الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة) في المؤامرة على العراق

بدءا من عام 1990

شبكة البصرة

د. صباح محمد سعيد الراوي

الفصل الرابع من الجزء الثاني

تتمة العدوان المجوسي الفارسي على العراق

إذا، نتابع حالة ايران في عهدها الجديد، حيث بدأ الخميني والملالي حكمهم، ولن نتحدث عما حدث في بدايات سلطتهم وما قاموا به، لان هذا لا يهمنا على اية حال، لكن لابد من كلمة سريعة. أعتقد أن من يريد تطبيق الشريعة الاسلامية في بلد ما–  حسب فهمي المتواضع جدا والمحدود – لاأظن أن بدايته ستكون بتطبيق الحدود المنصوص عليها في القرآن من تقطيع ارجل وايدي ورجم وجلد......، صحيح نحن كمسلمين نؤمن ونسلم بحدود الله ونحاول ما أمكن الالتزام بأوامره واجتناب نواهيه ومقتنعين ان حدود الله عز وجل لا مجال للخوض فيها، لكن، هناك دولة تدعي أنها انتقلت من مرحلة الى مرحلة، والمرحلة الثانية هي مرحلة اسلامية وهي مقبلة على تطبيق الشريعة الاسلامية.. فهل لم يبق في الدين الاسلامي الا تطبيق الحدود وبشكل عشوائي ؟ وفي الشوارع ؟ أنت تريد أن تقرب الناس من الدين ام تنفرهم وتخوفهم منه ؟؟  هل يعقل ان تقول عن الله عز وجل انه فقط شديد العقاب وأن أخذه اليم شديد؟؟ لم لا تقول ايضا انه غفور رحيم وحليم كريم !!!! حتى تحريم الخمر في القرآن جاء على مراحل وليس فجأة !! والرسول محمد صلى الله عليه وسلم بقي ثلاثة وعشرون عاما في الدعوة، ولم تأخذ الدعوة الاسلامية يوما وليلة... لكن الخميني والملالي ظنوا ان الاسلام هو الحدود فقط.. فطبقوا القتل والرجم والجلد واراقوا الخمور في الشوارع واقفلوا اماكن اللهو والسينما والمسرح ..و...و...و...ولاشك ان اقفال اماكن الفجور والفسق امر طيب... لكن لو كان تم هذا على مراحل لكان افضل.. فمن غير المعقول ان تنقل الناس من مرحلة الى اخرى بين عشية وضحاها، ومن غير المعقول ان يقتل مسؤول سابق لمجرد انه التقى مع سفير امريكي، ومن غير المعقول ان تهدم مصانع بحالها لانها بنيت بأموال الشاه !!!! فبالنهاية بنيت في ايران وليس خارجها....

 

المهم، عندما قامت الجمهورية الايرانية، تباينت مواقف العالم العربي منها، وعلى كل حال، فإن أكثر ما يعني بحثنا هو العراق ودول الخليج، الحقيقة ان اصوات مدفعية الخميني لم تترك اصداء منذرة بالسوء في مكان أكثر مما تركت في الخليج، وربما مرد ذلك الى ان احدى ضفتيه ارض ايرانية بالواقع. أما حكام الخليج، فقد كانوا طوال السنين التي سبقت ثورة الخميني معتادين أن يكونوا ضيوفا على شاه ايران وحاشيته من الجنرالات والامراء ورجال الاعمال، اما حين وصول الخميني الى السلطة، فقد وجدوا ان اولئك القوم قد صاروا على اعتابهم  يتوسلون اليهم منحهم ما يكفي من أموال ليستقلوا طائرة الى اوربا، او منحهم الاقامة في دويلاتهم، على ان دبي كانت تشهد هجرة كثيفة من الايرانيين اليها، وشعر حكام الخليج بالهلع وهم يسمعون ضيوفهم القادمين من ايران يروون قصصا عما تقوم به جماعة الخميني ضد حاشية الشاه السابقة والمحسوبين عليه والموالين له.. اذ بدأ كل واحد منهم – من الحكام – يتحسس رقبته خوفا من تصل السكين اليها فجأة، وزاد خوف حكام الخليج جميعهم عندما وقعت حادثة احتلال الحرم المكي الشريف من قبل جماعة معارضة سعودية بقيادة شخص يدعي جهيمان العتيبي.... فصارت مع هذه الحادثة الرمال المتحركة تحيط بهم من كل جانب، لاسيما وان الخميني بدأ يعزف على وتر ما يسمى تصدير الثورة، ولا شك انه اتخذ موقفا شبه معادي لهؤلاء الحكام من البداية، وزاد الامر مأساه ان قام الاتحاد السوفييتي بغزو افغانستان ليدعم الحكومة الشيوعية التي كانت قائمة في كابول، الامر الذي دعا الادارة الامريكية الى اعادة  نشر القوات الامريكية في منطقة الخليج. (ثم تأتي الصحف الصفراء لتقول ان سبب تواجد الامريكيين في الخليج هو صدام حسين لان رجاله غزوا الكويت – نسي هؤلاء العملاء ان انتشار الجيش الامريكي في الخليج تم بعد أن توسل حكام الخليج لامريكا لكي تحميهم من الخميني).

