|
الذكرى الاولى لاستشهاد صدام: رحلوا... ويبقى صدام
راضية الزيادي
مرت أمس الأول الذكرى الاولى بالتقويم الميلادي لاستشهاد الرئيس الراحل صدام
حسين، انتقل صدام حسين الى جوار ربه، شهيدا، كما تمنى، وترك وراءه سيرة ذاتية
توجتها تلك الشهادة، كما ترك وراءه كذلك، مقاومة شرسة خطط لها قبل الاحتلال
نفسه!
لم يكن صدام حسين قائدا عاديا، وعلى الرغم ممّا كان يقوله خصومه السياسيون
(الذين اختلفوا معه، حاربوه أو انسحبوا، عندما كان في السلطة، ولكنهم لم
يخونوا، بل وقفوا معه وساندوه في الأسر...) فإن صدام استطاع خاصة أن يبني
الدولة الوطنية وان يراهن على العلم وعلى الاكتفاء الذاتي، كما دافع عن
العروبة، وجعل ذلك ممارسة لا شعارا، بدء بدعمه لفلسطين وللمقاومة الفلسطينية،
وقد كانت فلسطين والأمة من آخر كلماته، وصولا الى الدعم السخي الذي كان يقدمه
للدول العربية ولشعوبها وخاصة قبل الحصار الذي عاشه العراق منذ بداية
التسعينات.
صدام حسين، تحمل مسؤولية منصبه الى آخر لحظة بشرف وكرامة، وكان بامكانه أن
يختار المنفى وان يحتفظ بالمال والجاه، ولكنه ضحى بفلذة أكباده (وقال انه
يقدمهم فداءا للعراق) ثم بنفسه، وكان ذلك بوعي تام يؤكد عمق ايمانه بمبادئه.
وقد كانت عملية اغتياله ومواجهته لتلك العملية بشجاعة اسطورية اعادت الى
الاذهان أسطورة شيخ المجاهدين، الشهيد عمر المختار، امتحانا حقيقيا لذلك
الايمان العميق...
رحل صدام حسين تاركا خلفه تركة سياسية قد يتم الاختلاف حولها، ولكن الأكيد أن
صدام خلافا لجلاديه وخلافا لمن استدرجوا الاحتلال الى وطنهم، سيدخل التاريخ من
بابه الكبير...
وفي ذكرى استشهاده بالتقويم الهجري، نشرت «الشروق» ملفا أولا تحدث فيه كل من
المفكر العراقي اليساري الدكتور فاضل الربيعي، كما تحدّث فيه كل من المحامية
الاستاذة بشرى الخليل والمحامي خليل الدليمي، وكذلك المفكر الفلسطيني ناجي
علّوش والاعلامي العراقي نزار السمرائي والوزير التونسي السابق الطاهر
بلخوجة... فقد كان اعدام صدام حسين صبيحة عيد الاضحى، وكان مغزى اعدائه من
اختيار ذلك التوقيت واضحا، فقد كان ذلك في حقيقة الأمر، تعبيرا عن رغبة طائفية
حاقدة ومريضة في الإساءة الى من يقف خلف صدام، في يوم ليس ككل الأيام، وفات
هؤلاء أنهم يكسبون تلك الشهادة معنى مضاعفا وهي تقترن بيوم العيد...
اليوم وللتأريخ، ننشر شهادات أخرى عن صدام حسين.
في هذا الملف يتحدّث صلاح المختار، المفكر والسياسي الديبلوماسي السابق، كما
يتحدث الديبلوماسي السابق الدكتور محمد الدوري... ويدلي الاديب والكاتب العراقي
المعروف الاستاذ عبد الرحمان مجيد الربيعي بوجهة نظره، وكذلك الدكتورة حياة
الحويك، الكاتبة والاعلامية اللبنانية...
عام على رحيل الرئيس صدام حسين:
من
اختلفوا معه حاكما دافعوا عنه أسيرا
عبد الرحمان مجيد الربيعي
لعلّ حالتي كمواطن ومثقف عراقي أمام ما جرى للعراق ولقيادته ممثلة بالرئيس صدام
حسين هي ليست حالتي الشخصية بل هي حالة عدد من الأصدقاء المثقفين الذين قرأت
لهم وأنصتّ إليهم أو حاورتهم بعد كل ما جرى. أصدقاء اختلفوا معه كل الاختلاف
عندما كان في سدة الحكم ولكنهم كانوا من أشد المدافعين عنه بعد انهيار حكمه.
كأنّ هذا الرجل الاستثنائي الذي أثار الالتباس لدى النخبة المثقفة في العراق
عندما جاء للحكم عام 1968 أثار عند رحيله التباسات أخرى وليس التباسا واحدا،
وربما هذا شأن القادة الكبار في تاريخ شعوبهم.
