بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الأستعمار

اهدافه.. وغاياته.. واساليبه المتعدده رقم (1)

شبكة البصرة

ابو هدار

ان المبتدئ في الشأن السياسي لا يغفل ما تعرض له الوطن العربي من غزوات استعمارية على مر العصور وحتى هذه الايام.

فالوطن العربي, محط انظار الاستعمار قديمه وحديثه, يقع في قلب العالم القديم متوسطا ثلاث قارات هي اوروبا وآسيا وافريقيا, ويشكل منذ القدم ملتقى الابجديات والحضارات والديانات والثقافات, كما يشكل ميدانا للصراع بين الامم الغازية والطامعة بخيراته الوفيرة وموقعه الهام الاستراتيجي.

فالوطن العربي يتوسط الطرق البرية والبحرية بين شعوب العالم القديم, ويشكل مفصلا حيويا للتجارة الدولية الوافدة من كل ارجاء الارض.

من هنا نرى ان سياسة السيطرة والاستعمار على الوطن العربي تمثل نهجا دائما للامم والدول القوية الهادفة الى التحكم بالتجارة الدولية والامن الدولي.

وقد تعرض الوطن العربي الى العديد من الغزوات والعمليات الاستعمارية ولا يزال حتى الان لانه لم يتغير شيء في الخارطة الجغرافية, او الاقتصادية بالرغم من حصول الكثير من المتغيرات في الاوضاع الجغرافية وخاصة على اثر نشوب الحربين العالميتين في اوائل واواسط القرن الماضي.

ان الاهمية المكانية للوطن العربي جعلت منه هدفا دائما للاستعمار العدواني الاوروبي و الغربي والفارسي, وتحديدا منذ الربع النهائي من القرن التاسع عشر, وخصوصا بعد ظهور ما يسمى (بالمسألة الشرقية) لتقرير المصير املاك الدولة العثمانية في الشرق, او بعد افتتاح قناة السويس 1869م, مما زاد في شهية وتنافس الدول الاوروبية للاستعمار والسيطرة على الوطن العربي, وخاصة بريطانيا وفرنسا.

كما لا يمكن اغفال البترول وظهوره بكميات وفيرة للاستهلاك والتجارة في هذه المنطقة اوائل القرن العشرين, مما زاد في اهمية وخصوصية الوطن العربي, بالاضافة الى اهمية المضائق والممرات (جبل طارق - باب المندب - مضيق هرمز) بالنسبة لكل شؤون الحياة والتجارة والامن والسياسة العالمية.

وللدلالة على اهمية وطننا العربي وموقعه بالنسبة للسياية الاستعمارية ارى انه لا بد من التوقف عند بعد اقوال رجال السياسة الغربيين عند هذا الشأن.

يقول الكاتب الالماني ارنست جاخ: ان الحرب تاتي من الشرق والحرب ستندفع بسبب الشرق وتحسم في الشرق. (قائلا هذا الكلام سنة 1916)

يقول نابليون: ان عكا هي مفتاح سوريا وسوريا مفتاح الشرق.

يقول تشرتشل: اذا كانت بريطانيا ترغب في الحفاظ على سيطرتها في الشرق, ينبغى لها بشكل او باخر, ان تدخل سوريا ومصر في نطاق نفوذها وسيطرتها. واضاف تشرتشل: ان نابليون حينما اعلن انه سيجعل من مدينة عكا مفتاحا للشرق برهن على صواب عبقريته العسكرية, ولا احد يجرأ على القول ان نابليون كان واهما..!!

يقول الملحق الصحافي البريطاني في بيروت سنة 1952: من الخطوط العريضة للمصالح البريطانية في الشرق الاوسط ما يلي:

المحافظة على حرية خطوط المواصلات الدولية الحيوية التي تشكلها منطقة الشرق الاوسط جغرافيا, والابقاء عليها مفتوحة.

المحافظة على حرية الانتفاع بمخزون حقول النفط لصالح الصالح العام الحر ولمنفعة بلدان الشرق الاوسط.

تشجيع العمل على اتخاذ اجراءات فعالة للدفاع عن هذه المنطقة ضد اي اعتداء عليها من الخارج.

