|
الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة) في المؤامرة على العراق بدءا من عام 1990 شبكة البصرة د. صباح محمد سعيد الراوي |
|
الفصل الاول من الجزء الثاني طفرة النفط - العدوان المجوسي الفارسي على العراق - قيام مجلس التعاون الخليجي
لعله من المفيد للقاريء العربي ان نستعرض طفرة النفط التي حلت من غير ميعاد على الدول الواقعة على الخليج العربي وايران ايضا.
كان استعمال النفط على اساس تجاري قد بدأ في الولايات المتحدة في منتصف القرن التاسع عشر وكانت بداية استخدامه كوقود للاضاءة، وعندما ظهرت بوادر اختراع محرك للاحتراق الداخلي اصبح النفط وقود كل حركة، وقد اكتشف الانجليز اهمية النفط بصورة مبكرة في العصر الصناعي الجديد، ولعل هذا هو السبب الذي دعا ديزرائلي رئيس وزراء بريطانيا في سبيعينات القرن التاسع عشر الى شراء حصة الخديوي اسماعيل في قناة السويس، فقد ظهرت في ذلك الوقت احتمالات لشحن النفط داخل انواع معينة من البواخر تطورت فيما بعد لتصبح ناقلات النفط.
كان البحث المحموم عن النفط قد اسفر في نهاية القرن التاسع عشر عن وجود ثلاثة مراكز رئيسية لانتاجه: امريكا الشمالية والقوقاز في جنوب (روسيا حاليا) وجزر الهند الشرقية – اندونيسيا - وقد كانت الشواهد كثيرة على ان منطقة الشرق الاوسط وبالذات شطآن الخليج مشجعة لاكتشاف النفط، وكانت بريطانيا قد اعدت نفسها جيدا وامسكت بحزم في مقاليد الحكم في تلك البقاع، ذلك ان مواقع البترول في امريكا كان تحت سيطرة امريكا نفسها الدولة الاخذ نجمها في العلو يوما بعد يوم، اما في روسيا فقد كان تحت سيطرة القيصر، وفي اندونيسيا كان تحت سيطرة الاستعمار الهولندي الذي كان متواجدا في تلك البلاد، وبالتالي بدت بريطانيا (صاحبة الامبراطورية) بعيدة عن مواقع النفط هذه، فقررت ان يكون لها بترولها الخاص بها الذي تملكه بدون شريك يضارب عليها، وزادت اهمية النفط بالنسبة لبريطانيا عندما صار الاسطول البريطاني يستخدم النفط بدلا من الفحم، الامر الذي دعا تشرشل الى توجيه خطابا قصيرا الى قائد الاسطول البريطاني قال فيه ما يلي:
عزيزي اللورد فيشر، ما هو مطلوب من الاسطول الان، وفي المدى المنظور، هو ضمان وصول البترول الى بريطانيا العظمى: رخيصا في حالة السلام، ومؤكدا في حالة الحرب !!!
لكن اندفاع امريكا الى النفط كان اسرع من اندفاع بريطانيا، ومرد هذا الى زيادة عدد السيارات في امريكا، فقد زادت من مليون سيارة في عام 1914 الى حوالي تسعة ملايين سيارة في عام 1920!!! وهذا بالطبع زاد من الطلب على النفط الذي راح يبدوا وكأنه طلبا بلا نهاية، ثم بدا للامريكيين ان ضرورات الامور تقتضي خروج الولايات المتحدة من حدودها طلبا للنفط. وفي مؤتمر سان ريمو الذي عقد في عام 1920 ضغط الامريكي ويلسون من اجل مشاركة بين بريطانيا وامريكا على بترول العراق الذي جرى وضعه تحت تصرف الانتداب البريطاني، لكن الرد البريطاني كان رافضا رفضا قطعيا لاي نوع من المشاركة هذه.
