|
المقاومة الوطنية العراقية نهاية الإمبراطورية الامريكية (الكتاب الثاني) شبكة البصرة حسن خليل غريب
الإهداء إلى المقاومين العراقيين روَّاد المقاومة العربية وحركة التحرر العالمية في خنادق المقاومة ومعتقلات الاحتلال الأميركي إلى العراقيين، كهولاً وماجدات وأطفالاً إلى كل شهداء العراق الذين سقطوا في مواجهة الاحتلال الأميركي إلى كل العراقيين القابضين على لهيب المقاومة والحاملين الألم والأمل أهدي هذا الكتاب
|
|
الباب الثاني مشروع البعث المقاوم فلسفة ووقائع الفصل الرابع المقاومة العراقية في المواجهة قبل شهرين من الحرب ضد العراق، حسب المخططون لها أن الاحتلال سيتم بنجاح، وقدَّروا أنهم بغير حاجة، كما قال وولفوويتز، إلى إرسال قوّات لدعم الاستقرار في العراق لفترة ما بعد إسقاط الرئيس صدام حسين أكثر من تلك التي ستخوض المعركة فهي ستجبره وجيشه على الاستسلام. وأسبوع واحد قبل الحرب، أي في 13 آذار/ مارس، رجَّح المخططون أن »الحرب الفعلية ستكون سريعة جداً«، ثم يسلّمون القيادة للعراقيين ويرحلون إلى خارج العراق في غضون سنة. وفي 17 آذار/ مارس أعلنت الولايات المتّحدة وبريطانيا وإسبانيا تخليهم عن محاولة الحصول على قرار ثانٍ من مجلس الأمن لصالح الحرب، وأعطى الرّئيس بوش الرئيس صدام حسين إنذاراً نهائياً: إما ترك البلاد خلال ثمان وأربعين ساعة أو تحمّل العواقب. وفي 19 آذار/ مارس سقطت أولى القنابل على بغداد، وفي 9 نيسان/ أبريل استولت القوات الأمريكية عليها. وفي 14 منه أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية بأنّ أغلب العمليات العسكرية قد انتهت بنجاح. وفي الأول من أيار/ مايو أعلن الرّئيس بوش نهاية العمليات القتالية في العراق([1]). وبذلك حسب المحتلون أن الأمر قد استقام لهم، وما عليهم إلاَّ أن يباشروا بالإعداد للمرحلة التالية. وفي الجهة المقابلة كانت لدى قيادة الحزب والثورة في العراق، برعاية وتوجيه من الرئيس صدام حسين، خطة أخرى لمواجهة الاحتلال بعد أن تستنفد مرحلة المواجهة العسكرية النظامية أهدافها. وتأكَّد –بما لا لبس فيه- أن أسلوب المواجهة كان يقوم على مرحلتين: مرحلة المواجهة النظامية، ومرحلة المواجهة الشعبية المسلَّحة. ما جاء من تحليلات حول مرحلة المواجهة الشعبية المسلَّحة، سواء في كتابنا الأول أوفي فقرات شتى من هذا الكتاب يفي بالغرض المطلوب. وما يمكننا التذكير به بإيجاز، أن قيادة الحزب أعدَّت منذ أن قرَّرت خوض المواجهة في صد العدوان الأميركي على العراق متطلبات المرحلة، بما تيَّسر لديها من إمكانيات، تنتقل من بعدها إلى المرحلة الأخرى، وهي مرحلة التحرير الشعبية، وهي معركة تُعرف بمرحلة النفس الطويل، ومتطلباتها تستند إلى أبسط أنواع الأسلحة بين أيدي مناضلين تم تأهيلهم فكرياً وسياسياً وعسكرياً ونفسياً لكي يكون انتقالهم من مرحلة إلى أخرى قد خضع بشكل علمي –فكري ونفسي- مدروس. وبهذا تكون القيادة ، لمواجهة العدوان، قد نظرت بعين الاهتمام لتأهيل المجتمع العراقي كله كي يتحمَّل مسؤولياته في مراحل ما بعد الاحتلال.
أولاً: مرحلة حرب التحرير الشعبية: تكتَّلت جملة من العوامل على إضعاف مرحلة التصدي النظامي، وأسهمت بتسريع الاحتلال العسكري، ومنها: -قصف وتدمير شديد قامت به 31 دولة في العام 1991م. -حصار الـ 13 عاماً أنهك المواطن والمؤسسات خاصة في السنين السبع الأولى، بحيث كان الحصار شبه مطلق، فلم يسمح بتصدير النفط بما يكفي لسد حاجات الشعب العراقي، ولا بتجديد ما له علاقة بمتطلبات وموجبات الجيش العراقي. -فرض أقصى وأقسى الغرامات والتعويضات لكل دولة خسرت من دخول الكويت. -خضوع ثلث العراق الشمالي للحماية الأمريكية، فصعدت المافيا الكردية إلى حكم تلك المحمية، وباعت كل ما يمكن بيعه من موارد البلاد، بما فيها معدات السدود وخزانات المياه. وفي ثلث العراق الجنوبي كانت مافيا »المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق« تمد الأمريكان أو إسرائيل بكل المعلومات عن حالة الجيش والشعب وأنها كانت ترشد العدو لضرب مناطق بعينها تحت حجة إخفاء أسلحة دمار تحتها. -قبل الغزو، تشكلت مجالس ما كان يُسمى بالمعارضة العراقية، بين ماركسيين ومتدينين ومعممين كان شغلهم التجسس على العراق. -أما الأكثرية من بلدان الجوار، فمتعاونة ومتواطئة، أو هي أصلاً ضمن مشروع الغزو. فقدت قيادة قوات الاحتلال أعصابها من شدة المقاومة التي قوبلت بها طلائع الغزو، فاستخدمت قنابل لا تقليدية في معارك مطار صدام الدولي؛ فوقع آلاف من الجنود العراقيين ضحاياها. وفقد فيها المحتلون مئات من جنودهم، فاستخدموا قنبلتين نيوترونيتين، كما استخدموا كثافة نارية عالية هددت بمسح بغداد. وعليه ما كان من حل أمام المدافعين سوى الانسحاب، حفاظاً على أرواح الناس، ولإعادة التنظيم، للقتال بوسائل أخرى([2]). كانت الإدارة الأميركية في عجلة من أمرها لأنها مرتبطة بروزنامة دقيقة لا تريد أن تؤخر حلقة من حلقاتها. وكانت قيادة حزب البعث في العراق حريصة على توفير المقاتلين الكفوئين للمرحلة الثانية، وكان من الخطأ خسارة الآلاف منهم بقذائف تقتلهم بلحظة واحدة. فكانت ساعة البداية للانتقال إلى مرحلة حرب العصابات، في العاشر من نيسان 2003م. ولقد كشفت تقارير رسمية أميركية عن أن المقاومة العراقية بدأت نشاطاتها ضد قوات الاحتلال في اليوم التالي لسقوط بغداد أي يوم الخميس العاشر من أبريل 2003م([3]). وتصاعدت وتيرتها (كما سيلحظ القارئ ذلك عند قراءة يومياتها في القسم الأخير من الكتاب الذي بين يديه). ولأن الإدارة الأميركية صوَّرت للرأي العام الأميركي أن الحرب ستكون خاطفة، وأن العراقيين حضَّروا الورود لاستقبالهم. ولأنها لم تضع في حساباتها أن العراقيين سيقاتلون عن شرفهم الوطني؛ كان تصاعد نشاط المقاتلين العراقيين مفاجئاً لها. وكي تظهر أنها كانت صادقة في توقعَّاتها، راحت تنسب تلك الأعمال إلى مجموعات كان من أهمها أن المقاومة هي من أعمال المتطوعين العرب وحدهم، أو من المتسللين من الدول المجاورة. وكان أكثرها لفتاً للاهتمام هو زجُّ اسم تنظيم القاعدة بأنها وراء العمليات. أو أنها من إسلاميين مرتبطين بالقاعدة أو هي من فعل المتطوعين العرب([4]). كما روَّج الإعلام الأميركي وملحقاته، لإشاعات تنسب أعمال المقاومة العراقية لردود أفعال ذات علاقة بالأمن والرغيف؛ أو أنها أعمال يائسة من صنع فلول النظام السابق([5]). لم تكن موضوعة المتسللين إلا كذبة لا علاقة لها بالواقع. فالمقاومة العراقية لا ينقصها الجند ولا العدة ولا المبدأ ليقاتل عنها متسللون. فالوقائع لم تؤيد تسلل متسللين. ولكن أميركا تريد من وراء الترويج لتلك الأكذوبة لكي تحصل على قواعد عسكرية أميركية في سوريا([6]). إن ذلك لا ينفي أن مئات المقاتلين العرب حملتهم غيرتهم إلى مساندة الشعب العراقي، استناداً إلى واجب قومي وديني وأخلاقي، وهذا مصدر افتخار واعتزاز. فهم لم يتسللوا بل دفعهم الواجب إلى المشاركة في قتال العدو الواحد. أغفلت كل تلك الأجهزة عامل التنظيم المسبق للمقاومة الشعبية المسلَّحة. لكن وقائع أعمالها على الأرض، أداءً عسكرياً ملفتاً بدقته وحرفيته وأدواته واتساعه جغرافياً، أثبتت أنها كانت المرحلة الأساسية التي أعدَّ لها نظام الحزب ووفَّر لها مستلزماتها([7]). ولقد أثبتت التجربة الميدانية، خلال عام من الاحتلال، أنها »تعكس مستوىً من الإعداد والتنظيم يرجح أن تكون قد وضعت أسس بناه التحتية قبل الاحتلال بزمن، ربما بسنوات. وهو ما يدل على أن القيادة العراقية… كانت تفكر بصورة استراتيجية في الفهم والتعاطي مع الهجمة التي يمكن أن تشنها الإمبريالية«([8]). وقد أكَّدت قيادة قطر العراق أن الإعداد للمقاومة الشعبية قد ابتدأ بعد العام 1991م، وهي تشمل الرجال والسلاح، وجاء في بيانها أن » المقاومة قامت ومنذ طي الصفحة العسكرية التقليدية في المنازلة الحالية على ما هيأت له قيادة الحزب والثورة وفقاً لما ارتأت ودبرت منذ مدة طويلة بتأمين السلاح والعتاد والتدريب على أوسع مدى شعبي وفقاً لمنظومات اقتضتها طبيعة المراحل المشخصة في المنازلة الكبرى منذ أم المعارك الخالدة«([9]). ولم تكن المقاومة تعبِّر عن مجرد ردود أفعال ضد تصرفات الاحتلال، »كما يحلو لبعض الكتبة المرتزقة وصفها وتسميتها , بل هي مقاومة منظمة تملك قاعدتها الجماهيرية, ورؤيتها السياسية لراهن العراق ومستقبله«([10]). وقد جاء ما يؤكد هذه الحقيقة على لسان أميركيين: لقد كشف أميركي كان يشارك في أعمال التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، في أواسط التسعينيات، عن وثيقة يُستَدلُّ منها أن نظام حزب البعث في العراق كان يعد لحرب العصابات في الحالة التي يتعرَّض فيه العراق لاحتلال([11]). وهذا يدل على جملة من الأمور، منها: إن الإدارة الأميركية لم تول أي اهتمام لمثل ذلك الاحتمال، ويدل على أن تخبطها في معرفة طبيعة المقاومة وتكوينها ومن يقف وراءها وما هو مدى استمرارها ليست إلاَّ تجاهلاً لحقيقة تعرفها، وتصطنع التجاهل لغاية التخفيف من المخاوف فيما لو تبيَّن أنها كانت تعرف النتائج وأقدمت على مغامرتها([12]). وفي ردٍّ إجمالي حول تجهيل هوية المقاومة الوطنية العراقية، صوَّرت وسائل الإعلام التابعة لقوات الاحتلال أن الذين يقاومون هم من القاعدة أو من فلول النظام السابق، باعتبار أن المواطن العراقي العادي –كما تقول تلك الوسائل- لا يمكن أن يقاوم. وإن أفضل جواب عليها هو ما قاله صحافي بريطاني، ساخراً: »كان علينا أن نصدق هذا. لأنه إن كان العراقيون ينضمون للمقاومة، إذن كيف سنقول إنهم لم يحبوا محرريهم؟«([13]).
