مآزق القطرية ومقاتِل التفكير الاسلاموي

شبكة البصرة

صلاح المختار

أخي الفاضل د.عادل سمارة المحترم

تحياتي وتحيات رفاقك المناضلين العراقيين من حملة السلاحين البندقية والقلم.

لقد سررت ان استلم منك رسالة كريمة، خصوصا وان ماورد فيها من ملاحظات يمنحني الفرصة لابداء رأيي في مواضيع مهمة كنت منذ زمن اود مناقشتها.

 

مقاتل التفكير الاسلاموي

لقد فتحت جرحا أحسه انا بالذات منذ غزو العراق بشكل خاص، وهو جرح الموقف القطري، والاضيق من القطري، ليس لمن كنا ومازلنا نعدهم سبب كارثة امتنا، أي الحكام، بل لمن كانوا يهاجمون الحكام العرب بسبب قطريتهم بالذات، بل ان بعضهم كان يهاجم الجماهير العربية بسبب ترك الشعب الفلسطيني وحده يواجه اضطهاد الصهاينة، منتقدين ورافضين النزعة القطرية، التي استخدمت أداة لحماية الانظمة والحكام! الان توسعت همومنا بانضمام فئات كانت نظريا ضد القطرية الى ساحة العمل القطري وما هو أسوأ من النزعة القطرية! فكيف تم ذلك؟ ولماذا؟

تقول في رسالتك : (أليس من المحزن حقاً، أن لا يرد على المرزوقي عربي آخر، أقصد من غير العراقيين؟ صحيح ان للكل مشاغله واهتماماته، ولكن شأناً قومياً لا بد أن يشغل الناس على صعيد قومي، لا أن تتحول المسألة كل يتحدث عن قطره بقطريته! وهل هناك مشاغل أعلى كعباً من مناصرة المقاومة؟) بهذه الفقرة لخصت ازمة نخب عربية وازمة قوى سياسية عربية عجزت، وهنا تكمن مأساة فقر وعيها، عن اكتشاف انها تعرضت عمدا وتخطيطا لما تعرضت له الانظمة العربية قبلها، فتحولت الى ادوات بيد الاستعمار البريطاني والفرنسي في مطلع القرن العشرين، وانتهت بان اصبحت وكالات للاستعمار : كومبرادور محلي يحمي مصالح الاستعمار ويدافع عنها ضد الحركة الشعبية.

ان هذا الدرس مهم جدا : حالما تتحول النخب، سواء الحاكمة او المناضلة ضد الحكام والاستعمار، من مدافع عن الامة بكليتها الى مدافع عن مصالح قطرية ضيقة ينتهي بها المطاف الى التقوقع في أطار اضيق واسوأ من القطرية بكثير، وهو ما يضعها جبرا وقسرا، في صف واحد مع من كانت تعاديه وهو الاستعمار والصهيونية. وقدر تعلق الامر بقوى وطنية فان الانتقال من النضال ضد الاستعمار والصهيونية والكومبرادور الى التوافق معها يمر بمرحلة انتقالية حتمية، وهي مرحلة تأليه التنظيم وتحويله من اداة نضال الى معيار للتقويم السياسي والستراتيجي، مستغلة ارثه النضالي للدفاع عن وجوده وحقوقه في القيادة والعمل، بالحق او بالباطل، رغم ان ذلك يقود الى التخلي عن بديهيات الامة، بل وبديهيات التنظيم بالذات. باسم التاريخ النضالي للتنظيم، والذي يجعله معتقدا انه محصن ضد الانحراف او ضد النقد، يقدم التنظيم على خرق مقدسات الامة وفي مقدمتها الرابطة القومية.

