الامن والغاء ميليشيات الاحزاب بانواعها؟ أم انهم
صوتوا، وهذا أضعف الايمان، علي انزال حكم الاعدام بجنود الاحتلال الذين
استباحوا الاعراض وقتلوا المدنيين؟
كلا . لقد صوت النواب علي مهزلة تدعي قانون استيراد وبيع المشتقات النفطية.
يهدف القانون وبالدرجة الاولي الي تكريس خصخصة سوق النفط بعد ان عملت حكومات
الاحتلال الثلاث علي تعزيز عجز وزارة النفط عن تزويد المواطن بما يحتاجه من
البنزين ومشتقات الوقود وهو ابن البلد الذي يملك ثاني أكبر احتياط للنفط في
العالم. أجاز مشروع القانون لشركات القطاع الخاص العراقي والاجنبي وبموافقة
وزارة النفط استيراد المشتقات النفطية بقصد بيعها للاستهلاك المحلي. وهذا هو
بالضبط ما تهدف اليه كل قوانين بريمر الاقتصادية. الخصخصة واللامركزية وفتح
الابواب للاحتلال بعيد المدي أي الهيمنة الاقتصادية بحجة عجز مؤسسات القطاع
العام عن اداء واجباتها. وقد تم التصويت علي القانون، علي خطورته، بلا نقاش
وبصمت يدل اما علي الجهل او التواطؤ.
الا ان أصوات النواب ( الوطنية) ارتفعت عاليا، كما في سوق للمزاد، عندما اعتلي
النائب فؤاد معصوم المنصة ليلقي بيانا، في الفقرة الثانية من البرنامج، طالب
فيه بتشكيل لجنة تقوم باعلان مسابقة لاختيار علم وشعار العراق والنشيد الوطني.
ولا ادري اين كان النائب معصوم في السنوات الثلاث الاخيرة خاصة وانه أحد الوجوه
التي استنسخت في كل حكومات الاحتلال المرة تلو المرة؟ الم يسمع حضرة النائب
بحكاية العلم العراقي الذي تم تصميمه من قبل المعماري رفعت الجادرجي بتكليف من
حكومة الاحتلال الاولي برئاسة علاوي وبعد الاعلان عن مسابقة للعلم والشعار
والنشيد، كلفت المواطن العراقي ميزانية لم يعلن عنها، وان تم الاعلان عن تصميم
العلم الذي ما ان رآه المواطن حتي خرج الي الشوارع، علي الرغم من انشغاله
بالدفاع عن حياته وحياة افراد عائلته، محتجا ومطالبا بابقاء العلم القديم علي
حاله الي ان تزول محنة الاحتلال. وكان سبب رفض المواطن للعلم الجديد هو شبهه
بالعلم الاسرائيلي بلونيه الابيض والازرق. وقد استمرت التظاهرات وحرق العلم
الجديد فترة طويلة لابد ان النائب معصوم يتذكرها. فما الذي تغير الآن؟ من ناحية
العلم لم يتغير شيئا. فالعراق محتل ينوء اهله تحت السيطرة العسكرية للقوات
الانكلو ـ امريكية وبمساعدة حفنة من العملاء. الحكومة المنتخبة افتراضا ومعها
ملحقاتها من نواب ودستور وميليشيات وشرطة تقوم بعروض هوليوودية بين الحين
والاخر لتمتص غضب الناس وتشغلهم عن همومهم الحقيقية. وما اثارة مسألة تغيير
العلم العراقي الان غير لعبة تهدف الي تحويل أنظار الناس عن جريمة كبيرة ترتكب
وفصل من فصول مسرحية الاحتلال.
وقد أدي محمود المشهداني دوره كرئيس لمجلس النواب بشكل بارع حقا. حيث كان مرحا
خفيف الظل كعادته. كاد ان يقترب من الجعفري، رئيس وزراء حكومة الاحتلال
الثانية، في ثرثرته المتزايدة بمرور الدقائق. وقد جمع المشهداني في ادائه
الكوميدي ما بين روح النكتة والمعرفة السطحية بالتاريخ والسياسة مع نفاد الصبر
اذا حدث وتجاوز احد الحاضرين أي النواب حدود دوره. وقد بلغ المشهداني قمة تألقه
حين حاول عدد من النواب مناقشة اهمية رفع العلم العراقي في كل أرجاء العراق بلا
استثناء. حينئذ شعر بان ادارة الجلسة علي وشك الافلات من بين يديه فصرخ باحد
النواب الذي نهض من مكانه لقضاء حاجة ان يجلس في مكانه وان يكف عن الحركة.