فعندما جاء للحكم نائبا للمرحوم أحمد حسن البكر وضع الكثيرون أيديهم على قلوبهم
فالرجل ارتبط اسمه بحادثة دامية، اذ هو أحد الذين أطلقوا النار على الزعيم عبد
الكريم قاسم رئيس وزراء ثورة تموز (جويلية) 1958 ذي الشعبية الهائلة وتردّد
اسمه كأحد فتوّات الحزب جاء للحكم وكان الحزب وقتها منشقّا إلى نصفين بينهما
الدم، الجناح اليساري الذي انحاز إليه شباب الحزب وجناح القيادة القومية
(اليميني) وصدام أحد رموزه الذين تتردّد أسماؤهم في مقاهي المثقفين التي يجتمع
فيها أصحاب الانتماءات والمواقف المختلفة. وكم سمعت عنه من حكايات في تلك
المقاهي.
لكن صداما وفي فترة موقعه كنائب للبكر عمل على تقديم نفسه بغير الصورة التي
شاعت عنه، فكان يزور الوزارات ومكاتب الصحف. وعني بوزارة الثقافة حيث زارها
عدة مرات وتعرّف على من لم يتعرف عليه من الأدباء وأذكر أنه في إحداها وكان
يرافقه المرحوم الشاعر شفيق الكمالي وزير الثقافة وقتذاك جعل من مكتبي محطة له
رغم أنه لم تكن بيني وبينه معرفة مسبقة، وتجمّع عدد من الأدباء العاملين في
وزارة الثقافة وأذكر منهم الشاعر الرائد عبد الوهاب البياتي الذي كان مكتبه
يقابل مكتبي كان في منتهى الهدوء ويحاول أن ينصت أكثر مما يتحدث، وربما كنت
الوحيد بين الموجودين في المكتب من اكتفى بقراءة هذا الرجل الذي مازال في
الثلاثينات من عمره وهو يشغل أكبر منصب سياسي في بلد كالعراق ـ رغم وجود البكر
كانت الحقيقة هكذا ـ وإلى أي مصير سيقود العراق إذا ما استطاع أن يبقى في موقعه
رغم أن في الحزب وقتذاك شخصيات معروفة منها عبد الخالق السامرائي وعدنان
الحمراني ونعيم حداد وصلاح التكريتي وغانم عبد الجليل وعبد الكريم الشيخلي
وغيرهم.
بعد هذا اللقاء كان بإمكاني أن ألتقيه ثانية وذلك عندما دعيت مع أدباء آخرين
للقاء به وسماع حديثه عن حياته السياسية ودوره في محاولة اغتيال عبد الكريم
قاسم وصولا إلى دوره في إسقاط نظام الرئيس عبد الرحمان عارف عام 1968 وسيبادر
الشاعر عبد الأمير هلة في كتابة روايته «الأيام الطويلة» من وحي تلك اللقاءات.
ولكنني وقّتّ رحلة لخارج العراق لأسباب في داخلي إذ لم يحصل هذا التواصل بيني
وبينه في اللقاء الأول والأسباب أجهلها وأقول هذا للتاريخ وانسجاما مع ما عرف
عني من صراحة صادقة.
لكنني حضرت اللقاءات مع البكر في أكثر من جلسة ومع طه ياسين رمضان الذي كان
تعرّفي عليه اكتشافا فالرجل بقامته القصيرة ورأسه الذي حصده صلع مبكر كان ذكيا
فطنا، وفاجأني أنه كان معتقلا في مدينتي واستطاع أن يعيد بناء خلايا الحزب من
هذا المعتقل وعن طريق مراسلات ينقلها الفتى الذي يحمل لهم الشاي من مقهى قريب.
كما حضرت اللقاءات مع سعدون غيدان الذي كان آمرا لحرس القصر الجمهوري في زمن
عارف وقبل التعاون مع البكر وصدام ليصبح وزيرا للداخلية.
لم أستغرب كل ما جرى من تصفيات فليس هناك أحد غير صدام حسين كان قادرا على
القيام بها، فكلهم رفاقه، بل وأخواته، وزملاؤه في الحزب والمعتقل والمنفى ثم
الحكم، ومع هذا ذبحهم بقلب بارد، كأنهم لا يعنون له شيئا، وكأنهم لم يقوموا
ببناء حزب أوصله إلى الحكم، وستظل هذه المسألة سؤالا حائرا وصارخا في الآن نفسه
في تاريخ هذا الرجل لأن المسوّغات التي ذكرت لم يقتنع بها جلّ من سهوها، فقد
كان أولئك قادة الحزب الحاكم.
وتحسبا لأي أمر وجدنا أنه جعل المنفذين من قادة الحزب نفسه. فتوزّع دمهم على
هؤلاء الحزبيين جميعهم، والحكاية معروفة للذين تابعوا الحياة السياسية في
العراق خلال سنوات حكم البعث الطويلة.