1-الإدارة الأميركية وحرب المقاومة في العراق. باعتراف قيادة الاحتلال أن عدد العمليات العسكرية يتجاوز الألف شهرياً، وعلى قاعدة أنها تقلل من كل الأرقام فلاشك أن العدد يصل إلى أكثر من ذلك. وحسب مصادر المقاومة يصل إلى خمسين عملية يومياً أي قرابة 1500 عملية في الشهر، مما يعنى أن هناك حرباً حقيقية متواصلة و ليست مجرد حرب عصابات متقطعة، وهذا هو التعبير الذي اضطر إلى استخدامه القادة العسكريون الأمريكان ، ثم بوش نفسه حينما أعلن (إننا نواجه حرباً حقيقية)([14]). لم يقتصر الأمر على اعتراف رئيس الإدارة الأميركية بقوة المقاومة العراقية وشدة فعالياتها، وإنما يكون قد استند إلى شهادات القيادات العسكرية العليا والميدانية لقوات الاحتلال، التي لم تخف اعترافها بذلك، وهو ما تناقلته أجهزة الإعلام الأميركية([15]). يستطيع المتابع أن يستدل على حجم الخسائر التي تلحقها المقاومة العراقية مما يتسرَّب من تقارير من بعض المستشفيات التي تهتم بشؤون الجرحى من الجنود الأميركيين. وتفضح بعض تلك التقارير عن أن عملها لم يتغير بين مرحلة الحرب النظامية ومرحلة المواجهة التي تخوضها ضد المقاومة العراقية([16]). وإن المتتبع لعمليات المقاومة العراقية يدرك أن الذين يقفون وراءها وينفذونها هم أشخاص مدربون جيداً، ومرتبطون مع بعضهم البعض بنوع من العلاقات الخفية، الأمر الذي يؤكد أن المقاومة منظمة، ولها قيادة ميدانية مركزية، وأن رجالها هم من خيرة رجال القوات المسلحة، وأنها تحمل سقفاً سياسياً متطوراً مما يؤكد –من خلال بياناتها- أن قيادتها السياسية هي قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي([17]).
2-الخصوصية التكتيكية لعمليات المقاومة: لا يمكن أن تنجح حرب العصابات، دون أن تتوافر لها بيئة اجتماعية وسياسية تحتضنها، وهنا نستطيع أن نشير إلي عمليتين متوازيتين تجريان على الساحة العراقية: الأولي: إن عوامل المقاومة المسلحة وتطور أدواتها وأهدافها، على الرغم من غياب التكافؤ المادي مع قوات الاحتلال، »يتناول صميم المخططات البعيدة لمشروع الاحتلال. ويعمق من هاوية القطيعة مع المجتمع الذي بدوره يمارس أشكالاً مختلفة من المعارضة السلبية، ويصطف موضوعياً مع المقاومة المقاتلة«([18]). ولهذا أخذت تتصاعد عملية رفض ومقاومة سلمية لوجود الاحتلال الانجلو أميركي وسياساته، وتتمثل في عمليات الاحتجاج المتزايدة والمظاهرات الواسعة المتكررة التي شهدتها أكثر المدن العراقية من الشمال إلي الجنوب ضد الاحتلال وقراراته، خاصة حين تفاقمت حالات البطالة والعوز الاقتصادي وانعدام الأمن والافتقار إلى الخدمات الأساسية وغيرها: وحول ذلك عبَّرت القيادة الأميركية عن خشيتها من تزايد عدد العراقيين الذين يعتقدون بأن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة يمكن أن يهزم، وهو ما يشجعهم على تقديم الدعم للعمليات العسكرية المسلحة ضده. وحذَّرت من أن الغالبية الشيعية يمكن أن تلتحق في مقاومة الاحتلال خصوصاً في ظل تزايد الاحتكاك اليومي بين قوات الاحتلال والمناطق الشيعية([19]). وإن الخطر الأهم الذي يقض الآن مضاجع الجنرالات الأميركيين، هو اتساع نطاق عمليات المقاومة العراقية وانتشارها نحو الشمال والجنوب، وهي المناطق التي اعتبرت آمنة نسبياً كما حدث في عملية تفجير مقر قيادة القوات الإيطالية في مدينة الناصرية([20]). الثانية: اتساع عمليات المقاومة المسلحة وتزايد أثرها السياسي والعملياتي يوما بعد يوم([21]). وقد تكاثر أعداد الذين انتموا إلى صفوفها في شتى أنحاء العراق، ومنهم الاستشهاديون([22]). ومن خلال المقارنة بين التجربتين الفييتنامية والعراقية يرى المحللون أن نقاط القوة التي كانت تساند المقاومة الفييتنامية لا تمتلكها المقاومة العراقية من حيث إسنادها من معظم الدول الاشتراكية، وإمدادها بالمال والسلاح. أما المقاومة العراقية فتمتاز بحيازتها مميزات منها تخزين السلاح بكميات كبيرة، وتدريب الرجال، وأعداد من المدرَّبين يفوقون مئات الآلاف([23]).
ثانياً: واقع المقاومة الوطنية العراقية: 1-تعريف المقاومة:إن ما يمثِّله الاحتلال من »مصادرة للخيار الوطني وسرقة لحياة الشعب المحتلِّ وتغيير سماته الحضاريَّة وهويَّته الوطنيَّة«، يؤدي إلى »حتميَّة انبثاق المقاومة، بما فيها المقاومة المسلَّحة«([24]).
2-حق الشعوب المحتلة بمقاومة الاحتلال: بادرت الإدارة الأمريكيَّة وحلفاؤها المحلِّيُّون إلى الطعن في شرعيَّة المقاومة والتشكيك في أهدافها ونتائجها. فوصفت عمليَّاتها بالإرهابيَّة والتخريبيَّة وبكونها مضرَّة بمصالح العراق الاقتصاديَّة والسياسيَّة، وبأنَّها تؤدِّي إلى إطالة أمد الاحتلال. لكن المقاومة الوطنيَّة المسلَّحة للوجود الأجنبي »لا تستمدُّ شرعيَّتها من تراخيص المحتلِّين أو من فتاوى المتعاونين معهم، بل من الحقِّ المشروع في الدفاع عن النفس والوطن، ومن أسس الانتماء الوطني ومبادئ الأديان السماويَّة وتعاليمها، ومن القوانين والمواثيق الدوليَّة التي لا تبيح شرعيَّة مقاومة الاحتلال الأجنبي فحسب، بل تطالب به«([25]).
3-هوية المقاومة عمدت حملة الخداع الشامل على »تزييف الهويَّة الوطنيَّة للمقاومة، ونفي الصفة العراقيَّة عنها«، باستثناء نسب بعض العمليَّات إلى من أطلقوا عليهم بقايا النظام السابق: »حزب البعث وتنظيمات الحرس الجمهوري وفدائيُّو صدَّام والأجهزة الأمنيَّة«. وتركزَّت حول إلغاء هويَّتها العراقيَّة بوصفها كنتاج للمخرِّبين العرب المتسلِّلين عبر الحدود، والمجموعات السلفيَّة الوهَّابيَّة وأعضاء منظَّمة القاعدة والمنظَّمات الإسلاميَّة الأصوليَّة الأخرى ([26]). تنفي قيادة المقاومة أن يكون العنصر غير العراقي في صفوف المقاومة فاعلاً ومؤثراً، وفي ما يتعلق بالإشاعات عن وجود عناصر من تنظيم القاعدة أو متطوعين عرب يساعدون رجال المقاومة، ينكر المقاتلون العراقيون ذلك قائلين إنهم ليسوا قلة ليحتاجوا مساعدة من الخارج([27]). أما سبب الترويج حول دور تنظيم القاعدة فيعود إلى سببين: -يرتبط الأول مع حالة صراع تاريخي بين »أنصار الإسلام« والاتحاد الوطني الكردستاني. فاستغل جلال طالباني موقف الإدارة الأميركية، من الجماعات الإسلامية بعد أحداث 11 سبتمبر ، لتصفية حساباته مع تلك الجماعة، بترويجه لوجود صلة بين (أنصار الإسلام) وتنظيم القاعدة. لكن الجماعة نفت ذلك. وقد يكون هذا حقيقياً من الناحية العضوية والتنظيمية. لكن هناك تشابهاً في فكر الجماعتين من حيث أنهما حركتان سلفيتان جهاديتان سنيتان تستقيان أفكارهما من نفس المراجع السنية وإن اختلفتا من حيث طبيعة العمل وأولويته([28]). أما السبب الثاني، فيعود إلى تكتيكات إعلامية أميركية، لتحريض الرأي العام الدولي والأميركي ضد المقاومة العراقية، باعتبارها ليست حركة تحرر وطنية، بل لها علاقة، مع ما هو ثابت في أذهان الرأي العام، بالإرهاب الأصولي. كما أن الترويج لدور القاعدة في العراق يساعد على تسويق فكرة استمرار الحرب عند الأميركيين مما يقنعهم بالاستعداد لتحمل تكاليفها. وما ينطبق في هذا السبب على القاعدة، يرتبط مع ما يتم الترويج له حول أبي مصعب الزرقاوي([29]). برز اسم الزرقاوي في الإعلام اليومي بسبب محاولة المخابرات الأمريكية إيجاد علاقة بينه وبين النظام العراقي السابق لتسويق حربه على العراق وتبريرها.. ثم صار الشماعة الجاهزة التي يعلِّق عليها الاحتلال كل الجرائم التي ترتكبها مخابراته لإحداث شرخ طائفي بين العراقيين([30]). وبالإجمال، وحول هذا الجانب، ولأن العراق الآن دار حرب ومناخاً خصباً ومناسباً لأية حركة إسلامية ترى في الجهاد أولوية، فقد تستفيد شتى الجماعات الإسلامية، ومنها تنظيم القاعدة من هذا المناخ. ومن أهم العوامل التي قد تسهل دخولها إلى العراق، وجود المتعاطفين معها فكرياً وروحياً من أبناء الجزيرة العربية والخليج. كما أن الجهاد في العراق سيكون أسهل لهم من أفغانستان نظراً لعامل اللغة، والتشابه في العادات والتقاليد مع القبائل العراقية، والتداخل والتقارب والترابط العائلي، وهو ما تخشاه فعلاً قوات الاحتلال الأمريكي. إن المقاومة القائمة الآن في العراق هي عراقية شكلاً ومضموناً وإن التحق بعض المجاهدين العرب وغيرهم من الذين يدخلون من الحدود السعودية والسورية والكويتية والتركية والإيرانية فليسوا بالأعداد الغفيرة لكن وجودهم حافز معنوي للمقاومين العراقيين([31]). يؤكد بعض قادة المقاومة بأنها تمثِّل الشعب العراقي وتعبر عن ضميره، وأن الأعداء وحدهم هم الذين يسعون إلى خلق مسميات قد يكون بعضها وهمياً. وربما يكون الهدف طمس هوية العاملين فيها والمخططين لها، لأغراض عدوانية، أو لخلفيات إيديولوجية تعصبية. »المقاومة عراقية 100% تضم تيارات مختلفة ومهناً متعددة، فحزب الحركة الإسلامية هنا، والبعث هنا، والناصريون هنا، والجيش والحرس والأمن والأطباء والمهندسون والمدرسون، وحتى الفنانون والرياضيون والطلاب والفلاحون معنا في المقاومة، ناهيك عن شريحة واسعة من أبناء الشعب العراقي سنة وشيعة أكراداً وعرباً«([32]). و على الرغم من كل شيء، تؤكد الوقائع أن البعثيين هم الذين أعدّوا لها وبدأوها، واستمرت وتصاعدت بجهود (مجاميع البعث، وعناصر الجيش والحرس الجمهوري وفدائيي صدام وجيش القدس وعناصر الأجهزة الأمنية)، وكل هذه المجموعات تملك رؤية مشتركة وموقفاً سياسياً واضحاً يعبر عنه حزب البعث. وإذا كانت تلك هي الحقيقة، فمن الإنصاف أن نقول إن البعثيين لم يذهبوا إلى الاستئثار بها، أو الادعاء بعدم وجود تيارات أخرى فيها. فهناك القوميون والوطنيون والإسلاميون والمتطوعون العرب الذين يشاركون بفعالية في صفوفها، وإن الذي يقودها ويديرها هو حزب البعث، ويعرف ذلك الأعداء([33]) والأصدقاء([34]). انطلقت المقاومة، في الأساس، من تيارين سياسييّن: تيار حزب البعث وتيار الدولة. .. ومع أولى الإشارات، عن معارك وضربات ضد قوات الاحتلال، حدث تغيرّ …في تركيبة المقاومة، إذ التحقت بها جماعات قومية مستقلة ويساريون وناصريون والآلاف من الشباب المستقلين، الذين لم يُعرف عنهم أي نشاط سياسي من قبل([35]).
