بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ألمؤتمر القومي : بين وعد بلفور ووعد خميني

شبكة البصرة

صلاح المختار

بعد انتظار طويل تعمدته لضمان ان يكون الحوار في اشد درجات الهدوء والموضوعية، وبعد ان كتب البعض نقداته لما جرى في المؤتمر القومي العربي في ختام دورته الاخيرة في البحرين (28 - 4 - 2007) حول ايران، أجد نفسي ملزما بالكتابة حول ما صدر عنه لانه رجح كفة الاعتراض لدينا، بعد ان كنا نمارس موقف الصمت حرصا على علاقتنا الطيبة بالمؤتمر واغلب شخصياته التي نكن لها الاحترام والود، خصوصا امينه العام الحالي الاستاذ المناضل خالد السفياني، لذلك ولازالة أي التباس قد يحدث اود الاشارة الى ان ما كتبته هو ليس نقدا لشخص ما وانما نقدا لمواقف.

ان السؤال الاساسي الذي اجبرني على الكتابة هو التالي : هل الموقف من ايران في ضوء سياستها الفعلية تجاه العراق والامة العربية قابل للاجتهاد وانقسام الراي بين القوميين العرب مع انه موقف يهدد مستقبل الامة وهويتها القومية؟ ان الموقف من ايران لم يعد مسألة تقبل الخلاف حولها بعد جرائم ايران في العراق، تماما مثلما لم نقبل في السبعينيات الاجتهاد حول الساداتية حينما نقضت اساس الموقف القومي بزيارة السادات للقدس واعتبرناها موقفا خيانيا لا مجال فيه للاجتهاد. ومع اننا كتبنا ونبهنا وعرضنا الحقائق كلها حول طبيعة الموقف الايراني تجاه العراق والامة العربية كلها فان ما يجري اكبر من ان يهمل او لا يرى. كما ان ما تقوم به ايران في الخليج العربي والوطن العربي كله، خصوصا في البحرين والامارات وغيرهما، لا يحتاج سوى لنظرة عابرة ليدرك المرء ان الخطر الايراني ليس اوهام او عواطف بل هو حقيقة قائمة على الارض وتزداد يوما بعد اخر. ورغم هذا فان البعض مازال يتجاهل الواقع ويغض النظر عن جرائم ايران، برغبته او ضد رغبته نتيجة حرصه على الخروج بموقف موحد. وقد وصل الحال الى درجة ان هناك من اعترض على استخدام بعض الحضور لوصف (الصفوية) لتمييز ايران الحالية مع انه اخف ما يجب ان توصف به ايران واعمالها الاجرامية في العراق وفي الوطن العربي! بل لقد وصل الالتباس وطمر الراس في الرمال ان احد اعضاء المؤتمر القومي اتهم القوميين العرب، الامناء على القضية القومية للامة العربية في زمن تكالب كل اعداء الامة عليهم، بانهم (ضيعوا البوصلة) فيما يتعلق بايران مع ان جرائم ايران معروضة امام نواظر العالم وتحكي قصة تدمير العراق ومحاولات تذويب هويته العربية، ولا يحتاج الامر لاستخدام أي بوصلة لهداية من يريد ان يعرف الحقيقة عن العراق! أذن نحن بازاء محاولات تضييّع متعمد للبوصلة يريده البعض، بخصوص ايران، لكي تستمر في تنفيذ مخططها التدميري المكمل للمخطط الاسرائيلي الامريكي، من خلال تجميل وجهها وتصويرها على نحو يعتم على دورها الحقيقي ومن ثم تضليل بعض العرب بجعلهم ينظرون الى ايران كصديق لنا خلافات معه وليس كعدو خطير جدا، وفي هذه النقطة بالذات يكمن عنصر التضليل الخطير.

