الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة) في المؤامرة على العراق

بدءا من عام 1990

شبكة البصرة

د. صباح محمد سعيد الراوي

الفصل الثالث من الجزء الثاني

تتمة العدوان المجوسي الفارسي على العراق

ارجو ان الفت نظر القاريء الكريم الى اننا لن ندخل في جزء جديد من البحث ما لم ننته من الجزء الذي قبله، وعلى هذا، فإنه كما تقرأون ينقسم الجزء الواحد الى اكثر من فصل، وسأشير الى هذا بالعناوين كي لا يتوه القاريء الكريم بين ثنايا هذا البحث.

 

إذا، كما اسلفنا في الفصل الذي انتهينا منه، ان الخميني راح من باريس يصعد نشاطه ضد الشاه، ولاشك ان اعوانه في الداخل كانوا يقومون بدورهم على أكمل وجه، سواء من ناحية توزيع خطبه على اشرطة الكاسيت التي كانت تصلهم من فرنسا، او لجهة القيام بمظاهرات واضطرابات قلما توقفت في النصف الثاني من السبعينيات، وتذكر التقارير انه في منتصف عام 1977 سجلت حالات هروب من الخدمة العسكرية، والغريب في الامر، ان اول من لاحظ حالات الهروب من الخدمة كانت البعثة العسكرية الاسرائيلية التي كانت لا تكل ولا تمل من ارسال التقرير تلو التقرير الى تل ابيب عن الاوضاع المضطربة التي وصلت اليها ايران، والاكثر غرابة من هذا، ان البعثة الاسرائيلية اوصلت تلك التقارير للشاه، لكنه شكك بها قائلا ان ما دفع الاسرائيليين لتقديم هذه التحذيرات هو حنق اسرائيل على الشاه بسبب تعاونه مع الحكومات العربية داخل منظمة أوبك. ولم يحل خريف عام 1977 حتى ضاعف الخميني من هجومه على الشاه، واذا كان في السابق قد حث الجنود على الهروب من الخدمة، فإنه الان طلب منهم أخذ أسلحتهم معهم، على ان يتركوا الجيش بأعداد صغيرة اما فرادى او كل اثنين وثلاثة معا، فهم – حسب قوله – جند الله والاسلحة اسلحة الله !!! على ان هجومه على الشاه في تلك الفترة قد اخذ عدة أشكال، وبنفس الوقت راحت صحف الشاه تهاجمه ايضا قائلة عنه انه شاذ جنسيا.... وفي أول كانون الثاني/يناير من عام 1978 قامت كتيبة كاملة مضادة للطائرات تعسكر في مدينة مشهد ومكونة من خمسمائة جندي بالفرار من الخدمة بأسلحتها، وعمت الفوضى وانتشرت الاضطرابات في جميع أرجاء البلاد، وراح الخميني يزيد من هجومه وهذه المرة وصل الى نقطة حساسة وهي نقطة حب الاستشهاد والاقتداء بسيدنا الحسين سيد شباب اهل الجنة وسيد الشهداء، فتحول جيش الشاه من جراء هذا الى مجرد شبح، وتمكن الخميني من نزع سلاح الجيش قبل وقوع المعركة النهائية مع الشاه.

 

ومن شواهد الفوضى التي حدثت، انه حين زار حاكم البحرين شاه ايران، فإن المراسم الامبراطورية لم تأخذه والوفد المرافق له بالسيارات الى حيث الاقامة، وانما بالطوافات العسكرية تحاشيا للجماهير الغاضبة، وعند العشاء، لاحظ حاكم البحرين التوتر والعصبية على الشاه وزوجته الامبراطورة التي كانت تدخن السيجارة تلو السيجارة، أما الشاه، فكان يصمت تارة وينفجر تارة بوجه ضيوفه موجها لهم اقسى الاتهامات: انكم انتم الدول الصغيرة .....  سبب البلاء والمشاكل في الخليج !!!!! وفي شباط/ فبراير من عام 1978 بدأ الحديث عن استعداد الشاه للقيام برحلة للتزحلق على الجليد في سان موريتز، وايد الكثير من مستشاريه هذه الخطوة، وخصوصا الجنرال افشار اميني – رجل القصر الاول – وفي بداية حزيران ازداد الالحاح على الشاه لأن يأخذ قسطا من الراحة، لأن موظفي القصر كانوا بحاجة لقسط من الراحة ايضا بعد عناء شديد، فإذا أخذ الشاه اجازة، فإنهم ايضا سيأخذون اجازة، لاسيما وان معظم اعضاء الاسرة المالكة كانوا خارج ايران، وربما تتاح الفرصة للجميع للتفكير فيما ينبغي فعله فيما بعد. وما ان حل منتصف شهر حزيران حتى قامت مظاهرات ضخمة معادية للحكومة وخصوصا في مدينة قم وكان بعض المتظاهرين يطالب بإجراء انتخابات جديدة وتشكيل حكومة جديدة.