4-أهداف المقاومة: حدَّد المنهج السياسي الاستراتيجي للمقاومة هدفاً مركزياً يتمثل »بطرد قوات الاحتلال وتحرير العراق والحفاظ عليه موحداً ووطناً لكل العراقيين«. أما طرق ووسائل تحقيقه، فهي: أ-استمرارية المقاومة طالما كان هناك احتلال وبأي صيغة وعلى أي جزء من أرض العراق وبغض النظر عن القرارات الأممية اللاحقة للاحتلال. ب-شرعيتها، وحقها في العمل العسكري وغيره، وشرعية وواجب التعامل القتالي مع المتعاملين والعملاء. ج-منع وعرقلة جهد الاحتلال من التصرف والتمكن والاستغلال، لثروات ومرافق وممتلكات العراق. د-تعميم المقاومة المسلحة على أرض العراق كلها وبمشاركة العراقيين كلهم، والتأكيد على واجبهم وحقهم المتكافئين في المقاومة وتحرير العراق تحت أي عنوان أو مسمى. هـ-العمل على تحقيق تشكيل جيش تحرير العراق. ح-العمل من أجل مشاركة قومية شعبية في معركة تحرير العراق([36]). وبالإجمال تشمل وسائل المقاومة لتحقيق هدفها الاستراتيجي: حرمان المحتل من استغلال أي مصدر من مصادر ثروة العراق وبالأخص النفط. ومن الاستفادة من أية عقود أبرمها مع شركة هالبيرتون أو غيرها. وكل المعدات وكل الخبراء ممن يعملون مع الشركات الأجنبية وبلا استثناء هم أهداف مشروعة للمقاومة. وكل من يتعاون مع المحتل وفي المقدمة: مجلس الحكم ووزراؤه وكل المستشارين والخبراء والمترجمين… والمؤسسات الإعلامية التي تروج للاحتلال أو تتعاطف معه. وجيش الاحتلال، بغض النظر عن الجنسية، ومعداته، وكل ما يمكن أن يحسب عليه من خبراء أو عمال مدنيين أو غير مدنيين([37]).
5-جغرافية عمل المقاومة: سعت الحملة الإعلامية الأميركية إلى تسويق فكرة انحصار عمليَّات المقاومة في مناطق جغرافيَّة ذات أكثريَّة عربيَّة سنيَّة أو ما أطلقوا عليه: »المثلَّث السنِّي«، لأسباب تفتيتية مذهبية تارة، أو عرقية تارة أخرى؛ وإذا كانت سلطات الاحتلال قد نجحت ولأسباب مختلفة في التحييد الجزئي والمؤقَّت لقوى عراقيَّة أخرى، »فإنَّ السيطرة على الموقف الوطني لجماهير تلك القوَّة لوقت طويل مسألة مستحيلة«([38]). إن نشاطات المقاومة في جنوب العراق لم تشهد تصاعداً ممُاثلا للتصاعد في مناطق أخرى منه، لا بسبب امتناع الشيعة كما يُزعم، بل بسبب وجود الميليشيات المُسلحة التي تأتمر بأوامر الإيرانيين وتنسق مع الأمريكيين. فهي متواطئة معهما، وتشيع جوّا من الترويع والتقتيل. ومع هذا، تحصل هناك عمليات جريئة في الصويرة والكوت والعمارة والبصرة وسوق الشيوخ والديوانية وأطراف الحلة وكربلاء([39])،والناصرية والكوت… فعلى صعيد الواقع تحصل العمليات في كل مدن العراق، وعناصرها ينتمون إلى كل الطوائف والقوميات والأديان فيه، وهذه الحقيقة تستدعي الحذر من أفخاخ الإعلام المعادي التي تهدف إلى تفتيت الوحدة الوطنية في العراق([40]). قال مسؤول في حزب البعث من تنظيمات الجنوب العراقي، إن العملية الاستشهادية التي استهدفت القوات الإيطالية في مدينة الناصرية، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، وان عمليات كثيرة غيرها استهدفت القوات البريطانية والبولندية والأوكرانية والرومانية في الجنوب، غير أن قوات الاحتلال تتكتم عليها لأسباب سياسية ونفسية وإعلامية، للإيحاء بان المقاومة محصورة بالسنة، لأنه ليس من مصلحتها أن تقول بان الشعب العراقي في معظمه يرفض الاحتلال ويملك الأسباب الموضوعية لمقاومته، وان مجموع العملاء المتعاونين مع هذه القوات هم قلة، ولا يستطيعون حماية أنفسهم ([41]). إن حصر المقاومة في مناطق دون أخرى يفسِّر خوف الاحتلال من انتشارها لأنه »سيحيل أرض العراق (كلها) ناراً ملتهبة تحت أقدامهم«، وتعجِّل في رحليهم من العراق([42]).
6-الاحتضان الشعبي للمقاومة: في الوقت الذي يجمع فيه المراقبون على تطور عمليات المقاومة العراقية وتنوع أساليبها، فهم يتفقون –أيضاً- على أنها باتت تمثل نبض الشارع العراقي الرافض للاحتلال الأمريكي([43])، الذي يجري التعبير عنه من خلال التظاهرات المتواصلة، والاحتجاجات اليومية التي تشهدها معظم مدن العراق، وهي تطالب برحيل القوات الأمريكية الغازية. ويوماً بعد آخر يترسخ في الشارع العراقي مفهوم المقاومة، ومعانيها الدينية والوطنية، وتتعمق قيمها الأخلاقية في وجدان المواطن العراقي الذي وجد نفسه فجأة مكبلاً بقيود الذل والمهانة، تحت حراب قوات الاحتلال الأمريكية البريطانية([44]). إن الإجماع الشعبي حول المقاومة، ليس نتاج ردود أفعال كما يُزعم، بل هو »تجسيد فعلي لمعنى الوطنية العراقية«. فأصبحت المقاومة ثقافة عامة، وشاعت تعبيرات تنتقص من الرجال الذين لا يتخذون مواقف شجاعة، وأن الشبّان الذين لم يكونوا يوماً إسلاميين أو بعثييّن، بل ولم يكونوا سياسييّن أصلاً، هم اليوم مع المقاومة ويلتحقون بها بأعداد كبيرة، من دون الاهتمام بهويتها البعثيّة أو الإسلامية. هذا الأمر لا يعنيهم. ما يعنيهم هو تحرير بلادهم«([45]). ومن دلائل التأييد الشعبي أن الجدران في المدن والبلدات العراقية تتحوَّل إلى وسيلة إعلام ذات فعالية متزايدة في مقاومة الاحتلال. وتتركز على جدران المؤسسات والمرافق العامة كالمدارس. إذ غالباً ما يفيق المواطنون العراقيون على شعارات تدعو إلى الجهاد، كتبت بخطوط بارزة على الجدران، ومنها المنشآت والأبنية العراقية. وما يبدو مثيراً للانتباه في الشعارات المناهضة للاحتلال، هو أنها توحي بوقوف جهود منظمة وراءها. فالشعارات الجديدة تختلف عما كان معهوداً، فهي أكثر أناقة، وتحمل مضامين أكثر دقة وعمقاً، مما يدل على هدوء أعصاب الذين يكتبونها، وهذا دليل على احتضان الشارع الشعبي وتشجيعه. كانت الشعارات المناهضة للاحتلال تكتب بشكل يحمل طابعاً عفوياً، وقد تكون غير واضحة، بما يشير إلى عامل الاستعجال والخوف على كاتبيها. هذا بالإضافة إلى أن الشعارات أخذت تعم مختلف مناطق العراق. وهو ما يمنح الشعارات الجديدة فيها دلالات إضافية([46]). وأشدَّ ما يخيف قوات الاحتلال هو غموض التنسيق بين الفصائل المقاتلة، وما إذا كانت تلك الفصائل ستلقى احتضاناً شعبياً([47]). وهي تتجاهل ما تنقله الصحافة الأجنبية عن أهمية الالتفاف الشعبي الواسع تأييداً للمقاومة من جهة، واعتبار القوات الأميركية قوات احتلال من جهة أخرى، لتكذِّب ادِّعاءات الإدارة الأميركية بأنها جاءت إلى العراق لتحرير العراقيين([48]).
ثالثاً: تأثير المقاومة المسلَّحة على مخططات الاحتلال لا يمكن للمشاريع المتناقضة، التي وصلت إلى نتيجة رأت فيها أنه لا يمكن حسم حدود التناقض بينها إلاَّ بالمواجهة العسكرية، إلاَّ أن تحسب للقوى المقاتلة لدى كل منها الحساب الأول. فالحرب هي أهم وسيلة سياسية لتحقيق الأهداف، والجندي في الحرب هو أهم وسيلة لكسب الحرب، ولا يمكنه كسبها إلاَّ إذا استطاع أن يستنزف خصمه ويمنع عنه القدرة على الحركة ومتابعة القتال. لما قرَّرت الإدارة الأميركية أن تشن الحرب ضد العراق، وضعت دراسات لأدق التفاصيل التكنولوجية التي توفِّر لها النصر على القدرة العسكرية العراقية. ولكنها في المقابل أغفلت كل ما له علاقة بتكوين الجندي الأميركي كإنسان أكثر من إغرائه بالمميزات المادية التي يمكنه الحصول عليها من خلال مشاركته في الحرب. ولأن الإدارة كانت تتوهَّم أن الحرب لن تستمر أشهراً طويلة، لأنها في خلالها تكون قد أنهت الحرب وأعادت الجنود إلى بلادهم. وفي تلك الفترة المحدودة لا يمكن للجندي الأميركي المقاتل أن يأخذ فرصة كافية لكي يعاني من متاعب الحرب وما تجره من مآس إنسانية سواء على صعيد الشعب العراقي، أو سواء على ما سوف تعانيه عائلات الجنود المشاركين في الحرب، وهم الذين أعدوا أنفسهم لاستقبال أبنائهم أبطالاً أسوياء، شاركوا –كما يحسبون- في درء الخطر عن وطنهم أميركا قبل أن يصل إلى أبوابها. ولما لم يحسب مخططو الحرب الأميركيين حساباً لجانب أن الحرب النظامية ليست هي الوجه الوحيد للصراع، وأهملوا النظر إلى زاوية ما يمكن أن يكون العراقي قد خطط لنفسه ووضع من وسائل مقاومة الاحتلال. وبمثل هذا الإهمال تناسوا أن الجندي الأميركي قد يقع في تجربة طويلة يعرف من خلالها معاناة خاصة سواء بالنسبة لمهمته من حيث قصر مدتها أو طولها، وتناسوا أن بقاء هذا الجندي لفترة طويلة قد يجعله يرى ما يضعه في موقع المأزوم والمتسائل حول حقيقة مهمته. وهذه هي المفاجأة التي لم تعطها أجهزة الكومبيوتر أهمية، هي التي أنتجت تحولات ومتغيرات لم تكن محسوبة، وهي حقيقة المأزق الأميركي الحالية في العراق. لقد فاجأ العراقيون الأميركيين المحتلين بما لم يكونوا قد وضعوه في حساباتهم، وهي انطلاق المقاومة على قاعدة حرب العصابات بسرعة أذهلت العارفين بحقيقة الأمور بأكثر مما أذهلت غير العارفين. كانت الأهمية في سرعة تلك الانطلاقة قد قلبت في وجه الجندي الأميركي رؤيته وأوهامه رأساً على عقب. ومن المعروف أنه متى استطاعت المقاومة أن تثقل كاهل الجندي الأميركي بالمخاوف والمتاعب والهواجس وجعله يكتشف حقيقة التمويه الذي أضفاه المخططون لمشروع الحرب من أكاذيب، تعتبر الخطوة الأولى ولكنها الأساسية أيضاً في السير نحو النصر. »لم يعد هناك مجال للمواربة بشأن فعالية هذه الهجمات وما تظهره من براعة ومنهجية وتخطيط عال«. وبعد مضي أشهر قليلة، لا يسع المراقب إلا أن يستدل على وجود استراتيجية تقف خلف الهجمات التي تستهدف قوات الاحتلال. وتلك التي تستهدف العناصر العميلة لقوات الاحتلال، فضلا عن الهجمات التي تستهدف المنظمات الدولية أو البعثات الديبلوماسية، وتلك التي تطال البنية التحتية الخدمية، ولاسيما أنابيب تصدير النفط. ويمكن تصور أن الخيط الاستراتيجي الذي وضعه المقاومون هو الرغبة بخلق الفوضى التي لا تسمح لقوى الاحتلال بالحصول على قنوات