يقول وزير الخارجية البريطاني آرنست بيفن سنة 1947: انه ليس من مصالح بريطانيا ان تفقد مكانتها في الشرق الاوسط.

يقول الرئيس الاميركي ترومان 1946: في هذه المنطقة, الشرق الاوسط, موارد طبيعية هائلة, فضلا على انها منطقة تقع عبر افضل الطرق البرية والمواصلات الجوية والمائية. فهية لذلك بقعة ذات اهمية اقتصادية واستراتيجية عظيمة, ولذلك ستصبح يوما ما حلبة لمنافسة عنيفة بين القوى الخارجية تتحول فجأة الى نزاع مسلح.

كما كانت منطقتنا العربية محط اهتمام الرئيس الاميركي آيزنهاور, وخلفاءه جون كينيدي, نكسون, جونسون وكارتر حتى اصبحت اميركا شريكا كاملا في المنطقة عبر اتفاقيات كامب ديفيد المشؤومة سنة 1978م.

اعتقد ان ايراد البعض من اقوال وتصريحات زعماء وساسة العالم الغربي الرأسمالي الامبريالي لا يعني اغفالا لاقوال وتصريحات البعض الاخر, ففي التاريخ القديم والمعاصر شواهد ودلائل تبين لنا حقيقة وابعاد الاستهداف الاستعماري الدائم لوطننا العربي وباشكال واسماء مختلفة, ولكن بمضامين واهداف واحدة وهي اخضاعنا على الدوام للاستعمار.

 

فما هو الاستعمار؟

هو ظاهرة اقتصادية سياسية عسكرية, ناتجة عن تطور امة - امم في مجال الصناعة والتجارة والقوى البشرية والعسكرية مما ادى الى سيطرة هذه الامة او الامم على مقدرات امة ضعيفة او امم ضعيفة في امكانيتها الاقتصادية والعسكرية وربما البشرية, بهدف استغلال ونهب ثرواتها, ويكون ذلك اما مباشرة بوضع يد الامة الاقوى على ارض وثروات الامة الاضعف, واستغلالها من قبل الامة او الامم الاقوى لسنوات طويلة. ولقد عرف (ماركس) الاستعمار بانه اعلى مرحلة من مراحل الرأسمالية, فالرأسمالي الذي يستغل ابناء قومه لا يتورع عن استغلال الاقوام الاخرى.

 

تاريخ الاستعمار

يعود تاريخ الاستعمار الى ما قبل التاريخ الحديث المدون للعمليات الاستعمارية, فالغزوات الاستعمارية في مراحل متقدمة وموغلة في القدم الزمني, حيث زمن البداوة والنظام القبلي, اي حيث قامت قبائل البدو الرعاة, وبدافع البحث عن مصادر الثروة والطاقة وقتئذ, العشب والماء (الرعي والسقي), بالانتقال من مكان القحط والجفاف الى اماكن غنية بالخصب والخير الوفير, وغزت قبائل, وقبائل اخرى ووقعت حروب كثيرة, واخضعت القبائل القوية المنتصرة, القبائل المنهزمة لسيطرتها او طردتها, وحلت مكانها او صهرتها لتكون معها قبيلة واحدة, وان معظم الحروب في الزمن القديم كانت دوافعها استعمار امة قوية لامة ضعيفة, وما حروب فارس وروما واليونان, وحروب الساميين والحاميين والآريين في بلادنا قديما سوى حالات من حروب كانت في اهدافها استعمارا او مواجهة بالاستعمار.