ومثال موقف تنظيمات فلسطينية اسلاموية *من ايران يقدم صورة كئيبة ومحزنة جدا لتحول التفكير من تفكير اسلاموي اممي، تجاوز الرابطة القومية باسم هوية اسلامية مفترضة، الى تفكير تحزبي ضيق يدعي خطأ تمثيل الامة كلها ملخصا مصلحة الامة كلها بمصلحة التنظيم! انها اسوأ انواع النزعة القطرية، حتى وان تمظهرت بغطاء اسلاموي، واشدها خطورة على الرابطة القومية للامة لانها تتبرقع بغطاء وطني وجهادي، بعكس القطرية الحاكمة والفاسدة والمفسدة، والتي صارت رسميا وفعليا وكالات محلية تحمي مصالح الاستعمار والصهيونية. ربما تقول بان هذه التنظيمات بالاصل لم تنطلق من منطلق قومي او وطني وانما من منطلق أسلاموي كان الممهد المنطقي الشكلي للتعامل مع ايران وكأنها مساوية للعراق في الوضع والانتماء الديني، لكن هذا الاعتراض ومهما كان صحيحا يبقى عاجزا عن تجاوز بديهية نعرفها جميعا، وهي ان الانتماء الوطني، وحلقته الاوسع الانتماء القومي، هما التكوين الابتدائي الاساسي لوجود أي تنظيم سياسي سواء كان قوميا او أسلامويا. فالهوية العربية واضحة ومحددة وهي تختلف عن الهوية الباكستانية والايرانية وغيرهما، وافراد تلك التنظيمات الاسلاموية عرب ينطقون بالعربية ويعترفون بأنهم عرب الهوية، خصوصا عند التقابل مع الصهاينة في فلسطين المحتلة، لذلك فان الهوية السياسية الاخوانية لتلك التنظيمات لا تنزع من مناضليها هويتهم العربية مهما تجردوا نظريا منها، وهنا يكمن مأزقها الحالي.

لقد لخصت تلك التنظيمات الاسلاموية مصلحة (الامة الاسلامية) المفترضة في قضية فلسطين، تماما كما فعل البعث وفتح بصواب تام، لكن المشكلة برزت حينما اراد البعض ان يلخص مشكلة فلسطين بتنظيم، لان هذا القسر كان مقدمة لتحويل التنظيم من اداة الى هدف ومن صيغة عمل بشري الى تابو لا يجوز مسه حتى بوردة! فحماية التنظيم ودوره صار هو المعيار وهو القضية، في دمج مصطنع وخطير بين القضية وأداتها، وترتب على ذلك ان تلك التنظيمات مثلا حينما تتعامل مع حكومة الكويت تتنصل من صلتها بعراق صدام حسين وهو عراق العروبة والالتزام القومي الثابت والمجرب، دون انتباه الى حقيقة ان مشكلة الكويت هي جزء اساس من مشكلة الامة العربية وانها ليست قضية العراق فقط، وبغض النظر عن اختلافات وجهات النظر، كما اثبت الدور الكويتي في غزو تدمير العراق وتنفيذ محاولات تغير هويته العربية تحقيقا لاهداف عدة اطراف دولية واقليمية ومنها امريكا واسرائيل وايران!