الدعم الخارجية أو الداخلية، وبالتالي تقليص كل الإمدادات السياسية والمادية والبشرية التي -مع مضي الوقت- تجعل الاحتلال مرتكزاً فقط على الجانب العسكري. وذلك كله، يصب في استراتيجية هدفها يبرز من أنه إذا كانت القدرة غير متوافرة على هزيمة الاحتلال بالسرعة الممكنة، فليكن اعتماد استراتيجية تقوم على استنزافه باستمرار بما يؤدي إلى إعطاب قدرته على الاستمرار والتواصل. و»النموذج المتبع والواضح للعيان أن المهاجمين على اختلاف هجماتهم وبتنوع هوياتهم يتبعون مبدأ "إعياء الفيل"«([49]). إن خلق واقع اللا إستقرار في وجه القوات المحتلة تصيب العصب الأساسي في أهم مفاصله، والعصب الأساسي هو الجندي المقاتل والمساعد والمدافع عن الهيئات السياسية، فمتى ألحق به المقاتل العراقي شيئاً من التلف المادي، أو متى ما ألحق به المقاتل العراقي شيئاً من الشك في شرعية مهمته يكون قد بدأ يحفر بعمق في ضميره وسلوكه كأقصر طريق لإعاقته عن أداء مهمته في القتال عن قضية لا ناقة له فيها ولا جمل. ومن أهم التأثيرات التي تحفر في خندق إعاقة الجندي الأميركي المحتل، هي أنه من دون أن تبرز أية ملامح لإنهاء عمليات المقاومة أو ظهور بوادر لإيقافها أو القضاء عليها، ما زالت قوات الاحتلال الأميركي ترسل نعوش قتلاها كل يوم، وأصبح الرحيل عن أرض العراق الحلم الجميل الذي يراود جنود الاحتلال، وفي نفس الوقت تتصاعد فيه دعوات العائلات الأمريكية التي تطالب بعودة أبنائها في أقرب وقت([50]). ما هي تأثيرات الصعوبات على إحداث العطب المؤلم الذي يجعل الجندي يصرخ من جهة، فيلقى صراخه صدى عند أهله وأقاربه وعائلته وأصدقائه من جهة أخرى؟ من ضمن حالات الإعاقة التي تلحقها ضربات المقاومة العراقية بالجندي الأميركي ما يلي:
-الإصابات النفسية بين جنود الاحتلال: أ-التهيج المفرط والحاجة للتبول بشكل متكرر والإسهال، والشعور بالتنميل في الأطراف. وعدم القدرة على النوم وفقدان الشهية والوزن([51]). ب-الاضطرابات النفسية الكبيرة: عزل ما مجموعه 583 جندياً حتى بداية يناير 2004 في العراق أو أعيدوا إلى ديارهم لتلقي العلاج من جراء الاضطرابات النفسية الكبيرة التي يعانون منها، لكن آخرين لا ينتظرون العلاج وإنما يقررون الانتحار([52]). ج-الإصابة بحالة الاكتئاب: إن ما يقرب من خمس الجنود الأمريكيين الموجودين في العراق مصابون بمرض اكتئاب ما بعد الصدمة. وإن أكثر من 600 من العسكريين - رجالاً ونساءً - تم إخلاؤهم من العراق لأسباب نفسية منذ بدء الحرب في مارس الماضي ([53]). د-تزايد حالات الانتحار بحيث تجاوزت النسبة المعروفة في مثل تلك الظروف: إن نسبة الانتحار بين الجنود الأميركيين في العراق تصاعدت بصورة كبيرة، وان الأمراض النفسية الحادة تجتاح قوات الاحتلال. وإن ما لا يقل عن 22 جندياً قتلوا أنفسهم وهي نسبة عالية. وظهرت معظم الحالات منذ أعلن الرئيس جورج بوش انتهاء العمليات القتالية الرئيسية. وقد دفعت حوادث الانتحار هذه إلى بدء تحقيق على أعلى مستوى داخل وزارة الدفاع الأميركية([54]). وفي المعدل العام نسبة حالات الانتحار هي 10ـ11 حالة لكل 100 ألف جندي، وفي المعدل الحالي وصلت إلى 34. ويقول خبراء ومحللون نفسيون إن التسيب الأمني في العراق، وطول فترة خدمة الجنود،والظروف التقشفية في المعسكرات، تؤدي إلى تفاقم أعراض الضغط النفسي أو الكآبة. كما أن توفر السلاح لدى الجنود، تجعل من مجرد التفكير بالانتحار حقيقة واقعة.. ويقول محلل نفسي في جامعة الجيش النظامي الأمريكية إن وضع المسدس علي رأس من يفكر بالانتحار لا تحتاج إلا لثوان معدودة. ([55]). وقد اعترف كل من وزير الدفاع الأميركي، وقائد قوات الاحتلال بالواقع الصعب الذي يعاني منه الجنود([56]). وبالفعل فقد أجْلت وزارة الدفاع الأميركية آلاف الجنود إلى بلادهم لإصابتهم بحالة انخفاض المعنويات، ووصلت نسبة المصابين الذين يحتاجون إلى معالجة إلى نسبة عالية تبلغ ال3% من نسبة الجنود المشاركين في الاحتلال([57]). وصلت زيادة حالة الانهيار المعنوي بين الجنود الأميركيين إلى الخط الأحمر. فقد أطنبت وسائل الإعلام مؤخراً في نشر مقابلات تشير إلى هبوط معنوياتهم ورغبتهم بالرحيل([58]). وقد دلَّت استطلاعات للرأي على أن ثلاثة أرباع الجنود أُصيبوا بحالة من انهيار المعنويات، ودفع بنسبة ال 50% منهم إلى التصريح بأنهم لن يجددوا عقودهم([59]). لذلك طلبت القيادة العسكرية الأمريكية في العراق من جنودها تناول عقاقير منبهة، تجعلهم يقظين لنحو 40 ساعة. وأشار المصدر إلى أن هذه العقاقير ي تم استخدامها في علاج المصابين بمرض النوم، ولكن لها آثار سلبية على الجهاز العصبي. كما أن نقابة الأطباء الهولندية أكدت أيضا وجود آثار سلبية على صحة من يتناول العقاقير المنبهة على المدى البعيد، بجانب وجود آثار سيكولوجية سيئة([60]).
رابعاً:المقاومة العراقية ذراع أممي في منع أمركة العالم أفشلت المقاومة العراقية المشروع الكوني الأميركي الذي كان يستهدف روسيا وفرنسا وألمانيا وكوريا الشمالية وغيرها، وفرضت تأجيل المخطط الأميركي في المنطقة. ولهذا وفي حال نجاحها بطرد الاحتلال، ستسهم في إعادة رسم خارطة العالم من جديد، حيث ستمثل حافزاً ودافعاً لأطراف عديدة للثورة على السياسة الأميركية والتمرد عليها، في مختلف بقاع الكون([61]). وقد برز خلال الشهور الثلاثة الأولى بعد إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، انتهاء العمليات الحربية الرئيسية في العراق 'أول مايو 2003' مقدار التأثير الذي أحدثته المقاومة العراقية علي السياسة الأمريكية سواء بالنسبة للعراق أو المنطقة أو حتى تعاملاتها الدولية، وهو الأثر الذي تزايد وتصاعد فعله في الشهور الأربعة اللاحقة بعد ذلك أي حتى أواسط تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2003م؛ ويمكن تتبع خطى هذا التأثير في التغييرات التالية: بدأت بعزل (جاي جاردنر) الذي سبق وعينته الإدارة الجمهورية كحاكم للعراق بعد أقل من شهر من تعيينه، وكذا عزل الطاقم الصهيوني المصاحب له، واستبدلته بواجهة مدنية 'السفير بول بريمر' المتخصص في مكافحة الإرهاب وحركات التحرر الوطني. في أعقاب سقوط بغداد، بدأت الإدارة الأمريكية وصقور البنتاجون، في إصدار تصريحات تتسم بالصلف والغرور، ومنهم (بول وولفويتز) مهندس الحرب، في الحادي عشر من نيسان/ أبريل: بأن الانتصار الأمريكي في العراق هو درس لكل الأنظمة العربية التي تهدد مصالح الولايات المتحدة ؟! وأعقبته تصريحات كل من وزير الخارجية كولين باول ونائب الرئيس ديك تشيني ووزير الحرب دونالد رامسفيلد، بأن على فرنسا أن تدفع ثمن معارضتها للحرب ضد العرب، والتوعد لكل من خالف الإرادة الأمريكية وقرارها بالحرب علي العراق. وفي تلك الأجواء فرضت الإدارة الأميركية القرار 1483، في 22/ 5/ 2003م، على مجلس الأمن، معترفاً بواقع الاحتلال، ويضع وصاية كاملة على إدارة الموارد المالية والثروات الطبيعية العراقية تحت غطاء إنشاء صندوق أطلق عليه (صندوق تنمية العراق). ولم تُعط الأمم المتحدة إلاَّ المهام الإنسانية مع استخدام المبعوث الخاص للامين العام للمنظمة الدولية مظلة وغطاء سياسياً للاحتلال. ولم يأت القرار على ذكر أي عملية سياسية أو جداول زمنية لنقل السلطة أو السيادة للعراقيين. لم يمض وقت طويل حتى تحوَّل المشهد وانقلبت الصورة بعد تصاعد أعمال المقاومة العراقية المسلحة. إذ ذاك اندفعت الإدارة الأميركية للاستنجاد بحلفائها وأصدقائها وعملائها في كل مكان لإرسال قوات عسكرية لمساعدتها في توفير الأمن لقواتها. وبعد أقل من ثلاثة شهور على صدور قرار مجلس الأمن الرقم 1483، قامت قوات الاحتلال بتشكيل ما سمي مجلس الحكم الانتقالي في 14 تموز/ يوليو باعتباره واجهة سياسية محلية للاحتلال. وطلب موافقة مجلس الأمن على استصدار القرار 1500 الذي تضمن خطة وهمية لعملية سياسية في العراق كمحاولة استرضاء كل من فرنسا وألمانيا وروسيا. وقد تضمن مطالبة الدول العربية وغير العربية بالاعتراف بمجلس الحكم الانتقالي. ومرة أخري حصلت الإدارة الأمريكية على قرار جديد، في 16 تشرين الأول/ أوكتوبر، يحمل الرقم 1511. وضغطت الدول الممانعة على تحديد جدول زمني لصياغة دستور جديد. ولم يكن الجدول الزمني هو ما يهم الأميركيين، بل كان أهم ما فيه، هي المادة 13، التي تنص على تشكيل قوة متعددة الجنسيات تكون تحت قيادة الاحتلال الأمريكي، وكذلك المادة 14، التي تدعو إلى تقديم مساعدتها وتوفير القوات العسكرية للقوة المتعددة الجنسيات، كما ينص القرار علي الدعوة لعقد مؤتمر دولي للمانحين في العاصمة الأسبانية مدريد يومي 23 و24 أكتوبر 2003 لتقديم المساعدات وإعادة أعمار العراق. وعلى الرغم من موافقة الدول الكبرى الممانعة للحرب على القرار الأخير إلاَّ أنها امتنعت عن تقديم أي نوع من الدعم للأميركيين. وبمثل هذا المشهد تكون المقاومة العراقية قد ساعدت الدول الكبرى على الخروج من كابوس كان يزعجها، وهو سيطرة الغرور والشبق الإمبراطوري الأميركي في السطوعلى مقدرات العالم، لو حققت النجاح في احتلال العراق. وتكون قد أثلجت صدور بعض الأنظمة العربية لأنها أخَّرت استحقاقات أميركية على بعض تلك الأنظمة بفعل تأثير المقاومة([62]). أما لجوء الإدارة الأميركية إلى استجداء الأمم المتحدة بعد أن كانت ترفض أي دور لها، فحوَّلته إلى حيلة من أجل إنقاذها وإعطائها شرعية. وما هي التصحيحات التي يجب أن تقوم بها الأمم المتحدة الآن؟ إن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان يجد نفسه في وضع لا يحسد عليه([63]). فأميركا تهدف إلى الحصول على غطاء دولي وهمي وليس إلى إعطاء دور فعلي أنكرته ووقفت ضده قبل العدوان على العراق.
