الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة) في المؤامرة على العراق

بدءا من عام 1990

شبكة البصرة

د. صباح محمد سعيد الراوي

الفصل الثاني من الجزء الثالث

أحداث عام 1989 – حتى 8/1990

إذا أسلفنا في الفصل الاول ان سعد وصل الى بغداد وفي ذهنه تذكير العراقيين بما قدمته الكويت للعراق اثناء صد العدوان المجوسي، وايضا اثارة قضية الحدود، وكانت قد حصلت بعض الاحتكاكات البسيطة على الحدود، منها مثلا قيام لصوص ال الصباح بتهريب السلاح بواسطة عملائهم الى العراق، ثم اسـتصلاح واسـتزراع اراض داخل الحدود العراقية قام بها عملاؤهم أيضا، على انهم كانوا قد اشتكوا قبل ذلك من قيام زورق مسلح عراقي باختراق ما يسمى مياههم الاقليمية.

 

اجتمع الشيخ سعد مع الفريق عدنان خير الله – يرحمه الله – وكان وزيرا للدفاع في ذلك ‏الوقت، وكانت بينهما علاقة ود، واشتكى سعد اثناء الاجتماع من اقوال الصحف ‏العراقية، وقال انه بسببها كاد ان يغادر بغداد عائدا الى الكويت، لكن الفريق عدنان كان رده بأنكم انتم الذين بدأتم وأثرتم مواضيع الحدود، وكان الدور على الصحف العراقية ان ترد عليكم، واقنعه بضرورة اكمال زيارته وعدم قطعها.

 

ارجو ان يسمح لي القاريء بهذه الحاشية، ان الفريق عدنان – رحمه الله واسكنه فسيح جناته - كان من أكفأ رجال الجيش العراقي، وهو شقيق السيدة الجليلة ساجدة، وحصل انه اثناء رحلة جوية له سقطت طائرة الهليكوبتر التي كان يستقلها وفاضت روحه الى بارئها، في ذلك الوقت، تعاملت جميع الصحف المستعربة الدنيئة المنافقة مع الحدث على انه قضاء وقدر، وهو بالفعل كذلك، لكن حين دخول الرجال الى ارض كاظمة انقلبت تلك الصحف ليس مائة وثمانين درجة فحسب، بل مليون وثمانمائة الف درجة حيال موضوع المرحوم عدنان خير الله، فمن صحفي تافه قال ان الرئيس صدام قتله، الى صحفي منافق قال ان عدي قتله ومشى بجنازته...الى صحفي مأجور قال ان المرحوم راح ضحية خلافات بين الاسرة ... الى.... الى... الى.. وهكذا.... كل راح ينفث سمومه.... وراح يمارس هواية العهر والنفاق الصحفي التي يجيدها... يقال ان المصائب غالبا ما يأتي معها فوائد..... ومن فوائد ما حصل في عام 1990 وما تلاه بعد سنين حصار العراق من اجتياح مغول العصر له، جعلنا نتيقن بما لا يدع مجالا للشك، ان الكثير من دول العالم العربي محكومة من بضعة عهرة دجالين منافقين لصوص قذرين، لا يجاريهم في القذارة والدناءة والوقاحة الا عملاؤهم ومطبليهم، والله انا واحد من الناس الذين ادركوا – ربما متأخرا بعض الشيء -  ان الكثير من الحكام العرب جبناء فعلا... يعني هل كانوا خائفين من صدام حسين عندما كان في الحكم وقبل ازمة الـ 90 وما تلاها من أحداث، فلم يجرؤوا الا ان يقولوا في صحفهم ما أذيع عن الحادث يومها، ثم وبعد ان ساندتهم امريكا ووقفت ورائهم واجتاح مغول العصر بغداد راحوا يفتحون الماضي ويقولون في صحفهم الصفراء الرخيصة ان صدام حسين قتل المرحوم عدنان، وان صدام قتل والد العالمة الجليلة السيدة هدى عماش (فك الله أسرها) وان صدام قتل فلان وفلان وهكذا.... حتى ارتفع عدد العراقيين الذين قتلهم صدام حسين حسب بعض الصحف المنافقة الحقيرة الى خمسة ملايين واربعمائة الف عراقي !!!!!! ( لاحظوا الدقة العالية في الارقام) خمسة ملايين واربعمائة الف عراقي !!!؟؟؟؟

 

نعود الى الموضوع ، حيث اجتمع سعد مع السيد طارق عزيز ومع السيد عزت ابراهيم الدوري، ودارت في مباحثاته مع الرجلين قضية الحدود، ثم كان اجتماعه مع الرئيس صدام حسين، الذي كان ودودا للغاية الى درجة أطمأن بها سعد.


