|
الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة) في المؤامرة على العراق بدءا من عام 1990 شبكة البصرة د. صباح محمد سعيد الراوي |
|
الفصل الاول من الجزء الثالث حال العالم العربي قبل الأزمة لعله من المفيد لو استعرضنا بنظرة سريعة حال العالم العربي بعد انتهاء العدوان المجوسي على العراق وقبل بداية الأزمة، إذ أن معرفة شيء عن حال الوطن العربي ثم العالم في الفترة من 8/1988 الى 8/1990 ربما تساعد، ولو قليلا ، على فهم معطيات المرحلة القادمة، الحقيقة كانت الاوضاع العربية في وضع كارثي، فقد كان الشعب العربي من المحيط الى الخليج يتابع ما يجري في أوربا بذهول، يتساءل وهو يرى التغييرات المتسارعة فيها، متى سيأتي دورنا ؟ متى تأتي الحرية واعادة البناء ؟ كانت انظمة اوربا الشرقية تنهار واحدا بعد الآخر، اما سلميا او بفعل ثورات شعبية، وزاد الامر كارثة، انه كان هناك نوع من الاحساس بالمهانة، فكل دول اوربا الشرقية المتحررة من انظمتها تتجه نحو اسرائيل وليس نحو العرب، ففي يوم من الايام استطاع العرب بنفوذهم منع ثلاث دول اوربية غربية بارزة من اقامة علاقات مع اسرائيل وهي اليونان واسبانيا والبرتغال، واستطاعوا منع اسرائيل من الوصول الى آسيا، واقنعوا دول افريقيا بقطع علاقاتها مع اسرائيل، وكان الاتحاد السوفييتي ومعه اقطابه في كتلة اوربا الشرقية قد قطعوا علاقاتهم مع الدولة العبرية.. لكن مع بداية النصف الثاني من الثمانينيات بدا ان كل شيء في طريقه الى التغيير، فبدأت اسبانيا والبرتغال واليونان وقررت اقامة علاقات مع اسرائيل، ثم بدأت تنفتح افريقيا امام اسرائيل التي دخلت اليها على حصان ابيض، ثم ما لبثت دول اوربا الشرقية ان اقامت علاقات مع اسرائيل الواحدة تلو الاخرى وعادت اليهم اسرائيل عودة المحب المشتاق، وتحركت الصين ايضا واقامت علاقات مع اسرائيل، وكانت خاتمة كل هذه المهانات ان رفعت الامم المتحدة العزل عن الصهيونية، وهي التي اعتبرتها يوما ما نوعا من انواع التمييز العنصري، وكان كل هذا يحدث والعرب يرون ولا يصدقون !!! فقد كانت غرائب المستجدات تفعل افعالها أمام عالم عربي بدا مأخوذا بما يرى ويسمع. ولم يكن من حق احد ان يلوم، فليس مطلوبا من غير العرب ان يكونوا عربا اكثر من العرب أنفسهم، فالعرب الذين كانوا يدعون انهم ما زالوا في حالة عداء مع اسرائيل، كانوا يتخلون لها عن قارات بأكملها.... ولم يقف الأمر هنا، بل بدا أن الشغل الشاغل لاوربا الموحدة بات اقامة اسوار في وجه العمالة العربية والافريقية المهاجرة اليها عن طريق البحر.
كان أمرا محزنا ان العرب يرون امام ناظريهم اوربا المختلفة لغويا وعقائديا وتاريخيا في طريقها الى الوحدة والاندماج، بينما هم الذين يشتركون بالعقيدة واللغة والتاريخ والجغرافيا لا زالوا مختلفين حتى على موعد بدء شهر رمضان !!! وكان أمرا مأساويا ان اجتماعات دول اوربا يتم الاتفاق عليها بسرعة البرق ويجتمعون حتى في مدينة نائية، ويتخذون القرارات السريعة والفاعلة وينفذونها فيما بعد، بينما الدول العربية تختلف حتى على الجزئيات والشكليات وتأخذ اجتماعاتها طابعا كرنفاليا نفاقيا، وتبقى قراراتها حبرا على ورق ولا ينفذ منها شيء، اللهم إلا قرارات وزراء الداخلية التي تتفق على قمع المواطن العربي.