خامساً: قراءات سياسية في واقع فصائل المقاومة الوطنية العراقية يمكن توزيع التنظيمات المشاركة في المقاومة الوطنية العراقية، بين تيارين أساسيين، وهما: التيار الأول: إسلامي أصولي، بعضها عراقي، والآخر قد يكون مشكلاً من تنظيمات المتطوعين العرب والمسلمين. التيار الثاني: تيار قومي ووطني عراقي، بعضهم ذو صلة بجهاز الدولة العراقي السابق، وبعضهم تشكل كمقاومة وطنية مسلحة مستقلة ([64]). على صعيد التنظيمات العسكرية: لم تتوقف المقاومة العراقية المسلحة يوماً واحداً بعد احتلال بغداد. وهو يعني أن بعض القوى قد أعدت نفسها مسبقاً إعداداً كافيا لمواصلة القتال في ظل الاحتلال، وقد تبين أن تلك القوى تنتمي بأكثريتها إلى حزب البعث، وأن جزءًا آخر وأساسي أيضاً ينتمي إلى قوى وطنية وقومية وإسلامية متعددة ([65]). وهنا سنقوم بقراءات سياسية لكل التنظيمات المشاركة في المقاومة العراقية، سواء منها العاملة في الميدان العسكري، أو تلك الداعمة للمقاومة سياسياً وإعلامياً:
1-قراءة سياسية في وثائق حزب البعث العربي الاشتراكي: أ-قراءة في وثائق شهريْ نيسان/ أبريل وأيار/ مايو من العام 2003م في الوقت الذي انقسم فيه العالم، بعد التاسع من نيسان، بين مبتهج بسقوط النظام السياسي في العراق ونادب لهزيمة جديدة أُلحِقت بأحد الأنظمة العربية الرسمية. وفي الوقت الذي انشغلت فيه دولة العدوان الأميركية بالاعداد إلى إعلان نصرها في العراق، وهي التي شنَّت الحرب ضمن ممانعة دولية، ومن دون غطاء شرعي دولي أو أخلاقي، وابتهجت بأنها وضعت المنظومة الدولية أمام واقع جديد، وفي الوقت الذي أخذت فيه دول العالم الممانعة للحرب تعد فيه مطالعات لتقديم الاعتذار إلى الإدارة الأميركية، كوسيلة لإعادة حبال ما انقطع بينهما، خوفاً من حرمانها من الكعكة العراقية، في مثل كل تلك الأجواء، وبعد أقل من أسبوعين، صدر بيان عن »قيادة المقاومة والتحرير العراقية«، يعلن أن الحرب لم تنته وأن مجموعات المقاومة تابعت، منذ العاشر من نيسان، عملياتها العسكرية بشروطها وووسائلها الخاصة، كما أعلنت حصيلة لبعض عملياتها العسكرية مما أوقعته من خسائر في صفوف قوات الاحتلال. وفي بيانها الأول دعت »قيادة المقاومة والتحرير« أبناء العراق إلى قتال المحتل حتى خروجه من العراق. وكشفت اللثام عن تآمر بعض الأنظمة العربية بما قدمته من تسهيلات لقوات الاحتلال. وعرَّى الدور الخبيث الذي لعبته المعارضة العراقية في احتلال العراق([66]). وفي بيانها الثاني، بتاريخ 25/ 4/ 2003م، حمل في الغالب المضمون العسكري مضيفاً بعض التحذيرات الأمنية للمتعاملين مع الاحتلال من تقديم أية معلومات أمنية حول نشاط المقاتلين، ومتوجهاً، من خلال موقف سياسي، إلى رجال الدين (السنة والشيعة) لإصدار فتوى لتكفير المتعاونين مع الاحتلال، وبالتالي الدعوة إلى حمل السلاح في وجه الاحتلال ومقاطعته([67]). وبعد أربعة أيام، صدر البيان الثالث بتاريخ 29/ 4/ 2003م، فأوضح بعض خفايا ما التبس على الأذهان والتحليلات من بعض الحقائق، وإذا لم تكن بالوضوح الكافي لتفسير ما حصل في التاسع من نيسان إلاَّ أنها أنارت بعض الطريق أمام فهم بعض ما التبس. وأشار البيان إلى أربعة من العناوين العريضة، وهي: الاستمرار في المقاومة، والتعتيم الإعلامي الأميركي حول استمرار الحرب، والإشارة إلى بعض الاهتزازات في قناعات عدد من مسئولي الحكومة السابقين، وإعادة التذكير بمساعدة بعض الأنظمة المجاورة للعراق، كما وجَّه البيان تحذيراً إلى عملاء الاحتلال. وأهم ما جاء في نهايته أنه بشَّر بأن الرئيس صدام حسين لا يزال حياً، وبه انقطع الطريق على كل التفسيرات والإشاعات التي اتجهت اتجاهات شتى في الاتهامات. وأكد البيان أن الرئيس سيتوجَّه برسالة لأبناء العراق والأمة بعد 72 ساعة. فيكون البيان الثالث قد أكَّد حقيقة هوية الطلائع الأولى للمقاومة من دون أي لبس أو غموض([68]). وبالفعل فقد وجَّه الرئيس رسالته الأولى، وكان من أهم ما جاء فيها: 1-الإشارة إلى خيانة عدد من الأنظمة العربية ودول الجوار. 2-دعوة العراقيين إلى الانتفاض بوجه المحتل، لأنه »ليس هناك أولويات غير طرد المحتل«. 3-الإشادة بنضال حزب البعث لأنه »لم يمد يده للعدو الصهيوني، ولم يتنازل لمعتد جبان أميركي أو بريطاني«([69]). وبعد أقل من أسبوع من إعلان جورج بوش، الرئيس الأميركي، انتهاء الحرب، أذاع الرئيس صدام حسين رسالته الثانية، المؤرخة في 7/ 5/ 2003م، والتي بشَّر فيها العراقيين، أن مجموعات من العراقيين قد بدأت الجهاد، فما على الشعب العراقي إلاَّ أن يكون معهم. وفيها يلفت نظر العراقيين إلى حجم السرقات التي مارسها الاحتلال وعملاؤه. وكان من أهم ما جاء فيها ما يلي: 1-الإشارة من جديد إلى تواطؤ بعض الأنظمة العربية والمعارضة العراقية. 2-وحدهم المقاومون هم الذين »يفكِّرون بعراق واحد«. محرِّضاً العراقيين في الداخل على أن يبقوا أخوة في الوطن. وشجَّع الذين في الخارج على مقاومة المحتل: بالمحافظة على الوطن بالمقاومة ومنع الاحتلال من الاستفادة من النفط والثروة. 3-أشار إلى بطولات المقاتلين في معركة المطار التي شارك فيها المتطوعون العرب([70]). وكرَّر في رسالته الرابعة، بتاريخ 9/ 5/ 2003م، الإشارة إلى مسألتين: -الأولى عوامل الخيانة التي ارتكبتها عدة أنظمة مجاورة، ويشير إلى أنها هي التي أسهمت في تقصير أمد الصمود في بغداد. -أما الثانية فهي دعوة العراقيين، كما جماهير الأمة العربية، إلى مقاومة الاحتلال بشتى السبل والوسائل، ومن أهمها: المقاطعة السياسية لدول الاحتلال والامتناع عن تقديم تسهيلات لأفرادهم ومؤسساتهم ومقاطعة بضائعهم، والتظاهر. ويُظهر دور الجماهير في الدعم. وحول دور الجماهير يخص بالتسمية رجل الشارع ووسائل الإعلام والمثقفين والأدباء والصحافيين والمصورين والرسامين والرياضين، ودعاهم إلى فضح جرائم الاحتلال([71]). تنقطع مع الرسالة الرابعة رسائل الرئيس ليطل من جديد برسالة جديدة، بتاريخ 14/ 6/ 2003م، لكن في فترة الانقطاع تلك، قامت كل من »قيادة المقاومة والتحرير«، و»قيادة قطر العراق«، بإصدار بيانات متلاحقة. بالإضافة إلى تعداد حصيلة عمليات المقاومة، وهو ما سيتابعه القارئ في الجزء المخصص للوجه العسكري من المعركة، فقد دعا بيان قيادة المقاومة، في أواخر أيار / مايو، إلى تطبيق عدد من التعليمات التنظيمية والأهداف العسكرية، وهي: 1-حرمان العدو من الاستفادة من النفط العراقي. 2-تكوين مجموعات لشن حرب عصابات تجعل العدو يدفع خسائر بشرية ومادية. ودعا قائد المقاومة المجموعات إلى تسليم قيادتها للأعلى رتبة عسكرية([72]). ويصدر تباعاً عن »قيادة المقاومة والتحرير« بيانات عديدة تتعلَّق بالشأن العسكري، وفيها يتَّضح عدد من أسماء المجاميع المقاتلة في صفوفها، كما يتَّضح توسيع عمليات المقاومة، ومن أهمها: تدمير زوارق، وإسقاط طائرة، وتفجير أنابيب للنفط، وتوجيه تحذيرات للرعايا الأجانب بمغادرة العراق، وتوجيِه تحذيرات إلى جنود الدول التي شاركت الأميركيين في الاحتلال، مثل »القوات الدانمركية والبولندية«. ولم يستثن التحذير عدداً من رعايا بعض الدول العربية التي تتهمها قيادة المقاومة بالتواطؤ مع العدوان ومع الاحتلال أيضاً. ويلاحظ –من خلال البيانات، التي صدرت في شهر حزيران/ يونيو، أن رقعة العمليات –جغرافياً- امتدت من كركوك شمالاً إلى العمارة جنوباً. أما عن أسماء عدد من المجاميع التي تقاتل تحت اسم »قيادة المقاومة والتحرير« من جهة، وبعض جوانب واقع الفصائل التي تشارك في المقاومة من جهة أخرى، فقد تكررت المسميات التالية: كتائب الفاروق الجناح العسكري ل(الحركة الإسلامية في العراق)؛ القوات المسلحة العراقية، الحرس الجمهوري، مجاميع الحسين، وكتائب حزب البعث، وفدائيو صدام. -ورحب آخر بيان صادر عن »قيادة المقاومة والتحرير«، بتاريخ 18/ 6/ 2003م، بظهور منظمات مقاومة جديدة، كمثل »سرايا الخليل« و»سرايا المقاومة العراقية« وفي بيانها دعتهم القيادة إلى الحديث عن التحرير كأولوية من أولويات المعركة([73]). يظهر من خلال حركة البيانات، التي تصدر عن قيادة المقاومة والتحرير، أنها ذات علاقة وثيقة مع الأمين العام لحزب البعث تارة، ومع بيانات قيادة قطر العراق تارة أخرى. وفي حزيران/ يونيو، صدر عن الأمين العام رسالتان في (12 و14/ 6/ 2003م)، كما صدرت عن قيادة قطر العراق أربعة بيانات في (10 و19 و26 و29/ 6/ 2003م)([74]). ولأنها الإطلالة الأولى لقيادة قطر العراق، بعد احتلال بغداد، سنعمل على قراءة مواقفها السياسية، وكذلك مضامين رسائل الأمين العام وما حدَّدته من مواقف سياسية أيضاً([75]).
ب-قراءة في وثائق شهر حزيران/ يونيو من العام 2003م إن قراءة سياسية لبيانات قيادة قطر العراق، مع رسائل الأمين العام للحزب، في خلال شهر حزيران/ يونيو، فتؤشِّر على المواقف السياسية التالية: -تحديد طبيعة المؤامرة الأميركية بالتنسيق مع بعض دول الجوار وبعض الأنظمة العربية، وهي: إن العدوان يستهدف »العراق بوطنيته وعروبته وثروته وقراره المستقل، ويستهدف حزب البعث العربي الاشتراكي فكراً ومنطلقات وبرامج ... ويحاول اقتلاع القيادة السياسية بحيث أن اقتلاعها وضرب البعث إنما يشكلان الهدف الإستراتيجي الأول والأهم في تطبيق مخططاته«، ومن خلال ذلك تصفية القضية الفلسطينية([76]). -صدقية وعد القيادة العراقية بقتال العدو ورفضها »الاحتفاظ بالكراسي« لقاء السماح له باحتلال العراق من غير قتال لأن المذلَّة هي الثمن الذي كانت ستدفعه من حق الشعب العراقي بالعيش الحر الكريم. -إن الرد على المؤامرة يأتي من المقاومة العراقية: فهي تمثِّل عمقاً فكرياً تاريخياً للحزب منذ تأسيسه. وقد شخَّصها منذ وضع حساباته في مقاومة المشروع المعادي. -كشف القناع عن الدور العميل لأطراف المعارضة العراقية منذ بداية الإعداد لاحتلال العراق، وفصائلها –كما حددها البيان- هي: المؤتمر الوطني والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وجماعة الوفاق. وبعد الاحتلال شرع »البعثيون بضرب مقرات العملاء والخونة، وسوف يقتصون كذلك منهم ويجتثوهم من الجسم العراقي الحر«. -منع التسلل الصهيوني إلى العراق، الذي هو أساس استراتيجي للمشروع الأميركي، وسوف تعمل المقاومة على مكافحة توجه بعض دول الجوار العراقي لمنح »إسرائيل« »دوراً في محاولة تشكيل الصيغ السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية للمشرق العربي وذلك من خلال الترويج والتسهيل للشركات والوكالات الصهيونية وما يصحبها من أجهزة استخبارية (إسرائيلية) للعمل داخل العراق«. -التأكيد على منع الاحتلال من الاستفادة من النفط العراقي. والمقاومة »سوف لن تسمح بأن يكون نفط العراق أداة لتمويل عمل الاحتلال في داخل القطر العراقي ومخططاته الإقليمية المعروفة ببناء سياسي للشرق الأوسط«. -منع تشكيل أية قوى أمنية أو عسكرية عراقية، لأن »القرار اللاحق لحل القوات العراقية المسلحة والمتمثل بتكوين جيش جديد … من الآن وحتى نهاية العام 2005 إنما يشكل تحدياً وطنياً وقومياً لكل العراقيين والعرب، وهذا التحدي سوف يقابله البعث بالرد المقاوم«، شاملاً القابلين بالانتساب إلى تلك الأجهزة، والشركات التي ستلتزم التدريب، بمن فيهم أية مشاركة عربية. لذا ناشدت قيادة قطر العراق الدول العربية إلى أن لا تتناسى الدور القومي ل»عناصر تشكيلات وصنوف القوات العراقية المسلحة البطلة صاحبة المآثر في فلسطين والجولان وسيناء … لتتطلع إلى إخوانها العسكريين العرب لأخذ المواقف الوطنية والقومية الشريفة تجاه محاولة المحتل الأمريكي-البريطاني لحل الجيش العراقي وإعادة تكوينه مسخاً على النقيض من شيمه وصولاته ومآثره منذ تأسيسه قبل خمسة وسبعين عاماً«. -الإشارة إلى أن أعمال المقاومة أخذت تؤثر على موقف الإدارة الأميركية وتجبرها على اتخاذ تدابير جديدة، وقد انكشف مدى خداعها للرأي العام الأميركي، وظهر في عدد من تصريحات وزير خارجيتها التي يعترف بعضها بما يلي: »لطالما توقعنا هذا النوع من المشاكل من البعثيين والفدائيين«، مضيفاً... »آمل أن يبدي الأمريكيون الصبر والتفهم لهذا الوضع«. إن في التأشير على تلك التصريحات ما يدل على المأزق الذي تعيشه الإدارة الأميركية ذات الأهداف الضيقة والمحصورة بالاستحقاقات الداخلية الأميركية التي هي المعيار الملحّ في استمرارية الإدارة الحالية أو عدم استمرارها، ففي الاستمرار إعطاء حياة جديدة للمشروع الخبيث. أما المقاومة، في نضالها، فصاحبة خيارات عديدة. ف»المقاومة والقتال هما الفعلين الوحيدين العاملين على سلم الوقت الأمريكي الذي أصبح محدوداً بفعل الاستحقاقات الانتخابية، بينما سلم وقت المقاومة غير محدود فيما يخص نضالها وجهادها لطرد الاحتلال وتحرير العراق ومن ضمن تأثير المقاومة أنها أجبرت الإدارة الأميركية على طلب العون من الدول الأخرى، وغيابه كان يشكل مأزقاً لبعض الأنظمة العربية التي كانت تعد نفسها لكي تلعب أدواراً في أية ترتيبات أمنية داخل العراق متسللة تحت الغطاء الدولي. ولهذا السبب عدَّت المقاومة كل من يشارك قوات الاحتلال بمثابة احتلال يتم التعامل معه –قتالياً- كما لو كان محتلاً. -أما الجانب القومي من أهداف المقاومة فهو أنه »لن يكون هناك احتلال مشروع ليشكل نموذجاً لاحتلالات أمريكية أخرى في الوطن العربي لتبرير سياسات التخاذل وتمرير المشروعات الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية.. فهناك ما يدبر ليكون مستقبلاً، على أمل نجاح الاحتلال في العراق (وهذا ما لن نسمح به) لكل من سوريا والسعودية والأردن ولبنان«([77]).