 

وفي بدايات آب/ أغسطس من عام 1978، أقنع جعفر شريف امامي نائب رئيس مؤسسة بهلوي الامبراطورة انه لابد وان تفعل شيئا مع الشاه وتحاول تنبيهه الى حقيقة الموقف، وكانا خلال تلك الفترة لا يلتقيان ابدا، اذ كل منهما يمكث في جناحه الخاص في القصر، فذهبت اليه لتتحدث معه، ولكنه لم يعر توسلاتها اي اهتمام.... لان العلاقة بينهما باتت على شيء من الهشاشة والبرود أكثر من أي وقت مضى... والواقع ان الامبراطورة فرح كانت تعرف بخيانات زوجها، وكان لديها ما يكفيها من المشاكل مع اقربائه، ولكن عزائها كما كانت تقول، انها انجبت ولي العهد، وانها ستحاول المستحيل للحفاظ على العرش لابنها، كانت تقول عن نفسها انهم يريدونها بقرة ولادة لا اكثر، وكبريائها هو الذي جعلها تحتفظ بولائها للشاه. اصرت فرح على الشاه وزادت من الحاحها ان يراجع معلوماته، فقبل ذلك على مضض، وارسل خادمه العجوز الى المدينة ليرى ما يحدث، فعاد الخادم بتقريره قائلا: نعم يا صاحب الجلالة، يوجد بعض الناس يصيحون في الشوارع لكنهم شيوعيون مأجورون... فذهب الشاه الى فرح واخبرها بما سمع وقال ان لديه الان تقريرا مباشرا يظهر ان مخاوفها كانت مبالغا فيها للغاية، فانفجرت باكية وتركت الحجرة وخرجت.... ومع هذا، ساورت الشاه الشكوك والهواجس، فاستدعى طياره الخاص وذهبا بمفردهما في جولة بالهليكوبتر فوق العاصمة، وكانت الشوارع مكتظة بالمتظاهرين، فسأل الشاه طياره باندهاش: كل هؤلاء الناس يتظاهرون ضدي ؟؟ فآثر الطيار الصمت... لكنه كان صمت الموافقين طبعا والصمت احيانا ابلغ من اي كلام.

 

عاد الشاه بعد تلك الجولة الى قصره محطما، فاستدعى ضابطين من الحرس الملكي، كانا يتواجدان للحراسة بشكل منتظم، واصدر لهما أوامر مشددة بأن لايسمح لأحد كائنا من كان بأن يدخل عليه الا بعد تفتيشه، وكرر كلامه لأحد الضابطين قائلا: أتفهم... لا أحد يسمح له بالدخول إلا بعد تفتيشه.. فسأل الضابط: لا أحد... فأجاب الشاه: نعم لا أحد ولا حتى الامبراطورة !!!!! وفي تلك الليلة جاءت الامبراطورة لتراه علها تسري عنه، لاسيما وانها عرفت بجولته فوق العاصمة مع طياره الخاص، وكم كانت دهشتها كبيرة حينما وجدت جميع الابواب الموصلة الى جناحه موصدة ويقف امامها ضباط الحراسة.. فشرح لها الضابط والدموع في عيونه ما أمرهم به الشاه، لكنها رفضت ان يتم تفتيشها لاسيما وانها كانت ترتدي عباءة فوق ملابسها الليلية.... وتركت عائدة الى جناحها، لكنها عادت بعد دقائق وهي تبكي قائلة للضابط: حسنا فتشني!!!!! لكنه لم يجرؤ على لمسها..... ففتح لها الباب وهو متأثرا مثلها قائلا: تفضلي يا سيدتي ارجوك ..... فدخلت ولا أحد يعرف ماذا حدث بينها وبين الشاه. ثم وقعت حادثة في أواخر اغسطس، فقد شب حريق في سينما مزدحمة بعبدان وراح جراء ذلك الحريق ثلاثون شخصا، وقيل ان الحريق كان متعمدا، اذ حينما كان بعض الاشخاص يحاولون الخروج، اقفلت ابواب السينما عمدا لمنع اي شخص من الهروب، وان فرق الاطفاء تباطأت كثيرا في الوصول الى موقع الحادث.