في الثلاثينيات من القرن الماضي، تمكن المليونير الامريكي ميللون من عقد صفقة مع احمد الجابر الصباح، الذي كان غاضبا على الشركات البريطانية لانها عثرت على النفط في البحرين قبل ان تعثر عليه في ارض الكويت، وقال احمد الجابر لرئيس شركة شل: ان ظهور النفط في البحرين قبل ظهوره في الكويت طعنة خنجر في قلبي.. فقد كان متلهفا للحصول على النفط.. حيث كان يعتبر هذا بمثابة بداية لتأسيس دولة تعتمد على ذاتها نسبيا في مواردها، لا سيما وانه كان مستقويا كما قلنا من قبل بالمقيم البريطاني الذي كان بمثابة الحاكم الفعلي لأرض الكويت، ..... والمفارقة في قصة النفط، ان شركة شل التي بدأت تنقب عن النفط في نجد والحجاز كادت ان تنسحب من هناك لان احد مهندسيها كتب تقريرا يقول فيه انه يشك باحتمالات وجود نفط في تلك الاراضي، على ان رئيس الشركة نفسه زكى نظرية الانسحاب بناء على ثلاثة اسباب وهي : الطلبات المالية الكثيرة للملك عبد العزيز – ان بريطانيا لديها من النفط ما يكفيها في العراق وايران - النفوذ السياسي البريطاني في ذلك الوقت كان قادرا في اي وقت على ان يطلب ما يشاء.
عندما انتهت الحرب العالمية الثانية، خرجت الولايات المتحدة من ميادين القتال وهي القوة العالمية الاولى، ليس بسبب جنودها ولا اسلحتها ولا انتاجها الصناعي المتقدم، ولاأموالها الطائلة، وانما بسبب بترولها، حيث كانت الطرق قد انقطعت بين بترول الشرق الاوسط ( العراق وايران) وبين ميادين الصراع في اوربا، ولم يكن بترول الخليج قد دخل ميادين الانتاج بعد، وبالتالي صار البترول الامريكي هو عصب الحرب ووقود آلتها، فكان هو البترول الذي حلقت فيه الطائرات وانطلقت به المدافع وزحفت به الدبابات وتحركت به الاساطيل عبر البحار.. وكان هذا عبئا كبيرا على الموارد الامريكية التي كانت متخوفة من الضغط الشديد على مخزوناتها وعلى احتياطياتها، وقد احست ان ضرورات الاقتصاد والامن تحتم عليها الان ان تبدأ زحفا منظما ومدروسا على موارد البترول وراء البحار..
ففي عام 1943 كتب احد الوزراء الامريكيين الى روزفلت قائلا: ان البترول سلعة استراتيجية، حيوية في الحرب، ضرورية في السلام، ولازمة للنفوذ العالمي... ان الولايات المتحدة مهددة بأن تتحول الى مستورد للبترول وعليها ان تستعد لهذا الوضع. ويقول هذا الوزير في مذكراته، انهم كانوا يجلسون في البيت الابيض ساعات طوال يناقشون فيها عالم ما بعد الحرب، وحيثما وضعوا البوصلة على اي موقع فوق طاولة الاجتماعات، فإن ابرتها كانت تشير تلقائيا الى الشرق الاوسط.
بعث روزفلت بلجنة رئاسية خاصة الى الشرق الاوسط، زارت كلا من : السعودية، الكويت، البحرين، قطر وايران، ثم عادت بتقرير يقول: ان بترول الشرق الاوسط هو اعظم كنز تركته الطبيعة للتاريخ... وكان وزير الخارجية الامريكي يومها يدعى جيمس بيرنز، سأل رئيسه سؤالا قال فيه: سيدي ما هي الحصة التي ينبغي ان تسيطر عليها الحكومة الامريكية من بترول الشرق الاوسط ؟ فاجاب روزفلت بعد تفكير عميق : ليس اقل من 100% !!!.. فسارع وزير الداخلية الامريكي ليكتب الى رئيسه قائلا: ان الشرق الاوسط مجرة كونية هائلة من حقول النفط لا يعرف احد لها نظيرا في الدنيا، ان السعودية هي بمثابة الشمس في هذه المجرة فهي اكبر بئر بترول في الشرق الاوسط والظروف فيها الان مناسبة، وملكها ابن سعود يطلب شيئين: مالا ينفق منه وضمانا يكفل استمرار العرش في اسرته، ويجب ان تكون الولايات المتحدة هي التي تمنحه المطلبين...