ج-قراءة في وثائق شهر تموز/ يوليو من العام 2003م صدر رسالتان عن الرئيس صدام حسين، في: 25 تموز و ال27 منه. أما قيادة قطر العراق، فقد أصدرت أربعة بيانات في: 3 و11 و16 و24 تموز. وركَّز بيان قيادة قطر العراق، بتاريخ 3/ 7/ 2003م، على أن المقاومة هي »الرد الثوري على التآمر والاحتلال«. شاملاً: -قوات الاحتلال الأميركي – البريطاني، وعملاءهم على امتداد الساحة العراقية، وكل مساندة تأتي من الدول الأخرى »حتى وإن كانت قوات عربية أو إسلامية«. كما أكَّد من جديد على أن ضربات المقاومة أخذت تؤثر على أعصاب الإدارة الأميركية وتجرَّها إلى القيام بردود فعل غير مسؤولة. ولفت نظرها إلى أن أية معونة دولية لن تعدِّل في موازين القوى لصالحها، وإن ثقة المقاومة بتحقيق الانتصار على الاحتلال تعود إلى أن »أن سلم وقت المقاومة غير محدود فيما يخص نضالها وجهادها لطرد الاحتلال وتحرير العراق، بينما سلمه هو محدود بفعل الاستحقاقات الانتخابية«. أما حول التعرُّض لعملاء الاحتلال، فقد حدد البيان الثاني، بتاريخ 11/ 7/ 2003م، طبيعة المهام الموكولة من خلال ظهور حقيقة تعاونهم الخياني، فهم مستوردون من خارج الوطن، وهم »صنيعة للاحتلال والصهيونية« ليؤدوا خدمات للاحتلال وتطبيق مخططاته السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وكان من أهم الجرائم التي يرتكبونها هي موافقتهم على »تخصيص القطاع النفطي الوطني، وفتح الطريق لاستثمارات الشركات الأجنبية«. ولهذه الأسباب قرَّرت قيادة قطر العراق أنها »سوف (تعامله) بشخصيته الاعتبارية وأشخاصه الطبيعيين معاملتها لإدارات الاحتلال وجنوده«. واستكمل بيان القيادة، بتاريخ 16/ 7/ 2003م، تعداد المآخذ على مجلس الحكم، لأنه يطل كل يوم على العراقيين بقرارات تأخذ جانب المصالح الأميركية والتي تتناقض –كلياً- مع مصالح الشعبي العراقي. وهدَّدهم بأنهم لن يستطيعوا »انتزاع معاني تموز ودلالاته الوطنية والقومية « من خلال إفراغها بواسطة »القرارات التنفيذية« التي (يبصم) عليها كما ينصُّها بول بريمر. وفي ذلك إشارة إلى قرار إلغاء أعياد ثورة تموز. كما حدَّدت القيادة بعض أهدافها العسكرية بمنع الاحتلال من استخدام وسائل النقل الاستراتيجية لقطع شرايين طرق المواصلات الأساسية لمنع استفادة الاحتلال من تسهيل نقل البضائع أمام التجار المتواطئين مع الاحتلال. ولذا حذَّرت كل » شركات ومؤسسات الطيران التجاري المدنية من عربية وغيرها من استخدام المسالك الجوية لأجواء المطار ومن إرسال طائراتها وأطقمها للمطار«. واعتبرته هدفاً عسكرياً مشروعاً للمقاومة. وأعلنت قيادة قطر العراق عن شروعها بتكوين وتفعيل »جيش تحرير العراق« من القوات المسلحة العراقية وتشكيلات الحرس الجمهوري والحرس الخاص وقوات الأمن القومي. معلنة الإعداد المسبق للحرب الشعبية، كحلقة أساسية في الصراع مع الاستعمار، قالت القيادة إن المقاومة سوف تتابع عملها النضالي »على ما هيأت له قيادة الحزب والثورة وفقاً لما ارتأت ودبرت منذ مدة طويلة بتأمين السلاح والعتاد والتدريب على أوسع مدى شعبي وفقاً لمنظومات اقتضتها طبيعة المراحل المشخصة في المنازلة الكبرى منذ أم المعارك الخالدة«. أما عندما يمتزج الخاص بالعام يقف المناضلون والمبدئيون عند العام فيروا أن لا قيمة للخاص إذا لم يكن بذات فائدة على العام. ومن هذا الأساس لا بُدَّ من أن نُحيِّد الموقف السياسي التقليدي الذي يتَّصف بالجفاف والرؤية المجرَّدة عن العاطفة والوجدانية، لنستلهم تجربة امتزج بها الجانب الذاتي واضمحَّل بالتجربة النضالية العامة، هو ما حصل في الرابع والعشرين من تموز / يوليو من العام 2003م، عندما استشهد ثلاثة، من فلذات كبد الرئيس صدام حسين، ورابع معهم، في معركة مشرِّفة استمرت لست ساعات مع المئات من قوات الاحتلال الأميركي مزوَّدين بكل أنواع الأسلحة والتكنولوجيا الحديثة. من خلال تلك التجربة، ذات العلاقة بعاطفة الرئيس ووجدانه ونبضات قلبه وأحاسيسه الإنسانية التي لا يرقى إليها إلاَّ من كان أباً حقيقياً، نستشرف أهمية الموقع النضالي الكبير الذي يمثِّله البعثي عندما يتعرَّض العام عنده للخطر، وهل من خطورة أكبر من أن يتعرَّض العراق –تجربة الحزب الرائدة في تاريخ الأمة العربية- للعدوان والاحتلال؟ في المفاضلة بين أن ينتصر الذاتي الخاص على العام، كمثل تلك التجربة المرة التي وضعت صدام حسين أمام خيار صعب في الانحياز لاستشهاد ثلاثة من أولاه أم الانحياز إلى احتمال استشهاد وطنه، كان أن انتصر الانحياز عنده إلى جانب العام. فأصبح استشهاد ثلاثة من أولاده مساوياً لاستشهاد رفيقهم الرابع الذي كان معهم. وأصبح استشهادهم مساوياً لكل شباب الأمة وشباب العراق([78]). لم نكن لنقف أمام تلك الحالة لولا أن انبرى الكثيرون من المثقفين العرب، الذين يدافعون عن الواقعية -حتى إذا تعرَّض شرفهم الوطني للإهانة- بالاستسلام لإرادة القوي، إلى توجيه اتهامات للرئيس صدام حسين، كما إلى البعثيين، الذين اختاروا طريق المقاومة ضد العدوان مهما بلغت قوته،بالرومانسية. إن الإعداد النفسي للمقاومة هو من أساسيات النجاح في الوصول بها إلى الانتصار، وكان من أهم ما اتَّخذته قيادة البعث في العراق برعاية أمينها العام واستعداد البعثيين والأكثرية الصادقة من العراقيين المخلصين، هو الانحياز إلى خيار المقاومة، وهو القرار الأصعب. وما جاء بعده من إعداد ترتيبات المقاومة المادية (رجال وعتاد) هو الجزء المتمم لموجبات القرار الأول. وكجزء متمم لرسالة الرئيس التي خطَّ فيها الأنموذج النضالي –الميداني الواقعي- في اندماج الخاص بالعام، أو وضع الذاتي في خدمة الموضوعي، أتى مناشداً البعثيين خاصة والعراقيين عامة ممن اختلَّ توازنهم في أيام الحرب، في رسالته المؤرخة في 27/ 7/ 2003م، للعودة إلى خدمة المبادئ التي ترضي الأمة والشعب، قائلاً بأنه لن يوقف اختلال التوازن إلاَّ موقف »الذين عملوا وجاهدوا لمواجهة الاحتلال ولطرد الغزاة«. ويظهر من خلال مخاطبته تلك الفئة من العراقيين من الذين ساقهم »الشعور بالإحباط أو اليأس أو القول« أن البعض منهم أُصيبوا بالطمع في أملاك الدولة أو الحزب. فناشدهم بأن عليهم العمل من أجل »إنقاذ الأغلى والأثمن… ولأن الإنسان هو أغلى وأثمن ما ينبغي أن تتوجه إليه العناية لإنقاذه من عدوه ونفسه… هو إنقاذ بعض العراقيين من أنفسهم ومن غيرهم«([79]).
د-قراءة في وثائق شهر آب/ أغسطس من العام 2003م في بيانها الصادر في 10/ 8/ 2003م، كرَّرت قيادة قطر العراق تحذيرها من استخدام مطار صدام الدولي، وأكَّدت أن المقاومة استطاعت أن تمنع استخدامه للأغراض المدنية، وتستدل على ذلك أن قيادة قوات الاحتلال كلما كانت تحدد موعداً لافتتاحه كانت تضطر لتأجيل ذلك. كما أكَّد البيان على أن أجهزة الرصد التابعة للمقاومة كشفت عدداً »من الطائرات العسكرية الأمريكية وغيرها وهي تهبط في المطار لتفرغ معدات قتالية وفنية مختلفة في رحلات مباشرة من وإلى المطارات العسكرية والمدنية الصهيونية، مروراً بالأجواء الأردنية«، ولا يستبعد البيان أن تُستغَلَّ تلك الرحلات من أجل نقل »عناصر متخصصة من الجيش والاستخبارات الصهيونية لنجدة ومساعدة قوات الاحتلال الأمريكي- البريطاني«. ويستكمل بيان القيادة، الصادر بتاريخ 28/ 8/ 2003م، مهمة تحذير كل شركات الطيران العالمية والعربية من استخدام كل مطارات العراق، ويخص قرار إغلاق المطارات كلاً من شركات الطيران: الأردنية والقطرية واليمنية والمصرية… أما رسالة الرئيس صدام حسين، بتاريخ 14/ 8/ 2003م، فتحمل ترحيباً بتصريح للسيد السيستاني حول رفض أي »دستور يُوَقَّع في ظل الاحتلال الأميركي«، كما تحمل دعوة إليه وإلى الحوزة العلمية، لاستصدار فتوى بالجهاد ضد المحتل ليكون الشعب العراقي »كله موحداً في موقفه ضد الاحتلال، وعلى كل المستويات والتسميات والاتجاهات والقيادات«. وفي رسالته، بتاريخ 1/ 9/ 2003م، ينفي قيام المقاومة باغتيال محمد باقر الحكيم (رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية)، ويوجِّه التهمة إلى عملاء الاحتلال تحديداً، ويطالبهم بالكشف عن أدوارهم. ويؤكد أن حزب البعث وصدام حسين يمثلان الأكثرية الساحقة من العراقيين من الذين تمسكوا »بحقوقهم الإنسانية والدينية والوطنية والقومية والدفاع عنها، ورفض ما يُملى عليهم من الخارج«، أما القلة فهم من الذين ناصروا »الصهاينة، ومن مثَّل السياستين الأميركية والبريطانية، ومن تبعهم بسوء«([80]).