كانت كل دولة في العالم العربي لديها ما يشغلها، فبغداد كانت خارجة من عدوان مجوسي استمر ثماني سنوات، أتى على اقتصاد البلد وخيراته واستنفذ من قدراته وسكانه، فعندما توقفت الحرب، وجد العراق نفسه مرهقا بعد الحرب، شديد القلق والعصبية، فقد رأى في السنوات الأخيرة من الحرب ان الولايات المتحدة تتجه لوضع ثقلها في صف إيران للحيلولة دون انتصار عراقي، وكان أن حدثت واقعة في عام 1986 جعلت القيادة العراقية تطيل التفكير في العلاقة السرية بين أمريكا وايران، فقد وصل الى بغداد سرا في نفس العام رئيس عربي، واجتمع مع الرئيس صدام حسين وقال له هذا الكلام الخطير جدا: سمعت من السفير الامريكي في بلادي ان هناك تفاهما بين الولايات المتحدة الامريكية والسعودية والكويت واسرائيل للحيلولة دون انتصار عراقي في الحرب ضد ايران، لأن العراق اذا خرج من الحرب منتصرا فإنه سوف يثير في المنطقة مشاكل لاحدود لها، وأن هؤلاء الاطراف الذين تحدث عنه السفير الامريكي مستعدين لكل الاحتمالات حتى وان ادت الى تقسيم العراق، وأضاف الرئيس العربي: انني زرت السعودية وبحثت هذا الامر مع فهد ولكنه نفاه.
إذا، وجد العراق نفسه مثقلا بالديون التي بلغت قرابة 60 بليون دولار، وكانت هناك مطالب ملحة في مجال إعادة إعمار ما دمرته الحرب أو فتح فرص العمل أمام مئات الألوف من الشباب العائد من خنادق الحرب وكان ظن العراق أنه يستطيع استعادة التوازن كما قلنا من قبل بفضل البترول، لكن هذه السوق لم تكن على استعداد للاستجابة بهذه السرعة أو بهذا المقدار، ذلك أن دول النفط كانت كما يقول المثل العامي (تبلع البيضة والقشرة على حد سواء).
في ظل هذا الوضع ظهرت الى السطح فكرة انشاء مجلس التعاون العربي وهي فكرة ولدت أصلا في عمان ومنها انتقلت الى بغداد ومنها الى القاهرة ثم اليمن، والحقيقة ان هذا التجمع بالواقع تجمع اختلافات وليس انسجام مقاصد، وحتى على مستوى القيادات فإن التباين كان واضحا بينهم، من ناحية خلفية كل منهم وتكوينه ونوع سلطته وطموحات نظامه، ولو أردنا ان نتحدث بألم نشرح، فإن كل واحد من هؤلاء الزعماء كان في جهة من هذا الكون، فالأول في الشرق والثاني في الغرب والثالث في الشمال، والرابع في الجنوب، كان كل منهم في واد . وبذلك، فإن اللقاء بينهم كان حكم ضرورة غير قادر على البقاء، وكان من الممكن أن يؤدي الى انفجار في اول صدمة، وقد بدا أنه تجمع محتاجين تضغط عليهم المشاكل والضرورات وتملي عليهم أحكامها، وتلك هي طبيعة الاحتياج. (ولن اطيل البحث بالحديث عن هذا المجلس الذي ولد ميتا بالاصل، على أن من يريد الاطلاع على كل تفاصيل انشاء هذا المجلس ولماذا أنشيء وما هي الحيثيات التي قام عليها، فليتفضل بمراجعة كتاب الاستاذ محمد حسنين هيكل، اوهام القوة والنصر من الصفحة 165 والذي استعنت به كثيرا).