وهنا يجب ان انبه من يريد ان يصطاد في الماء العكر بالتفلسف حول ضرورة توحيد صفوف المسلمين كافة بما في ذلك ايران، الى حقيقة اننا كنا ومانزال نقول ونكرر القول بان من مصلحتنا كعرب قبل ان نكون مسلمين بان لا نسمح لاي مشكلة مع ايران بالتفجر الان، لان صراعنا الاساس هو مع الغزو الامريكي الصهيوني، لكن المشكلة هي ان ايران وليس نحن من يفرض الصراع ويفجر الالغام بوجهنا، وهي من تجعل نفسها الاداة الرئيسية لامريكا في غزو وتدمير العراق! كما يجب التذكير وبحزم كامل لايقبل المساومة بانه لولا الغزو الامريكي للعراق ولولا الموافقة الامريكية لما دخلت ايران بمخابراتها وعصاباتها الى العراق، ولما نجحت في ارتكاب كل ما قامت وتقوم به من جرائم بشعة تفوق الجرائم الامريكية والاسرائيلية في العراق وفلسطين. ولكن هناك وجه اخر للعملة هذه يجب ان نتذكره دائما ايضا وبنفس الوضوح وهو انه لولا ايران لما نجحت امريكا في غزو العراق وتدميره ومحاولة تقسيمه، وهذا الوجه الثاني ليس استنتاجا او تحليلا بل هو الموقف الرسمي الايراني الذي عبر عنه محمد خاتمي، وكرره غيره من قادة ايران، حينما كان رئيسا بقوله ذلك الكلام الذي اوردناه حرفيا، ونكرره (لولا المساعدة الايرانية لامريكا لما تمكنت من غزو العراق وافغانستان). فما معنى هذا الاعتراف الرسمي لايران بانها كانت الشرط المسبق في نجاح غزو امريكا للعراق؟ هل هو موقف خاطئ؟ ام انه جريمة المشاركة في الاحتلال والدمار الذي لحق بالعراق؟ وهل المشاركة ثانوية ام اساسية؟ هل الدور البريطاني مثلا اخطر من الدور الايراني في غزو وتدمير العراق ام العكس؟ هذه بعض الاسئلة التي علينا ان نواجهها ونحن نناقش موضوع الموقف من ايران.

بادراك هذين الوجهين وبترابط هذا الادراك العضوي نستطيع ان نتخذ الموقف الصحيح من ايران دون اوهام او شطط عاطفي او مصلحي، اما اذا شطرنا هذه المعادلة الى شطرين وتعاملنا مع جزء منها فقط فسنقع في فخ الجهل بوجود بندقية ثانية محشوة برصاص دمدم موجهة الى رؤوس اطفالنا وحروفنا العربية وتطلق نيرانها بكثافة، وقسوة ربما اكثر شدة من الرصاصات الامريكية، وهي بندقية الشوفينية الايرانية الاقدم والاكثر عداء للعرب من امبراطورية بوش.

فاذا كانت ايران تعترف بانها الشريك الاساسي لامريكا في غزو العراق، وهو عمل خطير جدا كخطر تأسيس اسرائيل او دعمها، فما السر في هذا الاصرار الملفت للنظر لدى بعض اعضاء المؤتمر القومي على الدفاع عن ايران رغم انها لاتختلف عن اسرائيل وامريكا من حيث اهدافها ونوعية جرائمها تجاه العراق والامة العربية؟ ولماذا المؤتمر القومي بالذات، وهو الموصوف بانه قومي عربي، يصبح منبرا للطابور الايراني الخامس المؤلف من بعض الكتاب والساسة العرب، رغم ان ايران معادية رسميا وعلنيا للعروبة وتعمل وفق منهج صار واضحا منذ خميني يقوم على تدمير القومية العربية بعد ان كفرّها؟ ان ملاحظاتنا الاتية ما هي الا عملية تسليط الضوء مجددا على طبيعة السياسة الايرانية تجاه الامة العربية من اجل تحقيق فرز بين الوطنيين والقوميين، الذين لم يطلعوا على حقيقة الموقف الايراني او ان اطلاعهم ناقص او انهم يتصورون ان ايران تتصرف وفقا لاجتهادات فردية لهذا الزعيم او هذا ومن ثم فان بالامكان اقناعهم بتغيير موقفهم بمجرد النقاش او الرجاء او دعم ايران في الموضوع النووي او غيره، وبين الطابور الايراني الخامس داخل المؤتمر القومي.