 

لكن ماذا عن موقف العراق من الخميني وجمهوريته الجديدة ؟

 

يجدر بنا قبل ذلك ان نعود الى عام 1975، ذلك انه حين تحسنت العلاقات بين بغداد وطهران قام صدام حسين (نائب رئيس مجلس قيادة الثورة وقتها) بزيارة الى طهران، وناقش مع الشاه السبل والطرق لضمان سلامة الملاحة في الخليج، اذ كانت الاتفاقية التي وقعت في الجزائر تقضي بتسوية كل المشاكل القائمة بين البلدين، وفعلا ادت هذه الاتفاقية الى تسوية اهم مشكلة كانت تؤرق الحكومة العراقية وهي مشكلة (خونة الاكراد)، وقلنا من قبل ان صدام حسين كان يحمل تفويضا من اعضاء مجلس الثورة بضرورة تقديم اي تنازل يؤدي الى انهاء الحرب في الشمال بأي وسيلة، طالما هذا التنازل لن يمس وحدة التراب العراقي او مباديء الثورة، كذلك ربما يتذكر القاريء ان الحرب مع خونة الاكراد استنفذت ما استنفذت من قدرات الجيش العراقي، ولم يكن العراق يتوقع الحصول على مؤن اضافية من أي مكان بسبب الاوضاع التي كانت سائدة تلك الفترة. وفعلا توقفت الحرب في الشمال، وقدمت لايران تنازلات في شط العرب، وكان الاتفاق يتضمن اعادة تخطيط كامل للحدود يحصل العراق بموجبه على مائة كيلو متر مربع من الاراضي يستقيم بها خط الحدود العراقية، وتشكلت اللجان المشتركة لتحديد المناطق التي سيحصل عليها العراق، وبقيام ثورة الخميني، توقف كل شيء من هذا القبيل، اذ أن الحكومة العراقية  نفذت الجزء الخاص بها في الاتفاقية ولكن لم تتسلم اي شيء مقابل هذا!!! وكانت كلمات الخميني وافعاله غير مشجعة ابدا، وكانت الحكومة العراقية قد استقبلت اول سفير للنظام الجديد وهو محمود دعائي، ولفتت وزارة الخارجية العراقية نظر السفير الجديد إلى ضرورة تنفيذ الجزء الخاص باتفاقية الجزائر واعادة جزر طنب الكبرى والصغرى وابوموسى الى الامارات – وهي تقع في الممرات الغربية لمضيق هرمز – ثم اخيرا وجهت القيادة العراقية نظر السفير الايراني الجديد الى النشاط العدائي التخريبي لما يسمى حزب (هدم) الدعوة.

 

كانت دهشة القيادة العراقية شديدة، اذ لم يكن لكل هذا اي صدى في ايران، وزاد الامر شكوكا وريبة حين رد الخميني على برقية الرئيس صدام حسين – وكان قد حل في الرئاسة محل أحمد حسن البكر – يرحمه الله – إذ ارسل برقية تهنئة للخميني بمناسبة الاستفتاء على الدستور الاسلامي !! الجديد، وبعد ان شكر الخميني العراقيين بعبارات غامضة، انهى برقيته بعبارة : والسلام على من اتبع الهدى.. وهي العبارة التي كان يختم بها الرسول محمد صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم رسائله حين كان يدعو الملوك والوجهاء الى الاسلام..... فاستشاط الرئيس صدام حسين غضبا حين قرأ تلك العبارة ورمى الرسالة جانبا قائلا: شنو هذا يعني ... احنا كفار.. هو بس المسلم واحنا كفار !!!! الله يلعن ....... كان الخميني يعتبر اعضاء الحكومة العراقية كفارا ومشركين!!! ولذلك انهى رسالته بتلك الجملة.. وكان ظن الخميني ان شيعة العراق سيثورون على الحكم في بغداد ويقيمون جمهورية على غرار الجمهورية الايرانية. وشعرت الحكومة العراقية بهذا، وكان ان اتخذت بعض الاجراءات الحازمة التي تضمن سلامة الدولة ووحدة التراب من التمزق، ورأت الحكومة العراقية ان تبعد عددا من المتطرفين ذوي الافكار الاجرامية وخصوصا هؤلاء القادمين من ايران،  فطلبت منهم العودة من حيث أتوا.

 

أعتقد أن من حق اي دولة في العالم، ان تتخذ الاحتياطات اللازمة للحفاظ على وحدتها وتماسكها وحماية ترابها الوطني من التمزق، نحن في العراق لم يكن لدينا خوف من اخواننا المسلمين الشيعة العرب العراقيين، لاننا اصلا عشنا واياهم في سلام ووئام طوال فترات طويلة من الزمن، وحصل تزاوج ومصاهرة بين الطرفين، ولم يكن الشعب العراقي يقول هذا سني وهذا شيعي، بل كانوا جميعا وحدة واحدة تحت قيادة واحدة، يجمعهم الدين ثم العراق. لكن بعض حملة الافكار الفارسية الحاقدة، هم من كان يحاول زرع بذور الشقاق والفتنة بين أبناء الشعب،  وكان النظام الإيراني الجديد بعد الثورة قد بدأ في تكثيف الهجوم السياسي والدعائي ضد الحكومة العراقية بدون أي سبب، ونظمت السلطات الإيرانية مظاهرات ضخمة طالبت فيها بتأسيس جمهورية إسلامية في العراق!!!! ( وكأن العراق ليس بلدا اسلاميا عند زعمهم) وهدد مسؤولون إيرانيون بمسيرة في بغداد، وأعلن الخميني أنه سيذهب إلى بغداد لتحرير الشعب العراقي!!!!! (لكنه لم يقل تحريره ممن ولماذا؟؟) على أن ابوالحسن بني صدر اعتبر ان هذه المقولة " ليست من قبيل التدخل في شؤون العراق"، وتصاعدت الهجمات الدعائية بين البلدين مع اتهام إيران للعراق بأنه يساعد الصهيونية!!!! (تأملوا... العراق يساعد الصهيونية !!!!) وقامت جماعات فارسية اجرامية مسلحة بمهاجمة قنصليات عراقية، وزادت تلك الجماعات من نشاطها الاجرامي بين أوساط العراقيين.