في هذا الاجتماع، اشتكى سعد مما ورد في الصحف العراقية للرئيس صدام حسين الذي أبدى ضيقه بعض الشيء مما نشر فيها، فقال ان هذا الموضوع عبء اضافي بالنسبة له، ويستطيع سعد تسويته مع ابوزياد (طارق عزيز) الذي فهم من الرئيس صدام بأنه مخول بأن يحل كل شيء، وأكد الرئيس صدام على طارق عزيز بأنهم يجب عليهم حل هذا الموضوع والانتهاء منه، وانه  لا يريد الانحشار في تفاصيل اللجنة التي ستتشكل لاجله، ثم التفت الى سعد وقال: القضية يا اخ سعد ليست قضية اراضي، فلدينا مشكلة اهم من هذا بكثير، وهي مشكلة الاسطول البحري العراقي المبعثر في كل مكان من ايام العدوان المجوسي على العراق، فهناك قطع منه في ميناء العقبة الاردني وقطع منه في موانيء مصر وقطع في موانيء إيطاليا اشتراها العراق ولم تأمرها الحكومة بالتوجه الى بغداد بسبب عدم ملكية العراق لميناء عميق يسمح لغاطسها بالملاحة، ثم استفاض الرئيس صدام بالحديث عن أهمية تواجد هذا الاسطول العربي في مياه الخليج، ذلك انه ليس مهما للعراق وحده، بل للعرب كلهم، فهناك في الخليج اساطيل غربية متعددة وليس بينها اسطول عربي واحد،!!! فقال سعد ان هذا الموضوع يحتاج الى تعاون كل مجموعة دول الخليج وهو لا يظن ان ‏هناك عقبة والمح بطريق غير مباشر الى ان الكويت يمكن ان تعطي تسهيلات ‏للعراق في جزيرتي بوبيان ووربة، دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير وضعهما.

 

وكان لابد من تعزيز التفاهم بين البلدين، فجرى الترتيب لزيارة يقوم بها جابر الى العراق، وكانت الزيارة التي تمت في شهر سبتمبر من عام 1989 ودية من كافة النواحي، وانتهزها صدام فرصة ليقدم لجابر أعلى وسام عراقي تقديرا من العراق لموقف الكويت أثناء الحرب مع إيران، وحاول أحد الوزراء الكويتيين اثارة نقطة تتعلق بعقد معاهدة عدم اعتداء بين الكويت والعراق أسوة بالتي عقدت بين السعودية والعراق والعراق والبحرين، وكان رأيه أن مثل هذه المعاهدة تؤدي الى تطمين الخواطر، لكن تعليق الدكتور سعدون حمادي كان أنه قد يكون من الملائم ترتيب الخطى، فتنتهي اولا مفاوضات ترسيم الحدود ثم تبحث بعد ذلك مسألة المعاهدة.  ولعل مقولة سعدون حمادي هذه تنسف المقولات التي كانت تروج هنا وهناك في أن العراق كان يضمر النية لاعادة ضم الكويت. فكلام السيد سعدون حمادي ما هو الا دليل مؤكد على أن العراق قبل بوجود الكويت أخيرا ككيان إلى جانبه ولكن ليس كيان يتآمر عليه، بل كيان يتعاون معه.

 

هنا ليسمح لي القاريء بالاشارة الى أمر هام جدا، وهو أن (شبه الرجل) جابر وبعد دخول القوات العراقية إلى الكويت وهروبه مثل الفأر مع من هرب إلى السعودية، التقى في مقر إقامته فيما بعد بالطائف بعدد من محرري الصحف المصرية، فسألوه عن زيارته للعراق قبل الأزمة، فتحدث عنها، ثم أضاف فيما أضاف أنه سأل الرئيس صدام حسين هذا السؤال: متى تنوي زيارتنا في الكويت؟ فعند زعم جابر أن صدام أجابه بخبث: سأزورك بعد ثلاثة أشهر!!!!! وعلق أمير الكويت على هذه الجملة أمام محرري الصحف المصرية قائلا: بالفعل زارني بعد ثلاثة أشهر ولكن بقواته وليس بالهدايا. وهذا الحديث بين صدام وجابر لم يحدث مطلقا، وهو كذبة من كذبات جابر الكثيرة.... لكن ما الدليل على ان جابر كذب في هذا ؟؟ الدليل هو أن زيارته لبغداد كانت كما اسلفنا وكما هو موثق في شهر ايلول/ سبتمبر 1989، ودخول القوات العراقية كان في شهر آب/ أغسطس 1990، يعني ان الفترة بين زيارته الى بغداد ودخول الرجال الى كاظمة كانت احدى عشر شهرا بالضبط... فكيف وعده صدام بالزيارة بعد ثلاثة أشهر ؟؟ وهذا أيضا يعتبر دليلا اضافيا على أن صدام حسين لم يكن يدور بباله إرسال جيشه الى الكويت لاسترجاعها، صحيح كان في بال المسؤولين العراقيين أن هذه الارض أرضنا وأنه لا بد أن تعود يوما ما، ولكن ليس في تلك الفترة، فقد كان صدام حسين مع باقي رجال القيادة العراقية يتحينون فرصة أكثر ملائمة من تلك الفرصة فيما لو كان بنيتهم فعلا استعادة الكويت وضمها للعراق من باب فرع عاد للأصل.