حصل للولايات المتحدة ما تريد، ووقع عبد العزيز اتفاقا مع مجموعة ارامكو المكونة من اربع شركات هي: نيوجيرسي، سوكوني، سوكال، وتكساكو بنسبة 25% لكل منها، وكان روزفلت قد مهد الاتفاق بنفسه حين اجتمع مع عبد العزيز على ظهر بارجة حربية امريكية في وسط قناة السويس، فحاول تشرتشل عرقلة الاتفاق لكنه لم يفلح..وحين عاد الى بريطانيا وجد بعض وزراءه يوجهون اللوم له لانه لم يقدم هدية لعبد العزيز، في حين ان عبد العزيز نفسه قدم مجموعة من المجوهرات هدية لأسرته، فلم يجد تشرتشل بدا من بيع نفس المجوهرات التي اهديت له من قبل عبد العزيز ثم شراء سيارة رولز رايس وارسالها له هدية.... لكن هذا لم يفلح ايضا.. فقد وضعت امريكا يدها على النفط السعودي بصورة مطلقة، واصبحت الشركات الامريكية عمالقة بترول وسياسة بنفس الوقت، وكان حجم هذه الشركات وامكانياتها الاقتصادية خرافيا، فقد سيطرت الشركات الامريكية على كل شيء من انتاج وتوزيع وتكرير ونقل، واعطت لنفسها مرونة في التصرف، وصار بمقدورها ان تعاقب دولة ما بتخفيض انتاجها وهي واثقة انها تستطيع زيادة الضخ في بلد آخر والمحافظة بالتالي على مستوى ارباحها.. وقد حققت تلك الشركات لنفسها ارباحا خيالية، ويكفي ان نذكر ان دخل ارامكو لوحده يزيد على دخل السعودية بثلاث مرات !!! وهي المالك الاصلي لهذا البترول، وفي مثال آخر، فإن شركة البترول البريطانية الايرانية حققت في عام 1950 ارباحا وصلت الى 250 مليون جنيه استرليني، بينما كان النصيب الذي حصلت عليه الحكومة الايرانية 90 مليون جنيه فقط!!!! فليتأمل القاريء السرقات الامريكية البريطانية التي حصلت من جراء هذا !!!
في الفترة من عام 1948 الى 1972 زاد انتاج بترول الشرق الاوسط بنسبة 1500 بالمائة، وكانت بعض الدول الاوربية تحاول الافلات من القبضة الامريكية القوية في مجال السيطرة على بترول الشرق الاوسط، وكان استهلاك البترول يتصاعد بطريقة مريعة في كل انحاء العالم، ففي امريكا زاد الاستهلاك ثلاث مرات بين عامي 1948 و 1972 وفي اوربا الغربية زاد 15 مرة وفي اليابان زاد 137 مرة، وهكذا.. في السبعينات كان البترول ومنتجوه ومستهلكوه على حد سواء تحت السيطرة الامريكية بالكامل فيما عدا بريطانيا التي اقتنعت في النهاية بدور الشريك الصغير وراء العملاق الامريكي الكبير.
كان العالم العربي مشغولا ومأخوذا بالثروة التي هبطت عليه من السماء في حقبة من الاوهام استغرقته تماما من عام 1974 الى عام 1980. فقد كان هذا الثراء من النوع الذي لم يحلم به أحد: ففي سنة 1970 كان دخل العراق من النفط حوالي بليون و230 مليون دولار وفي عام 1980 وصل الى 25 بليون دولار. وكان دخل الامارات من النفط 230 مليون دولار وبعد عشر سنوات ارتفع الى 19 بليون دولار. وكان دخل ليبيا مليون وثلاثمائة الف وفي عام 1980 وصل الى 21 بليون دولار. وكان دخل قطر 120 مليون دولار وفي 1980 وصل الى 5 بلايين دولار. وكان دخل الجزائر 272 مليون دولار وفي عام 1980 وصل الى 10 بلايين دولار. وكان دخل (كاظمة) 221 مليون دولار وفي عام 1980 وصل الى 22 بليون دولار. وكان دخل السعودية حوالي بليون دولار في عام 1980 وصل الى 102 بليون دولار.
كانت الدول المطلة علىالخليج تدور حول نفسها من هول المفاجأة التي هبطت عليها من غير انتظار ومن غير توقع، فحدث الانتقال من الشيخ والقبيلة الى المقيم البريطاني والشركة، الى برميل النفط ورصيد في البنك، الى الدولة والثروة في حقبة لم تترك لاصحابها فرصة يهضمون ويستوعبون ما هبط عليهم من السماء او تفجر تحتهم من الارض. ولم يكونوا على اي حال جاهزين للتعامل مع هكذا ثروة خيالية، فعبد العزيز كان عام 1937 يطلب مائة الف جنيه على سبيل القرض، وشيخ حراس كاظمة كان يعتبر نفسه سعيدا لانه حصل من الشركات البريطانية على بضعة الوف من الجنيهات الاسترلينية، وشخبوط الذي كان شيخا لابوظبي قبل زايد لم يعرف كيفية التصرف في اول مليون جنيه وصلت ليديه، فاحتفظ بها اوراقا نقدية في منزله، ثم اكتشف ان الفئران تقرضها بحرية، فحاول مدير فرع البنك البريطاني للشرق الاوسط اقناعه بضرورة ايداعه ذلك المليون في البنك، وهو الذي لم يكن مطمئنا لاختراع اسمه (البنك)، لكنه فعل ذلك بعد جهد جهيد، وذهب بنفسه حاملا المليون جنيه لايداعها في البنك، لكنه حين علم ان البنك سيغلق ابوابه بعد الظهر سارع الى البنك مرة اخرى وسحب وديعته قبل موعد الاغلاق!!!!! فانتهى الامر بعزله من قبل المقيم البريطاني، لان المال، حسب رأي المقيم، يجب ان يصرف ولا يخزن في البيوت.
ان معظم – ان لم نقل كل – حكام الخليج لم يعرفوا كيفية التصرف بالثروة التي هبطت عليهم من غير ميعاد، ولم ينتبه احد منهم الى ما يخبأ لهم في زوايا الايام القادمة، فراحت أولا اسواق السلاح تعرض نفسها عليهم، وراحوا يقبلون على شرائه متصورين انه يحقق لهم الامن، لكن جيوشهم لم تستوعب من هذا السلاح الا ما كان منها موجها للداخل فقط، ولقد صرفت دول الخليج مليارات الدولارات على شراء الاسلحة بغير طائل وكان الامر كله عبث في عبث، فلم يخوضوا ولا حتى حربا واحدة بالاف قطع الاسلحة التي اشتروها ودفعوا عليها المليارات من الدولارات، وراحت تلك الاسلحة تتكدس في مخازنهم بغير استعمال، فصارت صدئة بإتيان الزمن وعوامل الطبيعة عليها، ولعل هروب معظم افراد ما يسمى الحرس الوطني في كاظمة وتركهم لالاف مؤلفة من قطع الاسلحة، لهو أكبر دليل على الوهم الذي عاش فيه حكام الخليج، والذين تصوروا ان تكديس السلاح الامريكي في مخازنهم سيوفر لهم حياة آمنة مستقرة، ولربما يتذكر القاريء ان حراس قصبة كاظمة اشتروا اسلحة بما مجموعه اثنان وعشرون مليار دولار قبل دخول رجال الجيش العراقي الى القصبة... ومع ذلك، فإن تلك الاسلحة بقيت جامدة لم تتحرك... اللهم الا بعض طائراتهم التي حاولت القيام باستعراضات لا اكثر ولا اقل.. وانتهى الامر بها الى الاختباء في مطارات السعودية... فبدت مثل طائرات من ورق...