واذا كان التفكير الاسلاموي قاصرا ولم يكتشف الدور الكويتي، في اطاره الستراتيجي، القائم على المساهمة الفعالة في تدمير الامة كلها انطلاقا من تدمير العراق، فان مأزق هذا التفكير لا يختلف عن مأزق النظم العربية التي باعت فلسطين باسم الواقعية والمصالح القطرية الضيقة. لقد تغلبت متطلبات التفكير النخبوي، الادنى والاضيق من التفكير القطري، لدى اسلامويين على حتميات الانتماء القومي، وباسم القضية، والتي استيعض عنها بضمان استمرارية التنظيم الحزبي، ضحى بالجزء المقوم، أي الاكثر حسما وهو الجزء العراقي المقاوم للاستعمار الامريكي! هل هذا الاستبدال يختلف من حيث الجوهر والواقع عن استبدال الحكام العرب القضية الفلسطينية بالدفاع عن نظمهم، منذ غزو فلسطين، تحت غطاء تبلور الان بصيغة موحية وذات دلالات خطيرة تحت شعارات مثل : (مصر اولا) او (العراق اولا)...الخ؟ الان نجد تنظيمات فلسطينية بفعلها تمارس شعار (فلسطين اولا)، حتى لو لم تقل ذلك بكلماتها، لكنها لا تعني تحرير فلسطين، مادام ذلك مرتبطا حتما بمعركة الحسم الاكبر في العراق والتي تتجاهلها، بل تعني (التنظيم الحزبي اولا)! وهكذا تنحدر القضية من قمة جبل اعتبارها القضية المركزية للامة كلها، وتتدحرج لتصبح كرة ثلج اسمها الانا التحزبية الاكثر خطورة وشرذمة للامة من القطرية الرجعية والعميلة، التي ناضلنا ضدها وما زلنا نناضل، وكانت السبب الرئيسي في تراجع الامة العربية وتقدم الاستعمار والصهيونية.

باسم صنمية قاتلة هي (التنظيم اولا)، وهي المحرك الحقيقي للعلاقة بالكويت وايران مثلا وليس تحرير فلسطين، ابتعد التنظيم عن هدفه الاصلي، وهو تحرير فلسطين، واقترب من موقف التسوية وقبل الاعتراف باسرائيل ضمن حدود ماقبل عام 1967 كما اعلن التنظيم رسميا ذلك! هكذا اوصل التمركز حول الذات التحزبية ذلك التنظيم الى تقوقع قطري اختصر نفسه، على نحو مذهل ومحزن، بالتبرؤ من القضايا القومية الاخرى والاصطفاف مع ايران بلا تردد ومهاجمة الشهيد صدام حسين (قبل اغتياله) والتبرؤ من دعم ابناء فلسطين للعراق في ازمة عام 1990! وبهذا التحول وجد التنظيم نفسه مكوما على نفس قاعدة وقوف بعض الحكام، الذين ابتدءوا مسيرتهم بالعمل من اجل فلسطين لكنهم، وبعد مواجهة تحديات خطيرة كانت اكبر منهم، تراجعوا تدريجيا وتقلصت احلامهم وطموحاتهم لتصبح الاحتفاظ بالسلطة حتى لو كان الثمن هو الطلاق مع المبادئ الاصلية والقضية الاكبر، فاصبحوا حكاما مجردين من الموقف الذي ابتدءوا به!

ان السؤال الحاسم الذي لا تستطيع تلك التنظيمات الاسلاموية الاجابة عليه، ويكشف قاع القطرية العميق جدا، الذي تستخدمه ليكون غطاء لتحزب متطرف يرى في الحزب وليس القضية محور الكون، هو هل ما تفعله ايران في العراق، وفي الخليج العربي منذ الغزو تحديدا يختلف عما تفعله وما فعلته اسرائيل في فلسطين وشعبها؟ مما لاشك فيه ان ايران دولة استعمارية كلاسيكية أبتدأت الاستعمار قبل اوربا بالقيام بغزوتين عالميتين قبل الاسلام وصلت من خلالهما الى اليونان وشملت اغلب الاقطار العربية، واستعمارها الحديث بشكل خاص اقرب للاستعمار الاستيطاني الصهيوني منه الى الاستعمار الغربي، وبغض النظر عن النظم الحاكمة فيها، وفيما يلي بعض مظاهر هذا التشابه الخطير بين الاستعمارين الصهيوني والايراني :

1 – ان الهجرة الفارسية المنظمة (يجب ان نتذكر بان اسم ايران استخدم في عشرينيات القرن العشرين لاخفاء الطابع العنصري للنظام وكان الاسم التقليدي لها هو بلاد فارس) الى العراق والخليج العربي منذ مئات السنين، أي قبل ظهور الحركة الصهيونية وهجرتها، كانت ومازالت مصممة لتحقيق هدف تحويل بعض المشرق العربي سكانيا من وطن عربي الى منطقة فارسية، تماما كما كانت الهجرة اليهودية المنظمة تستهدف تحويل فلسطين من وطن عربي الى وطن (يهودي).