 

أحناء الراس للعاصفة

ليس ثمة شك في ان اغتيال الشهيد صدام حسين كان صدمة كبيرة اصابت الاغلبية الساحقة من ابناء الامة العربية، بل والكثير من اولئك الذين ناصبوا الشهيد العداء قبل الغزو، لسبب جوهري وجيه جدا وهو ان صدام حسين كان حتى استشهاده يخوض الصراع الرئيس مع امريكا والصهيونية،لذلك وانسجاما مع معايير الوطنية والقومية والتحرر والاسلام اصطف كل وطني وقومي واسلامي مع صدام حسين، خصوصا وانه كان يمثل موقفا شريفا ومشرفا تجلى في تمسكه بثوابت الامة ورفضه المساومات والعروض التي قدمت له وهو في الاسر، وبروزه بصفته أشجع واعظم بطل معاصر تجرد من الانانية وقدم نفسه فداء للامة العربية والعراق.

ان من اهم انجازات صدام حسين قبل استشهاده قدرته الفائقة على استقطاب الكثير من الوطنيين حول موقف موحد من خلال صلابته فيما سمي ب(المحاكمة) بحيث تناسى هؤلاء صراعاتهم السابقة معه وفيما بينهم لانهم وجدوا قائدا عربيا يخوض معركة شرسة وببطولة فريدة مع الد اعداء الامة العربية وهي الصهيونية الامريكية. ومعركة صدام حسين مع امريكا هي المعركة الرئيسة الوحيدة مع امريكا حتى الان، لذلك ذوبت مواقفه الفريدة جليد الانانية واللاموضوعية لدى البعض وانتجت حالة جديدة من المعنويات العالية والمفاهيم المتقدمة حول وحدة قوى الامة.

لكن هناك حالة ظهرت اثناء الاغتيال وهو موقف ايران واتباعها العرب، فلقد فرحت بالاغتيال ثلاثة اطراف علنا وبصورة رسمية، وهي امريكا التي قالت على لسان رئيسها جورج بوش بان الاغتيال كان لحظة سعيدة، واسرائيل التي ذكرت بان مصير صدام حسين هو تذكير لكل من يعادي اسرائيل بانه سيكون مصيره ايضا، في اشارة الى تعرضها لاول مرة الى قصف عاصمتها ومدنها ب43 صاروخا عراقيا عام 1991، وايران التي تجاوزت العدوين السابقين في أنحطاط قادتها الانساني والاخلاقي بقول خامنئي ورفسنجاني واحمدي نجاد وغيرهم بان حكم الاعدام على صدام حسين قليل بحقه! بل اكثر من ذلك فان من نفذ حكم الاعدام الامريكي هي عناصر عميلة لايران استعجلت تنفيذه لانها رأت في موافقة امريكا فرصة تاريخية للانتقام من قائد عربي منع ايران من تنفيذ مخططها التوسعي باسم نشر ما سمي ب(الثورة الاسلامية)، وحمى الوطن العربي من التفريس الذي خططت له ايران، وعبر هؤلاء العملاء عن انحطاطهم بترديد هتافات طائفية في قاعة الاعدام وقاموا بضرب الشهيد قبل اغتياله ثم مثلوا بجثته بعد الاغتيال، كما اثبتت الصور الملتقطة، وكل ذلك تم بأوامر ايرانية مباشرة من علي خامنئي شخصيا!

على المستوى الانساني يمثل هذا الموقف الايراني انحطاطا اخلاقيا لا مثيل له ترك أثرا سلبيا في نفوس اغلبية من كان يحسن الظن بايران واذرعها العربية، مثل حزب الله، فانقلبوا على ايران وهاجموها بعنف وخسر حزب الله الشعبية التي حصل عليها بعد خوضه حرب التأهيل في تموز الماضي وعاد الى نقطة قريبة من الصفر، مع ان الدور المرسوم له في ايران هو الحصول على دعم وثقة اوساط عربية واسعة تحررية ووطنية لاجل تسخير ذلك لخدمة الخطط الاستعمارية الايرانية القائمة على تفتيت الوطن العربي وتغيير الهوية العربية، وذلك هدف مشترك امريكي واسرائيلي وايراني كما اثبتت الاحداث. لقد أحنت ايران واتباعها العرب رؤوسهم لعاصفة الغصب على ايران ورفضها وادانتها وعدها عدوا كاسرائيل، وانتظر هؤلاء هدوء العاصفة باوامر مباشرة من طهران.