هـ-قراءة في المنهج السياسي والاستراتيجي للمقاومة([81]): في رسالة الرئيس صدام حسين، بتاريخ 17/ 9/ 2003م، دعا العرب إلى اختيار عدد من وسائل المساندة للمقاومة العراقية: أن يقدِّموا فعلاً، أو دعاءً، ومن لم يستطعهما »فليكفَّ شره عنا«. ويؤكد على أن الخسائر كبيرة في صفوف قوات الاحتلال. ويتوقَّع أن تكون نهايته، لذا يدعو الرئيس الأميركي أن لا يتأخر في اتخاذ قرار الانسحاب. وعندما يتخذ قراره يمكنه أن يتفاوض مع المسؤولين العراقيين المعتقلين، على أن يكون الانسحاب من دون قيد أو شرط. وبالإضافة إلى ذلك يخاطب مجلس الأمن قائلاً بأنه من المرفوض لدى العراقيين أن يتم أي حل في ظل الاحتلال. وقد ناشد الأوروبيين إلى تطوير موقفهم –بعيداً عن الابتزاز الأميركي- ليكون »عادلاً وواضحاً بما فيه الكفاية«([82]). أصدرت قيادة قطر العراق، بتاريخ 9/ 9/ 2003م، منهجاً نظرياً –سياسياً واستراتيجياً- كدليل للمقاومة العراقية، نرى من الضروري أن نقوم بقراء مكثَّفة له، ولكي ندرس مدى نجاحات تطبيقاته على أرض الواقع(]): تؤشر مقدمة المنهج إلى ظهور مأزق الاحتلال العسكري كبداية لهزيمته السياسية، ومن أهمها أنه لم يعثر على أية أسلحة دمار شامل، مما أسقط ذريعة العدوان الأساسية. وتؤشر المقدمة إلى النجاح الذي أحرزته القيادة في معركة الشد والجذب الديبلوماسية، حينما تجاوبت مع الطلب الدولي بنزع تلك الأسلحة، وبذلك منعت العدوان –المخطط له سابقاً- من الحصول على أي غطاء شرعي دولي. ولما كان العدوان مقرَّراً منذ العام 1972م، وهو عام تأميم النفط، ولما كانت موازين القطبية المتعددة دولياً تلجم أية اعتداءات على العراق، فقد نفَّذته الإدارة الأميركية في ظل غياب تلك التعددية. ولأن كل شيء كان مرتبطاً بمصالح الولايات المتحدة، راحت تعد المسرحين: الإقليمي والدولي ليكونا تحت سيطرتها، مستغلة غياب الحرب الباردة والاتحاد السوفياتي. فراحت تبني استراتيجيتها على أساس السيطرة السياسية والعسكرية بإعادة تشكيل أوروبا السياسي والاقتصادي، وتعزيز موجبات تفردها بحكم العالم، من خلال إيصال حكم اليمين الأميركي المشبوه الذي وظَّف أحداث 11 أيلول لافتعال »الحرب على الإرهاب« لتغطية التباطؤ في النمو الاقتصادي الداخلي ومعالجة أزمة الطاقة، وتمهيد الساحة لدور »إسرائيلي« مساعد لسيطرة الولايات المتحدة في المنطقة العربية. وكل ذلك يساعد على تشخيص الأهداف الحقيقية للولايات المتحدة، والتي يحددها المنهاج الاستراتيجي للمقاومة بما يلي: 1-كانت خطة استهداف العراق مرسومة منذ العام 1972م، وما حال دون تنفيذها: الحرب الباردة، وتوزع اتجاهات دول الإقليم، وتداعيات حربيْ 1967 و1973م، واستناداً إليهما كانت بعض دول الإقليم تناور من أجل أن تلعب دوراً في المنطقة تحت رعاية أمريكية. على أن أهداف أميركا ظلَّت ثابتة عند هدفين استراتيجيين: أمن النفط وأمن »إسرائيل«. 2-في خارطة الأهداف الأميركية كان العراق هدفاً مميزاً لاعتبارات الموقع والاحتياطات النفطية والتركيبة السكانية وطبيعة النظام السياسي وتأثيراته المحتملة على المخططات الأميركية. ولذلك فُرضت على العراق حربين سابقتين. وفيهما كان لبعض دول الجوار أطماع في إضعاف العراق لأسباب مرتبطة إما بالتبعية التاريخية للغرب أو التطلع للعب أدوار إقليمية. كان الاستعراض التاريخي مقدمة لتبيان أن إجبار العراق للقبول بقرارات الأمم المتحدة لم يكن هو السبب الحقيقي للحرب ضده. فهي »أهداف تنطلق وتتناغم مع ستراتيجية الولايات المتحدة تجاه الإقليم أولاً واستراتيجيتها الكونية ثانياً « : تجاه الإقليم: هوية وسياسات وتطبيقات النظام السياسي في العراق تقف وتعمل بالضد من ضمان استمرار أمن وتفوق »إسرائيل«. وكونيّا: رفض الهيمنة، الأهداف السياسية والتنموية للنفط العراقي، والسياسة الخارجية المستقلة للدولة العراقية، والتوجه الحثيث لبناء التوازن العلمي والدفاعي مع »إسرائيل«، والدعم الاقتصادي لدول عربية وغيرها، والتأسيس المصلحي المتوازن لعلاقات متكافئة مع دول أوروبية مؤثرة. ومن الدلائل على ذلك: تأميم النفط، والمشاركة في حرب تشرين الأول 1973م، الحل السلمي للمسألة الكردية، رفض اتفاقية كامب ديفيد، مبادرات العراق في تفعيل العمل العربي المشترك. برز استهداف العراق مباشرة بعد أحداث 11 أيلول، ولم يكن ملف أسلحة الدمار الشامل سبباً حقيقياً لأن كوريا تشكل خطراً مباشراً على أمن أميركا فهي تملك تلك الأسلحة. فكانت هناك مفارقات واضحة في التعاطي مع الملفين الكوري والعراقي: أمن »إسرائيل« أهم من أمن كوريا الجنوبية – والعراق المحاصر أخطر على أمن أميركا من كوريا الشمالية – فُرض على دول الجوار العراقي المشاركة العسكرية وعلى جيران كوريا المشاركة الديبلوماسية. يتأكد مما سبق أن المواجهة مع العراق هي »تاريخية.. وإن كانت حاضرة الآن أو في وقت أسبق أو في المستقبل.. فهي من حيث المدى الزمني مواجهة مستمرة «. فالاستراتيجية الأميركية كانت في قيادة حرب مواجهة مستمرة مع العراق الوطني والقومي من أجل إسقاط النظام فيه لأجل إسقاط اتجاهاته الوطنية والقومية. وظهرت من خلال ما يلي: استمرار وتصعيد وتفعيل المواجهة السياسية، وإحباط كل محاولات القيادة السياسية العراقية برفع الحصار، وتقييد التحرك العراقي السياسي والاقتصادي تجاه دول الإقليم والعالم.، وإعادة ترتيب الاصطفاف الرسمي العربي ضمن مسار الفعل الأمريكي، والشروع بالعدوان بقيادة الولايات المتحدة، وضمان قيادتها له وتحديدها منفردة لمدياته العسكرية، والتحكم بنتائجه المحسومة، بحيث يمكنها ذلك من أن تفرض بالتالي طبيعة المحصلة السياسية للفعل العسكري بما يخدم هدفها الستراتيجي من احتلال العراق على صعيد تطبيق استراتيجيتها الإقليمية والكونية. كانت القيادة في العراق على ثقة بأن قرار الحرب ضد العراق ليس مرهوناً بمدى تطبيق القرارات الدولية، واحتمالات المساومة كانت معدومة. وكانت القيادة واثقة من عجز النظام الرسمي العربي عن مواجهة أميركا، كما كانت تتلمَّس حقيقة الدور الإيراني الذي يبغي الحلول مكان الدور السعودي الذي أصبح مستهلكاً، وتلطَّت إيران تحت شعار »الإسلام الرافض والمقاوم« كبديل »للإسلام التبعي والمستسلم« والذي أصبح مُستهلَكاً. وأعطت الولايات المتحدة دوراً أكبر لصغار الأنظمة العربية (دول الخليج العربي) على حساب الأنظمة الكبرى، عندما رضي الصغار بتطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني. ولما بادرت القيادة في العراق إلى ربط نضاليْ الشعبين الفلسطيني والعراقي، لوَّحت الولايات المتحدة لبعض الأنظمة الرسمية العربية بأن ثمن حل القضية الفلسطينية يمر عبر المساعدة على إسقاط النظام السياسي في العراق. لكل تلك الأسباب قامت الخطة الاستراتيجية السياسية للقيادة على ما يلي: استمرارية المواجهة أولا وحتمية العدوان ثانياً وتواطؤ أنظمة عربية ثالثاً وتفوق العدو العسكري رابعاً وانتهازية بعض دول الإقليم الأجنبية خامساً، وإعطاء الكيان الصهيوني أدواراً أمنية وإدارية وسياسية سادساً، وتهديد واستنفاذ أدوار أنظمة عربية معينة سابعاً، وتحفيز عوامل التفتيت والتجزئة في العراق ثامناً، وارتهان القرار السياسي للمعارضة العراقية العميلة تاسعاً، والتهيئة وتبني خط المقاومة المسلحة وتطويرها لحرب تحرير وطنية تمتلك منهاجها السياسي والستراتيجي على الصعيد القطري والقومي عاشراً. وعليه يكون هدف المقاومة »طرد قوات الاحتلال وتحرير العراق والحفاظ عليه موحداً ووطناً لكل العراقيين«. وعليه تكون الأسس التي تبني عليها المقاومة خياراتها: حسها الوطني، وانتماءها القومي العربي، ومعينها الحضاري الإسلامي، وممارساتها الجهادية والنضالية المتراكمة، وفهمها لطبيعة المواجهة المستمرة ومتطلباتها، وتطبيقاتها الثورية المستنبطة من واقع عملها النضالي، واسترشادها بفكر البعث ورسالته، وتحليلها ومراجعاتها لمراحل الإنجاز في مقاومة الاحتلال، ورصدها وتشخيصها لأدوار العملاء والمتعاونين مع الاحتلال في الداخل، ومتابعة أدوار الأنظمة العربية وتوصيفها، وكشف مداخلات دول الجوار الأجنبية، وكشف وتحديد انتهازية المصالح الاقتصادية للغير في ظل الاحتلال، وتأشير الدور المعطى »للكيان الصهيوني«. أما الخطوط الاستراتيجية العريضة لأهداف المقاومة، فهي: مقاومة الاحتلال حتى طرده وإسقاط كل إفرازاته من مجالس تمثيلية ووزارات وقرارات قام بتأسيسها بعد التاسع من نيسان من العام 2003م، واعتبار »أن ما قام ويقوم به المحتل باطلاً وغير شرعي وهو جزء لا يتجزأ من منظومة الاحتلال وتعامله المقاومة معاملتها للاحتلال نفسه«. وتعتبر المقاومة أهدافاً مشروعة: القوات العسكرية والإدارات والوكالات والمنظومات التابعة للولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وغيرها…أو أية قوات أممية بفعل أية قرارات صادرة عن مجلس الأمن انطلاقاً من القرار 1483 الذي أعتبر العراق بلداً محتلاً. أما المقاومة فتتشكل من: كوادر حزب البعث، ومقاتلي الجيش العراقي، وقوات الحرس الجمهوري، والحرس الخاصة، وقوات الأمن القومي، ومجاهدي منظمة فدائي صدام، والمقاومين العراقيين الوطنيين، والمتطوعين العرب، والذين يعملون تحت مسميات وعناوين أخرى، وهي »تغطي أرض العراق من أقصاها لأقصاها مجسدة وحدة التراب العراقي ومؤكدة الوحدة الوطنية العراقية ومدافعة عن عروبة العراق المستهدفة كإحدى غايات الاحتلال «. أما خيارات المقاومة، كما حددها المنهاج السياسي الاستراتيجي، فهي: -استمرارية المقاومة طالما كان هناك احتلال وبأي صيغة وعلى أي جزء من أرض العراق وبغض النظر عن القرارات الأممية اللاحقة للاحتلال([83]). -شرعيتها، وحقها في العمل العسكري وغيره. -شرعية وواجب التعامل القتالي مع المتعاملين والعملاء([84]). -منع وعرقلة جهد الاحتلال من التصرف والتمكن والاستغلال، لثروات ومرافق وممتلكات العراق([85]). -تعميم المقاومة المسلحة على أرض العراق كلها وبفعل ومشاركة العراقيين كلهم، والتأكيد