لكن المسألة الأكيدة أمام هذه المراجعة الهادئة بعد عام من الرحيل المؤلم
وبعملية الإعدام المشينة تلك للرئيس صدام هو أنه كان زعيما حقا، له كاريزما
القائد وليس الرئيس فقط، وهو ما لم نجده في تاريخنا العربي الحديث الا في شخص
الرئيس جمال عبد الناصر.
كانت شخصيته طاغية على كل من هم حوله، سواء في القيادة أو الوزراء والمسؤولين،
ورأينا كيف دافع عنه رفاقه الذين حوكموا معه أمام المحكمة العراقية شكلا
والأمريكية مضمونا، حيث كان وجوده بينهم في القفص نفسه يمدهم بالقوة والثبات في
حضوره الباسل وشجاعته النادرة فبان كأنه الحاكم وليس المحاكم ـ بفتح الكاف ـ
وهذا يدفعني للقول كمراقب ومعايش وشاهد على تلك المرحلة انني رصدتها وغرقت في
تفاصيلها وحولتها الى نصّ روائي عنونته «نحيب الرافدين» بعثت به لدار نشر
لبنانية بأنه لا يبدو أمرا جديدا أو مستغربا الاستنتاج بأن الرئيس صدام كان
فردانيا رغم أنه يقود حزبا، وأذكر أن صديقا وصفه بأنه حزب في رجل رغم أنه رجل
في حزب بمعزل عن موقعه فيه، وتلك معادلة ليست صعبة رغم ما فيها من مبالغة إذ
أنه كان يعود دائما الى السياقات الحزبية رغم خضوعها لإرادة أكبر ممثلة بمجلس
قيادة الثورة الذي كان رئيسه.
وذكر ذلك الصديق نفسه مستطردا بأن الحزبيين في اجتماعاتهم لم تعد لديهم وثائق
تثقيفية غير خطبه وأحاديثه بعد أن انطوى عهد كتاب ميشيل عفلق الريادي «في سبيل
البعث».
يبدو أن المشكلة هنا تتعلق بالحزب، أي حزب عندما يتحول الى سلطة، وخاصة عندما
يكون لها رأس قويّ.
ثم جاءت أسئلة قوية عراقية وعربية بل وعالمية أيضا بشأن الحرب العراقية
الايرانية، وهل كان بالامكان تلافيها؟ وهو سؤال مكرور، لا بل ان البعض رأوا بأن
البكر وهو العسكري المحترف رغم انه لم يكن عسكريا لامعا قرأ الآتي وآثر
الانسحاب من موقعه وتركه لنائبه صدام الذي لم تمض على توليه رئاسة الجمهورية
فترة طويلة حتى بدأت الحرب، وأنا لا أميل لهذه الرواية أبدا، وقد وضح لنا بعد
احتلال العراق الدور الايراني فيه، لا بل انه دور انتقامي مريض.
كما أنني أحد الذين يعتقدون بشكل جازم ان مؤشر العراق بدأ بالهبوط منذ هذه
الحرب وصولا الى دخول الكويت فالحصار ثم الاحتلال.
كان الرئيس صدام كما ذكرت رئيسا استثنائيا منسجما مع نفسه معتقدا بأن كل ما قام
به كان صحيحا رغم ان الكثيرين يظنون غير هذا، ولكن لا أحد امتلك جرأة إعلان
رأيه أمامه.
ومع هذا لا أحد ينكر أنه بنى دولة مهابة، نشر التعليم وعني بالبنية التحتية
وربط المدن بشبكة طرق حديثة وبنى المصانع، وفسح المجال لبروز جيل من العلماء في
كل مجالات المعرفة.
وكان أفقه القومي مفتوحا على كل البلدان العربية مقتنعا بأن ثروة العراق هي
ثروة عربية لذا قدم مساعدات متواصلة وفتح أبواب العراق للعرب جميعهم ليأتوا
ويعيشوا ويعملوا حتى ان المصريين وحدهم بلغ تعدادهم في العراق قرابة الملايين
الخمسة، يدخلون العراق بدون تأشيرة ليقيموا فيه ويعملوا دون ان يسألهم أحد. أما
فلسطين فكانت همة القومي الملح حتى وهو في قفص الاتهام.
ربما كان الاعتراض الوحيد من معارضي نظام الرئيس صدام ولأقلها صريحة ونحن في
هذه المناسبة التي بعدت بنا عن شحناتنا العاطفية الاولى هي أنه نظام لم يسمح
للرأي الآخر، لا بل ان تعميما حزبيا صدر بأن يتم ضمّ كل الأدباء والفنانين
والاعلاميين الذين بقوا في العراق الى الحزب او ربطهم بصلة معينة فيه.