واستنادا لافتضاح حقيقة ان ايران ترتكب جرائم بشعة مخططة ومقررة مركزيا فيها، وليس اخطاء حاكم او اشخاص او اجهزة معينة، هدفها التخلص من العراق بصفته القوة الاساسية التي تمنع ايران من استعمار اقطار الوطن العربي ومن ثم العالم الاسلامي باسم الاسلام، رأينا بعد اغتيال الشهيد صدام حسين موجة عارمة تشمل الوطن العربي والعالم الاسلامي تميزت باشد اشكال الادانة لايران واذرعها العربية خصوصا حزب الله اللبناني، ورفض المنطق الذي يقول انها ترتكب اخطاء وليس خطايا وجرائم، والتاكيد، على الضد من ذلك، انها الشريك الاساس الاول لامريكا في غزو وتدمير وتهجير ستة ملايين عراقي وقتل مليون عراقي، وبالاخص الشريك الاخطر لامريكا واسرائيل في تنفيذ المخطط الاسرائيلي القديم الجديد، وهو تقسيم الوطن العربي على اسس عرقية وطائفية، وغيرها من الجرائم الفظيعة.

كانت اهم مظاهر هذه الموجة المضادة لايران وامتدادتها العربية هي ادانة حزب الله وحسن نصر الله وتمزيق صوره وشتمه، نتيجة اعلان قناة المنار التابعة له عن فرحتها باغتيال الشهيد، على يد رفاق حسن نصر الله في العراق، امثال مقتدى الصدر وعبدالعزيز الحكيم ابن خالة حسن نصر الله، او بتوزيع الحلوى في مناطق جنوب بيروت من قبل اعضاء حزب الله، رغم ان اوساط واسعة في الوطن العربي كانت قد عبرت عن احترامها له بعد العدوان على لبنان في الصيف الماضي.

وكعادة ايران التاريخية فانها احنت بدهاء عظيم رأسها لعاصفة الادانة هذه لجرائمها ومارست هي واذرعها العربية، خصوصاحزب الله والاعلاميين والساسة العرب الداعمين لها، سياسة الصمت وعدم الانخراط في نقاش او جدل حول الشهيد صدام حسين لعدة شهور بامر من المخابرات الايرانية، واعدت طابورها الخامس في الوطن العربي للعودة الى لعب دور نشط في الدفاع عن ايران وتجميل وجهها البالغ البشاعة.

 

الطابور الخامس يقاتل ضد العروبة في المؤتمر القومي!

ورغم ان البعض من الطابور الخماس الايراني قد كتب مادحا ايران ومدافعا عنها تحت غطاء ساذج ومضلل وهو ان ايران تتعرض لهجمة امريكية، فان اكبر خروج على سياسة احناء الرأس للعاصفة هو ذلك الذي شهده المؤتمر القومي العربي الذي عقد في البحرين والذي قام فيه انصار ايران برفض أي مس بها والاكتفاء بنقد خفيف (من شقيق لشقيقه) حول اخطاء لها في العراق وليس جرائم. بل ان الطابور الايراني الخامس في المؤتمر القومي قد وضع هذا المؤتمر امام تحد حاسم وهو الدفاع عن دولة استعمارية تشارك في استعمار ومحاولات تذويب الهوية العربية لقطر عربي رئيس، هو العراق، من خلال اعلانه الوقوف الى جانب ايران ضد التهديدات الامريكية، ودعم المشروع النووي الايراني مع انه مصمم ضد العرب وليس ضد اسرائيل! فهل هذا الحدث ثانوي؟ ام انه تعبير عن تنسيق مباشر بين افراد في المؤتمر القومي العربي والمخابرات الايرانية؟ وهل هو نتاج انحياز طائفي دفع بعرب معينين الى خيانة امتهم بدعم ايران وهي تخوض حرب وجود مع العرب في العراق واقطار الوطن العربي التي تتعرض لهجمة ايرانية عنصرية تتخفى بغطاء طائفي خطير؟ وهل الدفاع عن ايران ثمرة جهل بستراتيجيات كل من ايران امريكا واسرائيل المتلاقية بوضوح عند قاسم مشترك هو معاداة الامة العربية والعمل على تقسيمها وتذويب هويتها العربية؟ ام انه نتاج نزعة لا قومية ولا وطنية ولا اسلامية تلبست من يدافع عن ايران مع انها تلعب دورها المعادي للامة العربية، تماما كاسرائيل وامريكا، علنا وبلا لف او دوران؟    