 

نعود الى الموضوع، ففي شهر كانون الثاني/ يناير من عام 1990 قام السيد سعدون حمادي بزيارة الى ارض الكويت، وكانت المهمة التي جاء لاجلها هي طلب قرض بمبلغ عشرة مليارات دولار لمواجهة ظروف ما بعد الحرب التي كانت بالفعل قاسية على العراق واقتصاده، والحقيقة ان العراق كان فعلا بحاجة الى  كل دولار يأتيه لمواجهة اعباء ما بعد انتهاء العدوان، ثم قام صباح الاحمد بزيارة الى بغداد ليتابع ما تم بحثه اثناء زيارة السيد سعدون حمادي، واشار صباح في زيارته الى الديون السابقة المعلقة، والمح الى ان كاظمة تستطيع تقديم 500 مليون دولار تضاف الى الديون القديمة، ثم وعندما حان دور الحديث عن أمور أخرى، طلب العراق تسهيلات بحرية وطلب كذلك تطبيق معاهدة الدفاع المشترك بين البلدين وتفعيل عدد من نصوصها وخصوصا تلك التي تتعلق بالميزات الاقتصادية والاستراتيجية التي يجب على كاظمة منحها للعراق، وكان ظن المسؤولين العراقيين ان صباح وافق على كل تلك المطالب، وهو الذي ظن ايضا ان العراقيين وافقوا على تشكيل لجنة لترسيم الحدود، والحقيقة ان ظنه بمحله، فقد كان العراق قد وافق فعلا على تلك اللجنة وشكلها حسب تعليمات الرئيس صدام حسين التي صدرت اثناء زيارة سعد... ( لاحظوا ان العراق الى هذه اللحظة يتعامل معهم من منطق دولة لدولة).

 

وحين عاد صباح الى ارض كاظمة، كتب الى السيد سعدون حمادي لتعزيز الاتفاق بين البلدين (حسب تصوره هو) ، لكنه في رسالته تلك اغفل طلبات العراق وهي التسهيلات البحرية وتفعيل نصوص معاهدة الدفاع المشترك، وكانت المشكلة بين البلدين هي ان مسؤولي كاظمة ( من وقاحتهم) كانوا يعتبرون موضوع ترسيم الحدود امرا فنيا، بينما كان العراق يعتبره امرا سياسيا، لانه اصلا كان يطالب بمفاوضات حولها وليس ترسيمها اعتباطيا، على ان رجال القيادة العراقية كلهم، كان لايخفى عليهم ان المسؤولين في كاظمة كانوا لا ينفكون عن سرقة الاراضي تلو الاراضي ايام العدوان المجوسي على العراق، ولذلك كانوا يطالبون بمفاوضات حول هذا الامر، لانهاءه أولا، ولمعرفة مساحة الاراضي التي استولى عليها اللصوص مستغلين انشغال رجال العراق بصد العدوان المجوسي ثانيا. فبينما كان العراق يطالب بحق مشروع يعتبر معه ان حصوله عليه يرفع الاجحاف الذي لحق به ، كان اهل كاظمة يعتبرون خط الحدود أمرا واقعا لا مفر منه بصرف النظر عما جرى من قبل وفي يوم من الايام.

 

وبقي الموضوع معلقا بدون حل، وكلما فتح العراق هذا الموضوع، اغلقه لصوص ال الانبطاح وتهربوا منه.