وبهذا التعميم خسر العراق عددا من أهم مبدعيه الذين آثروا المغادرة وعندما
غادروا لم يسكتوا بل شكلوا رأيا عاما مضادا.
وكان الكثيرون يتمنون بل ويعملون على تغيير هذه العقلية الواحدية وفتح النوافذ
لكل الآراء، فالاختلاف والتعدد ضمن المساحة الوطنية قوّة، ولم يعترضوا على
بقائه على رأس السلطة بل بانغلاقها على مجموعات أخذت تصغر بمرور السنوات.
لكن ما لم يرغب فيه او يريده او يتمناه أحد حتى من عادوا النظام واختلفوا معه
كل الاختلاف ان ينتهي بهذه الصورة، وفي عملية اجتياح خارجة على كل القوانين
فتغزوه الجيوش الغريبة وتسقط لا الدولة فقط بل والكيان العراقي الواحد وتحويله
الى غنيمة للمرتزقة.
واذا كان الاحتلال قد حمل معه عملاءه الذين سيوكل لهم المناصب فإن العراقيين
الشرفاء رفضوا هذا وقاوموه كل بسلاحه.
ولم نستغرب عندما نجد عددا كبيرا من الخصوم السياسيين للرئيس صدّام شخصيا قد
وقفوا معه، وتجاوزوا الخلافات التي كانت مع رئيس نظام لتكون اتفاقات على محاربة
المحتل.
لذا أوجع الكثيرين ذلك المشهد المريع الذي انتهت به حياة الرئيس صدام، فقد كان
فارسا حتى وحبل المشنقة يلتف حول عنقه.
وأضيف هنا وأنا أحد الذين لم يستطيعوا العيش تحت نظام الرئيس صدّام فغادرت
العراق حتى قبل كل المآسي اللاحقة وذلك عام 1989 ، أضيف كنت أتمنى شخصيا أن
يتغير النظام او تتغير عقليته ولكن شيئا من هذا لم يحصل. والذي حصل كان أبشع
وأفظع علما بأن صدّاما تألق وصار رمزا وخصومه صغروا حتى وان ظنوا غير هذا.
والمصائر عبر لمن يرى ويعتبر.
لقد كتبت كما كتب أدباء وكتاب آخرون دفاعا عن الرئيس صدّّام لأن القناعة أمام
هذه الحالة ان طريقة إسقاط حكمه مرفوضة وهي عملية هجينة خارج على القانون
الدولي، ولأنه كان الرئيس الشرعي للعراق وليس البضاعة التي حملتها الدبابات
الامريكية، والدفاع عنه هو دفاع عن العراق لأن الزعماء مهما عمّروا ماضون لكن
البلدان هي الباقية.
والعراق كان وسيظل هذا هو اليقين الذي لا يغادرنا.
هنا أذكر وللمرة الاولى ان الصديق العزيز المحامي التونسي النبيل أحمد الصديق
هاتفني قبيل اعدام الرئيس صدام وكان عائدا لتوه من بغداد وقد نقل لي ولأصدقاء
آخرين كتبوا مدافعين عنه وعن العراق تحياته لنا، وذلك بعد ان سأله الاخ الصدّيق
ان كان على معرفة بأدباء العراق ومثقفيه الذين وقفوا ضد الاحتلال فأجابه بأنه
لا يعرف، فما كان من الصدّيق الا ان ذكر له بعض الأسماء وبينها اسمي موضحا
بأننا لم نكن معه حاكما، وكانت لنا ملاحظاتنا، وكلنا وقفنا معه في محنته ومحنة
العراق.
نعم، كان هذا أبسط ما فعلناه وهو نابع من انتمائنا العراقي والعربي أمام هجمة
سوداء تريد مسخ هويتنا وشرذمة أوطاننا!
رحمه الله.
صلاح المختار :
المقاومة العراقية تقوم بأكثر من 300 عملية يوميا
حوار راضية الزيادي:
في ذكرى استشهاد صدام، اعتبر الاستاذ صلاح المختار، الكاتب والمفكر العراقي،
الامين العام المساعد السابق لجامعة الدول العربية، أن هذه الذكرى هي بالنسبة
للشعب العراقي، مناسبة لتذكر صواب نهج التحرير الذي اختاره منذ احتلال وطنه...
وبأن وقفة صدام واختياره الشهادة، قد نبّهت العالم الى أن العرب شعب عظيم فيه
عمر المختار وصدام حسين وفيه المقاومون في العراق وفلسطين، مضيفا ان صدام حسين
ضحّى بالسلطة وبأبنائه وبحياته من أجل الوطن العربي والمبادئ القومية... وانه
رغم كل ما اتبع معه من أساليب التعذيب، فقد حافظ على أسرار العراق ولم يركع ولم
يخضع او ينهار او يخضع...