من المؤسف ان نقرأ بان المؤتمر القومي قد سجل على نفسه موقفا سيبقى مقترنا به ومميزا له ومحددا لهويته الملتبسة لزمن طويل، وهو موقف الدفاع عن ايران ومنع ادانتها في مؤتمر اسمه (المؤتمر القومي العربي)، مع ان واجبه كما تفرض التسمية هو حماية الهوية العربية والدفاع عنها، وليس السماح بوجود تأثيرات ايرانية قوية داخله، تصل حد تبرئة ايران من جرائمها في العراق والتي تقع امام نواظرنا ونواظر العالم وليس هناك امكانية لنفيها او تفسيرها الا بانها عمل اجرامي عدواني! ان مناقشة ما طرح وما تم تبنيه في المؤتمر، وما كتبه بعض اعضاء المؤتمر، يعكس حالة التراجع والالتباس وغموض الفهم الصحيح للدور الايراني من قبل من يفترض انهم المدافعون عن الوجود العربي والهوية العربية. كما انه يسلط الضوء على وجود خطة ايرانية أصبحت الان واضحة المعالم تنفذ لاحتواء المؤتمر القومي وتسخيره لخدمة الستراتيجية الايرانية المعادية للامة العربية، من خلال الانتماء اليه والدعم المالي الذي يقدم له عبر الذراع اللبنانية لايران، وهي حزب الله، وهو امر لم يعد سرا على الاطلاق.

يقول البيان الختامي عن ايران ما يلي : (واذ يؤكد المؤتمر على حق ايران في امتلاك الطاقة النووية للاغراض السلمية ويشجب التهديد الامريكي بالعدوان عليها، فانه في الوقت نفسه يعترض عليى سياسات ايران تجاه العراق والتي تسيء الى وحدته وهويته العربية ويدعوها الى مراجعة تلك السياسات وذلك منعا لاحداث ثغرات يستغلها الاعداء من اجل تحقيق مشاريع الهيمنة كالشرق الاوسط الكبير او الجديد. ان ايران والدول العربية طرفان ينتميان الى دائرة حضارية واحدة ويشكل كل منهما بعداً استراتيجياً للاخر مما يستوجب تعميق الحوار والتفاهم على المصالح والاهداف المشتركة، وخصوصاً دعم طليعة

الشعب العراقي المقاومة للاحتلال الانكلو – امريكي.) ما معنى هذه الفقرة عمليا؟ وما الذي يترتب عليها فعليا؟ رغم ان الفقرة تعترف بان ايران تتبع (سياسة تجاه العراق تسيء الى وحدته وهويته العربية)، وهو اعتراف حاسم يحدد ان الموقف الايراني يهدد وجود الامة وليس نظاما سياسيا ما، فان المؤتمر يقفز من فوق ما اقره ويدعو لموقف غريب جدا وغير مفهوم على الاطلاق في ضوء المنطق العادي والسليم! فالفقرة تقول :