 

منشأ الاستعمار

منذ بداية القرن الخامس عشر وحتى نهاية القرن التاسع عشر حصلت تحولات نوعية في المجتمع الاوروبي حيث كان للحروب الصليبية الاوروبية والحروب الدينية المذهبية اثرها السيء في انهيار نظام الاقطاع والامراء مما ادى الى انهيار نظام التجارة الذي كان سائدا في ذلك الوقت, والقائم اساسا على انتاج السلعة الاستهلاكية وليس على انتاج السلعة التبادلية, وحل محل النظام القديم نظام الملكية وقامت الدولة القومية (المانيا بسمارك), وكان لولادة دولتين قويتين في اوروبا (بريطانيا وفرنسا) اثر عظيم على الساحة الاوروبية وما حولها, وبدات اوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تدخل في مرحلة جديدة هي مرحلة الثورة الصناعية, والصراع الطبقي والديموقراطية, والاشتراكية, وتحول الانتاج من استهلاكي الى استبدالي فاجتازت اوروبا شوطا مهما في مجال الطاقة والاختراعات.

كما كانت للتحولات النوعية والكمية في مجال الانتاج, حيث اصبح انتاج الفرد الواحد من آلة واحدة (في يوم واحد) يعادل الانتاج المئات في شهر واحد, اثرا بالغا في البؤس والشقاء الاجتماعي الذي من شأنه ان يحدث ثورات في المجتمع وصراعا بين العمال وارباب العمل.

وادى التطور الهائل في الصناعة وازدياد الحاجة الى المواد الخام والاسواق الجديدة, الى ازدياد حدة التنافس والعداء بين مختلف الدول الصناعية, هذا التنافس ادى الى حالة من الخوف المتبادل بين الدول مما دفعها الى بناء القوى العسكرية البرية والبحرية والجوية لحماية اقتصادياتها وحماية مصادر الطاقة والمواد الخام واسواق لتصريف منتجاتها.

واحتدمت حدة الصراع التجاري والعسكري الى التوجه الى دول آسيا وافريقيا للسيطرة على المقدرات والثروات الطبيعية لهذه الامم, كما ان التزاحم على اقتسام المستعمرات ادى الى كثير من الحروب في اوروبا وخارجها.

ان اوروبا الرأسمالية هدفت الى حل مشاكل اقتصادها الرأسمالي عن طريق تصدير هذه المشاكل الى الشرق.

فمشكلة الحصول على المواد الخام اللازمة للصناعة, ومشكلة تزايد الانتاج كانت تحل عن طريق استعمار الاراضي وتحويلها الى مناجم لاستخراج الفحم الحجري والحديد ومختلف المعادن, والى مزارع للقطن والقنب, والى اسواق لتصريف الانتاج الفائض.

ومن اهم المشاكل التي نجمت عن الثورة الرأسمالية ذلك الانفجار السكاني الهائل الامر الذي زاد من حدة البطالة, وادى الى ظهور جيوش من العاطلين عن العمل, وهؤلاء كان يطلق عليهم (الفائض السكاني).

ولكن الحلول الاستعمارية تكون دائما جاهزة, حيث قامت اوروبا بنقل الفائض السكاني الى الاميركيتين ثم الى آسيا وافريقيا واخيرا الى استراليا ونيوز يلاند, كما اتخذ الاوروبيون مواطئ اقدام استعمارية في الجزائر وجنوب افريقيا والهند وجنوب شرق اسيا.

في الغالب نستطيع القول ان منشأ الاستعمار هو اوروبي - غربي وذلك لاسباب عدة نذكر منها:

الثورة الصناعية الرأسمالية والحاجة الى المواد الخام للصناعة والحاجة الى الاسواق الخارجية لتصريف الانتاج.

الفائض السكاني الناتج عن الثورة الصناعية بحلول الالة محل الانسان.

نظرية التفوق العرقي للجنس الابيض والتي تؤهل الاوروبيين الغربيين عموما (حسب معتقدهم) الى قيادة وحكم الشعوب وصنع الحضارة العالمية.

الخلفية الايدلوجية: الاوروبية الصليبية لدى ابناء الغرب المسيحي وشخوص انظارهم الى بلاد الشرق التي تفيض عسل ولبنا وخصوصا الى فلسطين (مهد المسيح) والوطن العربي بشكل خاص.

الصراع القديم الجديد بين ممالك الشرق (الاورذوكسية) وومالك الغرب (الكاثوليكية) وامن المضائق والممرات والبحر المتوسط.

يتبع......

شبكة البصرة

الاثنين 16 جماد الثاني 1428 / 2 تموز 2007

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس