|
الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة) في المؤامرة على العراق بدءا من عام 1990شبكة البصرة د. صباح محمد سعيد الراوي |
|
الفصل الثاني من الجزء الثاني العدوان المجوسي الفارسي على العراق - قيام مجلس التعاون الخليجي
العدوان المجوسي الفارسي على العراق لعله من المفيد للقاريء العربي ان نلقي نظرة على ايران ايام الشاه وكيف كان حالها قبل مجيء الخميني واعوانه الى السلطة، لعل هذه النظرة تساعد على فهم حال ايران قبل بداية عدوانها على العراق
كانت الخريطة الجغرافية للخليج تظهر ان هذه الدويلات محاطة بثلاث دول مجاورة ليست اقوى منها فحسب، وانما الى جانب قوتها لها مطالب قديمة متجددة، وهي مطالب هاجعة كسيف يمكن اشهاره في اي لحظة، فهناك العراق والسعودية وايران وللثلاث دول مطالب في الخليج: حقوق تاريخية – حدود – عصبيات – نفوذ – ثارات – أمن..... ايران كحكومة لم تكن في يوم ما صديقة للعرب او محبة لهم كما يتصور بعض المغرر بهم، منذ الازل والى يومنا هذا وربما الى قيام الساعة، سيبقى الفارسي هو نفسه الفارسي وسيبقى المجوسي مجوسيا ما لم يتخلص من عقدة ذي قار والقادسية، وسيبقى هذا الفارسي هو نفسه هذا الفارسي الذي كان ولا زال يتغنى بقتل العرب وتعذيبهم وسحلهم. وسيبقى هذا الفارسي هو نفسه الذي ينظر الى العرب على انهم أعداء له واحفاد من اذلو اجداده من قبل في ذي قار والقادسية. وكان الفرس منذ ايام الصفويين على نزاع وصراع دائم مع العثمانيين، ذلك ان الصفويين كانوا يريدون نشر المذهب الشيعي الصفوي بالقوة في دولة تبلغ نسبة المسلمين السنة فيها اكثر من 95 بالمائة من السكان. كانت ايران قبل مجيء الخميني وأعوانه الى السلطة فيها محكومة من قبل الشاه الذي ورث الحكم عن والده رضا بهلوي، وليسمح لي القاريء بالعودة قليلا الى الوراء لمعرفة اصول اسرة بهلوي، اذ يذكر لنا التاريخ أن ايران في القرن التاسع عشر كانت تحكم من قبل نصر الدين شاه الذي تقول الروايات انه كان حاكما فاسدا بدد ثروة البلاد وكان سيء التصرف في شؤون الدولة الى درجة انه تنازل عن معظم خيراتها وامتيازاتها الى البارون جوليس دي روتر، وكانت تلك الامتيازات قد غطت كل المشروعات الموجودة والممكن اقامتها في جميع مجالات السكك الحديدية والمناجم والطرق والاشغال العامة والمطاحن والمصانع ومكاتب البريد والبرق والبنوك والالتزام بالجمارك لمدة خمسة وعشرين عاما متواصلة، وكان ذلك كله نظير مبلغ سنوي قدرة عشرة الاف جنيه استرليني، لكن تصرف شاه قوبل بسخط شعبي هدد عرشه، فاقدم على الغاء جميع تلك الامتيازات وسحبها. وفي عام 1891 ابعدت السلطات الايرانية المفكر المعروف جمال الدين الافغاني بسبب افكاره، فاغتال احد اتباعه نصر الدين شاه، فخلفه مظفر الدين الذي كان ضعيف الشخصية. كان مظفر الدين هذا يحظى بدعم روسيا اللا محدود، التي حرضته فيما بعد على التصدي لما يسمى الحركة الدستورية التي نشأت بعد سلسلة من الاضرابات والاحتجاجات، فوافق مظفر الدين عام 1905 على الدستور وشكل أول مجلس (برلمان) لكن هؤلاء الذين سموا انفسهم اصلاحيون في وقتها لم يفرحوا كثيرا بالدستور والمجلس، اذ كان هناك تنازع خفي بين بريطانيا (الجهة التي