 

2 – ان الدعوة الطائفية الايرانية، والتي تستغل غطاء للتغلغل القومي في الوطن العربي وتقسيمه وشرذمته خدمة لاهداف قومية فارسية، تشبه الدعوة اليهودية الدينية الطائفية من حيث الهدف النهائي وهو أقامة دولة يهودية الدين لكنها تريد تأسيس قومية من خلالها، فايران تريد اقامة امبراطورية فارسية بغطاء اسلامي على حساب هوية العرب واستقلالهم بشكل خاص.

 

3 – ان اساليب التغلغل الفارسي التقليدية، وحتى قبل ظهور اسرائيل، والمتمثلة في استخدام النساء والمال للتغلغل وتغيير الهوية العربية لا تختلف عن اساليب الصهيونية. أدرسوا دور البرامكة مثلا ستجدون ان النخبة الفارسية كانت تعمل حتى داخل الدولة العباسية لانتزاع السلطة من العرب بوجود دور فعال للنساء، سواء بتزويج القادة والامراء لفارسيات او بالتخطيط لزواج واسع النطاق اجتماعيا من فارسيات او بنشر الفساد الاخلاقي، او باستخدام المال لتحقيق النفوذ وشراء الذمم. هل تتذكرون زواج الامبراطور الفارسي قورش بأستير اليهودية والتي اقنعته قبل الاسلام بغزو بابل وتدميرها باسم اطلاق سراح الاسرى اليهود فيها؟

 

4 - ان التقية الفارسية هي ذاتها التقية اليهودية حيث يتم خداع الضحايا بممارسة اساليب تستبطن غير ما تظهر، وبتبني مطاليب وشعارات مغرية ومطمئنة للضحية. باسم دعم قضية فلسطين دعائيا، والتي لخصتها ايران بدعم تنظيمات اسلاموية فلسطينية ماليا، وليس بستراتيجية عملية لتحرير فلسطين، والتي لا يمكن ان تكون جادة الا بالتعاون مع القوى القومية العربية وهو تعاون مستحيل من وجهة نظر ايرانية، بهذا الثمن البخس الذي تستلمه تلك التنظيمات من ايران، تمارس ايران ابشع الجرائم ضد الفلسطينيين في العراق وتمهد لتقسيم ابناء فلسطين الى شيعة وسنة كما تؤكد مجريات النشاط الايراني في فلسطين، خصوصا من تحت مظلة تلك التنظيمات التي تروج الان للصفوية الايرانية بنشاط دعوي تعرفونه في الضفة وغزة.

مقابل الصمت على جرائم ايران في العراق تقدم ايران دعما ماليا لهذه التنظيمات الفلسطينية وغير الفلسطينية في صفقة واضحة وغير سرية!، والسؤال الجوهري الذي لابد من الاجابة عليه هنا هو : ما هي طبيعة جرائم ايران في العراق؟ هل هي مجرد نزاع حدودي يمكن حله او تحمله واستمرار صداقة بعض العرب مع ايران؟ ام انه عمل خطير يمس الامة كلها ويهدد الهوية العربية تماما كما تهددها الصهيونية؟ ان جرائم ايران في العراق ليست من طراز الجرائم الهامشية والتي تسمح لاي عربي بالاستمرار في الصداقة معها بل هي اعمال تمس الوجود العربي، والهوية العربية بالذات، تماما كما تمس الاعمال الصهيونية الوجود العربي في فلسطين. ان جرائم ايران في العراق تكشف عن خطورة ايران ستراتيجيا وتاريخيا على هويتنا ومستقبلنا كعرب، ومنها جريمة العمل الايراني الجاد والواضح جدا على محو هوية العراق العربية وتقسيمه وابادة الاف العراقيين وتعمدها هي وامريكا تشريد حوالي ستة ملايين عراقي بتهجيرهم الى خارج العراق، وجلب اربعة ملايين ايراني واسكانهم في العراق ومنحهم الجنسية العراقية، وهي جرائم لن تتوقف اثارها داخل العراق بل ستكون لها نتائج مدمرة على مستقبل الهوية العربية كلها.