 

لعله من المفيد، لو اردنا التفصيل في الاجواء التي سبقت الازمة، ان نحيط القاريء العربي بجزء بسيط من السحب التي كانت تتجمع في سماء الوطن العربي، إذ أن حقبة الثمانينيات شهدت عدة قمم عربية كانت قراراتها وتوصياتها كالعادة حبرا على ورق، قرارات بدون تنفيذ، دول تحضر ودول تقاطع، دول تنتقد ودول تؤيد، دول تساند دول ودول ضد دول وهكذا... وشهدت قصبة كاظمة في عام 1987 ما يسمى قمة المؤتمر الاسلامي التي بقيت ايضا قراراتها حبرا على ورق، والتي صرف فيها الملايين من هدايا وهبات بغير طائل.... وفي نفس العام شهدت عمان مؤتمر قمة عربي اطلقوا عليه اسم قمة الوفاق والاتفاق، واطلقت عليه انا شخصيا في احد مقالاتي الذي نشرته مجلة كانت تصدر في الجامعة اسم قمة (النفاق تحت الانفاق) على ان هذه القمة شهدت لقاءا جمع الرئيسين صدام وحافظ الاسد بعد طول انقطاع..... وفي عام 1988 شهدت الجزائر قمة عربية ايضا قالوا انها لدعم الانتفاضة التي كانت يتصاعد لهيبها يوما بعد يوم، وكان اللافت في هذه القمة انها دعمت العراق علنا وأدانت تعنت ايران في عدم قبولها وقف العدوان على العراق وحيت الجيش العراقي العظيم على تحريره الفاو بنصر عربي مبين. اما شهر 11 من عام 1989 فقد شهد قمة الدار البيضاء، وهذه القمة بالواقع تستحق الوقوف عندها قليلا، اذ كان الهدف الاصلي منها هو دعم الانتفاضة، وكان السبب الذي صعد وتيرة الدعوة الى عقدها هو زيادة القمع الاسرائيلي ضد ابناء الشعب الفلسطيني واتساع الادانة العربية والعالمية لها، على أن العالم العربي تأثر كثيرا بهذا القمع، وكان اهتزاز الرأي العام العربي عميقا رغم الحصار الاعلامي الذي فرضته بعض العواصم العربية على اخبار الانتفاضة.

 

والحقيقة ان مجرد الدعوة الى قمة عربية يخلق مشاكل كثيرة منذ التفوه بضرورة عقدها، اذ ان اصحاب القمم يذهبون اليها مترددين، فهم مدعوون الى اتخاذ قرارات لايقدرون على تنفيذها فيما بعد، وهي في العادة – القمم – تلفت الانتباه وتثير توقعات لاتسمح بها الظروف حسب رأي المدعوين اليها، وهي ثالثا تحاول تعويض نقص الفعل بزيادة الكلام (الفارغ بالواقع) ويتحول الجميع بقدرة قادر الى فصيحي السنة وبلاغة عروض يحسدهم عليها سيباويه نفسه ويغار منهم الخليل بن احمد الفراهيدي وهو يرقد آمنا مطمئنا في قبره، ورابعا هناك توافقا بين اصحاب القمم بأن يحاول كل منهم تجنب طرح المشاكل التي تؤدي الى احراج غيره، فلا أحد في الواقع يعرف ما يدور في الكواليس، وربما ما يدور في السر يصبح علنا بعد انتهاء القمة بسبب التسريبات التي تحصل من هنا وهناك، وخامسا يدعون انهم متفقين ومتضامنين وارادة فعلهم واحدة، بينما بالواقع متفرقين وكل واحد في جهة، وسادسا، انهم اصحاب طبائع، فهناك المتكلمون وهناك الصامتون، واحيانا المتكلمون تحتاج مع كلامهم الى مترجم وخبير فك الشفرة والرموز حتى ولو تكلم باللغة العربية !!! فكل واحد يتفلسف بمبهم القول، ويحور الكلام على غير مواضعه، فهذا يسمي الصراع مع الصهاينة صراعا وذلك يسميه نزاعا، وما اوسع الفرق بين المعنيين، وهذا يقول في اعلامه الصراع العربي الاسرائيلي، وذلك يقول النزاع الفلسطيني الاسرائيلي (اي انا ما عندي مشكلة مع اسرائيل، ولكن اسرائيل لديها مشكلة مع الفلسطينيين!!!!) وسابعا، انهم يعرفون كل شيء عن بعضهم بواسطة سفاراتهم (التي هي بالواقع مقار للتجسس على بعضهم ولصالح غيرهم وخصوصا الموساد والسي اي ايه)، صحيح انهم يظهرون انهم يتعانقون بحرارة ويرسمون ابتسامات عريضة على وجوههم وتسمع قهقهاتهم، لكن بالواقع، كل واحد يتمنى رؤية الاخر على (الخازوق !!!!) وأخيرا، لابد في القمم العربية من موسيقى وصخب وطقوس ومراسم وسجاد أحمر واستقبال من قبل فتيات صغيرات يحملن باقات الزهور، ونفاق وكلام فارغ ومديح وقصائد....و.....و.... فبينما تجتمع القمم الاوربية في مطعم على الحدود وفي بلدات نائية جبلية لا يعرفها حتى مواطني البلاد الاوربية انفسهم، ترى القمم العربية قد تحولت الى مهرجانات صرفت فيها الملايين وشكلت اللجان بمختلف انواعها وتشكلت لجان مشرفة على اللجان ورئيس ومرؤوس ولجنة عليا ولجنة وسطى ولجنة أمنية ولجنة اعلامية ولجنة خارجية ولجنة داخلية ومراسم ومسؤول حمامات ومراحيض... ورئيس بعثة شرف ورئيس بعثة قرف ورئيس بعثة طعام ورئيس بعثة شراب ....و....و....وهكذا.... وكل لجنة تريد ان تسرق ما تستطيع من الاموال التي خصصت للقمة... ولو حصل بعد كل هذا العذاب أن تم تنفيذ شيء من القرارات التي تتخذ، لقلنا ماشي الحال بيستاهلوا الجماعة، لكن.. على رأي المثل... تيتي تيتي مثل ما رحتي مثل ما جيتي...لا يرجعون الى بلادهم بخفي حنين فحسب، بل كل واحد منهم يضرب رأسه بحذاءه لانه حضر تلك القمة.....

 

إذا، وعودة الى قمة الدار البيضاء 1989، أخذ الحسن الثاني على عاتقه مهمة توجيه الدعوة الى قمة عربية تعقد في بلاده باعتباره رئيس لجنة القدس، وكانت منظمة التحرير الفلسطينية تريد من هذه القمة تقوية موقفها الذي اتخذته في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، وفيه اعترفت بالقرار 242 كأساس لتسوية سلمية مع اسرائيل ترعاها امريكا، وكان لبنان يريد نهاية للحرب الاهلية التي عصفت فيه منذ عام 1975، وكان يعاني من حكومة برأسين، عسكرية برئاسة ميشال عون، ومدنية برئاسة سليم الحص، وكانت سوريا ايضا تريد انهاء هذه الحرب ايضا لانها اثرت على وضعها الداخلي، وكان العراق يدخل القمة العربية من بوابة انه شكل مع مصر واليمن والاردن مجلس التعاون العربي، وكان ايضا يريد مساندة لموقفه في قضية حساسة جدا بالنسبة له وهي قضية اسعار البترول، وكانت مصر تريد العودة الى الصف العربي بعد عزلة طويلة، وهو على كل حال السبب الذي جعلها تدخل مجلس التعاون العربي ليس الا... وكانت دول النفط تحضر القمة وهي ترى ان هناك عبئا عليها يتمثل في تجديد الدعم المالي لدول المواجهة مع اسرائيل، وهو الدعم الذي اقرته قمة بغداد في عام 1979 بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل، وهذه الدول تعرف ان الحوادث ماضية في طريق التسوية وان مقولات مثل الدعم وتعزيز الصمود فات وقتها وباتت مقولات عفا عليها الزمن – بنظرها - .

 

وحين تلقى الحسن موافقة الدول العربية للحضور، تلقى ايضا مع بعضها طلبات من بعض الاعضاء تطالب بعودة مصر الى الجامعة العربية، وقد اعترض بعض العرب على هذا الطلب، ففي الوقت الذي كان فيه اعتراض الرئيس حافظ الاسد هادئا، كان معمر القذافي في حالة هياج منه، وهدد بالانسحاب من الجامعة العربية بأكملها، ثم كانت نهاية اعتراض القذافي انه طلب ابعاد مكان جلوس الوفد الليبي عن مكان جلوس الوفد المصري في اثناء عقد جلسات المؤتمر، وفي سيناريو عودة مصر الى الجامعة، ارسل الرئيس صدام حسين رسالة الى الحسن قال فيها: ان دول مجلس التعاون العربي ترى أنه لايمكن لرئيس جمهورية مصر ان يجلس بجوار الهاتف ينتظر مكالمة من المغرب يسافر بعدها الى مكان انعقاد القمة، وان هذه الدول ترى انه لا بد من اشتراك رئيس مصر في القمة من الدقيقة الاولى لبدء عملها...وزاد الى هذا ان صدر بيان من الرئاسة السورية يرحب بعودة مصر الى الجامعة العربية، وحصل ما كان.. وشاركت مصر في المؤتمر بناء على طلب العراق وسوريا.

 

في كواليس المؤتمر، حدثت مشاكل ضخمة، كما هي العادة في مؤتمرات القمم العربية، يختلفون على كل شيء، ثم يخرجون الى الملأ يشيدون بالتضامن العربي !!!!! ذلك ان فهد لاحظ ان مشروع جدول الاعمال المعروض على اصحاب الجلالة والفخامة والسمو المبجلين الموقرين المحترمين(!!!!) يحتوي بندا عن الدعم العربي لدول المواجهة، فاستدعى الامين العام للجامعة الشاذلي القليبي وسأله عمن وضع هذا البند على جدول الاعمال رغم اعتراض سعود الفيصل عليه اثناء اجتماعات وزراء الخارجية.... فحار الامين العام بماذا يجيب.... ولم يقل إلا ان الاكثرية لم تعترض عليه، فارتأت السكرتارية ان تدرجه على جدول أعمال القمة، فثارت ثورة فهد واتهم الامانة العامة كلها بعدم الامانة وانه يحس ان صياغة البند سورية...