1 – يدعم المؤتمر القومي العربي، الذي يقول انه (حامي الامة وهويتها) حق ايران في الحصول على الطاقة النووية مع ان ايران تقف موقفا عدائيا ضد العرب ليس الان بل منذ جاء خميني للسلطة وقبله في زمن الشاه، بدليل ان اول من قصف بغداد لم تكن امريكا بل ايران! قبل ان تضرب بغداد بصواريخ كروز في عام 1991 ضربت ايران بغداد وغيرها من مدن العراق بالصواريخ المتوسطة المدى خلال الحرب بين البلدين بقساوة راح ضحيتها مئات العراقيين من الاطفال والنساء والرجال وهم في بيوتهم امنين، مما اضطر القوة الجوية العراقية للرد على ذلك بقصف طهران بكثافة. كما ان ايران كانت تمارس قسوة ووحشية لا مثيل لها في قتل عرب العراق اثناء الحرب خصوصا اولئك الذين وقعوا في الاسر وقتلوا ببشاعة بشد بعضهم بسيارتين متعاكستي الاتجاه وقطع اجسادهم وهم احياء الى نصفين! ما معنى استعداد ايران لقصف بغداد بالصواريخ وقتل الاطفال كما حصل في (روضة بلاط الشهداء) التي ذهب ضحيتها اكثر من 30 طفلا عراقيا؟ انه يعني امر واحد وهو ان ايران لديها استعداد دائم لاستخدام ما تستطيع الحصول عليه من اسلحة، بما في ذلك النووي، ضد خصومها وفي مقدمتهم العراق والاقطار العربية. ان هذه الفقرة في بيان المؤتمر القومي هي اعادة انتاج لموقف بعض العرب من العراق اثناء العدوان الايراني عليه، والذين قدموا السلاح والدعم لايران اضافة للحملات الاعلامية المعادية للعراق. ولكن هذه المرة يجري تأييد امتلاك ايران للسلاح النووي والذي لن يستخدم ابدا لا ضد اسرائيل وضد امريكا بل ضد الامة العربية، خصوصا ان العراق، وهو الوحيد الذي كان لديه مشروع علمي تكنولوجي، دمر وفقد العرب الامل من الان ولعشر سنوات على الاقل في امتلاك رادع نووي لاسرائيل وايران. اما اذا اعترض البعض وقال ان المؤتمر ايد امتلاك ايران للطاقة النووية للاغراض السلمية فانه كلام من لا يعرف ان الخيط الذي يفصل بين امتلاك خبرة نووية مدنية والخبرة النووية العسكرية وهمي او انه هش جدا ويمكن قطعه بنفخة فم.

اذا لم ننتبه الى حقيقة معروفة وهي ان ايران لن تستطيع استخدام سلاحها النووي ضد امريكا، ليس فقط لانها بعيدة جدا ولا تصلها الصواريخ الايرانية بل لان ايران تعرف ايضا انها ستتعرض للابادة الشاملة وتحول الى ارض لا حياة فيها لعدة قرون. وهذا القول ينطبق على اسرائيل التي كانت تملك في الثمانينيات اكثر من 200 رأس نووي ومن الاكيد انها زادت هذاا العدد الان، وهي لذلك تستطيع اعادة تدمير كل ايران مرات عديدة. من هنا فان النووي الايراني لن يستخدم الا ضد اطراف غير نووية، ومن يعرف العقلية الايرانية البراغماتية يدرك ان الزعامات الايرانية لن تتجاوز حدودها مع امريكا واسرائيل في المجال النووي لذا فان السؤال المنطقي هو التالي : ضد من يمكن لايران ان تستخدم سلاحها النووي وكل انواع اسلحتها الاخرى؟ في ضوء التجربة الواقعية فان من المؤكد ان العرب هم الهدف الاول وربما الوحيد لايران، كما اثبتت تجربة محاولات ايران خميني غزو العراق تنفيذا لشعار نشر (الثورة الاسلامية). واذا لم تستخدم ايران سلاحها النووي ضد العرب فان الامر الحتمي هو انها ستستخدمه لابتزازهم في مجال الاستيلاء على اقطار عربية توجد فيها جاليات ايرانية كبيرة مثل البحرين والكويت والامارات العربية المتحدة اوالسيطرة على جنوب العراق، وفي تسريع نشر الفوضى الطائفية في الوطن العربي ودعمها بالرادع النووي. واذا كان لدى البعض شك بما نقول عليه ان يسأل نفسه : لم شاركت ايران امريكا وبريطانيا في غزو العراق وافغانستان وتدميرهما؟ ان من يشارك امريكا في غزو من المؤكد ان لديه استعداد اكبر للغزو منفردا حينما له تتوفر له القدرة وتتاح الفرصة، هذه الحقيقة يجب على كل قومي ووطني عربي ان يتذكرها والا وقع في فخ سيجعله نادما طوال عمره، هذا اذا لم يفقد حتى فرصة الندم لانه سيكون قد ذبح بسكين مقتدى الصدر بأمر من خامنئي!