هذا الصمت المدفوع الثمن لتنظيمات اسلاموية عربية نجده محاطا بصرخة ضمير مدوية : كيف تفصل تنظيمات اسلاموية فلسطينية نفسها عن الامة العربية بهذه الطريقة ومع ذلك تطلب استمرار دعمها وتشكو من عدم دعمها او قلته؟ وكيف تفرط بالعراق وعروبته ومستقبله ومع ذلك تستطيع القول انها ملتزمة بمصير فلسطين وحقوقها؟ ان التنازل عن جزء من الامة يؤدي تلقائيا الى التنازل عن اجزاء مهمة اخرى حتما، لذلك لم تكن صدفة اقتران تجاهل كارثة العراق، عبر الصمت على احد المجرمين الرئيسيين وهو ايران، بالتنازل عن هدف تحرير فلسطين وقبول دولة مقزمة على اراض فلسطينية في اطار القرار 242 وليس على كل ارض فلسطين، كما كانت تلك التنظيمات تريد في بداية عملها. هذه هي النتيجة الحتمية لصنمية التفكير النخبوي والتي تجرد الحركة او الشخص حتى من غطاءه الاول، سواء كان قوميا او اسلاميا، وتدفعه دفعا ورغما عنه الى اعماق قاع موقف هو الاشد ظلاما وظلامية وغرابة.

 

5 – ان الحقد على العروبة سمة مشتركة ايرانية وصهيونية، واذا كان هناك من يشكك بهذا الحقد قبل غزو العراق لاسباب شتى فان ما حصل ويحصل في العراق منذ الغزو يؤكد بلا ادنى شك بان الشوفينية الفارسية الحاكمة تحت غطاء الملالي حاقدة على العرب كلهم وبلا استثناء، رغم انها تستغل القضية الفلسطينية لتجميل وجهها البشع والمرعب! لم تكتفي ايران ومخابراتها وعصاباتها بالتنكيل بعرب العراق ببشاعة لم يسبق لها مثيل بل تحدت كل العرب، وبشكل خاص الفلسطينيين منهم، بارتكاب مجازر ضد الفلسطينيين في العراق وبطريقة قد لا تفهم الا اذا وضعت في سياقها التاريخي، وهو صراع الامتين العربية والفارسية القديم جدا والسابق للصراع العربي الصهيوني. لقد رفضت ايران ورفض حزب الله اللبناني توجيه حتى نداء لفظي لفرق الموت الايرانية، مثل عصابات مقتدى الصدر وفيلق بدر، لاجل ايقاف مجازرهما ضد الفلسطينيين في العراق مع ان هذه العصابات تأتمر بامر علي خامنئي وكاظم حائري وهما ايرانيان، فعلى ماذا يدل هذا الموقف؟ ان من يريد تبرئة ايران من تلك الجرائم عليه ان يتذكر بان اتباع ايران في العراق خاضعين لقاعدة طائفية صارمة ملزمة وهي طاعة المرجعية الطائفية بلا تحفظ او تردد والا فان لعنة التكفير ستحل بمن يخالف. ان الدليل الساطع على ذلك هو ان المرجعية الطائفية في النجف والاحزاب العميلة لايران قد ساهمت بغزو العراق تنفيذا لاوامر ايرانية معروفة، واشتركت في الحكومات العميلة المتعاقبة، بل ان عملاء ايران هم الحكام الشكليون للعراق المحتل! وهذا الموقف اتضح اكثر حينما بدأت ايران تتصارع مع امريكا حول حصتها في العراق، وردت امريكا بان الحصة تقررها هي وليس ايران، وعندها بدأت لعبة عض اصابع ايرانية امريكية ساحتها العراق. وكجزء من هذه اللعبة امرت ايران بعض اتباعها بالقيام بدور اخر وهو مهاجمة الاحتلال باعمال محدودة كوسيلة ضغط على امريكا، وهكذا سمعنا هؤلاء العملاء يهددون امريكا بضرب قواتها في العراق اذا هاجمت ايران مع انهم كانوا ومازالوا الاداة الاولى والاهم في غزو امريكا للعراق! فهل هذه التبعية التامة لايران لا تصلح لاصدار امر لتلك العصابات بالتوقف عن ذبح الفلسطينيين في العراق؟