وقال انه رغم كل القمع فإن المقاومة العراقية الميدانية في تصاعد وقد بلغت أو
تجاوزت يوميا، الثلاثمائة عملية وهو رقم غير مسبوق في كل مقاومات العالم...
* ماذا يمكن ان تمثل الذكرى الاولى لاستشهاد الرئيس صدام حسين؟
ـ ان ذكرى استشهاد القائد صدام حسين تمثل، بالنسبة للعراقيين عموما والمقاومة
الوطنية المسلحة خصوصا، مناسبة لتذكر صواب نهج التحرير الذي اختاره شعب العراق
منذ الاحتلال ومواصلة المقاومة المسلحة بصفتها الاسلوب الرئيسي لتحرير العراق
وليس المساومات مع الاحتلال. ان الاحتلال يحاول منذ سنوات ان يسقط بعض مناهضيه
في فخ وهم ان المقاومة لا تجدي وان التعاون معه هو الحل، وقدم اغراءات عديدة
مالية وسلطوية من اجل الوصول الى ذلك، وبنفس الوقت استخدم أشنع وأقسى الاساليب
مع شعب العراق، وما ابو غريب الا مثال صغير لبشاعة امريكا. لذلك وجدنا ان هناك
من اهتز او ضعف واصبح على وشك السقوط في فخ امريكا، فجاءت مايطلق عليها
(محاكمة) لتزيح وساخة الاغراء الامريكي، وتذكّر كل عراقي بان الاحتلال هو
احتلال وانه لا يوجد احتلال جيد واحتلال سيء، وبناء على ذلك فان المقاومة
المسلحة وتابعها المقاومة السلمية هي الحل الوحيد لاجبار الاحتلال على الرحيل.
ان من رأى الشهيد صدام حسين بطلا لا نظير لشجاعته ومبدئيته ورفضه الانحناء
لامريكا رغم انها كانت تضع السيف على رقبته، استيقظت لديه قيم الكرامة والعز
والوطنية وعاد ضميره الحي ليكون الموجه له في موقفه من الاحتلال. إذن ان أهم ما
تمثله ذكرى الاغتيال هي انها كانت وستبقى لأجيال وقرون طويلة هزة حيوية توقظ
الضمير حينما ينام ، وتضخ في الذاكرة حيوية لا نهاية لها تستطيع تذكر ان
الاحتلال هو عدو لئيم وحاقد وان الجهاد هو الحل الوحيد معه.
* ماهي المعاني التي يمكن ان يخلدها استشهاده و الطريقة التي تمت بها تلك
الشهادة؟
ـ ان استشهاد الرئيس صدام حسين ينطوي على معان عديدة لاحظها العالم فورا، ومن
أهمها مايلي:
أولا: برفضه الانحناء او التراجع عن موقفه
رغم كل الاغراءات التي عرضت عليه، ورغم الحكم عليه بالاعدام، أكد القائد الشهيد
صدام حسين بان المبادئ الوطنية والقومية والاخلاقية والدينية اهم من الحياة
وأهم من السلطة والمغريات الدنيوية، وبذلك نبه الشعب العربي كله من موريتانيا
حتى عمان الى ان العرب ليسوا مجرد حكام مهزومين ومساومين ويفتقرون للمبادئ
والقيم والشجاعة، بل هم شعب عظيم ينجب الابطال العظام ذوي القيم السامية والذين
يفضلون الموت على التراجع عنها. لقد تركزت الدعايات الغربية والصهيونية
والايرانية في العقود الماضية على محاولة جعل هزيمة حكام عرب وفشلهم وفسادهم
وخضوعهم للاستعمار الجديد هي الصورة الوحيدة في الوطن العربي، من أجل تمهيد
الطريق للهيمنة المطلقة على الوطن العربي دون منغصات المقاومة الوطنية، لذلك
فان وقفة صدام حسين الحاكم غير المساوم، أي قبل الغزو، واختياره درب الشهادة قد
نبه العرب والعالم الى ان العرب شعب عظيم فيه عمر المختار وصدام حسين وفيه
المقاومون في العراق وفلسطين، وانه بطن ولود ولا تعقر وتنجب المبدعين والعلماء
كما تنجب القادة العظام. لقد ضحى صدام حسين بالسلطة وبأبناءه وبحياته من أجل
الوطن العربي والمبادئ القومية للامة العربية مع ان الصورة النمطية للحاكم
العربي هي انه يعبد السلطة ومستعد من أجلها للتخلي عن قيم الشرف والسيادة
والاستقلال.