2 – تتوجه الفقرة بنداء ودي جدا واخوي جدا الى ايران يقول : (فانه في الوقت نفسه يعترض على سياسات ايران تجاه العراق والتي تسيء الى وحدته وهويته العربية ويدعوها الى مراجعة تلك السياسات وذلك منعا لاحداث ثغرات يستغلها الاعداء من اجل تحقيق مشاريع الهيمنة كالشرق الاوسط الكبير او الجديد.)! المؤتمر (يعترض) و (يدعوها الى مراجعة تلك السياسات)، لماذا؟ (منعا لاحداث ثغرات يستغلها الاعداء من اجل مشاريع الهيمنة كالشرق الاوسط)!!! هذه الفقرة لا تدين ايران على جرائمها في العراق بل تخاطبها بأرق العبارات وتقدم باقة ورد لها! وهنا نواجه كارثة بؤس القصور في فهم الدور الايراني رغم انه يعبر عن نفسه في اوضح الصور واشدها خطورة، وهو فرضية ان ايران دولة تمارس اخطاء تجاه العرب وانها يجب ان تغير سياستها التي قد تخدم العدو المشترك وهو امريكا واسرائيل ومن ثم فان البيان يقول لنا بالقلم العريض ان ايران مناهضة لامريكا ودولة صديقة وربما شقيقة ويمكن التعاون معها وانها ليست معادية ولا تشكل خطرا على الامة العربية! فهل هذا صحيح؟ دعونا ننظر للواقع الذي يقول :

أ – ايران تحتل العراق هي وامريكا رسميا وفعليا، فما الفرق بين احتلال امريكا وبريطانيا للعراق واحتلال ايران له؟ الا يستحق ذلك ادانتها كما ندين احتلال اسرائيل لفلسطين والجولان؟

ب – ايران تغري امريكا بانها تستطيع اخراجها من مأزق العراق، كما عاونتها على الدخول فيه مقابل الموافقة على تنازلات لايران في العراق والمنطقة وجرت وتجري اتصالات امريكية – ايرانية لعقد صفقة رسميا، وهذا الموقف يشكل عملا ايرانيا يقوم على التضحية بالعراق مقابل الحصول على مكاسب لايران، هل يمكن تجاهل ضرورة ادانته؟

ج- ايران تعمل على تفتيت العراق طائفيا، وهي لذلك تدعم رسميا بقوة الفدرالية وتقسيم العراق على اساس فدرالي، وهي تدعم ذلك أيضا عبر عملاءها الذين اعلنوا انهم سيؤسسون فدرالية الجنوب، الا يوجب هذا الموقف الخطير ادانة ايران كما ندين اسرائيل لعملها على تقسيم الوطن العربي عرقيا وطائفيا؟.

د – ايران توجه هي وامريكا عصابات وفرق الموت لقتل العراقيين، كفيلق بدر وجيش المهدي، وعلى يدها قتل مئات الالاف من العراقيين، وتلك حقيقة ثابتة لا يجوز لاي عربي ان يشكك فيها لحظة واحدة والا وجد نفسه يقف ضد الشعب العراقي وبالاخص ضد المقاومة العراقية، الا سيتوجب ذلك ادانة ايران؟

ه – ايران ساهمت بدور حاسم ورئيسي في تهجير ستة ملايين عراقي من العراق لانقاص عدد العرب فيه ونقلت اربعة ملايين ايراني (ما بين فارسي وكردي من ايران) الى العراق ومنحتهم الجنسية العراقية لاجل خلق قومية فارسية في العراق ارادت عصاباتها الاعتراف بها رسميا في الدستور! والهدف العام لهذه العملية المزدوجة هو تحويل العراق من قطر تشكل القومية العربية فيه نسبة 85 % من سكانه الى بلد لا قومية رئيسية فيه ويتقارب عدد مكوناته السكانية، وتلك خطوة جوهرية نحو تقسيم العراق لان وجود قومية رئيسية واقليات لا يسمح بالتقسيم. الا تفرض مسئولية المحافظة على وحدة العراق وهويته العربية ادانة هذه الخطة خصوصا وانها اخطر من خطة اسرائيل تهويد فلسطين بتهجير الفلسطينيين وتغيير التوازن السكاني الاصلي؟ الا تشكل هذه الخطة جريمة ضد الانسانية حسب القانون الدولي تفرض ادانتها بحزم؟ ولنفرض لاغراض النقاش ان هذه الحقيقة موضع جدل وخلاف، حول حجمها ودرجة خطورتها، الا تفرض المصلحة القومية &