الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة) في المؤامرة على العراق

بدءا من عام 1990

شبكة البصرة

د. صباح محمد سعيد الراوي

الفصل الثالث من الجزء الرابع

وقائع اجتماع جدة يوم 31/7/1990

قبل استرسالي في البحث، واحتراما لذكر اسم المرحوم نزار حمدون في بحثنا هذا، ووفاء للرجل الذي كان يعتبر من رجالات العراق المخلصين، فقد وجدت ان ادرج هذه الجملة التي قرأتها في كتاب المفكرة الخفية لحرب الخليج لمؤلفيه (اريك لوران وبيار سالينجر) وهي تتعلق به: ..... سبق أن كان لصدام مراقب رائع في واشنطن هو السفير نزار حمدون الذي امضى سنوات طويلة هناك،  وكان حمدون دبلوماسياً محترما له صلات بكثرة من كبار المسؤولين الأميركيين..... فبعد بداية الأزمة بشهر وصفته جريدة " وول ستريت جورنال " بأنه " افضل سفير اجنبي عرفته الولايات المتحدة .... إلا أنه استدعي إلى بغداد في عام 1987 ليصبح نائباً لوزير الخارجية.... ولم يكن لخلفه صلاته وحيويته..... رحم الله السفير نزار حمدون واسكنه فسيح جناته.. فبمثل هؤلاء يفخر العراق....

 

اذا، تهيأ الجميع لاجتماع جدة، وباتت الدول العربية والعالمية تترقب ما سينتج عن هذا الاجتماع، على ان ما يسمى مجلس الوزراء في كاظمة كان قد اجتمع للرد على رسالة العراق، لكنه لم يخرج بشيء. وبمناسبة ذكر كاظمة، هناك أمرا هاما لم اذكره في الفصل الماضي وهو ما يتعلق بحسني، اذ حين ذهب للقاء جابر، قال له بالحرف: " لا تقلق يا صاحب السمو فقد سمعت من صدام نفسه أنه لن يرسل قوات وأنه لا يعتزم مهاجمة الكويت." وهكذا فإنه لم يضف إلى ذلك عبارة " قبل إستنفاذ جميع الامكانات عبر المفاوضات " . ونقل مبارك العبارات المجتزأة ذاتها لواشنطن... وهذا من أكبر الادلة على ان دور حسني كان دورا تخريبيا محرضا مشعلا  للفتنة.

 

كانت الدوائر الامريكية تراقب هذا الاجتماع عن كثب، وتترقب نهايته، وتكثفت في تلك الفترة الاجتماعات بين المسؤولين الامريكيين على اعلى مستوى سواء مسؤولي الاستخبارات او وزارة الحرب او موظفي الخارجية الامريكية، فقد اظهرت صور الاقمار الصناعية الامريكية حشودات عسكرية عراقية تزيد عن ثلاثون الف جندي عراقي، مع عدد كبير من الدبابات والدروع وحاملات الجند....وكان الجنرال كولن باول رئيس الاركان الامريكي قد قام بجولة في الوطن العربي شملت كلا من المغرب ومصر والاردن ودولة الكيان الصهيوني، وكان موضوع العراق بين المسائل التي بحثها، وحين عاد الى واشنطن استدعى نورمان شوارزكوف قائد القيادة المركزية المخصصة للتدخل في الشرق الاوسط وسأله عن رايه في تقارير الاستطلاع التي اعدها الكولونيل والتر لانج، وكان رأي شوارزكوف ان الحشد العراقي في الجنوب حقيقة لاشك فيها، وربما يكون هذا الحشد تخويف او ضربة عقابية محدودة على اسوأ الاحوال.

 

لعله من المفيد القاء نظرة سريعة على مواقف العواصم العربية قبل الاجتماع، فبالنسبة لبغداد أولا، فقد كان شعورها أن الأزمة وصلت إلى الذروة وانها في ‏مفترق طرق حاسم، وان من المؤكد أن عهرة ال الانبطاح ينفذون مؤامرة خطيرة ضد العراق، وما زاد هذه الشكوك تأكيدا، ان ضباط الجيش العراقي عثروا فيما بعد – عندما دخلوا الى ارض الكويت -  في مكتب ما يسمى وزير الخارجية الكويتي، على برقية مقلقة، موجهة من سفيرهم في بروكسل " احمد الابراهيم" الى وزارة الخارجية، وتحمل رقم 102/90 بتاريخ ‏‏31/7/1990 جاء في البند ‏الثالث منها: التقيت بعد خروجي من مكتب السيد ماتيوس (المفوض الاوربي ‏المسؤول عن الشؤون الشرق أوسطية) بالسيد ماكوين أحد مساعدي وزير ‏الخارجية الأمريكي الذي يقوم بجوله أوربية وقد تلمست الأمور التالية أثناء ‏مباحثاتي معه:‏