ثانيا:
نبه استشهاد صدام حسين العالم كله الى ان امريكا ومهما كانت قوية وقاسية لا
تستطيع إخضاع شعب وقادته، وان من الخطأ المبالغة بقوة امريكا وما تملكه من
تكنولوجيا والاعتقاد بانها تستطيع اخضاع أي أسير وانتزاع الاعترافات منه
وتحويله من مناهض لها الى خاضع. ان صدام الاسير، ورغم كل ما اتبع معه من أساليب
تعذيب استخدمت فيها آخر ما توصلت امريكا من فنون انتزاع المعلومات من الاسرى،
قد حافظ على أسرار العراق ولم يركع او يخضع او ينهار او يخدع.
ثالثا:
أكد صدام حسين ان المقاومة المسلحة التي اعد لها قبل الغزو يمكن ان تدحر أي قوة
غازية، ومهما عظمت، لان الارادة الانسانية الحرة وليس السلاح او التكنولوجيا هي
التي تحسم الحروب والغزوات، وبذلك قدم للمقاومة العراقية زادا جديدا، وإضافيا،
مكنها من مواصلة الجهاد ا لمقدس من اجل تحرير العراق.
رابعا:
أسقط الاستشهاد الدعايات المضللة، والتي استمرت عقودا من الزمن وركزت على شيطنة
الرئيس الشهيد وحزب البعث العربي الاشتراكي، بسيل من الاكاذيب المنظمة والتي
روجها الاعلام العالمي والعربي، فجاء الاستشهاد ليقول كلمة الفصل وهي ان من
يستشهد ويرفض المساومة للحفاظ على حياته لا يمكن الا ان يكون طاهرا نقيا
ومتعاليا على إغراءات الدنيا وبعيدا عن الاعمال غير الصحيحة مهما كانت طبيعتها.
خامسا:
أكد الاستشهاد ان لحم الانسان الطري أقوى من فولاذ دبابات الاحتلال حينما يكون
الانسان متمسكا بالمبادئ السامية ومدافعا عن حقوق الشعب وكرامته وسيادته، فلقد
لاحظ العالم ان صدام حسين ورغم انه كان أسيرا كان يرعب امريكا فتضطر لقطع أجزاء
كبيرة من أقواله ومواقفه اثناء المحاكمة، فما معنى ذلك؟ ان المعنى الاول والاهم
هو ان صدام بصفته مناضلا صلبا بعث برسالة الى كل أحرار العالم تقول انكم
قادرون على إلحاق الهزيمة بامريكا اذا قررتم ذلك، لان الفولاذ ليس أصلب من
إرادة البشر الاحرار.
* ما تاثير غياب صدام في تطورات الاوضاع بالعراق؟
ـ هناك تأثيران متناقضان لاغتيال الشهيد صدام حسين إحدهما سلبي والآخر ايجابي،
فالسلبي تمثل في ان غياب صدام الجسد كان عاملا سلبيا استغله الاحتلال في
محاولات شق المقاومة والحزب، لان الشهيد كان عامل توحيد قوي يردع المغامرين
والمتآمرين من الاقدام على عمل إجرامي، لذلك فان الاعدام كان محاولة لنشر
الشرذمة بتغييب مركز الاستقطاب الوطني والقومي، وهذه الحقيقة تفسر لم ظهرت
محاولات شق المقاومة والحزب بعد اغتيال صدام حسين. لكن ارادة المناضلين في
العراق كانت أقوى من محاولات الشرذمة فحافظت المقاومة والحزب على وحدتهما رغم
حصول بعض التطورات السلبية. أما التاثير الايجابي فيتمثل في ان الاغتيال
بالطريقة التي تم بها وبالصورة الاسطورية التي ظهر بها القائد صدام حسين وهو
يستشهد قد عزز موقف المقاومة والحزب ومنحهما زخما جديدا واضافيا لاجل مواصلة
الجهاد المقدس حتى التحرير. اضافة لذلك فان المقاومة الوطنية العراقية والشعب
العراقي وجدا في الاستشهاد رمزا عظيما يعتز به كل عراقي وعربي، ففي العالم هناك
رموز وطنية مناضلة استحوذت على عقول البشرية لعقود من الزمن مثل غيفارا، وكان
العرب يفتقرون الى البطل الرمز الذي يلهب المشاعر الوطنية، اما الآن فان للعرب
اكثر من غيفارا وفي مقدمتهم صدام حسين الذي تجاوز في بطولته ومبدئيته العالية
كل المناضلين في العالم.