 

حاولت بغداد التهدئة في باديء الأمر، ولما لم تنفع سياسة التهدئة هذه،  لم تجد الحكومة العراقية - لايقاف ذلك النشاط الاجرامي وحماية البلاد - بدا من طرد عشرات الآلاف من ذوي الأصول الاِيرانية وارجاعهم إلى ايران، ثم حدث أن قامت الحكومة العراقية باعتقال محمد باقر الصدر (يقال انه كان أحد المحرضين للتمرد على الدولة وأنه قبض اموالا من ايران لأجل هذا) فصدر عليه الحكم بالاعدام، (أظن أن اي مواطن في اي دولة ما، بصرف النظر عن مكانته سواء كان عالم دين او سباك، تثبت عليه تهمة خيانة ضد الدولة، لا بد وان ينال جزاءه العادل)،  فأعلنت طهران الحداد ثلاثة أيام (على الصدر)، طالبت أثناءها الإذاعة الإيرانية الجيش العراقي بالفرار من الحزب الحاكم وإسقاطه. ثم حدث أن وجه الإيرانيون أحاديثهم وإذاعاتهم إلى الشعب العراقي مباشرة يحثونه على "عدم طاعة أعداء القرآن والإسلام"، وشكلوا ما عرف باسم "الجيش الثوري الإسلامي لتحرير العراق من حكم العملاء والظالمين والقتلة"، (وكان هذا ما عرف فيما بعد باسم فيلق غدر الخنزيري الذي تواطأ زعيمه الهالك باقر اللئيم مع مغول العصر حين احتلال العراق عام 2003 ) واتهم الفرس صدام حسين بأنه حوّل العراق إلى "سجن للمؤمنين ومقبرة للحرية".. ناهيك عن شعارات أخرى كانت اشد قسوة من هذه..... ثم حدثت محاولة إجرامية لاغتيال السيد طارق عزيز، وكان يشغل منصب وزير الاعلام، وكان الذي حاول القيام بمحاولة الاعتداء هذه هم جماعة حزب هدم الدعوة الاسلامية، وصار الوضع شحنة من الديناميت بين البلدين لم ينقصه سوى الشرارة، ولاشك ان يد الفتنة كانت تحرك الاوضاع نحو المزيد من التوتر....

 

كان الرئيس صدام حسين يرى ان ما حدث في ايران ليس ثورة وانما انفجار غير منظم ولا عاقل، ومع بداية شهر ايلول/سبتمبر 1980 كان واضحا ان الحدود بين العراق وايران على وشك الانفجار، فقد بدأ دوي المدافع يسمع على الناحيتين، وفي يوم 21 من نفس الشهر كان طارق عزيز ينوي السفر الى موسكو لاطلاع القادة السوفييت على الوضع بين العراق وايران، لكن الرئيس صدام حسين اتصل به ليخطره بأن طريق رحلته لابد وأن يتغير لأن الأجواء الايرانية التي كان يفترض ان تمر طائرته فوقها قد أغلقت بقرار مفاجيء اتخذ في طهران، وفي هذه الحالة لابد له من المرور فوق الاراضي التركية.... اجتمع مجلس قيادة الثورة العراقي وناقش الاوضاع المتدهورة بين البلدين والاعتداءات الايرانية المتكررة بواسطة ما يسمى حزب هدم الدعوة... وفي يوم 23 ايلول 1980 ولتحاشي الهجوم الفارسي المباغت على العراق، قامت اكثر من مائة وخمسون طائرة عراقية بدك مواقع الفرس، ثم لحقت تلك الضربات هجمات برية في اتجاه عبدان ثم في اتجاه شرين، ولم تمض بضعة اسابيع من الحرب حتى كان رجال العراق يحققون انتصارات في منتهى الروعة على العدو الفارسي... بالمقابل راح الشباب الايراني يندفع بجنون رابطين حول رؤوسهم الاشرطة الحمراء والخضراء التي تشير لانتمائهم الى جيش (منتظري الشهادة !!!!!!) وراح الخميني يحمسهم اكثر واكثر قائلا ان الشهيد هو روح التاريخ !!

 

وراح العراق يعبيء موارده وينظم امكانياته الصناعية والعسكرية، وكان العراق قد بدأ يشتري ذخائر صنعت في مصر لملائمة السلاح السوفييتي الذي كان الجيش المصري يستخدمه، ثم توصل الطرفان الى ترتيب وهو ان تبيع مصر كل ما لديها من سلاح سوفييتي الى العراق مقابل شراء سلاح امريكي عوضا عنه، وحصل ان  بعض القطع التي باعها المصريون كان سعرها اغلى من الثمن الذي دفعه العراق حين شرائها من مصدرها !!! ولاشك ان احتياجات العراق من الاسلحة ازدادت، فراحت اسواق السلاح تنفتح امامه عن طريق وسطاء عرب، على ان يصدر الرئيس الزائيري موبوتو ما يسمى END USER CERTIFICATE  (وهي الشهادة التي لابد من تقديمها للجهة البائعة، وبموجب هذا مثلا.... فإن زائير امام الشركة البائعة هي المستخدم النهائي للسلاح المشترى) وطبعا كل هذ مقابل عمولات.... ثم وخلال ايام العدوان الفارسي على العراق ركزت الحكومة العراقية اهتمامها بصورة كبيرة على صناعة السلاح، فأقيمت المنشأت العسكرية الضخمة لصنع مختلف صنوف الاسلحة والصواريخ، وخصوصا نسخة الروسي سكود الذي اثبت فاعلية كبيرة اثناء الحرب.

 

ارتفعت اصوات كثيرة تنادي بوقف الحرب بين الطرفين، استجاب لها العراق، وتعنت الخميني في رفضها، واتخذت الحرب مسارا آخر، حين صار الجنود الايرانيون يقاتلون عن حمية قومية فارسية، وراح الخميني يزيد من حماستهم بمنشوراته التي صارت توزع عليهم " انهم احفاد ابطال الفرس القدامى" وعليهم " تلقين العرب درسا لا ينسوه ..." " "أنتم تقاتلون في سبيل حماية الإسلام، والرئيس العراقي يقاتل في سبيل تدمير الإسلام، إن العدوان العراقي هو ثورة الكفار ضد الإسلام". فحدث ان كانوا يندفعون بموجات بشرية جماعية وبشكل انتحاري جنوني ... وحصل ان اشتكى بعض كبار ضباط الجيش العراقي للرئيس صدام حسين عن هذه الظاهرة ... أحدهم قال له: انهم يندفعون نحونا مثل المجانين يا سيدي ... في المراحل الاخيرة من الحرب، كان العراق قد تمكن من ان يعطي نفسه تفوقا ساحقا في ميادين القتال، وحقق رجاله بطولات عظيمة اعادت بالفعل وليس بالقول الى الاذهان ايام معركة القادسية (المعركة الخالدة في تاريخ الاسلام)، ولقد حارب رجال الجيش العراقي في الفترة ما بين نيسان وآب 1988 خمس معارك رئيسية كانت بتخطيط عسكري عبقري مسبق، بحيث وضعت القيادة العسكرية لنفسها جدول أعمال منظم ومضت في تنفيذه خطوة خطوة:

 

فالمعركة الاولى كانت بين 17 و 18 نيسان وفيها استطاع رجال الجيش العراقي استعادة شبه جزيرة الفاو بنصر اسلامي عربي مبين.

والثانية استمرت لمدة ثلاث اسابيع، وفيها طهر الجيش العراقي كل الاراضي المحيطة بميناء البصرة.

والثالثة تم فيها استرداد كل حقول النفط في منطقة مجنون الواقعة شمال البصرة.

والرابعة استهدفت تطهير الطريق الرئيسي بين بغداد والبصرة وما حوله.

والخامسة وهي الحاسمة، وفيها استطاع الجيش العظيم التقدم الى عمق الاراضي الفارسية بمسافة 60 كيلو متر...

 

وكانت إيران ترفض أي قرار من مجلس الأمن ما لم يعترف بأن العراق هو البادئ بالاعتداء، وتقرير التعويضات اللازمة لإيران والتي وصلت في بعض المطالب إلى 200 مليار دولار، وإسقاط النظام السياسي في العراق!!!!! إلا أن تطورات الأحداث جعلت إيران تسكت عن هذه المطالب، خاصة بعد حدوث مواجهة عسكرية في الخليج العربي بين القوات الأمريكية والبحرية الإيرانية دُمّرت فيها منصتان إيرانيتان للنفط، وأسقت طائرة إيرانية مدنية بصاروخ أمريكي، بالإضافة إلى ما ارتكبه الحُجّاج الإيرانيون أثناء موسم الحج من اضطرابات عام [1408هـ 1987م واصطفاف معظم الدول العربية خلف العراق في صده للعدوان إلايراني، كل ذلك جعل إيران تقبل بقرار مجلس الأمن رقم 598 الذي اتُّخذ بقصد وضع حد للحرب الدائرة بين الدولتين، ويومها، وحين قبول قرار مجلس الامن، قال الخميني جملته الشهيرة الخبيثة، وهي: إنه يأمر الجيش الايراني بوقف اطلاق النار شاعرا انه يتجرع كأسا من السم!!!!!! والواقع الذي لابد من تبيانه، ان صواريخ سكود كانت هي العامل الحاسم الذي جعل الخميني يتجرع السم بموجب وصفة قدمها له اطباء عصر ذلك الزمان... رجال الجيش العراقي العظيم... الذين قاتلوا جميعا سواء من كان منهم سني ام شيعي ام غير مسلم ام عربي ام كردي  تحت راية واحدة لانهم جميعا ادركوا قذارة ونجاسة الفرس... وان هذه ليست ثورة اسلامية، بل ثورة فارسية حاقدة....

 

وسبق صدور القرار مشاورات بين الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن استمرت ستة أشهر، وحضر جلسة التصويت عليه كثير من وزراء الخارجية في سابقة لا مثيل لها في تاريخ المجلس، وصدر القرار بالإجماع، وصدر هذا القرار في رمضان 1405هـ يوليو 1987 ولم تضع الحرب أوزارها بين البلدين إلا في [8 محرم 1409هـ= 20 أغسطس 1988م] عندها، حضرت قوات فصل تابعة للامم المتحدة مؤلفة من ضباط جاؤوا من بلدان مختلفة يرأسهم ضابط يوغسلافي، وكانت مهمة اولئك الضباط مراقبة وقف اطلاق النار بين البلدين. وبعد توقف الحرب بعشرين يومًا فرضت أمريكا عقوبات على العراق، وامتنعت عن استيراد النفط العراقي. ثم وبعد فترة من توقف الحرب، تمت اجتماعات بين الطرفين بإشراف الامم المتحدة، تراسها عن الجانب العراقي السيد طارق عزيز، وكان الهدف من تلك الاجتماعات حل المشاكل الناجمة عن الحرب واهمها قضية الاسرى. هنا لابد لي من القول، بحكم الاطلاع، ولو بعد الحرب، ان المجوس عاملوا اسرانا بصورة غير لائقة ابدا، عاملوهم معاملة تنسجم مع تاريخهم الاسود الوضيع، بينما عاملنا اسراهم بمنتهى الرقي والاحترام، معاملة نابعة من مباديء ديننا الاسلامي الحنيف اولا، ثم من تاريخنا المجيد ثانيا واخلاق المجتمع العراقي ثالثا، واعتقد ان كل عراقي كان له قريبا مأسورا لدى الفرس لابد وانه سمع منه قصصا يشيب لها الولدان، وهي قصص سمعت بعضها بنفسي حين بدأت الخدمة العسكرية في الجيش العراقي كطبيب بعد انتهاء العدوان بحوالي سنة.

 

أرجو أن أكون قد أحطت القاريء العربي  بجزء من الصورة التي ارتسمت في حقبة الثمانينات، وارجو ان اكون قد وفقت في سرد جانب من عدوان الثماني سنوات الذي استمر على عراقنا الحبيب من قبل المجوس، على انني ومتابعة لهذا الموضوع، وجدت انه من الاهمية بمكان، ادراج وثيقتين هامتين جدا، لعل فيهما فائدة للقاريء العربي، الاولى هي جزء من حديث الرئيس صدام – فك الله اسره – الى الاستاذ عبد الله حوراني عن العدوان الفارسي، والوثيقة الثانية هي جزء من خطاب الرئيس صدام الى الشعب العراقي، وكان يتحدث فيه عن هذا العدوان، وتاريخ هذا الخطاب هو شهر 8/1998، على اننا ان شاء الله، واستكمالا لهذا الجزء (الثاني)  سنتابع في الفصل الخامس (القادم) قيام مجلس التعاون الخليجي، لانه تشكل بعد بدء العدوان على العراق، وبعدها، سوف يكون حديثنا عن الازمة التي هي عنوان الموضوع.