ان السلاح الذي يشتريه اهل الخليج من امريكا هو سلاح فاسد، ناقص المعدات، والطائرات هي طائرات للطيران فقط وليست لصد هجوم، وقطع المدفعية ينقصها الكثير لتكون في وضع الجهوزية، لقد باع الامريكان دول الخليج سلاحا يمكن ان يقال عنه انه (خردة)، فظن معه الشيوخ والحكام انهم حازوا الافضلية لدى امريكا لانهم يشترون السلاح منها ويدفعون لها ثمنه (كاش)!!!!! لا......لا..... انما يشترون السلاح من امريكا وهم عارفين انه سلاح خردة ناقص الكثير من معداته وقطعه الاصلية (على فكرة.. نفس السلاح يباع لاسرائيل كاملا غير منقوص).....، لكنهم بدفعهم الاموال الطائلة ثمنا لهذا السلاح وبلا حساب ولا نقاش ولا جدال ولا مساومة، فهم انما يشترون حماية عروشهم المهددة بالسقوط في اي لحظة... ومن قبل امريكا نفسها.. وخصوصا في ايامنا هذه.
ثم كانت مغاني ومراقص وبارات اوروبا والوطن العربي مفتوحة على مصراعيها امامهم، فصرفوا الملايين بلا حساب على المغنين والمغنيات واغرقوا انفسهم في سهرات طويلة تأخر فيها طلوع الفجر عليهم لسنوات بأكملها، وراح بعضهم يقحم نفسه في مغامرات نسائية طائشة لم يحسب لها حساب (ثم تأتي صحفهم وفضائياتهم لتتحدث بكل وقاحة عن حفلات ماجنة مزعومة للشهيدين عدي وقصي متناسية ما فعله شيوخ وامراء النفط من مخازي مخجلة). وراح بعضهم يشتري الخيول الغالية ويقيم لها الاسطبلات المكلفة في ايرلندا ولندن وباريس، وراحوا يشاركون في سباقات خيول تكلفت ملايين الدولارات دفعوها بلا حساب، في الوقت الذي صفق لهم الغرب طويلا، فقد جاء من يتكفل عنهم باقامة هذه السباقات ويعطي الجوائز ويدفع المكافآت ويمنح العطايا والهبات هنا وهناك.
وحتى حين التفت بعضهم للثقافة والفنون، فإن التفاتتهم كانت بهدف الاقتناء والاستثمار، فقد اشتروا الفن والجمال لقيمته الاستثمارية، فأقبل الكثير منهم على اقتناء اللوحات الغالية لمشاهير الفنانين واشتروا الافا من قطع السجاد الفاخر ومشغولات الذهب والالماس والفضة والخزف الصيني على اعتبار قيمة هذه الاشياء كلها قيمة مضاربة وسعرها بارتفاع مستمر (يروى ان تاجرا يقيم في دبي اسمه مهدي التاجر، اشترى معظم قطع السجاد التي كانت موجودة في قصور شاه ايران، ويقال انه دفع الملايين للحصول عليها).
هـذا عـدا عن البيوتات والقصـور والفيـلات التي اشـتروها في لنـدن وبـاريس وجنيـف وامـريكا والمانيـا ومختلـف دول العالـم ....ونتج عن هذا بالضرورة، قصور على الشواطيء في الصيف، وعلى الجبال في الشتاء، وحاشية لامعة ومضيئة وبذلات وازياء وحقائب سامسونايت، وجواهر وعطور، وطائرات خاصة، وشركات حراسة امريكية يتولاها ضباط سابقون في الجيش الامريكي، وهناك حواجز شائكة، واسلاك مكهربة، وابواب تقفل وتفتح اوتوماتيكيا، وهناك حراس يرتدون البذلات الانيقة ويضعون النظارات السوداء، ويحملون المدافع الرشاشة، ثم هناك ابراج الحراسة العالية حول اليخوت والحدائق والقصور...