على واجبهم وحقهم المتكافئين في المقاومة وتحرير العراق تحت أي عنوان أو مسمى([86]). -العمل على تحقيق تشكيل جيش تحرير العراق([87]). -أما رؤيتها للمشاركة القومية في معركة تحرير العراق فترى المقاومة هذا الجانب من زاويتين: الأولى: بانعدام احتمالات الدعم من قبل الأنظمة العربية كلها ولأسباب مرتبطة بطبيعة النظام الرسمي العربي بمجمله([88]). الثانية: بواجب وحق الجماهير العربية في الانخراط بالمقاومة العراقية المسلحة على قاعدة المسؤولية والحق القوميين. على قاعدة هدفها الستراتيجي، ستعمل المقاومة من أجل الأهداف التكتيكية التالية: -أن تدخل لاعباً مؤثراً في تعميق المأزق السياسي بفعل الاستحقاقات الانتخابية للرئاسة الأمريكية والانتخابات البريطانية: بمنع تطبيق برامج الاحتلال السياسية والاقتصادية والأمنية. -تعطيل الأدوار المحتملة لأنظمة عربية، وحرق أصابعها في تعاملها المخطط والمحتمل مع الشأن العراقي، وعكس ذلك على أزماتها السياسية والاقتصادية والأمنية المعاشة. -تأزيم الإقليم ومفرداته ومنع تحقيق مصالح الأخريين المجاورين على حساب العراق ووحدته الوطنية، وتعظيم تكلفة مساندتهم للعدوان وتعاملهم مع إفرازاته الداخلية في العراق. واستكمالاً للمنهاج السياسي والاستراتيجي، أصدرت قيادة قطر العراق، في 8/ 10/ 2003م، بياناً([89]) أكَّدت فيه على أن المقاومة أخذت »تعطل سياسات وبرامج الاحتلال وعملائه وصنائعه في الداخل«، وتفضح المتواطئين على المستوى الإقليمي. وقد حصلت تطورات على الساحتين العراقية والإقليمية: أولاً: على الساحة العراقية: بعد أن أصبحت ذرائع الاحتلال و»ممارساته وبرامجه وسياساته … مرفوضة ومشكوكاً فيها على شتى الصُعُد انقسم العراقيون إلى قسمين: »وطني رافض ومقاوم (وهم الأغلبية)، أو خائن … ومتعاون وعميل (وهم الأقلية)«، وقد استهدفت المقاومة لهذا السبب: الاحتلال وإفرازاته. أما قوات الاحتلال فلا تمييز بينهم بالجنسية أو توقيت دخولهم للعراق، سواء دخلوا قبل الاحتلال أو بعده، أو من الذين سيدخلون في المستقبل: تحت راية الولايات المتحدة أو حتى تحت راية الأمم المتحدة. وبغض النظر عن مهماتها([90]). ثانياً: الساحة الإقليمية: بعد تواطؤها مع دول العدوان على احتلال العراق، أخذت أطراف محيطة تعمل من أجل تشريع عمل إفرازاته، وبالتالي لا تعترف بشرعية المقاومة المسلَّحة، من خلال »تمريراتها في مجلس الجامعة العربية«، وبعضها ممثَّل بشخوص في مجلس الحكم. فالأطراف العربية المتواطئة تعمل على بناء مواقفها على اعتراف إيران »بمجلس الحكم« من جهة وعلى شرعنة الاحتلال بناء على أية صيغة دولية من جهة أخرى. وهي عندما تعمل على التلطي بتلك الأدوار فهي تتجاوز الواقع الشرعي الوحيد »المقاومة العراقية« وستصل إلى القبول بأدوار أمنية، تحت سلطة الاحتلال، لمواجهة عسكرية مع المقاومة العراقية المسلَّحة. ولهذا تتحسَّب المقاومة للاحتمالات التالية: سيكون التدخلان الإيراني والتركي سبباً في انقسام العراقيين إلى إثنيات عرقية وطائفية على خلاف ما أرساه الحكم الوطني لحزب البعث في المرحلة السابقة، ولهذا تؤكد المقاومة على عدد من الثوابت، منها: الاستمرار في تحصين العراقيين بالثوابت الوطنية على صعيد الدستور والقوانين. وبالإصرار على الدور القومي للعراق الموحَّد، وهذا ما يحول دون تطبيق مشروع الفيدرالية التي تعمل »شراذم المعارضة العميلة« من أجل تطبيقه. وحول هذا الجانب يُخشى من أن التراخي –سمة النظام العربي الرسمي- وإذا ما تبنَّت أنظمة عربية سياسة التعامل مع الأمر الواقع في العراق المحتل، سيؤدي إلى كارثة تقسيم العراق. وهذا بدوره سيرتد سلباً على »الاستقرار في المشرق العربي«. ولهذا تحذِّر قيادة قطر العراق من أن مخاطر التعامل مع الأمر الواقع هو تثبيت للاحتلال، وبالتالي تمهيد لصيغ »التقسيم للوطن العراقي«. وهذه الاحتمالات توجب على كل الحريصين -على منع التقسيم القومي- بأن يقوموا بدعم المقاومة العراقية على قاعدة »طرد قوات الاحتلال وتحرير العراق والحفاظ عليه موحداً ووطناً لكل العراقيين«. وإن أخطر ما في تثبيت الاحتلال للعراق هو تثبيت المشروع الصهيوني. وهذا ما يبدو واضحاً في اختلال التوازن على الصعيد الإقليمي -بعد احتلال العراق- لصالح العدو الصهيوني. وهذا ما سوف يقود إلى أن الواقع الجديد »سيكون سيفاً مسلَّطاً على رقاب أنظمة عربية سواء لإسقاطها أو لفرض متطلبات أميركية – صهيونية عليها«([91]). تؤكِّد قيادة قطر العراق، في نهاية بيانها على أن »البعث والمقاومة الوطنية العراقية قد حسما خياراتهما… ولن يكون للآخرين (عراقيين وأنظمة عربية) الذين يتعاملون مع واقع الاحتلال وإفرازاته –مجبرين أو متآمرين- أي تأثير على ]تلك الخيارات«[.
و-قراءة في وثائق شهر تشرين الثاني، و كانون الأول من العام 2003م: جدَّد الرئيس صدام حسين، في رسالته بتاريخ 3/ 11/ 2003م، على تنفيذ القرار بحرمان الاحتلال من الاستفادة من ثروات العراق النفطية، كما جدَّد تحذيره لكل الهيئات الأجنبية التي قدمت لمساعدة الاحتلال في تثبيت أقدامه وأنذرها بترك العراق. ومنهم »عرب الجنسية، وأدعياء الإسلام، والغرب الصامت«. أكَّد بيانا قيادة قطر العراق، في 4 و5/ 11/ 2003م، ترابط الجانبين: النظري والتطبيقي، في فكر حزب البعث ونضالاته، وجاء فيهما أن الخط الاستراتيجي الذي رسمه »المنهج السياسي والاستراتيجي«، على الرغم من أن مناضلي الحزب قد بدأوا بتطبيقه منذ التاسع من نيسان، قد طُبِّق بشكل لافت للنظر؛ وهو ما تشهد عليه الوقائع التي عدَّدها البيانان كما تشهد على ذلك الوقائع الميدانية العسكرية لفعل المقاومة استناداً على ما تُظهره المتغيرات والإرباكات في حركة الإدارة الأميركية على الصُعُد العسكرية والسياسية. أما في بيانها الصادر بتاريخ 17/ 11/ 2003م([92])، فتُعمِّق القيادة رؤيتها للواقع السائد من خلال متابعتها لكل المتغيرات التي يفرضها العمل المقاوم في العراق. وحول هذا الجانب يركِّز البيان على توضيح مدى المأزق الأميركي الذي يتعمَّق يوماً عن يوم، بشكل يتناسب مع ازدياد تأثير المقاومة المسلَّحة، يعدِّد البيان جملة من المظاهر التي تدل على أن تأثير المقاومة لم يلحق بإفرازات الاحتلال الداخلية فحسب، وإنما أثَّر –أيضاً- على »تحالفاته وهيمنته وعملائه في الإقليم والخارج «. وأشار إلى ترابط بين أبعاد ثلاثة للاحتلال، وهي: (1) الاحتلال العسكري، (2) واقع الاحتلال وإفرازاته الداخلية، (3) تحالفاته وهيمنته (الإقليمية والخارجية) على الرغم من جدلية العلاقة بين الأبعاد الثلاثة، إلاَّ أن العمود الفقري فيها هو بُعد الاحتلال العسكري، فبقوَّته أو ضعفه يقوى البعدان الآخران أو يضعفا. ولهذا أصبحت مهمة الصراع الأولى في المواجهة تدور حول »خوض حرب تحرير وطنية« بحيث تُفشل المقاومة العراقية »الحالة الإمبريالية ودحر منطلقاتها العقائدية وبرامجها العدوانية على مستوى الوطن العربي والعالم«. وعلى أساسها تضطلع المقاومة »بمسؤولية وطنية وقومية وإنسانية تشد إليها عيون وضمائر العالم وشعوبه التي لا تستثنيها شرور العقائدية الجديدة للإمبريالية الأمريكية وبرامجها العدوانية«. ولكي يتحمل حزب البعث في العراق مسؤولياته، ترى القيادة أن تحقق مهماتها في: »إغناء وتطوير تجربته السياسية ونهجه النضالي «. و»التصدي لسياسات الاحتلال وعملائه ليس من منظور الحزبية وحدها، بل من منظور الوطنية العراقية والانتماء القومي «. -»المراجعة النقدية والتقييم الموضوعي لمسيرته »المتواصلة و المستمرة« في القطر العراقي على ضوء ما كان وسيكون من واقع ووضع العراق السياسي والاقتصادي – الاجتماعي، والتحديات القطرية والقومية و الإقليمية والدولية«. -»التأسيس على حالة القطع المؤقت في الإدارة الوطنية المستقلة… وتغيير خياراتها الاقتصادية – الاجتماعية والثقافية والتربوية وفرض الخيارات الإمبريالية والصهيونية المعادية للوطنية العراقية و الأمة العربية. -ومن التأسيس على التنوع القومي والمذهبي في المجتمع العراقي بما يخلق الفتنة أو يهيئ للتقسيم... ومن التهيئة والتسهيل للتأثير والتواجد الصهيوني و»الإسرائيلي« المباشر وغير المباشر في العراق وتحت أية مسميات و عناوين «. وبعد أن أصبح مشروع الاحتلال، حتى عند الإدارة الأميركية، من المشكوك بنجاحه، ترى القيادة أن استمرار المقاومة واجب وضروري من أجل تثبيت أهدافها التكتيكية التالية: أ-أن تثقل باستمرار من خسائر الاحتلال وقواته …إلى الحد الذي يجرم أصحاب القرار أمام مواطنيهم، ويحدث الانهيار النفسي والمعنوي لقوات الاحتلال. ب-ويحدث القطع الاتصالي في علاقة قوات الاحتلال بالمجتمع العراقي محدداً العلاقة بصيغ المقاومة الشعبية العريضة للاحتلال وعملائه. يحدد بيان 21/ 11/ 2003م([93])، موقف القيادة من تصرفات وتدخلات إيران بالشؤون الداخلية للعراق، بحيث إنها ترى مصلحتها في تقسيم العراق، طبقاً للأنموذج الذي بُنيَ عليه مجلس الحكم، فمن خلال التقسيم الطائفي يراود إيران الطمع في أن تحصل على حصة فيه. أصدرت قيادة قطر العراق، في النصف الأول من شهر كانون الأول/ ديسمبر، خمسة بيانات([94])، اتَّخذت فيها عدداً من المواقف التي تُترجم عملياً المضمون الاستراتيجي للمنهج السياسي، وفيها تتناول عدة من المسائل تدور حول التأشير على مأزق الاحتلال بما فيه زيارة دونالد رامسفيلد إلى العراق، وتشكيل »المحكمة الجنائية« المخصصة لمحاكمة البعثيين. ولأن في بيان 5/ 12/ 2003م، تحديدات سياسية واستراتيجية للعمل المقاوم، سنوليه اهتماماً أكثر في قراءتنا. أما البيانات الأخرى فلها علاقة تطبيقية في تلك التحديدات، بما فيها زيادة في توضيح المأزق الأميركي من جهة، وتوضيح دور عملاء أميركا في تنفيذ إرادة سيدهم من جهة أخرى. في بيانها الصادر، بتاريخ 5/ 12/ 2003م، أشارت إلى عاملين مهمين: الأول: نجاح المقاومة بفرض شروط المواجهة الميدانية على قوات الاحتلال: »بما أفقدها (الولايات المتحدة) وضوح الرؤية الستر |