 

6 - ان النزعة الاستعمارية الايرانية تشبه النزعة الاستيطانية الصهيونية من حيث ان المشروعين ينفذان بواسطة عدة اجيال ويخضعان لخطة طويلة المدى، تشبه (بروتوكولات حكماء صهيون)، تنفذها حكومات مختلفة ايديولوجيا وسياسيا وفي عقود وربما قرون متعددة، مثلا حكومة الشاه العلمانية وحكومة الملالي الدينية في ايران عملتا على تنفيذ هدف التوسع الايراني الخارجي والاحتفاظ بما احتل من اراض ومصادر مياه عربية، كالاحواز والجزر العربية الثلاث ونصف شط العرب...الخ، وهذا ينطبق على حكومة حزب العمل وحزب الليكود في فلسطين اللتان عملتا على اقامة اسرائيل الكبرى، بغض النظر عن الاختلافات السياسية والايديولوجية.

 

اذا اكتفينا بهذه الامثلة فانها تطرح بجدية مسألة صداقة ودعم ايران للقضية الفلسطينية وتثير بجدية اكبر واهم مسألة دور تنظيمات فلسطينية داعمة لايران في الدفاع عن القضية الفلسطينية بالاعتماد على دولة معادية وهي ايران، كما تثبت احداث العراق وكل الوطن العربي الذي يتعرض لاخطر محاولات تفكيكه على اسس طائفية تنشرها ايران وعرقية تنشرها امريكا واسرائيل، وهي خطة اسرائيلية بامتياز! ان قطرية تلك التنظيمات الاسلاموية الفلسطينية، والتي تقلصت واصبحت صنمية التنظيم، تقف الان امام امتحان حاسم يلخصه جواب السؤال التالي : هل ان القضاء على العراق، بتقسيمه وتغيير هويته العربية، منفصل عن تذويب هوية فلسطين العربية؟ واذا كنا كلنا عرب ونعد فلسطين شقيقة للعراق كيف يمكن لتنظيم فلسطيني ان يقايض السكوت على تدمير وتقسيم العراق بالدعم المالي الايراني للتنظيم وليس لفلسطين؟ وهل من المنطق والامانة انتقاد الدور الامريكي في العراق وتجاهل ان ايران هي الشريك الاول لامريكا في كل ماحدث ويحدث للعراق وهي شراكة اعترف بها خاتمي الرئيس الايراني رسميا وعلنا؟ أين يتجسد الوعي القومي والوطني لدى هؤلاء لما يجري في الوطن العربي مع انه البيئة الاساسية التي تؤثر على ما يجري في فلسطين مباشرة؟ واين تظهر تلك التنظيمات مفهومها للاسلام الحقيقي الذي يضع مصلحة الاسلام فوق مصلحة حزب او فئة؟