 

المشكلة ان العرب يتحسسون من مساعدة بعضهم البعض، بينما لو طلبت امريكا منهم مساعدة الدولة الفلانية لهبوا من غير تأخير، ولدقوا على صدورهم ولبرموا شواربهم .. ولتفاخروا فيما بينهم حول من الذي سيدفع أكثر....ومن الذي سيحوز اولا على الاشادة من الوغد القابع البيت الابيض....

 

بينما كانت مراسم الاستقبال تأخذ بمعدل ساعة وساعة ونصف لكل زعيم (مغوار، بطل، شجاع!!!!)، لم تتجاوز كلمات كل منهم العشر دقائق، واكثرها مكررة ومرحبة بعودة مصر الى الجامعة ( وكأن عودة مصر ستعيد فلسطين الى العرب). تبادل القذافي وحسني النظرات ثم تعانقا، وكذلك فعل الاسد معه وانطوت صفحة الماضي بينهما، وللاسف حدثت مشادة كلامية بين الرئيسين صدام حسين وحافظ الاسد، وحين حاول حسني التوسط بينهما، فإنه اتخذ موقفا منحازا الى الاسد وهو الامر الذي ازعج الوفد العراقي، ما دعى احد اعضاء القيادة العراقية فيما بعد ( يعتقد انه السيد طه ياسين رمضان)  للقول امام الرئيس صدام حسين ان (المصريين استعملوا العراق للعودة الى الجامعة العربية، وحين تحقق لهم ما ارادوا لم يعد لديهم الحرص على شريكهم في مجلس التعاون العربي)، لكن الرئيس صدام تجاوز عن الملاحظة قائلا انه يثق في مصر وان عودتها ضرورية للجامعة العربية، ولابد للمحافظة على فرصة الامة في مصر وفرصة مصر في الامة...

 

وطبعا، كالعادة، انتهت القمة دون التوصل الى شيء، اللهم الا قرارات مكررة ممجوجة لا تسمن ولاتغني من جوع. مثلما ستنتهي قمة الرعاع والشواذ والحثالة التي انعقدت في الجزائر يوم 22/3/2005.

 

اذا، واستكمالا للاحداث المصاحبة التي سبقت الازمة، لعله من المفيد ان نتحدث عن مراقبة دولة العدو الصهيوني للعراق في تلك الفترة، اذ، لم يكن هناك دولة في العالم تراقب العراق عن كثب، وتتبع كل خطوة يخطوها مثلما تفعل اسرائيل.... كانت دولة العدو الصهيوني لا تنفك عن متابعة العراق في جميع الوسائل المتاحة لها، سواء عن طريق جواسيسها داخل الاراضي العراقية، ومنهم خونة الاكراد ممثلين بالبرزاني والطلباني، ام عن طريق الجماعات المرتبطة بها والمتواجدة خارج العراق والتي اطلقت على نفسها لقب المعارضة، وهي بالواقع معارضة نعم، لكنها اي نوع من المعارضة ياترى؟؟ تبين فيما بعد انها هي الجماعات المعارضة لنظام وطني شريف كان لا يمل ولا يكل من العمل لاجل رفعة وعزة وتقدم العراق، وليكون دولة قادرة على مواجهة دولة العدو الصهيوني والوقوف بوجه مخططاتها الرامية الى السيطرة على الوطن العربي بأكمله.. ام عن طريق متابعة تحركات المسؤولين العراقيين أينما توجهوا، ام عن طريق رصد تطور قدرات الجيش العراقي المذهلة بواسطة الاقمار الصناعية التي كانت تحوم فوق سماء الوطن العربي – ولا زالت بالمناسبة -

 

(كانت دولة العدو الصهيوني برغم قيامها بعدوان جوي على مفاعل تموز النووي العراقي، الا انها لا زالت تبدي تخوفا من الجيش العراقي، وكانت تطلق عليه في دوائرها الجاسوسية والمخابراتية (جيش اسد بابل)، وعلى كل حال فإن الصهاينة لم ولن ينسوا بطبيعة الحال السبي البابلي، وهذا ما يفسر بالواقع ان الصهاينة وخنازيرهم حين اجتاح ابناء عمهم مغول العصر بغداد العز والمجد والسؤدد، فإن أول شيء سرقوه من المتحف العراقي الذي قادهم اليه العميل الجلبي كانت لوحة السبي البابلي الضخمة والتي تظهر سبي البابليين لليهود).