اذا، من باب ان كل دولة في العالم العربي كان لديها ما يشغلها، كانت دمشق مثلا بعيدة عن قلب العالم العربي، وكانت قد تعرضت لحصار سياسي قاسي مع تفاعل قضية ما عرف يومها بأزمة طائرة العال الاسرائيلية التي قيل يومها ان عميل استخبارات سوري حاول زرع قنبلة بداخلها وهي في مطار هيثرو (لندن) بواسطة صديقته (في بداية النصف الثاني من الثمانينيات)، ايضا كانت دمشق - وللاسف الشديد - قد وقفت الى جانب ايران في عدوانها على العراق، وهو ما ادى الى سوء فهم وفتنة بنفس الوقت مع دول الخليج ادت الى تعثر مساعدات مالية قررت لدمشق في مؤتمر بغداد عام 1978، ولم تكن دمشق ايضا على اية حال على علاقة ود مع القاهرة، بل تعطلت كل خطوط الاتصالات بين البلدين. أما القاهرة، فقد كانت ايضا لا تزال بعيدة عن قلب العالم العربي بسبب اتفاقية كامب ديفيد، وكانت الديون تثقل كاهلها لدرجة ان فوائد الدين العسكري وحده وصلت الى 900 مليون دولار سنويا !!! وتراكم من اصل هذا الدين وخدمته على مصر مبلغ 7 مليارات دولار، وبسبب العجز في الميزانية كادت مصر ان تتوقف عن دفع فوائد هذا الدين، وزاد الطين بلة ان صندوق النقد الدولي كان يطالب مصر بإصلاحات في هيكلية بنيانيها الاقتصادي، وهي اصلا غير مستعدة لها، فقد كان ما يطالب به صندوق النقد سيؤدي حتما الى مشاكل اجتماعية وربما سياسية يخشاها الجميع. والرياض مثقلة بهموم الثروة، وبالاستنزاف الذي تعرضت له بسبب التقلبات في سوق التهديد والحماية والسعي وراء احلام براقة لايمكن تحقيقها على ارض الواقع، وزاد الأمر مأساة أنه في عام 1989 استدانت لأول مرة في سوق لندن للأوراق المالية مبلغا وقدره ثمانية مليارات دولار وذلك لتغطية العجز في ميزانيتها. أما حال قصبة كاظمة، فالواقع كان يقول أن عقد آل الصباح مع السكان يقضي بتقديم الحماية فقط، حرس فقط، دون الاشتغال بالتجارة، لكن اكتشاف البترول وتدفق الأموال جعل الموازين تختل بين الحراسة والتجارة، فأصبحت عوائد البترول بأيدي الحراس واصبحوا هم من يوزعون على من يشاؤون ويمنعون عمن يشاؤون، وفاضت الثروة بأيديهم، وراحوا يتصرفون في ثراء لم يكونوا يحلمون به وليسوا على استعداد له، وقد خيل اليهم في وقت من الاوقات ان البلاد صارت بمن فيها وما فيها وما بها وما عليها ملكا شخصيا لهم، ذلك أن عوائد البترول تركزت في أيديهم فالدولة هي الأسرة والأسرة هي الدولة – والواقع وللانصاف يمكن أن يقال أن هذا الوضع لم ينطبق عليهم وحدهم ، بل انطبق على جميع الأسر الحاكمة في الخليج دون استثناء- وكما ان الفقر له مشاكله، فالثراء له مشاكله أيضا، واصعب مشاكل الثراء حين يكون مقترنا مع الضعف وحالة ما يسمى الانكشاف الكامل ومن جميع الجوانب والاتجاهات. فقد كانت التركيبة السكانية في أرض كاظمة عجيبة غريبة، كان تعداد السكان فيها قبل دخول الجيش العراقي يبلغ مليونين نسمة مقسمين الى فئات، هي في حقيقة أمرها طبقات، فعدد السكان العرب الاصليين (اي مواطنوا الدرجة الأولى) بحدود 620 الف نسمة، وعدد البدون يقرب من 300 الف نسمة، والباقون اي حوالي مليون ومائة الف نسمة هم ما يطلق عليهم لفظ الأجانب، أي بمسـمى آخـر الوافدين، الذين لا يحق لهم الحصول على الجنسية الكويتية إلا بمعجزة، مثل العرب والاسيويين وباقي الجنسيات التي جاءت أصلا للعمل، والاف مؤلفة من ابناء هذه الجاليات ولد على أرض كاظمة وعاش فيها. على أن هذا التركيب الطبقي العجيب خلق تناقضات لايمكن اغفال أثرها، صحيح أن فرص العمل كانت متاحة للجميع، ولكن التفاوت المريع في الدخول كان من شأنه أن يزرع في قلب المجتمع اسبابا للقلق الاجتماعي الذي بدا يظهر بوضوح شديد. وفي الحقيقة ان التركيبة السكانية في أرض الكويت باتت هرما اجتماعيا لا يظهر على سطحه – بتأثير الرخاء الظاهري – ما يدور في داخله بسبب التناقضات من حساسيات ومشاكل.
أقول، اذا كانوا يعتبرون انفسهم مثقفين ثقافة عالية، فلأن اصولهم عراقية وأخوالهم عراقيون، واذا كانوا يعتبرون أنفسهم أنهم ارقى اهل الخليج تعليما، فلأن معظمهم درس وتخرج في مدارس وجامعات البصرة وبغداد والموصل وغيرها، واذا كانوا يتفاخرون بأنهم أهل الكياسة واللباقة والذوق، فهذا طبيعي، لان غالبيتهم تعود اصولهم الى البصرة، ويكفيها فخرا ان منها الحسن البصري سيد اللباقة والادب والتقوى والعلم والحشمة والورع، اما اذا تبجحوا يوما ما أنهم رجال الخليج، فهذا ايضا أمر طبيعي وعادي جدا، فأخوالهم هم اهل العراق، والرجل اذا لم يشبه اباه، سيشبه خاله (حسب العرف في المجتمعات العربية وعملا بمقولة الرجال طالع لخاله أو حسب الارجوزة الشعبية.... وين الخال ووين ابن اخته) وهكذا... يعني على رأي السيدة حميدة نعنع، اينما التفتوا واينما ذهبوا واينما حلوا، فالعراق والعراقيين محيطين بهم من كل جانب، وشوف دم الكويتي (العربي الاصلي) بتلاقي 99 بالمائة منه دم عراقي !!!!
نعود الى الوطن العربي، فقد كانت كل دولة فيه لديها ما يشغلها، وعلى رأي المثل ( اللي فيني مكفيني ومو ناقص مشاكل تزيد همي)، لم يكن هناك بلد عربي الا وهو مشغول مع جيرانه بمشاكل تستغرق اهتمامه بالكامل، فالسودان في خضم حرب أهلية بين الشمال والجنوب استغرقته واستنزفته بالكامل، وليبيا غرقت الى ركبتيها في مشاكل تشاد (وكانت قد تعرضت لعدوان جوي امريكي في الثمانينيات اتى على بيت القذافي نفسه وقتل ابنته بالتبني)، والمغرب والجزائر في حالة قطيعة بسبب مسألة الصحراء الغربية، واليمن مقسوم الى يمنين (وشهد الشطر الجنوبي منه احداثا دموية مروعة في فترة الثمانينيات أيضا أدت الى مقتل الالاف من أبنائه)، ودول الخليج بأكملها منطوية على نفسها بعيدة عن العالم العربي الآخر، وكأنها ليست منه، فكان لسان حالهم يقول كفانا دفع دولارات هنا وهناك، ولبنان مقسوم الى حكومة عسكريين وحكومة مدنيين، والصومال على ابواب حرب أهلية... وهكذا ... وزاد الامر مشاكلا وهموما ومأساوية ان العالم الخارجي لم يعد يبدي اي اهتمام بالعالم العربي على الاطلاق، واذكر انني انا شخصيا، قرأت في تلك الفترة مقابلة مطولة مع الاستاذ محمد حسنين هيكل الذي كان عائدا من أمريكا، وقال وقتها في سياق هذه المقابلة جملة في غاية الأهمية بقيت في بالي وهي (لم نعد نخيف أحدا)، والحقيقة، انه لولا الجهاد البطولي لأهل فلسطين لاختفى كل اثر للارادة المستقلة من فوق خريطة العالم العربي، فقد بدا ان البيت العربي برمته آيل للسقوط رغم ما تحتويه اطرافه المختلفة من غنى اسطوري، ومن اوهام ضبابية ومن احزان توارت خلف جدران متآكلة في بيت لم يعد له لا ابواب ولا نوافذ، فقد تحولت كل فتحات ذلك البيت الى فجوات مستباحة من كل طرف. ولم يكن من المعقول ابدا ان تستمر الاوضاع على ما هي، فقد كانت الضرورات تصرخ في طلب شيء جديد تواجه به دنيا بأكملها في الشرق والغرب هبت عليها رياح التغيير من كل حدب وصوب، فلم يبق الا هذا العالم العربي التعيس الذي كان ينظر أبناؤه حولهم، فيرون الابيض والاحمر قد اتحد عليهم وهم لا يزالون مختلفين مع بعضهم البعض.
كانت الامة العربية في ذلك الوقت مسلحة نعم، ولكنه تسليح للاقتتال وليس للقتال، غاضبة ولكنه غضب بغير كبرياء، وحزينة وليس لديها ما تفخر به وتعلو به على أحزانها، وكان بعض العرب لا يمل من النظر الى الماضي المجيد الذي كانت عليه الامة، ولكن ما الفائدة من هذا اذا لم يتم ربط الحاضر مع الماضي ليكون مثله وليسير على نهجه؟؟... وكان هناك عالم آخر يتفرج على العرب ويهزأ بهم ولا يهمه أمرهم ابدا، فلو استعرضنا بنظرة سريعة حال العالم وكيف كان عليه حاله، فقد كانت اوربا الغربية قد وضعت اللمسات النهائية للوحدة الكبرى التي اعلنوا انها ستبدأ في عام 1992، أما الاتحاد السوفييتي كدولة عظمى، فقد كان ايضا على وشك التغيير، حيث إن بعض جمهورياته، وخصوصا تلك المطلة على بحر البلطيق (ليتوانيا ولاتفيا واستونيا)، قد بدأت بالتحرك نحو الانفصال والاستقلال مدعومة من دول اوربا الغربية المطلة على بحر البلطيق أيضا، وبشكل ما، فإن كثيرين من العرب رغم ما كانوا يرونه ويسمعونه عن الاتحاد السوفييتي، كانوا على غير استعداد لتصديق ان احواله لم تعد كما كانت عليه من قبل، وما عرفوه سابقا لم يعد صحيحا، وما كان بالامس لن يكون اليوم، وكلام امس غير كلام اليوم، فأمس كان هناك قادة ملتزمون بمباديء ثورة لينين، اما اليوم فهناك جورباتشوف، ونظرياته الجديدة وتفكيره الجديد، وحين اشتكى السيد ياسر عرفات – يرحمه الله – الى جورباتشوف يوما ما من ان الامريكان يستبيحون لانفسهم عمل اي شيء في الشرق الاوسط، كان رده (رد جورباتشوف) (نحن الاثنين – اي السوفييت والامريكان – دخلنا كثيرا في منافسات ومواجهات في الشرق الاوسط، والان انتهت هذه المرحلة). ولم يكن بعض العرب قادرا على تلقي هذه الصدمات من الاتحاد السوفييتي ولم يكن يريد تصديق ما يراه ويسمعه، وحتى حينما عقد مؤتمر "البيرييسترويكا والعالم الثالث" في شهر 10/1989 وفيه وقف رئيس أكاديمية الاقتصاد في الاتحاد السوفييتي يتحدث امام بعض الوفود العربية بالتفصيل والارقام عن فشل تجربة التنمية في الاتحاد السوفييتي، اذ بسياسي عربي (جورج حبش) يعلق قائلا: انكم تغمطون انفسكم حقكم، لقد أنجزتم الكثير مما يحق لكم ان تفخروا به، وانتم تقللون من قيمة ما انجزتم، وتتراجعون عن حقكم في ان تكونوا احدى القوتين الاعظم... وعادت الوفود العربية من هذا المؤتمر الى بلادها مصدومة من هذا الذي رأته وسمعته..... على أن اللحظة الحاسمة والصراحة الزائدة قد جاءت قبل ذلك في اللقاء الذي تم بين الرئيسين حافظ الاسد وجورباتشوف، حيث كان الاسد يشرح للقادة السوفييت نظريته عن التوازن الاستراتيجي بين العرب واسرائيل كمدخل وحيد لحل سلمي لأزمة الشرق الاوسط، لكن جورباتشوف لم يكن في ذلك الوقت على استعداد لا لأن يسمع عن نظرية توازن استراتيجي بين العرب واسرائيل ولا عن نظرية توازن البطاطا مع الكاتشب، وراح يتحدث بكل وضوح امام ضيفه عن توازنات المصالح والتفكير الجديد والنظريات الجديدة، الامر الذي اذهل حافظ الاسد وادهش وزراؤه وصعق مستشاريه..... فعاد الاسد الى دمشق وفي ذهنه أن يبدأ سياسة جديدة لمد جسور الحوار مع واشنطن، وهي نفس الجسور التي مشت عليها دمشق فيما بعد حين وقفت الى جانب التحالف الثلاثيني الذي اعتدى على العراق.