* كيف تقيمون أداء المقاومة العراقية خلال المرحلة الاخيرة؟ هل تعتقدون ان ظهور
ما يسمى بالصحوات قد أثر على ادائها؟
ـ رغم كل الدعايات المضللة التي روجها الاحتلال الامريكي، والتي تقول بان
عمليات المقاومة قد انخفض عددها، فان واقع العراق يقول العكس تماما، لان
العمليات وان تناقصت لفترة قصيرة جدا حينما اجبرت الفصائل الوطنية في المقاومة
على الدفاع عن نفسها بعد ان تعرضت لهجمات عناصر تكفيرية، فانها عادت للارتفاع
مجددا ما ان توقف القتال بين الفصائل المقاتلة. ان عدد العمليات اليومية
للمقاومة الآن يتجاوز الثلاثمائة عملية في اليوم الواحد، وهو رقم غير مسبوق في
كل مقاومات العالم، وهذا بحد ذاته عامل تميز رائع يجعل المقاومة العراقية
القاطرة التي تجر خلفها كل عربات المقاومة في المنطقة والعالم. أما مجالس
الصحوات فهي في الواقع مجالس الصبوات المحرمة والنزعات المساومة على حساب الوطن
واستقلاله وكرامته ومصالحه، وهي ظاهرة ليست جديدة في تاريخ الثورات في العالم
حيث كان الاحتلال دائما يبحث عن مرتزقة للعمل معه ضد المقاومة، ولهذا فان ما
يسمى (مجالس الصحوات) ما هي الا مجالس لدعم الاحتلال ، لم تظهر وتتجرأ على
المقاومة الا بعد ان قامت عناصر تكفيرية بالخروج على وحدة المقاومة وقتلت
العراقيين على أسس طائفية واخذت تضطهد الشعب العراقي وتفرض عليه أنماطا من
الحياة الظلامية غير مألوفة ولا مقبولة من قبل الشعب العراقي، فادى ذلك الى
انخراط عناصر معينة متضررة من أعمال التكفيريين في صفوف المجالس تلك، وقامت
بعمليات ضد المقاومة الوطنية، لكنها لا تستطيع العمل الا في حماية الاحتلال
ودعمه، وهي حالة تجعلها مجرد عصابات تخدم الاحتلال مباشرة وتحسب ضمن صفوفه.
ولقد لاحظنا ان الاحتلال قد بالغ بقوتها لاجل المحافظة على ماء وجهه بعد سلسلة
الهزائم التي تعرض لها وازدياد المطالبة داخل امريكا بالانسحاب من العراق. ان
واقع العراق يؤكد بان المقاومة كانت ومازالت سيدة الساحة العراقية بلا منازع.
* هل ترون ان مسالة تقسيم العراق ما زالت واردة و مطروحة؟
ـ بالنسبة للاحتلال يشكل تقسيم العراق الهدف الاول في مخطط اعادة رسم خارطة
الوطن العربي، والتمهيد لاقامة مايسمى بـ(الشرق الاوسط الجديد)، فهذا النظام
يفترض ان العرب يجب ان تقسم اقطارهم وتصبح مجرد كيانات قزمية متناثرة على اساس
عرقي وديني وطائفي. فالعراق يجب ان يقسم الى ثلاث دويلات وكذلك مصر وسوريا
والسعودية والمغرب العربي. من هنا فان الاحتلال اراد الحصول على منابع النفط
العراقية اولا، ثم القيام بشرذمة الاقطار العربية ثانيا، لاجل ان تصبح اسرائيل
اكبر بلد في المنطقة سكانيا ثالثا. ولكن ما حصل في العراق اكد بان وحدة الشعب
العراقي أقوى بكثير من كل القوى التي ارادت تقسيمه، فلقد راينا ابناء العراق
يتجنبون الوقوع في فخ الاحتلالين الامريكي والايراني، بتمسكهم بوحدتهم الوطنية،
وتأكيدهم كلما وقع حادث قتل يبدو في الظاهر طائفيا، بان هذه الجريمة هي عمل
سياسي وليست عملا طائفيا، وان من قام بها هو الاحتلال وفرق الموت التابعة له
وليس ابناء أي طائفة. ولعل التاكيد مؤخرا من قبل عشائر جنوب العراق على انها
تدعم المقاومة المسلحة ضد الاحتلالين الامريكي والايراني دليل حاسم على فشل
مخططات تقسيم العراق. لقد شهد العراق جرائم قتل جماعي بشعة ضد السنة والشيعة
قامت بها فرق موت امريكية وايرانية لاجل إشعال فتنة طائفية وكان يمكن لهذه
العمليات ان تحدث فتنة لولا وعي وتماسك أبناء العراق كافة وتمسكهم بعروبتهم
وعراقيتهم ورفضهم الوصاية الامريكية او الايرانية. ان العراق الذي يملك خلفية
تاريخية عمرها اكثر من ثمانية آلاف عام من العيش والتفاعل بين مكوناته قد خلقت
شعبا يربطه نسيج بالغ المتانة والاصالة ومن المستحيل شقه.