وماذا عن العلم، رمز الدولة العراقية؟ كرر المشهداني ما قاله احد النواب بان
العلم لم يرفع في المنطقة الكردية منذ عام 1991 . متناسيا بان البارزاني الذي
أثار اشكالية العلم هذه المرة، تربي سياسيا، مثل معظم المتعاونين مع الاحتلال،
في ظل رئيس النظام السابق. وان البارزاني، مثل أي ابن يحتاج المساعدة، لجأ الي
صدام حسين طلبا للاسناد والحماية في منتصف التسعينات في مرحلة تأجج ما سمي
بـ(اقتتال الاخوة) أي الحرب الاهلية بين حزبه وحزب الطالباني. الحرب التي أدت
الي مقتل 5000 مواطن عراقي كردي. ولعل من المفيد ان نقرأ بهذه المناسبة رد جلال
الطالباني علي رسالة بعثها اليه جيريمي هانلي، مساعد وزير الخارجية البريطاني.
شكر الطالباني بتاريخ 25 تموز (يوليو) 1995، جيريمي علي (اهتمام حكومة صاحبة
الجلالة بمصير شعبنا الكردي والعراق، وكذلك حرصكم علي انجاح المبادرة الامريكية
التي وافقنا عليها واعلنا استعدادنا للوقف الفوري للقتال). وما يعنيه الطالباني
بالقتال هو ما بين حزبه وحزب البارزاني. ويستطرد الطالباني قائلا: (ورجائي بأن
تنفذ حكومة صاحبة الجلالة سياستها بانتقاد وقطع العلاقة مع الطرف المتعنت
والرافض للحل السياسي والسلمي لانه ليس من العدل ان يساوي المرء بين موقفي
الحرص علي السلم والحل السياسي وسيادة القانون وموقف الاصرار علي الاقتتال
الداخلي بالتنسيق والتعاون مع الدكتاتور صدام حسين). وما يعنيه الطالباني
بالطرف المتعنت المصر علي القتال هو البارزاني الذي اتهمه الطالباني بالاستحواذ
علي اموال الجمارك لوحده لتسليح المقاتلين التابعين لحزبه وعلي حساب حزب
الطالباني. وكما هو معروف لم يتوقف القتال بين الحزبين الا بعد ان هددت امريكا
الحزبين بسحب حمايتها لهما، وكما يخبرنا الطالباني في رسالة له بتاريخ 28 آب
(أغسطس) 1996، موجهة الي اعضاء مكتبــه السياسي: (هكذا أيها الرفاق فانتم
تعلمون ان قطع العلاقة مع امريكا والدخول في حرب اعلامية معها امر خاطئ. لذا لا
يمكن رد طلبهم بشأن وقف النار).
ان ما تناساه رئيس مجلس النواب الافتراضي وهو يخاطب النواب الافتراضيين في
المنطقة الخضراء، تذكيرهم بان البارزاني الرافض لرفع العلم العراقي الان هو
ذاته الذي طلب المساعدة العاجلة من رئيس النظام السابق الذي خط بيده عبارة الله
اكبر علي العلم، وان القوات التي توجهت لتلبي نداء المساعدة كانت تحمل العلم
العراقي ذاته. وكانت الطامة أكبر من مجرد فقدان مؤقت للذاكرة حين لم يناقش أي
من النواب الاسباب الداعية الي اثارة اشكالية العلم الان وما هي الجريمة
الجديدة التي يتم التستر عليها من قبل الاحتلال. أم ان الفرحة بتمرير قانون
استيراد وبيع المشتقات النفطية قد أغرقت قلوبهم بالذهب الاسود؟
القدس العربي
9/9/2006 |
|
شبكة البصرة
|
|
السبت
16 شعبان 1427 / 9 أيلول
2006 |
|
يرجى الاشارة الى
شبكة البصرة
عند اعادة النشر او الاقتباس |