ومع زيادة الاموال العربية، فإن الاثرياء غرقوا ايضا في الكثير من الاوهام، وزاد وهم النفوذ لديهم حين بدأوا يتصورون ان الملوك والرؤساء ورؤساء الوزارات في اوربا والعالم واقفين بانتظارهم وينحنون احتراما لهم ويظهرون السعادة باستقبالهم وان رؤساء ومدراء الشركات الكبرى الدولية العملاقة يتمنون لقائهم ويتسابقون الى كسب ودهم ورضاهم وتحقيق رغباتهم قبل ان تنطق بها شفاههم، ومع مرور الايام تحول وهم الدولة الى واقع الدولة، وصارت هذه الدويلات المتناثرة على شاطيء الخليج دول لها وجود وسفارات وكيان ودور – وان كان محدودا ومرتبطا في غالب الاحيان – صحيح هذه الدول لم تستطيع تحقيق مطالب الدولة وهو حماية نفسها بنفسها، لكنها ارتبطت بترتيبات عالمية – امريكية بالواقع – جعلت من يريد الاقتراب منها يحسب حسابا لمخاطر مستقبلية، وعلى كل حال، فقد اصبحت تلك الكيانات اعضاء في ما يسمى الجامعة العربية وما يسمى منظمة المؤتمر الاسلامي والامم المتحدة..
وظن بعض اثرياء الخليج انهم بالفلوس يحققون لانفسهم وجودا على الساحة الدولية، فراحوا يتورطون بعمليات سرية لم يحسبوا لها حساب، وراحوا ينغمسون في مؤامرات هنا وهناك، فصاروا يدعمون الجماعة تلك ويؤيدون الحزب هذا، وكان بعضهم قد تبرع وبناء على طلب امريكي بملايين الدولارات لعمليات السي اي ايه السرية، وبعضهم الاخر راح يساهم في حملات الانتخابات في باكستان فيدعم مرشح ضد آخر.. وهكذا... ناهيك عن التبرعات لحدائق الحيوانات في اوربا والجمعيات اليهودية في امريكا التي تعمل تحت غطاء خيري وبأسماء وهمية.. وراحوا يتبرعون بالملايين هنا وهناك وخصوصا للغرب، فحين ادخل شيوخ ال مكتوم في دبي امهم الى احد المشافي البريطانية لعلاجها من مرض، فإنهم، وحين خرجت تبرعوا لذلك المستشفى بمبلغ اثنا عشر مليون جنيه استرليني!!! وتبرع احد شيوخ ال نهيان وهو حمدان محمد ال نهيان بما يقرب من ستمائة الف دولار لاحد المستشفيات في المانيا، ناهيك عن تبرع فهد بمبالغ خيالية لاناس امريكان وبريطانيين تحت مسميات مساعدات انسانية !!! ولم يقتصر امر التبرعات والبذخ والاسراف على الحكام فقط، بل امتد ليشمل حاشيتهم ومن يدور في فلكهم، فالسيد عدنان خاشقجي الذي كان يعتبر من كبار المليارديرات في العالم بنى لنفسه سريرا لينام عليه تكلف مليون دولار!! وحين عرضه، علقت احدى الصحف الصادرة في روسيا قائلة تحت صورة ذلك السرير: طوبـى لفقـراء العالـم العربي !!! هذا عدا عن ان عدنان نفسه كان احد المساهمين الرئيسيين واللاعبين الاساسيين والممولين الاوائل في قضية تهريب اليهود الفلاشا من اثيوبيا الى الكيان الصهيوني عبر السودان اولا ثم أوربا ثانيا بترتيب مع جعفر النميري!!!!
ولم يكن هناك مجال أبدا في دول الخليج للحديث عما يسمى اقتسام الثروة، فهذه كانت من المحظورات التي تودي بقائلها الى غياهب السجون والمعتقلات والمنافي، ناهيك عن ان مثل هذه المقولة تؤدي الى تحويل الكل الى فقراء اذا وزعت عوائد البترول على الجميع بالتساوي،ولعل السبب في هذا هو تخفيض عملات الغرب – المرتبطه بها عملات الخليج – مرة بعد مرة، وكل مرة تخصم من الارصدة العربية وثلثها في بعض المرات.