 

كان العراق قد خرج من العدوان المجوسي الفارسي الخميني بجيشا قويا شجاعا يحسب له حساب، وبجنود خاضوا حربا لمدة ثماني سنوات متواصلة، وفي حديث جانبي بين زعيم فلسطيني مخضرم (يعتقد انه المرحوم ياسر عرفات) وبين سياسي مصري، اسر الزعيم الفلسطيني الى السياسي المصري قائلا: ان الجيش العراقي الذي يزيد عديده على 55 فرقة عسكرية هو الجيش العربي الوحيد الذي عرف خبرة القتال الطويل، وهو الجيش الوحيد القادر على الوقوف بوجه الصهاينة، واضاف الزعيم الفلسطيني: ان العراق بعد انتهاء العدوان المجوسي عليه، داخل بلا شك في معركة مع اسرائيل، وأن العراق هو أكثر الدول العربية مساعدة للانتفاضة حتى تبقى نيرانها مشتعلة لحين تواتيه الفرصة فينقض على الصهاينة ويحرر فلسطين ويطهرها من دنسهم ( بالواقع هذا الذي حصل، وقام مغول العصر بالعدوان على العراق بالتعاون مع عملائهم المستعربين نيابة عن العدو الصهيوني وليرفعوا الاحراج عن دولة الصهاينة).

 

لم يكن العراق على اية حال دولة مواجهة مباشرة مع اسرائيل، وان اعتبر نفسه ‏كذلك بحكم ارتباط الشعب العراقي بالقضية الفلسطينية، ولكن الحقائق الجغرافية ‏والسياسية واهمها عدم وجود خطوط التماس المباشرة بينه وبين اسرائيل لم تكن ‏تفرض على العراق مواجهة مباشرة، وكان هذا البعد يعطي العراق ميزة كبيرة، ‏فهو قريب من خطوط النار اذا اراد، ومعزول عنها اذا اختار، وكان العراق هو ‏الدولة العربية الوحيدة التي شاركت بقوات في حرب سنة 1948 ولم تعقد اي ‏هدنة مع دولة العدو الصهيوني، وفي حرب تشرين عام 1973 شاركت القوات العراقية بفاعلية مؤثرة في الحرب، وأذكر ان صديقا سوريا يكتب في منتديات الانترنت وخصوصا في الساحة العربية، يعرف باسم أبونوار، كان والده ضابطا في الجيش العربي السوري ايام حرب تشرين، ذكر لي يوما ما ان والده اخبره ان مشاركة الجيش العراقي في حرب تشرين كانت فاعلة جدا، ومؤثرة، وان رجال العراق استطاعوا صد الصهاينة عن دمشق وارغامهم على التراجع عنها، بعد ان كانوا قاب قوسين منها، ذلك انهم وصلوا الى مشارفها ودمروا قرية اسمها بيت جن (تابعة لمدينة القنيطرة على ما اعتقد) بعد ان شردوا اهلها، وكان مما قاله لي ايضا: ان الصهاينة حين دخلوا الى بيوت تلك القرية ( بيت جن) فإنهم خلطوا السمن مع العدس وخلطوا الرز بالسكر وردموا بعض آبار الشرب بالتراب كي لا يستفيد منها الاهالي فيما بعد!!!!!

 

كان حال العراق مع القضية الفلسطينية بالفعل ظاهرة ملفتة للنظر، للعربي وغير العربي، اذكر ان مجموعة من الصحفيين الاوكرانيين ذهبوا الى العراق في عام 1998 لتغطية وقائع العدوان الامريكي البريطاني الذي حصل في شهر 12 من نفس العام، وحين عاد ذلك الوفد الى كييف، التقيت اثنين منه بواسطة صديق مشترك، قال لي أحدهم، (وهو يتحدث العربية بطلاقة): انني زرت اكثر من عشر دول عربية، فلم أجد شعبا عربيا ملتصقا بالقضية الفلسطينية ومتعلق بها مثل الشعب العراقي....  ولعل هذا ما يدعو للتأمل ‏في أنه لماذا لم يعقد العراق هدنة مع اسرائيل، كما فعلت سوريا ومصر والاردن، فقد ‏كان يكفي العراق ان يسحب قواته من ميدان القتال، فإذا هو في وضع هدنة ‏عملية حاصلة وغير موقعة.‏ لقد كان العراق اكبر دولة عربية على الجبهة الشرقية بتعداد سكانه واغنى دولة ‏عربية على هذه الجبهة بموارده البترولية، وهو صاحب أعلى الاصوات في ‏الدعوة الى الجهاد من أجل فلسطين وعروبتها، ولعلنا جميعا نتذكر هذه العبارة ‏التي كان يختتم بها الرئيس صدام كل خطاباته:


والله اكبر وعاش العراق وعاشت ‏امتنا العربية المجيدة وعاشت فلسطين حرة ابية من النهر الى البحر،

 

وبالمناسبة، فإن صدام حسين هو ‏الرئيس العربي الوحيد الذي كان يختتم خطاباته بهذه الجمل، وهي ذات مغزى ‏وتدعو لطول التأمل والتفكير بها.‏ ولعلها بعد الذي حصل للعراق وله شخصيا، ستبقى حكرا عليه وحده، او كما يقال، حقوق طبعها ونشرها محفوظا لصدام حسين وحده الى ان يقضي الله أمرا كان مفعولا.


كانت الدوائر السياسية والامنية والاستخباراتية الصهيونية تراقب العراق عن كثب، وتراقب ‏تحركات العراق اينما اتجه دبلوماسيوه ووزراؤه، فحين توجه السيد طارق عزيز الى ‏امريكا في اكتوبر عام 1989 والتقى بوش، راقبت اسرائيل تلك التحركات، وفي ‏يوم 11 فبراير 1990 قام مساعد وزير الخارجية الامريكي جون كيلي بزيارة ‏بغداد والتقى الرئيس صدام الذي ابدى انزعاجه من الحملات الامريكية ضده ‏وانها زادت عن الحد.‏


وفي يوم 20 فبراير 1990 اعلنت اسرائيل انها اكتشفت وجود وحدات عسكرية ‏عراقية في الاردن واضافت انها لاتنوي السكوت عن هذا ابدا، والواقع ان تلك الوحدات ارسلها العراق الى الاردن لانه كان بالفعل متحمسا لخوض حرب لاجل تحرير فلسطين، وكان يضاف الى هذا، ان العراق اراد ايضا حماية منشأته النووية والعسكرية من اي اعتداء صهيوني كالذي حدث في عام 1981.


وفي يوم  30مارس من نفس العام، اعلن ايهود باراك الذي تسلم رئاسة اركان الجيش الصهيوني، ‏ان على اسرائيل ان تكون جاهزة لضربة وقائية من العراق. ثم تبعه شامير رئيس ‏الوزراء بقوله: ان اسرائيل سوف تهاجم العراق اذا احست انه اقترب من انتاج ‏اسلحة نووية. وفي اول ابريل رد الرئيس صدام حسين بخطابه المشهور الذي قال فيه ‏بالحرف الواحد: انه اذا تعرض العراق لهجوم نووي اسرائيلي فإنه سوف ‏يستعمل اسلحة متطورة تحرق بالنار نصف اسرائيل.‏ وهو التصريح الذي أقام الدنيا ولم يقعدها، تناسى العالم كله تصريح شامير وما ‏قاله، وركزوا على كلام الرئيس صدام، علما بأن صدام جعل كلامه مشروطا ‏بكلمة اذا، والمتتبع سيلاحظ ما قاله الرئيس صدام.. اذا.. يتبعها سوف... فإذا لم ‏تتحقق اذا، فبالطبع لن يكون هناك سوف، لكن الاعلام الغربي، والامريكي خصوصا، تعامل مع هذا التصريح على انه تهديد عراقي بإبادة اسرائيل من الوجود وانه تصريح غير مسؤول، وانه دعوة لمعاداة السامية وغير هذا من الهرطقات....

 

والمدهش، ان بعض وسائل الاعلام العربي اخذت تقول كلاما مبطنا يحابي اسرائيل وامريكا، وانه ما كان يجب على الرئيس صدام زيادة وتيرة اشتعال حرب الكلمات بين العراق واسرائيل،.... وانه كان يتوجب عليه ان لايرد على تصريحات الصهاينة!!!!!!! يريدون من الرجل ان يكون جبانا مثلهم ومثل حكامهم .... يتلقون الصفعة على الخد الايمن فيديرون الايسر بكل سرور ورحابة صدر.... الرجل لم يكن هو الذي هدد.... الرجل يرد على تهديد بعدوان سيقع عليه.... ومن الطبيعي ان يقول اذا وقع عدوان علينا... فسنرد على هذا العدوان.....

 

هذه هي بعض وسائل الاعلام العربي، تجاري الاعلام الغربي وتتفوق عليه بالحقارة والدناءة والخسة....

يتبع .....

د. صباح محمد سعيد الراوي

كييف – أوكرانيا

الاربعاء 23/3/2005

شبكة البصرة

الاربعاء 12 صفر 1426 / 23 آذار 2005