وكانت دول ما يعرف بالكتلة الشرقية قد بدأت ايضا بالتغيير الذي اول ما بدأ في بولندا بواسطة حركة التضامن التي كان يرأسها (اليخ فاونسا)، وسرى التغيير السياسي على كل دول الكتلة فيما بعد وقامت في رومانيا ثورة دموية اطاحت بتشاوشيسكو واعدمته مع زوجته في بوخارست، وفي نفس الوقت هذا، نشطت الحركة الوطنية للسود في جنوب افريقيا وراحت تستأنف نضالها بقيادة نلسون مانديلا الذي استعاد حريته في شهر شباط من عام 1990، حتى ان الكوريتين الشمالية والجنوبية راحتا تتبادلان ما سمي وقتها نظرات الغزل وعبارات الاعجاب، وبدا لكثير من المراقبين ان الدولتين في طريقهما للوحدة والاندماج على غرار الالمانيتين، اما مستنقع الدم في كمبوديا، فقد كان ايضا على وشك ان يجف. وهكذا... ففي الوقت الذي كان فيه الجو العالمي معبأ بنوع من الفوران تجاه المستجدات المتوالية على الساحة العالمية وخصوصا في اوربا شرقها وغربها، كانت السحب تتجمع في سماء الشرق الاوسط، فمن قبول الخميني تجرع السم وايقاف العدوان على العراق في 8/1988، الى قبول منظمة التحرير الفلسطينية لقرار مجلس الامن رقم 242، الى قبول واشنطن فتح حوار مباشر مع منظمة التحرير الفلسطينية الامر الذي خلق نوعا من الارتياح في المنطقـة.
لعلني بعد هذا الاستعراض السريع قدمت للقاريء العربي نظرة، ولو سريعة، عن حال العالم العربي والعالم في فترة ما قبل الازمة التي نحن بصدد الحديث عنها، وربما في هذا الاستعراض شيء من الفائدة للبحث.
إذا، بعد توقف العدوان المجوسي على العراق، تقاطرت وفود مختلف الدول العربية وغير العربية الى بغداد لتقديم التهاني بالنصر، فرأينا في بغداد وفود من قطر ومصر والبحرين والسعودية والاردن والامارات وتونس والمغرب..و....و....واللافت للنظر انه لم يكن ضمن هذه الوفود وفد كويتي، وكان بعض السياسين الكويتيين والوزراء قد اشاروا على جابر بأن يتوجه ايضا الى بغداد كما فعل غيره، لكنه كان مترددا بعض الشيء مصغيا للرأي الذي يقول بأن العراق هو الذي يجب ان يبعث بوفد الى الكويت ليقدم الشكر لحكومتها على المساعدات التي قدموها للعراق (أرجو ان يلاحظ القاريء العربي العنجهية في التعامل مع الغير)، لكن برز في النهاية حل وسط وهو ان يقوم سعد الصباح بزيارة استطلاعية الى العراق قبل أن يذهب جابر بنفسه.
يتبع ..... د. صباح محمد سعيد الراوي كييف – أوكرانيا الاربعاء 16/2/2005 |
|
شبكة البصرة |
|
الاحد 25 محرم 1426 / 6 آذار 2005 |