 

وفي اول سبتمبر تشكلت وزارة جديدة برئاسة جعفر شريف امامي، ولم يمض اسبوع على تشكيل تلك الوزارة حتى قامت اضخم مظاهرة تشهدها طهران، اذ سار اكثر من مائة الف يطالبون بخلع الشاه وقيام الجمهورية وعودة الخميني، وشهد اليوم الثاني مظاهرات اكثر ضخامة في طهران وباقي المدن الأخرى وعمت الفوضى وشهدت البلاد أحكاما عرفية ووصل التخبط والفوضى الى اعلى مستوى، إذ كان عباس خلعتبري في طريقه الى المطار لتحية الرئيس الصيني، لكنه حين سمع من راديو سيارته ان امين خسرو تعين مكانه في وزارة الخارجية، أمر سائق سيارته بالعودة به الى المنزل ولم يذهب لتحية الرئيس الصيني!!! ومع تشكيل الوزارة الجديدة وموافقة البرلمان عليها، فإن الاضطرابات لم تتوقف عن البلاد، وحينما تم استدعاء الجيش ليدعم قوات البوليس في طهران وغيرها، فإن أفراده وجدوا أنفسهم في مقدمة الصراع، وهذا الذي كان قادة الجيش يرغبون في تحاشيه دائما، عندها، ذهب الجنرال ازهري رئيس الاركان الى الشاه ليقدم شكواه، وكان بالفعل على حق في تلك الشكوى، فقد كان تأثير الخميني قد اخترق ليس صفوف الجنود فحسب، بل معظم ابناء الشعب الايراني، فقد كان من الواضح انه لايمكن عمل شيء مع الخميني، ووصلت المأساة داخل قصر الشاه نفسه لدرجة ان الامبراطورة فرح صاحت يوما ما محتجة: ولكن بحق الله... من هو هذا الخميني !!؟؟

 

وعاد الخميني الى النجف مرة أخرى في سبتمبر 1978، بعد ان سمحت له السلطات العراقية لاسباب دينية محض، لكنه عاد الى ممارسة هوايته القديمة في التحريض على الشاه، فكان بقاؤه أمرا مستحيلا – تطبيقا لاتفاقية الجزائر على الاقل - ، فذهب اليه السيد شفيق كمالي وهو شاعر وأديب معروف، كان قد تقلد منصب وزير الاعلام والثقافة، وكان السيد شفيق يحمل رسالة من القيادة مفادها ان بقاء الخميني في العراق بات يشكل خطورة على أمن العراق، وعليه أن يرحل بأسرع وقت، وذلك بسبب الاوضاع السائدة والغير مستقرة في ايران أولا، وثانيا من منطلق الحرص على العلاقات بين البلدين الجارين و" الشقيقين ". لكن... كيف كان رد الخميني حين عرف ان الوفد قادم اليه ؟؟

 

المجوسي يبقى مجوسيا، ودماؤه، وان ادعى الاسلام، لكنها ستبقى دماء مجوسية نتنة نجسة، قذرة بقذارة المجوس ان لم يكن أقذر.... فعندما ذهب السيد شفيق اليه، اصطحب معه وفدا كبيرا لاجل " مقامه " لانه يدعي انه ( آية الله العظمى)، وقبل ان يدخل الوفد الى مكان اقامته، خرج اليهم سكرتيره قائلا: ان الامام لن يصافح أحد منكم، فاكتفوا بتحيته بتحية الاسلام المعروفة ( وهي السلام عليكم) ( لاحظوا ايها القراء اللئامة والوقاحة والنجاسة من شخص يدعي انه قائدا للمسلمين كافة)، مع هذه الاهانة المبطنة والمقصودة، دخل الوفد بكل أدب ولباقة وقالوا جميعا السلام عليكم... لكنه – ومن شدة حقارته – رد السلام ببرود شديد دون ان ينظر اليهم أولا، ولم يقف احتراما للضيوف القادمين ثانيا، بل بقي جالسا على الارض، فجلس اعضاء الوفد العراقي بكل تواضع وادب على الارض بجواره، لم يكلف خاطره بأن ينظر الى اعضاء الوفد ويتحدث معهم، بل كان سكرتيره هو المتحدث، اما هو فكان عمدا يحملق في سقف الغرفة، وكانت كلماته مقتضبة جدا، بنعم أو.. لا.... فأوصل السيد شفيق رسالة القيادة العراقية اليه. فاختار ان يترك العراق – بالواقع لتتطهر تلك الارض منه – وخرج الى سوريا اولا، ثم عاد الى فرنسا.

 

اقول، هذا هو الخميني الذي انخدعت به معظم الجماهير العربية من المحيط الى الخليج، وهذا الذي زعموا انه المهدي المنتظر، وهذا الذي زعموا انه مجدد الاسلام وباعث راية الامة الاسلامية، لم يتبع ابسط قواعد اللباقة مع مضيفيه، الا يقول انه قدوة لتلاميذه ومريديه؟ هل القدوة يتصرف هكذا تصرف ؟ لو دخل الانسان على غرفة راقصة، لوقفت احتراما له لتسلم عليه ولردت عليه التحية بكل أدب، وهذه راقصة.. تهز جسدها لاجل الفلوس.. فكيف يجب ان يكون تصرف من يدعي العلم والامامة؟؟ لا... والادهى من هذا، ادعاؤه النسب الى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم !!! والرسول محمد  بريء  منه ومن امثاله الادعياء الكذابين المنافقين.

 

نعود الى الموضوع، حيث في فرنسا بدأت الكاميرات والصحافة العالمية تركز اضواؤها عليه، وكان يقضي اغلب وقته امام عدسات التلفزيون. واستمرت المظاهرات في طهران اكثر من ذي قبل، وفي شهر نوفمبر وبناء على نصيحة كارتر، وصل الى طهران زوج ابنة الشاه اردشير زاهدي ليكون الى جانب (عمه)، فقام وهو الشاه بالتحليق فوق طهران، وكان يوما من أعنف ايام المظاهرات، فقد هوجمت السفارة البريطانية وتركت السيارات والاتوبيسات تحترق في الشوارع، فكان رأي السفير الامريكي سوليفان انه لابديل عن حكومة عسكرية، وفي يوم 6/11 ابعد امامي عن رئاسة الوزارة، وقام زاهدي بتولي المهمة على مضض وهي مهمة لا يرجى منها حمدا ولا شكورا،  فكانت اول ايام تلك الحكومة هادئة نسبيا، وقبل الاعلان عنها كان الشاه قد وجه كلمة عبر الاذاعة للجماهير قال فيها: لقد وصلتني رسالتكم الثورية، وأعدكم ان اصلح أخطاء الماضي وان احارب الفساد والظلم وان اشكل حكومة قومية تجري انتخابات حرة، وان الحكم العسكري سيكون مؤقتا. أما الخميني، فكان رده على الحكومة العسكرية، ان هذا نذير سوء وان حرب اهلية ستندلع بين الجيش والشعب، وان الحكم العسكري ليس شيئا جديدا فقد (كنا دائما تحت حكم عسكري).

 

وفي يوم 12/11 ارسل السفير الامريكي سوليفان برقية الى حكومته قال فيها: إن أيام الشاه صارت معدودة ولابد من البحث عن حل، لكنه لم يتلق جوابا لا من البيت الابيض ولا من وزارة الخارجية، وفي نفس الوقت قدمت الحكومة تنازلات، حيث اعلنت انها القت القبض على الجنرال ناصري وخمسة اربعين موظفا بتهمة الفساد وسوء استخدام السلطة، وانه سيتم التحقيق في الاعمال التجارية التي يمارسها اخو الشاه واخواته وباقي افراد الاسرة، فسارع الخميني للقول: ان الذي يجب ان يكون موضع تحقيق هو الشاه وليس غيره.... واعلنت اجراءات اخرى لتهدئة الموقف، فكرر الشاه وعده بأن الانتخابات ستعقد قبل نهاية 6/1979 وان الاحكام العرفية ستلغى قبل ذلك التاريخ. ثم جرت محاولات الاتصال بمهدي بازرجان، وهو شخصية مقربة من الخميني، وكان يرأس لجنة حقوق الانسان في ايران، وفعلا اتصل الامريكيون به، قالوا له انهم سبيحثون معه في امور سياسية، فشرح لهم موقفه وموقف زملائه، وكان يتلخص في: ضرورة ان يختفي الشاه، وان يقام مجلس وصاية، وان تشكل حكومة من شخصيات معروفة لاجراء الانتخابات.. فسأله الامريكان عما اذا كان ممكنا ترتيب اجتماع آخر معه، فوافق.

 

في نفس الوقت، كان بازرجان على اتصال بالشخصيات القريبة من الخميني، وبعد ان تشاور معهم اتفقوا على خمس نقاط يجب ان يقدمها للامريكيين وهي تتلخص بـ ان يغادر الشاه البلاد بحجة العلاج وقضاء اجازة، وان يشكل مجلس وصاية من اناس مقبولين وطنيا، وان تشكل حكومة قومية ترأسها شخصية مقبولة، ويجب حل المجلس واجراء انتخابات جديدة. ثم عقد اجتماع ثالث واجتماع ختامي وافق فيه الامريكيون على مقترحات بازرجان ولكنهم وضعوا شرطين: الا تكون هناك اي محاولة للتدخل في الجيش اذا ضمن الامريكيون ان الجيش سيقبل النظام الجديد وان تتوقف الاضطرابات الحالية ويسود القانون مرة أخرى، فعلق الشاه على ذلك بمرارة قائلا: ان الامريكان على استعداد لنبذه كما لو كان فأرا ميتا... سر بازرجان بالانجاز الذي حققه مع الامريكيين، لكنه قال ان عليه ان يستشير الخميني الذي رفض كل شيء قائلا ان المفاوضات خديعة تهدف الى اجهاض الثورة !!

 

وبدأ شهر محرم في ديسمبر، فطلب الخميني من اتباعه تحدي حظر التجول الذي فرضه الجيش، فخرج اكثر من اربعمائة الف متظاهر في طهران واصفهان، ولم يحل يوم عاشوراء ( يوم استشهاد الحسين) حتى تظاهر حوالي مليوني شخص، لكنها كانت مظاهرة سلمية في طهران، اما في اصفهان، فقد هاجم المتظاهرون مكاتب السافاك وحطموا تمثال الشاه، فقرر اردشير زاهدي في منتصف ديسمبر ان ينظم مظاهرة مضادة، فتحرك موكب يضم عسكريين سابقين وسيدات ثريات مرتديات اغلى انواع الفراء في شوارع العاصمة بموكب بدى عليه الثراء والجاه، بعضهم يسير على قدميه والبعض الاخر يركب السيارات، وارغم الواقفون على رفع صور الشاه على الجانبين وان يعبروا عن ولائهم له بطريقة أو بأخرى. لكنها وحسب شهادة زاهدي نفسه كانت محاولة فاشلة، فقد كانت السكين تقترب يوما بعد يوم من عنق الشاه. ونتيجة لهذه الفوضى والقلق المتزايد، ذهب بازرجان لمقابلة الخميني  في فرنسا ليعبر له عن مخاوفه، فكان رد ذاك عليه ان عينه ممثله السياسي في طهران، اذ لم يكن ما يسمى المجلس الثوري قد تشكل بعد، وطلب منه الذهاب الى جنوب البلاد لتنظيم اضرابا لعمال البترول، وهو الاضراب الذي فرض على الجيش والامريكيين على السواء ان يجثوا على ركبهم، كما قال. 