تدعم الاصلاحيين) وبين روسيا القيصرية التي تدعم الشاه، فقام الشاه بالغاء الدستور وهاجم المجلس وفرقه. لكن بعض الايرانيين اعتبر ان السلوك البريطاني في تشجيع الحركة الدستورية امرا مقبولا ويدعو للاعجاب، فاعتصم نتيجة هذا اكثر من عشرة الاف منهم حول السفارة البريطانية وفي داخلها وبقوا فيها لعدة اسابيع طالبين من الشاه تغيير سياسته، وفي عام 1907 وبعد مفاوضات طويلة اعلنت روسيا وبريطانيا انهما وقعتا معاهدة تم بموجبها تقسيم ايران الى ثلاثة أجزاء: منطقة نفوذ روسية في الشمال، ومنطقة نفوذ بريطانية في الجنوب، ومنطقة محايدة تشمل طهران في الوسط. عندما اندلعت الحرب العالمية الاولى، كانت ايران محايدة اسميا، لكنها كانت مسرحا للحرب، فقد احتلت الجيوش الانجليزية والروسية بعض اجزاء منها لكي توقف تقدم العثمانيين والالمان، ولو عدنا الى تاريخ 1879 لوجدنا ان القيصر الروسي كان قد طلب من الشاه القيام بتشكيل ما يسمى بوليس الاقاليم، وهو قوة مشتركة تضم ضباطا روس وضباط صف ايرانيين، وكانت فرقة من هذا البوليس تسمى الفوزاق، هي التي هاجمت البرلمان وقذفته بالقنابل واعادت الشاه الى العاصمة عام 1907، وحين قامت الثورة الروسية عام 1917 والتي جاءت بالشيوعيين الى السلطة، وانهت حكم القياصرة، انسحب الضباط الروس عائدين الى بلادهم بناء على طلب الحكام الجدد طبعا، الذين ارتأوا ان ترتيب البيت الداخلي في روسيا الان اولى من ابقاء ضباط يخدمون خارج حدود روسيا، فبقيت تلك الفرقة بقيادة ضباط الصف الايرانيين. أحد ضباط الصف هؤلاء كان مميزا عن غيره بالذكاء والوعي والحنكة يدعى رضا ميرزا، تم تعيينه وكيلا لقائد الفرقة تلك عن طريق تدخل قائد القوات البريطانية في ايران الجنرال ادموند ايرونسايد، ذلك ان البريطانيين كانوا مهتمين بملء الفراغ الذي تركه الانسحاب الروسي. وبعد انتهاء الحرب كانت ايران في حالة فوضى كاملة، لكن نمو الوعي القومي في الدول المجاورة لايران ترك اثرا عميقا على الايرانيين، فمثلا مصر كانت في حالة غليان، وتركيا استولى عليها اتاتورك، لذلك، فإن أول ما فعله رضا ميرزا هو انه استولى على تلك الفرقة العسكرية ثم على طهران ثم على البلد برمته. وقام بتقليد اتاتورك، الذي ابعد آخر سلطان عثماني، فقام هو نفسه بخلع آخر شاه من اسرة القاجار، لكنه لم يفعل كما فعل اتاتورك حين حول تركيا الى جمهورية، ذلك ان العصر كان عصر ملكيات، فهناك فؤاد الاول في مصر وعينه مفتوحة على كرسي الخلافة الشاغر، وكان هناك الشريف حسين الذي عين نفسه ملكا على البلاد العربية، وكذلك هناك اولاده، ففيصل كان ملكا على العراق، وباقي اخوانه عيونهم مفتوحة على الوطن العربي كله، وكان هناك ابن سعود في الجزيرة العربية وقوته آخذة في التعزيز يوما بعد يوم، اذا، على مبدأ (ما حدا احسن من حدا) اقنع نفسه بأنه يمكن ان يكون ملكا ايضا على ايران، فأعلن نفسه شاها على ايران عام 1925 وقام بوضع التاج على رأسه بيديه، في اشارة الى انه ليس لأحد فضل عليه الا الله عز وجل..