أخي عادل : ان كارثة امتنا العربية كبيرة جدا ليس لان العدو شرس وقوي فقط بل الاهم لان بعض ابناء الامة تقوقعوا وتقزموا الى حد صار الحزب هو الامة وهو القضية، وهي نتيجة تفضي الى ماهو اخطر وهو الاستعداد للتخلي عن القضية المركزية للامة وهي فلسطين التاريخية بالاكتفاء بدولة قزمة ضمن حدود عام 1967. ألم تعلن تلك التنظيمات قبولها ذلك الحل؟ أذن اين قدسية التنظيم والتي حلت محل قدسية القضية الام والمركزية وهي فلسطين؟ وما الفرق بين حاكم ابتدأ بالمطالبة بتحرير فلسطين لكنه تراجع وتراجع الى ان وصل الى الاعتراف باسرائيل، وبين تنظيم ابتدأ ايضا بشعار تحرير فلسطين وتوسع جماهيريا على اساس نقد تراجعات فتح عن هدف تحرير فلسطين، لكنه الان يصل الى نفس الارض التي تقف عليها فتح وحكام عرب من زاوية الاستعداد للاعتراف باسرائيل؟ هكذا ابتدأ السادات خليفة عبدالناصر، وهكذا انتهى السادات مطبعا ومعترفا باسرائيل، بعد ان مهد لذلك بحرب تأهيل للاعتراف باسرائيل وهي حرب اكتوبر!

ان تخلي نخب عربية عن الدفاع عن العراق لم يكن بالاصل من فعل انفار تائهين وصلاتهم معروفة بالغرب، مثل منصف المرزوقي وهيثم مناع، بل ان الامر اخطر من ذلك بكثير لان الغرب عمل على التأثير، بهذه الطريقة او تلك، على قوى وطنية واسلامية مشهود لها بالجهاد، واجبارها على التراجع عن منطلقاتها الاصلية والانخراط في مسيرة التسوية، على طريق الساداتية ذاته، تدريجيا معتمدة على ارثها الجهادي والوطني كغطاء يحميها من النقد، بوضعها امام تحديات مستمرة تلين موقفها تدريجيا، بتسخينه الى درجات تجعله مرنا ثم تبدأ عملية الطرق واعادة قولبته. هل وصلت تنظيمات اسلاموية فلسطينية الان الى هذه المرحلة من اعادة القولبة بعد ان مهد لها بتعريضها لضغوط وتحديات كبيرة؟

ان اهم مؤشرات خروج تلك التنظيمات عن نهجها الاصلي الجهادي، وهو نفسه منطلق فتح الاصلي وهو نفسه منطلق حركة القومية العربية الاصلي (تحرير فلسطين) يتمثل فيما يلي :

1 – الفصل بين قضية فلسطين والقضايا المصيرية العربية الاخرى وفي مقدمتها قضية عروبة العراق وعروبة الخليج العربي وعروبة الاحواز التي تحتلها ايران ويبلغ عدد سكانها ثمانية ملايين عربي، ووحدة الوطن العربي المهددة بالترويج الطائفي الايراني المنظم والخطير والمدعوم امريكيا واسرائيليا.

2 - باسم رفض القطرية العربية نجد هذه التنظيمات تمارس ما هو اسوأ واخطر من القطرية وهو فصل فلسطين عن امتها وتبني شعار (التنظيم اولا)، قبل الامة كلها وقبل القضية الفلسطينية بالذات.

3– مقايضة صمت تنظيمات فلسطينية على الدور الايراني الرئيسي في اغتيال الهوية العربية في العراق وغيره بالدعم المالي الايراني.

4– تركز الدعم المالي الايراني على بقاء تنظيم وليس بقاء قضية، وهذه حقيقة يجب تذكرها باستمرار، لان قبول تنظيمات التنازل عن فلسطين التاريخية مقابل دويلة قزمة في الضفة والقطاع يجعل التعاون مع ايران قائما على الاحتفاظ بتنظيم فقط، في اطار ما يبدو ظاهريا تنافسا مع تنظيمات اخرى على السلطة، وهو مظهر مخادع.