 

وفي أواخر ديسمبر تم تعيين شاهبور بختيار رئيسا للوزراء وهو الذي كان مشتركا في المفاوضات التي تمت بين الامريكيين وبين مهدي بازرجان، على ان بختيار وصف تعيينه بأنه مثل ورقة التوت. وفي الثالث من يناير من عام 1979 وصل الى طهران مبعوث امريكي هو الجنرال روبرت هويزر، وكانت مهمته الاساسية كما قال هي اقناع القوات المسلحة بتحويل ولائها من الشاه الى بختيار، وكان مفترضا فيه ان يجلس في مكتب رئيس الاركان الجنرال عباس غراباغي لكي يقوم بالتنسيق المستمر معه، والمفارقة، أن الشاه لم يعلم بوصول هويزر الا بعد ثلاثة أيام، إذ لم يعد لا الامريكيين ولا مدير مكتبه يكلفون خاطرهم بإبلاغه عم يدور حوله، فتضايق كثيرا من هذه الحادثة.  أما الخميني، فقال انه لن يؤيد بختيار لأن تعيينه غير شرعي طالما ان الشاه هو الذي عينه. وتجلت المأساة على صورتها البشعة، حين التقى الجنرال هويزر مع الشاه، فكان اول ما قاله له: متى سترحل يا سيدي ؟ هل حددت تاريخا لذلك؟ وكان الشاه قد اصدر بيانا في يوم 6 يناير اكد فيه انه سيغادر البلاد في اجازة لحين استتباب الامن والنظام وانه متعب وبحاجة الى الراحة، وان مجلس وصاية سيحل محله، على ان بختيار نفسه، كان متلهفا على رحيل الشاه بأسرع فرصة ممكنة، لاسيما وأن الشاه بدأ يشعر ضمنيا ان الامريكان قد غدروا به وانهم الان يفضلون بختيار عليه.

 

وفي يوم 9 يناير اصدر الشاه امرا الى اعضاء اسرته للقيام بتحويل كل ثرواتهم الى مؤسسة بهلوي، لكن أعضاء الاسرة كانوا منهمكين شأنهم شأن باقي اثرياء ايران بتحويل اموالهم الى الخارج ويقترضون من البنوك الايرانية على المكشوف، وكانت البنوك مضطرة لان تدفع لهم، فبنك عمران كان بنك مؤسسة بهلوي، وكانت ممتلكاته تقدر بحوالي بليون دولار، وكان بمثابة البنك الخاص للعائلة، وفي تلك الايام الاخيرة، قام الشاه واعضاء اسرته بسحب مبلغ 700 مليون دولار من البنك، وقام البنك بإقراضهم قروضا قصيرة الاجل تبلغ 800 مليون دولار، وليس غريبا ان البنك اعلن افلاسه بعد قيام الجمهورية. ثم جاء يوم 16 يناير وهو اليوم الذي كان مفترضا فيه للشاه ان يغادر البلد لكنه لم يفعل، ذلك انه كان ينوي أن يأخذ معه الى المنفى بعض التيجان، وخصوصا تلك التي استخدمها يوم تتويج نفسه والامبراطورة وولي العهد، وكانت تلك التيجان مودعة في خزائن بنك ملي ايران، وموظفي البنك مضربين مثلهم مثل غيرهم، فأمر الشاه كتيبة من الحرس الملكي ( كان يطلق عليه اسم الخالدين، وهم كانوا الحرس الخاص لأكاسرة الفرس من قبل) بالتوجه الى البنك وترغم المسؤولين على تسليم المجوهرات المطلوبة، لكنها وبعد ان شقت طريقها وسط الجماهير، عادت صفر اليدين لان تلك الكنوز مودعة داخل خزائن على عمق عشرين مترا تحت الارض ولايمكن العثور على الموظفين الذين يعرفون الارقام السرية لفتح الخزائن، فبقيت تلك المجوهرات تحت الارض وتسببت كل احتياطات الامن التي اتخدها الشاه في احباطه واحباط مخططه، وكانت تلك الجواهر والكنوز مؤمن عليها بما يوزاي 250 – 500 بليون دولار....