وبقي عليه امرا لتعزيز عرشه ولاضفاء الشرعية عليه، فعاد الى الوراء في تاريخ ايران، الى ما قبل اسرة القاجار، واتخذ لقب بهلوي للاسرة الجديدة التي بدأت بحكم ايران، وغير اسم البلد كله من فارس الى اسم اكثر اتصالا بالماضي وهو ايران. وكعمل اخير وضع فيه البسمار في نعش اسرة القاجار، ولمحوهم نهائيا من تاريخ ايران، قام بالاستيلاء على كل ممتلكاتهم وثراوتهم واخضعها لنفسه، ويروى انه حين تنازل عن العرش عام 1941 كانت تحت امرته ما يقرب من الفي قرية، وكان يعمل في اراضيه ربع مليون عامل !!! ثم خطرت بباله فكرة وهو يرى ابنه محمد قد صار بسن الزواج، وليس هناك افضل من مصاهرة اعرق واقدم ملكية في الشرق الاوسط في ذلك الوقت، وهي اسرة محمد علي باشا في مصر طبعا، وهي خطة اراد منها اثبات ان اسرته مقبولة ضمن مجموعة العائلات المالكة في الشرق الاوسط. فتمت مفاتحة القاهرة في الامر، ووافق الملك فاروق - بعد توصية من علي ماهر رئيس الديوان الملكي - على زواج اخته فوزية من محمد رضا، وكانت حجة علي ماهر في اقناع الملك فاروق انه يمكن ان يكون لمصر مستقبلا نفوذ في المنطقة كلها عن طريق شقيقات الملك فاروق الاربعة، اذ يمكن مع قليل من الحظ ان توجد لهن عروش مختلفة، فلم لا تكون طهران هي البداية ؟ لكن الاميرة المسكينة صدمت ايما صدمة حين رأت خطيبها اول مرة، اذ انه بدا سقيما وتعيسا وعديم الشخصية، لكنها وافقت في النهاية لاجل مصلحة الدولة، وكان رأي امها الملكة نازلي انها قالت: فليتم الزواج، لكن من فضلكم احضروا من يعلم هذا الشاب قواعد الاتيكيت لانه لا يعلم اداب المائدة !! واخيرا تم الزواج في عام 1938، (ولعل اسم زوج الاميرة محمد رضا هو الذي جعل المصريين يطلقون هذا الاسم بكثرة على أبنائهم فيما بعد) وقد وجدت الاميرة ان طهران اضيق افقا من القاهرة، لكنها مع ذلك بدأت تألف الحياة مع زوجها، على ان فارق كان قد بدأ يتفهم مشاعر اخته ومعاملة حماتها لها فيما بعد، فتبنى موقفا متعاليا تجاه زوج اخته (الشاهبور اي ولي العهد) فبادله محمد رضا نفس الشعور، ثم حدثت واقعة اثرت على العلاقات بين فوزية وزوجها محمد رضا، اذ ان الشاه رضا بهلوي لما تنازل عن العرش لابنه محمد رضا واختار جنوب افريقيا لقضاء بقية حياته، فإنه اخذ معه سيفا قديما مرصعا بالاحجار القديمة وكان قد انتقاه من ممتلكات اسرة القاجار ليحمله يوم التتويج، وحين مات، اختارت زوجته ان تضع هذا السيف الى جانبه في التابوت لانه كان يحبه. وعندما ارسل التابوت الى ايران ليدفن هناك، رفض الانجليز والروس الذين كانوا يحتلون ايران هذا الطلب، فأرسل التابوت الى مصر للبقاء مؤقتا ووضع في مسجد الرفاعي، ولما انتهت الحرب العالمية الثانية، احضروا التابوت من مصر الى ايران ليدفن في ارضه، لكنهم حين فتحوه لم يجدوا السيف، فأثار هذا الامر دهشة تاج الملوك (زوجة الشاه) اذ قالت انها متأكدة بأنها وضعت السيف بنفسها في التابوت، وخمنت ان التفسير الوحيد لهذا هو ان فاروق لابد وأن سمع بقصة السيف، فأمر بفتح التابوت واستولى على السيف، وكان تخمينها صحيحا. فحولت جراء هذا حياة فوزية الى جحيم وراحت تصف اسرتها باللصوص قائلة: قد لا تكون اسرة بهلوي عريقة مثل اسرة محمد علي، لكننا لسنا لصوصا، ثم ثارت ثرثرة كثيرة حول فوزية وانها ليست ايرانية كما ينص الدستور، وزاد الطين بلة ان الملكة لم تنجب ابنا بل ابنة، لذلك حين ذهبت فوزية الى القاهرة