ان هذه المظاهر الاربعة ما هي الا نتاج نزعة قطرية خطيرة ساهمت في خلقها التربية الحزبية الاخوانية التي قامت اساسا على تكفير الانتماء القومي وربطه، قسريا وتزويريا، بالقوميات الاوربية، وتنشئة اجيال من الاخوان المسلمين الذين يعادون الفكر القومي والانتماء القومي ويحطون من شأنه باسم الدين الاسلامي، لذلك ملآ الفراغ في الهوية الذي احدثته التربية الاخوانية، بهوية اسلامية مفترضة وهشة وقابلة للاختراق،لان من المستحيل بناء هوية اسلامية من دون قاعدة وطنية او قومية تشكل مركز اسناد لها. وتلك لعبة خطيرة انطلت على احزاب دينية اعتقدت ان الاسلام لوحده يمكن ان يصبح هوية للعرب. لذلك يجب ان نسلط الضوء على احد اهم دروس المرحلة الماضية هو ان الهوية الاسلامية وحدها عاجزة القيام بذاتها أولا، وعاجزة عن التعويض عن الهوية القومية ليس بالنسبة للعرب فقط بل بالنسبة لكل القوميات الاسلامية ثانيا، لان القومية العربية اقدم وارسخ من الهوية الدينية والدليل هو ان القران الكريم نزل بلغة القومية العربية. ان الاسلام دين وفيه قواعد للحياة لكنه بذاته لا يمكن ان يشكل هوية منفردة لاي انسان، الا اذا كان انسانا افتراضيا وغير واقعي هبط الينا من السماء قبل ان تتكون له ملامح شخصية، فهل يمكن لانسان ما ان يكون بلا هوية مع انه ناضج من حيث السن؟ ان الرابطة القومية هي القاعدة المادية الاساسية والخلفية الثقافية المتبلورة للانتماء الديني والتي بدونها تصبح الهوية الدينية محض طقس لا يصد تحديات الحياة الواقعية. وهذه الحقيقة استوعبتها ايران منذ مئات السنين فغلبت الرابطة القومية الفارسية على أي انتماء ديني وسخرت الدين لخدمة القومية وليس العكس.

ان ايران التي تصر على تسمية نفسها (جمهورية ايران الاسلامية) وصادقت تنظيمات اسلاموية فلسطينية، وغير فلسطينية، تحت هذا الغطاء تقدم لنا انموذجا حقيقيا لمسالة الهوية، فايران في الواقع دولة لها مصالح قومية تتغلب على ماعداها، سواء كان دينا او صداقة او علاقة تاريخية , والدستور الايراني واضح وحاسم بهذا الشأن لانه يعترف بان لايران مصالح وانها امة ايرانية ولها هوية ايرانية واراضيها لا يمكن ان تفرط بها لامم اسلامية اخرى. وهذا الذي ورد في الدستور عبر عن ثقافة النظام (الاسلامي) التي قدمها خميني شخصيا، والذي عرف عنه بعد استلامه للحكم انه يرفض الحديث باللغة العربية مع من زاره من العرب ويصر على التحدث بالفارسية رغم انه يتقن العربية مع انها لغة القران! كما ان الصراع مع العرب حول الجزر الثلاثة وحول الحدود والمياه مع العراق والاحواز العربية المحتلة وحول تسمية الخليج العربي أمثلة اخرى على ان ايران دولة تعمل وفقا لمصالحها القومية وليس خدمة للاسلام. فلماذا تستطيع ايران ان تعمل لخدمة مصالحها القومية فيما الاحزاب الاسلاموية العربية تتخلى طوعا عن هويتها العربية باسم هوية اسلامية مفترضة وغير موجودة في الواقع؟

ما الذي اردت قوله اخي عادل؟ لقد اردت التشديد على ان القطرية العربية التي هاجمناها ورفضناها قد اصبحت اقل خطورة من نزعة ذاتية تحزبية تحل التنظيم محل الامة وت