 

وأخيرا، قرر الشاه الرحيل، وكان قبل ذلك يفكر في جعل رحيله كما لو انه بداية سلسلة زيارات يقوم بها لعدة دول على ان تنتهي في الولايات المتحدة، وكان من المفترض ان يكون اول مضيفيه هو الحسين بن طلال، لكن حسين اعتذر عن هذا الشرف بأدب شديد، بينما قبل ملك المغرب والسادات استقباله. وصل الشاه وحاشيته الى اسوان، وحاول السادات ان يحيط وصوله بكل مظاهر الاحترام والابهة، وتم اقناع بعض الناس بالخروج الى الشوارع والتهليل والتصفيق له، لكنها كانت محاولة بائسة وخائبة، فالشاه نفسه كان حزينا حائرا لا يدري ماذا حدث له، وكان ينفجر احيانا محاولا القاء اللوم على كل من يحيط به حتى على الامبراطورة نفسها..وكان يشغل تفكيره بأمرين هما: الابقاء على الاتصال بالحرس الملكي والجنرال غراباغي، ثم معرفة ما اذا كان الخميني ينوي المجيء الى طهران أم لا ... وفي اسوان عقد قمة مع السادات وجيرالد فورد – الرئيس الامريكي الاسبق – واشتكى من ان كارتر خدعه، فقد كان يتفاوض مع المعارضة في الوقت الذي كان يظهر له انه معه ويؤيده، وابدى الشاه ملاحظة قال فيها: انه من الغريب ان ملك المغرب ابدى استعداده لارسال قوات لمساعدته، على حين ان الامريكيين وهم الحلفاء المقربين لم يعرضوا مثل هذه المساعدة. ( لاحظ ايها القاريء العربي.... ملك المغرب يعرض ارسال قوات عربية مغربية لمساعدة من ؟ لمساعدة واحد من ألد أعداء العروبة والاسلام). (كله في سبيل امريكا والصهاينة يهون حتى ولو كانت دماء عربية). المهم، كانت رسائل الخميني للشعب هي ان التخلص من الشاه ما هو الا الخطوة الاولى وليس هذا هو النصر الاخير ولكن إن هي الا المقدمة، ودعا الجيش الى تحطيم السلاح الامريكي وان يستمر في الاضرابات والمظاهرات ضد نظام شاهبور بختيار.

 

كان مهدي بازرجان يبعث برسائل الى الخميني، حيث اقترح ان يشكل الخميني حكومة في المنفى ويعلن الجمهورية، وبنفس الوقت يترك لبخيتار انهاء الاعمال القذرة مثل التعامل مع الجيش والاعداد للانتخابات، على ان الكثير من حاشية الخميني اقتنع بهذا الرأي، لكنه رفض ولم يقتنع قائلا انهم يجب ان يذهبوا جميعا الى طهران، فجائت رسالة ثانية من بختيار تطلب من الخميني مهلة شهرين، فرفض الخميني، فأرسلت رسالة ثالثة تطلب ثلاث اسابيع، وكان الرفض ايضا مصيرها. اما الشاه، فبعد قضاء خمسة ايام في اسوان، توجه الى المغرب، ليقضي خمسة ايام اخرى على أن يتوجه بعدها الى امريكا، لكن كم كانت دهشته كبيرة حين علم ان الحكومة الامريكية غيرت رأيها وانها لن تستقبله في اراضيها، ومن الافضل له ان يبقى في المغرب، الامر الذي سبب له خيبة امل كبيرة وسبب حرجا لمضيفه، فقد تظاهر الطلبة المغاربة ضده، وبالتالي صار وجوده عبـئا ثقيلا، فأرسل الى الحسن يقول انه ليس من المناسب ان يرحل الان وانه على اتصال بالحرس الملكي ويتوقع عودة الى طهران في اي لحظة، فوافق الحسن على مضض، لكن بعد فترة قليلة راح رئيس الديوان الملكي يشرح له بأنه لابد له من مغادرة الاراضي المغربية ولن يمنح اللجوء السياسي مع الاسف. ووجد كل الابواب موصدة امامه، ولم يجد اصدقائه بالنهاية الا المكسيك لتكون ملجأ له. لكن حتى قبل الرحيل الى المكسيك حدثت مشكلة، اذ ان الحكومة الجديدة في ايران الغت جوازات السفر الامبراطورية الزرقاء التي كان الشاه وافراد اسرته يستخدمونها، والحكومة المكسيكية تود ان تعرف بأي جوازات سفر سيدخل الشاه اراضيها ؟ ولم يكن المغرب على استعداد لتزويد الشاه بجوازات سفر مغربية لان هذا يعني تزويد كل الحاشية بنفس الجوازات، وربما يعودون بها الى المغرب يوما ما، وهو الامر الذي لم يك