 

جزء من حديث الرئيس صدام للاستاذ عبد الله حوراني :

 

يبدو أنكم لا تقرأون التاريخ ، ولا تعرفونه، وهؤلاء الذين يتحاملون علينا ليسوا أمناء في نقل الحقائق ، وهم من أصحاب المواقف المعادية للنظام القومي في العراق قبل الثورة الإيرانية وبعدها ، وقبل الحرب وبعدها . ومن يستمع إليهم ويبني موقفه على أساس ذلك يعتبر قصير النظر لأنه يحدد موقفه بناء على اللحظة الراهنة ، دون أن يأخذ الأبعاد الأخرى المحيطة بالحدث سواء الجانب التاريخي أو السياسي أو الاقتصادي والجغرافي ، أو النوازع المذهبية والعرقية . لا ننكر أننا في العراق وفي منطقة الخليج عموماً ، وليس الآن فقط ، وإنما منذ زمن بعيد ، نتوجس دوماً من مواقف النظام الإيراني أو الفارسي تجاه العراق ، والمنطقة عموماً ـ أيا كانت طبيعة هذا النظام أو هويته ـ. فمطامع الفرس في أرض العرب لم تتوقف منذ عهد الأكاسرة حتى اليوم ، وأحقادهم على الفتح العربي الإسلامي الذي حرر المنطقة من احتلالهم ، وأسقط دولتهم ، لم تنته ، حتى مع دخول بلادهم في إطار الدولة الإسلامية ، ولا أريد أن أذهب بعيداً في السرد التاريخي لأتحدث عما فعله الشاه إسماعيل الصفوي عندما فرض المذهب الشيعي بالقوة على الشعوب الإيرانية كسياسة يتقرب بها إلى شيعة العراق العرب تمهيداً للسيطرة عليهم وعلى مقدساتهم ، وعلى الأرض العراقية ، ولضرب الدولة العثمانية وهزيمتها والاستيلاء على المزيد من الأراضي العربية في المشرق العربي . لكني أشير فقط إلى موقف الدولة الإيرانية من العراق في العصر الحديث ، وخاصة التهديدات والاعتداءات التي قام بها النظام الإيراني السابق عندما اعتمد الغرب الاستعماري شاه إيران كشرطي في منطقة الخليج العربي لحماية المصالح الغربية . وكان هم هذا النظام زعزعة استقرار العراق وتحريض بعض قومياته ومذاهبه ضد نظامنا القومي ومشروعنا النهضوي.

 

لقد تفاءَلنا بهذا التغيير ، وأمَّلنا أن يسود الاحترام المتبادل والحرص على حسن الجوار والمصالح المشتركة في علاقاتنا مع إيران ، خاصة وأن أرض العراق استضافت لسنوات السيد الخميني ، ووفرنا له كل أسباب الأمان والحماية من نظام الشاه ، وساعدناه في دعوته ، حتى أن الأحاديث التي وجهها للشعوب الإيرانية كانت أشرطتها المسجلة تنطلق من العراق. ولتأكيد نوايانا الطيبة بادرت منذ الأيام الأولى لعودة الخميني بتهنئته في رسالة رسمية بعثتها إليه. لكن يبدو أن النظام الجديد جاء حاملاً نفس المشروع ونفس النوايا الشاهنشاهية  ولكن بلبوس دينية وشعارات ثورية، عنوانها تصدير الثورة، وتكريس مفهوم جديد وغريب على المذهب  الشيعي/ الجعفري هو ولاية الفقيه ، بما يعني تنصيب نفسه مسؤولاً دينياً ودنوياً عن أصحاب المذهب داخل وخارج إيران، وقام بممارسات تدخلية في الشؤون العراقية تؤكد هذا التوجه. ومع ذلك واصلنا مساعينا لتطبيع علاقاتنا مع إيران، ووجهت دعوة رسمية لرئيس الوزراء الإيراني الجديد مهدي بازركان لزيارة العراق لتسوية الخلافات، وأرسلنا مبعوثين رسميين إلى إيران للغرض نفسه، ووجهنا مذكرات للحكومة الإيرانية تشرح الانتهاكات الإيرانية لحدودنا ومياهنا وأجوائنا، مطالبين بوقفها. ولكن كل مساعينا قوبلت بعدم التجاوب والرفض والتحدي. بل صعد النظام الإيراني من مواقفه العدائية والاستفزازية ضد العراق، وأعلن صراحة، وعلى لسان أكثر من مسؤول، أن هدفهم هو إسقاط النظام القومي في العراق . وعندما حاول السيد ياسر عرفات (ويفترض أنك تعرف ذلك) التوسط بيننا لحل الخلافات بناء على طلب من رئيس الوزراء التركي رفضت إيران هذه الوساطة، وعندما طالبناهم بتنفيذ بنود اتفاقية الجزائر  (لعام 1975) التي ترسم العلاقة والحدود بين البلدين، والانسحاب من أراض أقرت الاتفاقية بأنها أراض عراقية وكانت إيران ما تزال تحتلها، رفضوا ذلك وأعلنوا أنهم لا يعترفون بهذه الاتفاقية. وكانوا كلما أظهرنا نوايانا السلمية ورغبتنا في حل المشاكل ودياً، يصعدون من مواقفهم العدائية حتى وصلت هذه المواقف إلى القيام بتفجيرات في مختلف المدن العراقية، ومحاولة اغتيال أكثر من مسؤول عراقي. ويبدو أنهم فهموا نوايانا السلمية على أنها ضعف، في حين أن هدفنا كان هو توفير الاستقرار لنا ولهم، بحيث نتفرغ للمضي في بناء مشروعنا النهضوي على المستويين الوطني والقومي . لكن على ما أعتقد أن مشروعنا هذا هو ما كان يؤرقهم لأن عملية النهوض والبناء التي كانت قائمة في العراق، والتي جعلته واحداً من أقوى دول المنطقة، وأعطت مؤشرات على أنه سيكون قلعة للأمة العربية بأسرها ستضعها في المكان الذي يليق بتاريخها بين أمم العصر، وسيجعل منها قوة قادرة على استثمار قدراتها الهائلة، ومواجهة قوى الاستعمار والصهيونية في المنطقة، واستعادة حقوقها وأراضيها المغتصبة في فلسطين وغيرها. لذلك ، فهم لا يريدون للعراق أن يستقر وأن يمضي في مشروعه. فواصلوا سياساتهم الاستفزازية ضده، مما اضطرنا إلى إعلان إلغاء اتفاقية الجزائر بعد أن رفضوا الاعتراف بها، وهي التي كنا قبلناها على مضض، نظراً لحاجتنا للاستقرار من أجل عملية البناء، بعد أن حاول نظام الشاه إشغالنا بمعارك في شمال العراق من خلال تحريض مجموعات كردية على التمرد، ودعمها بالمال والسلاح، وبتدخل قوات إيرانية أحيانا لإسناد هؤلاء المتمردين. إن نظام الملالي في إيران لم يترك لنا خياراً غير أن نهب للدفاع عن أنفسنا، عن عروبتنا وعروبة منطقة الخليج ، وأن نواجهه بخيار القوة الذي اختاره. 

 

جزء من خطاب الرئيس صدام الى الشعب العراقي بمناسبة يوم النصر في 8/1988 – تاريخ الخطاب 8/1998

.............. ومن سجلات التاريخ المؤكدة، قد يفسر هو الآخر كيف ولماذا سرق الملك الفارسي العيلامي شوترك ـ ناخونتي المسلة الشهيرة المدون عليها شرائع الملك العراقي ( حمورابي ) وكيف حاول محو اسم حمورابي الذي ذّيل به تلك الشرائع، حسدا" وحقدا" على هذا الملك العظيم، وسعيا" لعلاج مرض العقل والنفس الذي ورثه هذا العيلامي عن آبائه.. وهكذا بعد عملية التدمير التي قام بها ذلك الملك الفارسي داخل العراق، سرق جانبا" من تاريخ وحضارة العراق الثقافية والقانونية، بدلا" من أن يصنع حضارة صاعدة، ذلك لأنه عاجز عن الصعود وفق خواصه، فانحدر إلى الدرك، لان ذلك يلائم خواصه ونزعته … ولماذا وكيف دمر الملك كورش ملك الفرس مدينة بابل بعد حوالي ستة قرون، تلك المدينة التي تعد مركز الحضارة الإنسانية الأول والأكثر إشعاعا" وتأثيرا" في الحضارات الإنسانية آنذاك، وبالتعاون مع جذام أصاب جسم بابل حينذاك : (اليهود) الذين جاء بهم الملك نبوخذ نصر مكبلين في الأسر إلى بابل. وعلى أساس المعاني التي تحدثنا عنها في خطاب السابع عشر من تموز الماضي أيضا، يمكن أن يفسر جانب من الصراع الذي أحتدم في القادسية المجيدة، بعد سلسلة العدوان التي أطلق فيها المسؤولون الإيرانيون المعنيون شره ونهم الطاقة الكامنة من المشاعر التي أطلقتها وحررتها من قمقمها الثورة على شاه إيران، في الشعوب الإيرانية التي لم تخض حربا" منذ زمن طويل آنذاك، وواجهت هذه الشعوب كل أنواع المذلة والعنت والجوع في ظل ذلك النظام، فصارت تبحث عن طريق إضافي لتؤكد ذاتها، فدفعها المسؤولون الإيرانيون المعنيون الجدد، أو أطلقوها في الاتجاه المدمر وغير الصحيح، مجردة من المعاني الإنسانية والروحية في أبسط وصفها، وان اتخذت غطاء مهلهلا وشكليا ولفظيا" فحسب، من الجانب الروحي، كما أسلفنا، بعد أن جعلت معانيه وروحه أهدافا" تصوب عليها طاقتها وأسلحتها التدميريتين.. فصدها العراق العظيم بصدره العامر بالإيمان، والنظرة إلى الحياة والعمل والمسؤولية بصورة متوازنة، فكان الذي كان، وصار الانتصار أكيدا" داخل النفس وخارجها عند العراقيين، عند خط البداية مثلما هو في نتيجتها النهائية، وكمحصلة طبيعية لهذا النوع من الصراع.

ومن أجل أن نزيد بعوامل إضافية تأكيد هذا الوصف كل على ما يستحقه على طرفي الصراع، نأخذ أمثلة محدودة من بين كم هائل وركام كبير، ومن ذلك أن العراق أطلق سراح كل أسرى إيران، بعد زمن من توقف القتال، عدا واحدا" منهم أطلق سراحه أخيرا"، وفق ما ورد في خطابنا في العام الماضي بنفس المناسبة، وقد أطلقنا سراحهم مهتدين بالمبادئ التي نؤمن بها، مستندة إلى عمقها العظيم، معاني الدين الإسلامي الحنيف، ومبادئ ثورة تموز المجيدة.. وكان أسرى إيران، طيلة وجودهم في أقفاص الأسر، على اتصال بالصليب الأحمر الدولي، ويتمتعون بحقوق الأسير، وفق سياقها الصحيح، فيما تحتفظ إيران حتى الآن بآلاف الأسرى العراقيين، وبعضهم ترفض حتى أن تسجله لدى الصليب الأحمر، ونال وينال أسرانا الأبطال شتى صنوف التعذيب والضغط، بل والقتل داخل أقفاص الأسر في أحيان كثيرة، لا لشيء إلا لأنهم يحترمون آدميتهم وإنسانيتهم ووطنيتهم ومباديء أمتهم، فلا يخونون، ولا يسيئون لوطنهم وشعبهم، ولا يذكرون رموزهم ومبادئهم بسوء، وان تصرف ايران هذا ليس له مثيل، ولأنه ليس له مثيل، لذلك ليس أمامنا إلا أن نبحث في جانب من التاريخ لنهتدي إلى أسبابه ووصفه لنقول أن وصف هذا التصرف لا يصدر إلا عمن ينطبق عليه الوصف المقابل بالضد لوصف شعب العراق ونظامه ومعانيه وقيادته ومعانيها , ولان كلا العنوانين العراق من جهة وايران من جهة أخرى قد بان وصفه، وفعله، ومنهجه، ومسلكه، بعد هذا الزمن من الحكم والصراع.. فأن بإمكان القريب والبعيد، ومنهم شعوب ايران، أن يرتب لكل من الحالين وصفه، وما هو لصالحه، أو عليه.

ورغم كل الدعوات المتكررة، قبل وبعد المنازلة، للتروي والابتعاد عن بواعث ومواطن الشر، ورغم كل دعوات السلام التي أطلقها العراق من أعلى المستويات، وشتى المستويات الأخرى، استمرت شعارات وطبول ومدافع العدوان والحرب، وشعارات الأطماع الخائبة، حتى اندحرت وخابت شعارات الغزو ونيته المبيتة والمخططة في ساحات القتال، فأنتصر الحق على الباطل، وكان انتصارا للمعاني العالية للإنسانية جمعاء، ومن ضمنها من كان يؤمن بعكس طريق العدوان من شعوب إيران.

وهكذا أيها الاخوة كان السيف والقلم.. أو الذراع وحكمة العقل: صنوان متوازنان في فعل متوازن في تاريخ العراق والأمة وتراثهما الخالد، وكانا متوازنين في هذا الصراع أيضا، ولذلك لم نشمت، ولم نغدر عندما توقف القتال، لان الحكمة عندنا لا تستخدم السيف بديلا" عن القلم، ولا الذراع محل الحجة والإقناع والتفاعل، ولا تعيش على أرض بلا سماء، أو تداري العجز بالتعلق لفظيا" بمعاني السماء من غير إيمان حقيقي ومن غير أرض راسخة، ولا تتردد في استخدام السيف عندما يغدو السبيل الذي لا بد منه لتثبيت حجة، وعندما يعجز طريق العقل عن إقناع من هو على باطل بأن لا يهم بارتكاب جريمة عدوان ببطلان موقفه.

وعلى أساس هذا، وعلى أساس معانيه، نستذكر يوم النصر العظيم، يوم نصرنا الله نصره العزيز المقتدر في 8/8/1988 في القادسية الثانية المجيدة، ومنه، ومن مقدماته، وما رافقته من ولادة، يمكن أيضاً إلى جانب ما قلناه، إدراك سبب حصار العراق منذ اكثر من تسع سنوات، وسبب قيام من تقع دولهم على حدود العراق، ومنهم إيران، بمهمة الحصار الميداني، بما يطمع ويشجع ويردف العدوانيين الأمريكان والصهيونية في الاستمرار بقتل شعب العراق بكل الوسائل.. وسبب حجب شعوب إيران عن زيارة العتبات المقدسة بينما كانوا يحرضون على زيارتها عن طريق اقتحام العراق بالسلاح، بما كان يوحي يوم ذاك بأن العراق وبخلاف الواقع وكأنه يمنع على الشعوب الإيرانية زيارة العتبات المقدسة بما يغطي شعارات التوسع والعدوانية، ويكشف أيضا سبب مشاركة إيران المخابرات الأمريكية والصهيونية وأعوانهما في احتلال مدينة السليمانية في شمال العراق، بعد وقوع العدوان الثلاثيني على العراق، بالإضافة إلى حالات عدوانية أخرى معروفة من بينها استخدام الطائرات الإيرانية بغارات عدوانية على أهداف في عمق العراق واستخدام الصواريخ أيضا لنفس الغرض، بل أن هذه النماذج من العدوان والعدوانية تعين على تصور روح العدوانية التي وقعت على العراق عام 1980؟

ومن هذا يكون الجواب واضحا" على: أليس في كشف الزيف والدجل، وفضحهما وإظهار الحق والحقيقة خدمة جليلة للإنسانية، وليس للعراق أو الأمة العربية فحسب؟ ومن ذلك أيضا" يتضح اكثر فأكثر كيف ولماذا يستحق يوم النصر العظيم : 8/8/1988 منا ومن شعب العراق والأمة، ومن جميع الشعوب المحبة للخير والسلام، أن نستذكره بخير، ونحتفي ونحتفل به على مدار الأيام والأعوام كنتيجة إنسانية رائعة رغم كل ما حصل.

بلى والله، انه يوم إنساني خالد وكل ما لا يتصل به أو يعاكسه حالة خائبة مرجومة

أيها الاخوة..

كانت إيران ضمن حالة الدولة الإسلامية التي قادها العرب بوجه عام، وكانوا لها قادة أو حكاما" ومرشدين إلى حين، حتى إذا تكون حكام، أو قادة محليون في ايران، من الشعوب الإيرانية نفسها أو كردفاء لغيرهم، فانهم غالبا" ما كانوا لا يضمرون خيرا" لمصدر القرار في الدولة الإسلامية، ويشيعون على مستوى الشعوب الإيرانية انهم يعاملون بأقل من استحقاقهم، وغالبا" ما يقيسون وينظرون إلى الاستحقاق على أساس ما كانت عليه إيران تحت قيادة الفرس وأكاسرتهم، عندما احتلوا أجزاء من دول وأراض مجاورة لهم، سواء إلى الشرق أو إلى الغرب منهم، وليس على أساس الاندماج في الدولة الجديدة، تحت لواء إيمانها ومبادئها، وتحت قيادتها، وفقا" لمبدأ الإسلام الواضح في الحكم والتصرف ( وأطيعوا الله، وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) وإنما غالبا ما يجتزئونه، أو يجمدونه، أو يحاولون إعطاءه تفسيرا" لا ينسجم مع السنة النبوية المطهرة، أو ما تجمع عليه الأمة الإسلامية، بل انهم، في بعض الأحيان، يعطون معنى ضيقا لمعنى (وأولي الأمر منكم)، فيقتصرونه على الحاكم المحلي للإقليم في تلك اللحظة، بدلا من الخليفة، أو أمير المؤمنين، بما يسهل مهمة حاكم الإقليم المحلي في إيران على مشاكسة أمير المؤمنين أو الخليفة، أو التمرد عليهما.. واخذ هذا الحال مستواه الآخر في إيران في ضوء إلغاء حلقات أساسية من تاريخ الدولة الإسلامية، والقسم الأكبر من رموزها، والاقتصار على حلقات مشرقة بعينها، ولكنها مجتزأة عن قاعدتها وسياق تواصلها وعمقها، وقد تم وضعها في إطار من التضاد، الذي لا يقبل التلاؤم والتفاعل مع كل الحلقات المشرقة العظيمة الأخرى، وبذلك، أعطى المعنيون فرصة، في كل هذه المعاني والحال، ليتواصل تاريخ الأكاسرة في إيران من غير انقطاع، ومن غير أن يعتدوا بتاريخ الدولة الإسلامية في هذا، وبذلك انقطعوا عن عمق هذا التاريخ وفقه الدولة، الذي لا يمكن تصور ما هو افضل منه آنذاك إلا بمراعاة التطور في يومنا هذا، لأنه قد نضج وتطور آنذاك من خلال دولة الإسلام، وشجعوا في إيران، منذ وقت طويل، نمو فقه خاص، ليس على أساس الاجتهاد الذي هو حق، بل وواجب أيضا"، لمعالجة حالة وظروف وإفرازات التطور ضمن مراحله المتعاقبة، وإنما على أساس ولادة جديدة مقطوعة عن عمقها والنسب، بعد أن انقطعت الصلة منذ ما يقرب من ثمانمائة عام عن اصل الولادة وتطورها اللاحق، وعن كل فقه الدولة الإسلامية وتشريعاتها في مرحلة الخلفاء الراشدين، وتاريخ ورموز الدولة والجهاد وراياتها، ليفسحوا المجال، وفق تصور مسبق للتاريخ الإيراني، ليتواصل من غير انقطاع، ولفقه جديد مقطوع الصلة عن عمق فقه الدولة الإسلامية ورموزه، بما في ذلك أبناء وأحفاد سيدنا علي ( رضي الله عنه ) فحورب، أو أستبعد عن مسار الصلة، ناس على أساس مواقفهم الأخرى، أو حتى على أساس أسمائهم، وعلى سبيل المثال استبعد من تأريخ صلة الأبناء والأحفاد من أبناء سيدنا علي وسيدنا الحسين رضي الله عنهما كل من أسمه أبو بكر أو عمر أو عثمان، عدا انتقاءات، وفق غرض أو أغراض خاصة، من فقه سيدنا علي، عليه السلام، وغالبا" ما يستشهد بها، وتحشر عن قصد في إطار، وهدف أو أهداف بعينها، أو في الأقل، وفق صيغة أريد لها وكأنما لتبدو متعارضة وليس منسجمة مع فقه الدولة الإسلامية وتاريخها.

أن هذا الوصف الذي قدمناه عن تصرف المعنيين في إيران إزاء التاريخ الإسلامي، هو الذي شجع شاه ايران على الاحتفاء والاحتفال بمضي ألفين وخمسمئة عام متصلة على قيام الدولة الفارسية، متجاوزا" تاريخ ايران ضمن دولة الإسلام، بغض النظر عن موقف شعوب إيران، أو حتى موقف قسم من الخاصة منهم وسط الشعب الإيراني آنذاك، وهو نفس الوصف الذي جعل حاكم إيران، عندما غابت، أو غيبت، المبادئ العظيمة للإسلام الحنيف، يسعى لتدمير بغداد في عام 1980 للميلاد ليحتل العراق، مثلما دمر كورش بابل بالتعاون مع اليهود عام 539 قبل الميلاد.

ومن هذا الذي قلناه، يفسر لماذا لا يدرس طلاب إيران تاريخ الدولة الإسلامية، بل ولماذا لا تدّرس حتى المدارس الدينية هناك، تاريخ الدولة الإسلامية وفقهها عندما كانت ايران جزءا منها، وبالتالي كيف ولماذا اعتدت إيران على العراق، وقامت الحرب، وبقيت مستعرة ثماني سنوات..!؟ ومن هذه المعاني نجد التفسير لسبب وقوع العدوان بقيادة من قادوا إيران ضد العراق، وسبب استمرار الحرب ثماني سنوات، وعدم نجاح كل الجهود، بما في ذلك جهود منظمة المؤتمر الإسلامي ولجنتها التي شكلت لإيقاف الحرب وإحلال السلام بين العراق وإيران آنذاك، وعدم توقفها إلا بما أراده الله في ساحة القتال، فجعل الغلبة للمؤمنين، أصحاب التاريخ الموصول على قاعدة إيمانه العظيم، ونماذجه ورموزه الطاهرة ككل من غير اجتزاء، على من أراد أن يكون تاريخ إيران مقطوعا" عن معاني التواصل مع ذلك التاريخ، وابعد عوامل ومعاني المحبة، لتحل محلها البغضاء، بعد أن حشرها وفق صورة ما أراد وأبعدها عن نهر مبادئ الإسلام العظيم، لتمضي من غير أن تتطهر بماء مبادئه القويمة.

د. صباح محمد سعيد الراوي

كييف – أوكرانيا

الجمعة 11/2/2005

شبكة البصرة

 الجمعة 2 محرم 1426 / 11 شباط 2005