لقضاء اجازة عام 1948، قرر فاروق وبعد كل ما سمع من شقيقته، ان اسرة محمد علي قد تحملت ما فيه الكفاية من محدثي النعمة في ايران، فجرت مراسم الطلاق في نوفمبر من نفس العام. كان محمد رضا يبلغ من العمر ست سنوات عندما بدأ والده مسيرة صعوده الى الحكم في طهران، وكان انسانا عديم الثقة بنفسه وعديم الشخصية كما اسلفنا، وكانت له شقيقة توأم تدعى اشرف، اكثر قوة في الشخصية وأكثر جرأة منه، حتى ان والده كان دائما ما يقول ان اشرف كانت هي التي يجب ان تكون الرجل وليس ابنه....ويروي التاريخ انه بعد سقوط فرنسا في عام 1941، وبعد ان تعاون الشاه كثيرا مع الالمان، وبعد ان احتلت القوات الروسية والبريطانية ايران وارغمته على التنازل عن العرش لابنه محمد رضا..... وافق على هذا... وقرر اختيار جنوب افريقيا مكانا لمنفاه، وقبل ان يرحل الى منفاه استدعى ابنه، ويروي الشاه انها كانت المرة الاولى في حياته التي يرى فيها ابوه يتصرف كأب وليس كملك او قائد جيش، فقال الوالد للابن بصوت ضعيف: هل تستطيع الاحتفاظ بالعرش ؟ انا لم افشل في الاحتفاظ بالعرش لكن قوى اقوى مني احكمت الحصار حولي، لقد احتفظت لك بالعرش، فهل تستطيع الاحتفاظ به ؟ فأومىء الابن برأسه موافقا، فقال الاب : اسمع يا بني، نحن والعالم اجمع لن نواجه عاصفة اقوى منا جميعا فاحن رأسك لها الى ان تمر... وخرج الاب الى المنفى في جنوب افريقيا، وبالتالي اعتلى محمد رضا سدة الحكم باسم (الشاه محمد رضا بهلوي). في ذلك الوقت، كان الروس والانجليز هما العدوين العملاقين اللدودين المألوفين لدى الشعب الايراني، اما بالنسبة للولايات المتحدة فقد كانت قادما جديدا على الساحة، وكان الايرانيون يعرفون القليل عن الامريكيين، ورغم قلة المعلومات التي كانت لديهم الا انها كانت مشجعة، فقد تذكروا الاقتصادي الامريكي مورجان شوستر الذي بذل جهودا جبارة لاعادة تنظيم الميزانية الايرانية في عام 1911 إلى أن ترك وظيفته بسبب الضغط الروسي آنذاك. كانت صورةالامريكيين في ذلك الوقت هي صورة ذلك الامريكي الطيب الذي يرتدي القبعة ويركب الخيل ويغامر لتخليص الاسرى المساكين (بما في ذلك الايرانيين) من الاشرار !!! واذا كان من عيب لدى الامريكان، فهي انهم رعاة بقر لايعرفون سوى القليل القليل عن العالم الخارجي حيث بدوا في غاية السذاجة من الناحية السياسية. وبمناسبة الحديث عن سذاجة الامريكان وعدم معرفتهم بما يدور في العالم الخارجي، اذكر هذه الطرفة التي رواها لي أحد الامريكان أنفسهم، حيث تقول الطرفة ان الامم المتحدة قررت ارسال وفدا لإجراء استبيان يشمل مختلف قارات العالم، بحيث يسألوا من كل طرف في العالم شخصا واحدا نفس السؤال، فيأتي الوفد أولا الى الاوربي الغربي ويسألوه: من فضلك ما هو رأيك في نقص الغذاء الحاصل في باقي دول العالم ؟ فلم يفهم الاوربي معنى كلمة نقص غذاء، لانه اصلا لايوجد نقص غذاء في أوربا الغربية. ثم يأتي الوفد الى الامريكي الجنوبي ( دول امريكا الجنوبية مثل البرازيل وكولومبيا وبوليفيا...و.....