فالحاكم الخليجي الذي جعل نفسه – في كل دول الخليج – بمثابة الوالد والقائد للجميع، هو الذي يوزع الثروة، وغني عن القول، ان الثروة اول ما توزع، فتوزيعها يكون على الاقرباء ثم الاقرباء ثم الموالين من اهل القبائل.
اقول، ان دول الخليج التي بددت الثروة التي حلت عليها من غير ميعاد، وراح حكامها يتوهمون العظمة في انفسهم، ويوهمون من حولهم بأنهم شخصيات هامة في المجتمع الدولي، لم تستفد داخليا كثيرا مثلما افادت غيرها خارجيا، ولتوضيح هذه المعادلة اقول، صحيح اقامت دول الخليج مؤخرا مصانع ومزارع، لكن ما هي هذه المصانع؟؟ كانت عبارة عن مصانع المحارم الورقية والفوط النسائية وفوط الاطفال، والصابون والشامبو ومعجون الاسنان والعصائر والبيبسي والكولا، والمأكولات المعلبة والبسكويت وغيرها من اغذية وحليب للاطفال، والبلاستيكيات الخفيفة، وانابيب البترول والكابلات ناهيك عن منتوجات مشتقات البترول ولوازمه، وحتى هذه المصانع لو وضعتها تحت المجهر، فلسوف تجد انها تدار بأيدي اسيوية او اوربية او امريكية، وقليل منها عربي (للانصاف)، او هي امتياز حصلوا عليه من امريكا او اوربا، ولو تعمقت اكثر، ستجد أن نصف ان لم يكن غالبية من يعمل في هذه المصانع هم من الاسيويين، اي ان المصانع اصلا اسيوية أو اوربية وامريكية وانما اقيمت في بعض دول الخليج تهربا من الضرائب، وللتسهيلات الممنوحة لها وخصوصا فيما يعرف بالمناطق الصناعية الحرة التي اقامتها بعض دول الخليج. لربما يقول قائل، اليست هذه خطوة جيدة؟ الا توفر اموالا اضافية للخزينة العامة؟ الا يتم التصدير من هذه المصانع على ان الصناعات المصدرة مصنوعة في البلد كذا....... اقول، وماذا لو قام اصحاب المصانع جميعهم بإغلاق مصانعهم مرة واحدة ؟ ماذا لو احتكر اصحاب المصانع منتوجاتهم؟ ماذا لو اغلق التجار الاسيويين والمنتشرين بكثرة في دول الخليج متاجرهم مرة واحدة؟ وهل صناعة النفط مثلا في دول النفط بأيدي اهلها ام بأيدي اوربية وأمريكية ؟ اين اهل البلاد ولماذا لا يعملون في هذه المصانع تحسبا ليوم ما قد يأتي عليهم ؟
اما كيف افادت خارجيا، اقول، فلينظر اي متابع اقتصادي ومالي الى تحويلات العمالة الاسيوية الى بلادها كم تبلغ كل سنة ؟ لقد اوضح تقرير صدر عن صحيفة الخليج التي تصدر في الشارقة ان العمالة الهندية وحدها تحول سنويا ما تتجاوز قيمته الثلاثين مليار درهم اماراتي !!!! فماذا عن تحويلات باقي ابناء الدول الاسيوية ؟ وكم تبلغ تحويلات ابناء البلاد العربية ؟ الا يعتبر هذا الكم الهائل من العمالة الاسيوية في دول الخليج قاطبة فائدة للغير اكثر منه فائدة للعربي نفسه مثلا او لابن الخليج؟ الا يشكل التواجد الاسيوي في دول الخليج خطرا على دول الخليج نفسها مستقبلا وعلى تركيبتها السكانية وعلى ثقافتها وعاداتها وتقاليدها بل وحتى على دينها في الصميم ؟
|