صدّام نصير الأمة... نصير المرأة
د. حياة الحويك
لم تكن الأيام هي الأيام، كنا ننشط لدعم دوربان كخلية نحل، ولم نكن نعرف ان
يوما تاريخه 11 سبتمبر سيأتي ليقلب الدنيا رأسا على عقب. في الاتحاد العام
للكتّاب العرب نظمنا مؤتمرا دراسيا لمدة ثلاثة أيام شارك فيها عشرون اتحادا
ورابطة بأكثر من ثلاثين بحثا حول الصهيونية والعنصرية، جمعن الابحاث وحملناها
مبعوثا الى الوفود العربية في دوربان اضافة الى ما تلاها من مناقشات. كان يبدو
ان تجمع المظلومين والمضطهدين من شعوب استعمرت واستعبدت ونهبت، سيتمكن أخيرا من
وضع أمريكا واسرائيلها في الزاوية. وان مسألة اعادة البحث في مساواة الصهيونية
بالعنصرية ستنطلق من جديد. وهناك تحدث عمرو موسى عن الهولوكوستات في اشارة الى
الهولوكوست اليهودي ليس الوحيد، وانه لابد أخيرا لهذا العالم الذي يصف نفسه
بالصناعي او بالشمال او بالمتحضر من ان ينظر الى ضحاياه الذين بنى بدمائهم التي
امتصها حضارته.
كان العراق المحاصر يشكل أحد بؤر هذا التحدي المستقبلي الذي ستنعكس نتائجه على
الكرة الارضية كلها ولكن اتحاد كتابه كان غائبا احتجاجا على رفض ادراج مسألة
الحصار في البيان الختامي، وكان أكثرنا يرى أنهم على حق في ذلك. وكانت فلسطين
في مواجهة الصهيونية هي البؤرة المركزية.
قدمت بحثين للمؤتمر ومن ثم شاركت مع السفير ناصيف حتي والدكتور الياس شوفاني في
تحليل مجريات دوربان مع التغطية المباشرة على شاشة التلفزيون السوري، في اليوم
التالي قدمنا حلقة على تلفزيون المنار وفي الثالث حلقة حادة على شاشة الجزيرة
ضمن الاتجاه المعاكس، كانت المواجهة فيها بين القول بعنصرية اسرائيل، وقول آخر
يتهم العرب بالعنصرية الحقيقية. كنت أتحدث عن العرب كهوية حضارية ثقافية، وكان
محاوري المغاربي يتحدث عن العرب كعرق عنصري. عدت الى عمان، لتقول لي ابنتي ان
الملحق الثقافي في السفارة العراقية قد اتصل يقول انه يحمل لي رسالة من بغداد.
لم اعتد في حياتي على تلقي رسائل من مسؤولين، الا تلك الاستدعاءات والمساءلات
عن النشاط النضالي. ولكن الحضار المفروض على بغداد كان قد عودنا على تلقي
الرسائل الشخصية من الاصدقاء مع اي قادم من بغداد. جاءني الرجل، ومضت ربع ساعة
دون ان أرى بيده رسالة. سألته، وفاجأني بقوله: هي رسالة شفوية من أعلى مرجع في
العراق، تشد على يدك وتهنئك على نشاطك بخصوص دوربان. المفاجأة جعلتني أسأله: من
تقصد؟ ليرد: أهذا سؤال يا سيدتي؟ من هو أعلى مرجع في اي بلد؟
* صدّام
السيد الرئيس؟ ـ بالطبع ومن سواه؟ هل اطلع على ما فعلنا؟ وكتّاب العراق لم
يأتوا؟ ـ نعم اطلع وتابع كل التفاصيل. سيادته يؤمن بأهمية هذا المؤتمر في زعزعة
النفوذ الأمريكي والاسرائيلي. تابع التلفزيونات مع أبو زياد (طارق عزيز) وكل ما
كتب. وأسعده أن تكون من تدافع عن العروبة امرأة، ومسيحية مارونية، وبهذا القدر
من الحجة والتوثيق. يعتقد ان هذا هو الرد الامثل على دعاة التجزئة القطرية
والطائفية والدينية والتقليل من شأن المرأة في بلادنا. لذلك يشد على يدك.
أعود الى هذه الحادثة البسيطة اليوم، في ذكرى استشهاد الرجل العظيم، وانظر معها
الى ما وصل اليه الوضع القومي من تجزئة مذهبية ودينية وقطرية، كما انظر الى ما
آل اليه حال المرأة العراقية، من ضمن دمار كل منجزات التحديث والحضارة في
العراق. انظر معها الى حال قادتنا الآخرين وغيابهم عن التفكير بكل هذه المخاطر،
بل وتعزيزها وافتعالها حيث لم تكن موجودة ليتقاسموا بفضلها سلطة تملك أكثر
بكثير من «ديكتاتورية» صدام حسين ولكنها لا تملك شيئا من روحه المستنيرة،
وايمانه القومي، وحسه بالكرامة الذي رفعه الى المشنقة.
تونس - الشروق |