ووو) فيسألونه نفس السؤال، لكنه لم يفهم ماذا تعني كلمة من فضلك !! ذلك انهم في بلادهم تكثر العصابات والمافيات ولا وجود لتلك الكلمة في قاموسهم، حيث ان لغة القتل هي اللغة المسيطرة. ثم يأتي الوفد الى الافريقي ويسألونه نفس السؤال، لكنه لم يفهم كلمة غذاء، لان الجوع مسيطر على قارة افريقيا. ثم يجول الوفد على الوطن العربي ويسألوا عربيا نفس السؤال، فلم يعرف معنى كلمة ما هو رأيك ؟ لان لا وجود لحرية الرأي في العالم العربي، وفي النهاية يسأل الوفد مواطنا امريكيا، واذا به لا يفهم ماذا تعني كلمة العالم الخارجي !! لان الامريكي يتصور ان العالم كله هو امريكا فقط !!! نعود الى موضوعنا بعد هذا الاستطراد، ربما يكون الامريكيين كأفراد بمثل هذا الجهل والسذاجة في السياسة، ذلك ان الواقع يقول ان الامريكي اهتمامه منصب على حلبات المصارعة الامريكية والهمبورجر والديسكو والسينما ومكان يقضي فيه الويك اند بصحبة صديقة، لكن السياسيين الامريكان ورجال الاعمال وباقي افراد الحكومة يعرفون تماما ما يريدونه من الشرق الاوسط وعاقدين العزم على الحصول عليه، وكان اهم امرين يريدونهم هما: التسهيلات الجوية لاجل الجهود الحربية في بداية الامر، والاعتبارات الاستراتيجية والتجارية عند انتهاء الحرب، وثانيا امتيازات البترول. كان الامريكيون يتمتعون بمزايا عديدة، فقد عقدوا العزم على القيام بدورهم كحلفاء مخلصين لالحاق الهزيمة بدول المحور، الا انهم وبطبيعة الحال كانوا حريصين على نقاء سمعتهم، وفي اواخر عام 1945 اعلن اتشيسون وزير خارجية امريكا: " ان الولايات المتحدة في وضع افضل من بريطانيا العظمى والاتحاد السوفييتي لتتولى زمام التوجيه فيما يختص بإيران". وكانت لسمعة امريكا الطيبة كقوة تقدم المساعدات دول مقابل اثرا كبيرا في تحقيق ميزة أخرى ذات قيمة، وهي ثقة الشاه بهم. عندما ظهر الامريكيون على المسرح، كان محمد رضا شابا صغيرا يعاني من انخفاض روحه المعنوية، فقد صدم بما حدث لأبيه، واحس بالرهبة من الخوف من المسوؤليات التي القيت على عاتقه والمشاكل والمتناقضات التي تحيط به، وعلى اي حال، فقد كان لا يثق بالكثير من الموظفين الروس والانجليز الذين كان على اتصال بهم، فقد كان يشعر انه ليس لديهم الوقت الكافي للحديث اليه. لكن الشاه اكتشف في الامريكان امرا هاما وهو انهم يجيدون الاصغاء، وذلك حين اخذته رحلة مع كبار حاشيته الى القاعدة الامريكية في عبدان، حيث اتيحت له فرصة قيادة طائرة من طراز د 830 وتمتع مع افراد اسرته بشيء من الاهتمام على الطريقة الامريكية، فأقيمت له حفلة غنائية حضرته شقيقتاه الاميرتان اشرف وشمسي. ثم وفي عام 1944 عبر للسفير الامريكي موريس عن رغبته في ان تصبح ايران بلدا ديقراطيا وعبر عن صعوبة تحقيق ذلك بسبب نقص التعليم، فقد كان يرغب في اقامة نظام تعليم مجاني، ونتيجة لهذا التعبير، ارسل السفير الامريكي الى حكومته برقية قال فيها: ان الشاه نضج عقليا وهو يتعدى اعوامه الخمس والعشرين فخزنه عميق على شعبه والفقر الذي يعيش فيه وعلى المرض والجهل والتخلف المعيشي. كان الامريكان قد تمتعوا في ايران بوجود مستشار امريكي في كل فروع الحكومة الايرانية، فقد تواجد على ارض ايران حوالي 28 الف جندي امريكي اغلبهم كان يقوم بتوصيل المواد الحربية للجبهة الروسية، وآخرون يشرفون على الخدمات الاضافية مثل الطرق والكهرباء والخدمات الطبية وغيرها، وطبعا لا يغفل دور المخابرات، ومن المفارقة ان والد المجرم الوغد نورمان شوارزكوف، كان مديرا لبوليس الاقاليم في تلك الايام، وكان هناك العديد من الاسماء الامريكية اللامعة التي تقود عدد من الموظفين الامريكيين داخل ايران نفسها، وكان هناك على اية حال قبول للامريكيين من الحكومة الايرانية والشعب الايراني، لانهم رجال ودودون ومن امة صديقة، صحيح تزيد هذه الصداقة عن حدها في بعض الاوقات، لكن مع ذلك هم اصدقاء على اية حال، فمع منتصف عام 1946 كانت كل القوات الروسية والبريطانية قد انسحبت من ايران. في عام 1949 بدأ الامريكان بتسليم الشاه اسلحة ومعدات حربية، فقد كان يريد معدات حديثة وابدى رغبته في بناء جيش مؤلف من ثلاثمائة الف جندي، وكان تقديره انه بمثل هذه القوة يستطيع ان يبسط سيطرته على كل الجنوب والجنوب الغربي لايران ولكي يصد اي هجوم روسي محتمل على ايران كلها، فإنه بحاجة الى نصف مليون جندي. كان الشاه يشعر ان مطالبه مشروعة، فها هي جارته تركيا قد حصلت على ضمان الحماية الامريكية بموجب مبدأ ترومان، فلم لا تمتد هذه الحماية لتشمل ايران ايضا ؟ وقد كتب السفير الامريكي وقتها الى حكومته قائلا: ان المساعدات الامريكية لتركيا سيطرت على عقول القادة الايرانيين، ولا بد من مساعدة الايرانيين ايضا لانها ستجعل ( الايرانيين اصلب عودا حيث ان ايران بمرتبة تركيا). على ان تركيا كانت قد اصبحت عضوا في حلف الاطلسي في عام 1952، وكانت معاهدة قد وقعت في سعد اباد عام 1937 بين العراق وتركيا وايران وافغانستان تقضي بعدم اعتداء تلك الدول على بعضها ولكن تلك الاتفاقية ماتت في ذلك الوقت. في الفترة الواقعة من 1949 الى عام 1952 شهدت ايران بعض المشاكل والقلاقل بسبب حكومة مصدق، ولن اخوض في تفاصيل تلك المشاكل كي لايطول البحث، على ان من يريد متابعتها فليتفضل بالرجوع على كتاب الاستاذ محمد حسنين هيكل (مدافع اية الله) فقد ورد تفصيل ذلك، (على انني استعنت كثيرا بهذا الكتاب القيم جدا). ففي شهر اغسطس من نفس العام (1952) عاد الشاه الى ايران (من بغداد وروما) وانتهى ما عرف وقتها بالانقلاب المضاد، وقتل العديد من مؤيدي مصدق في شوارع طهران، وقام الجيش بانزال العقوبات في المدن التي ايدت مصدق، وكان من بين تلك المدن التي حل عليها العقاب: قم وشيراز وتبريز واصفهان، ومثلما عوقب البعض من مؤيدي مصدق، كوفيء البعض الاخر لاخلاصهم للشاه ولوقوفهم الى جانبه في تلك الازمة، فبدأ توزيع المناصب والمكافآت والثروات عليهم، وتكشف وثيقة عثر عليها في قصر المرمر ان عدة توصيات قدمت للشاه من اجل تعزيز سلطته في كافة ارجاء ايران، وقد جاء في تلك التوصيات: انه ينبغي تقديم الشاه على انه الوالد للعائلة الايرانية، واستخدام كل اساليب الدعاية الممكنة لتدعيم مكانته وعرشه وسمعته شخصيا، وأن تبذل الحكومة والشاه قصارى الجهد لزيادة حجم الطبقة المتوسطة ودعمها، وان تظهر وجوه سياسية جديدة الى الساحة عوضا عن الوجوه القديمة، وانه من المستحسن ان يلعب الشاه دورا بارزا على الساحة الدولية وعلى مستوى الشرق الاوسط خصوصا، وان يهتم بالشؤون الدينية اهتماما بالغا وان يصر على الصلاة كل اسبوع في مسجد مختلف، واخيرا يجب وضع دراسة واعية لتنظيم المخابرات والسيطرة عليها. ويبدو ان الشاه قرأ تلك الوثيقة بعناية فائقة واخذ بها. ومن الوسائل التي اتبعت لتدعيم سلطة الشاه ايضا كان هناك الاعلام، فقد فرض على كل الصحف الصادرة ان تنشر يوميا خبرا عن الشاه اضافة الى صورة له، على ان يكون هذا الخبر على صدر الصفحة الاولى وان لا يسبقه اي خبر آخر مهما كان، وان لا يستخدم الحبر الاحمر في الطباعة لانه يرمز الى الشيوعية، كما تم منع عرض مسرحيا ت تشير الى الانقلاب على الملوك او اغتيالهم، وبطريقة او اخرى تم تفريق كل مقاومة ضد الشاه، فلقي الكثير مصرعهم او اودعوا في غياهب السجون والمعتقلات وغادر الكثير البلاد خوفا من ان يطالهم العقاب، وبعد تلك الفترة، ترك البلاد اكثر من خمسين الف شاب، توجهوا الى العراق او الخليج في بداية الامر، ثم الى اوربا وامريكا في النهاية. ومع اشتداد قبضة الشاه على الحكم، برزت جماعتان معارضتان بشكل سري هما: مجاهدي خلق ذات الملامح الاسلامية ثم جماعة فدائيين خلق ذات التوجهات الماركسية، وكانت هذه وريثا لحزب تودة المحظور. ساعدت الاحداث التي وقعت في اماكن مختلفة من العالم على تدعيم مركز الشاه، فلم يعد هناك أحد حسب تصوره حاكم مثله في المنطقة له نفس القوة والموارد، لاسيما وان الحكام العرب تأثرت صورتهم كثيرا بعد عدوان 1976، وحين رحلت بريطانيا عن الخليج نهائيا في اواخر الستينيات وبداية السبيعينات وقامت تلك الكيانات التي كانت متناثرة هنا وهناك وتحولت الى دويلات، بدأ الشاه ينظر حوله بشكل جدي، فبدأ اولا يطالب بالبحرين باعتبارها قطعة ارض ايرانية، وشعر انه مرغم على اخذ هذا المطلب مأخذ الجد حتى ولو لم يشاركه أحد في هذا، لكن في عام 1969 توصل مع الامم المتحدة الى ااتفاق يحفظ ماء الوجه وذلك عن طريق ارسال بعثة تقصي الحقائق، فحصلت البحرين على استقلالها في عام 1971 وتبعتها قطر والامارات، على ان قوات الشاه كانت قد هجمت على جزر طنب الصغرى وطنب الكبرى وابوموسى قائلة انها جزر ايرانية، ويقال ان الشاه دفع اربعمائة مليون دولار لزايد بن سلطان آل نهيان كي يوافق على هذا ويغض الطرف. اذا، بخروج بريطانيا من المشهد، وضعف دول الخليج في جميع النواحي الا عائدات البترول، لم يبق فعليا في الخليج الا دولتين بارزتين، ايران والسعودية، اما العراق، فبسبب سرقات لصوص كاظمة من اراضيه ايام حكم الاخوين عارف، كان له منفذ ضيق جدا على الخليج، ثم ان العراق كان مشغولا بترتيب اموره الداخلية اولا واعادة هيكلة الدولة من جميع النواحي لاسيما بعد قيام ثورة تموز 1968، ناهيك عن تمرد خونة الاكراد المدعومين من الصهاينة دعما غير محدود لا بالسلاح ولا بالمال ولاحتى بالمرتزقة المقاتلين ايضا، ثم ان الشاه كان عند زعمه يرى انه يجب ان يكون لايران جانب السيطرة في الخليج، فمثلا، في الوقت الذي لم يكن فيه للسعودية كاسحة الغام واحدة، كان لجيش الشاه طرادات وكاسحات الغام وفرقاطات وقوة جوية تابعة للبحرية. في عام 1975 اعلن الشاه : ان قوتنا في الخليج تفوق قوة بريطانيا التي كانت موجودة هنا بعشرين مرة !!! وبدأ الشرطي من فوق القمة العالية التي كان يشغلها ينظر هنا وهناك، فبالطبع لم يجد اي منافسة في الخليج ابدا، فصحيح ان ال |