‏1) إن أساليب الضغط على العراق التي اقترحها سمو أمير البلاد المفدى بما فيها ‏السعي الأمريكي والغربي لتدمير الأسلحة العراقية المتطورة وجد حماسا لدى ‏الولايات المتحدة لأنه أول طلب عربي بهذا الخصوص.‏

‏2) تختلف الإدارة الأمريكية في النقطة الثانية مما ورد في رسالة أمير البلاد ‏المفدى، التي يعتقد بها أن الضغوط الاقتصادية لا تكفي لوحدها في توقيف ‏الصناعة العسكرية العراقية المتطورة، حيث تعتقد الولايات المتحدة أن بإمكان ‏هذه الضغوط أن تؤثر في نمو الصناعات العسكرية العراقية إذا لعبت كل من ‏مصر والسعودية الدور المتفق عليه.‏


وكانت الاشارة في الغالب في هذا البند الى انسحاب مصر من مشروع صواريخ ‏كوندور الذي كان قد جرى في فترة سابقة بين مصر والعراق والارجنتين، كما ‏ان السعودية كانت قد بدأت بالتوقف عن تمويل مشاريع السلاح العراقي بعد ‏ضغوطات من واشنطن.‏

 

لعل هذه البرقية التي اكتشفها الجيش العراقي في الدوائر الحكومية الكويتية – وهي بالمناسبة ضمن مئات الوثائق مثلها – تعتبر دليلا كافيا مدينا ادانة كاملة لهؤلاء القوم، وقاطعة بنفس الوقت للالسن التي كانت تقول ان العراق هو الذي كان يتأمر على الكويت، فلو نظرنا الى ما حدث مثلا بعد اجتياح بغداد من قبل مغول العصر في شهر 4/2003 ونهبهم للوزارات والدوائر والمؤسسات الحكومية، فإنهم عجزوا عن ايجاد اي دليل يقول بوجود تآمر عراقي ان كان على الكويت او على اي دولة عربية أخرى، لم يجدوا شيء، وهذا بالواقع من فضل الله، ان حصحص الحق بالنسبة للقيادة العراقية الممثلة بصدام حسين واخوانه، فقد اثبت العلوج انفسهم – بعدما عجزوا عن ايجاد دليل ادانة - انها فعلا كانت قيادة شريفة مخلصة للعراق وللامة العربية والاسلامية.

 

ان هذه الكيانات العربية الهزيلة كمخلب قط يستخدم لضرب الامن القومي العربي وقد فقدت الحس القومي وحتى الديني والوطني ، وهي انظمة حكم العائلة في الاغلب، لان هذه العائلات لا تحكم بتفويض شعبي ولا تستطيع الاستمرار في الحكم الا بالدعم الاجنبي ضد ابناء الوطن والامة ، ولانها عاجزة عن توفير الامن والحماية لنظامها السياسي، فهي تلجأ لشتى الوسائل والاساليب لحماية حكم العائلة واستمراريته، وهي كيانات صغيرة انشأها الاستعمار لخدمة مصالحه، ولا تؤمن بحق الشعوب في التنمية والسياسة ، لان الثروة ملك العائلة الحاكمة كما هي السلطة من حق هذه العائلة وافرادها. (د. غالب الفريجات، مقال من البصرة بتاريخ 22/4/2005).

 

هذه البرقية وغيرها الالاف كما قلنا، لم تجد اهتماما في وسائل الاعلام المستعربة النتنة، ولم نرى الندوات والبرامج التي تتحدث عن دور تآمري خطير هدام تقوم به اسرة حاكمة محسوبة على العرب والاسلام ضد بلد له الفضل عليهم بعد الله عز وجل، وله فضل على كل بلاد العروبة بلا استثناء، بل على العكس، راح بعضها يعتبر مثل هذه البرقيات انجازا مبهرا لال الصباح، في انهم بفلوسهم استطاعوا الوصول الى مختلف الدوائر السياسية العالمية، لم يعلم هؤلاء الاوغاد ان تلك الدوائر تفتح ابوابها للغني والفقير على السواء في سبيل تحقيق مصالحها هي لا مصالح من يأتي اليها كائنا من كان...وسائل الاعلام المستعربة الحقيرة اهتمت بقصص حقيرة مثلها ومثل القائمين عليها، اهتمت بقصص كاذبة وتلفيقات صبيانية... انا دائما ما اردد هذه الجملة: ان اكبر بلاء ابتلي به العرب هو بعض وسائل اعلامهم القذرة التي لا تروج الا للامور القذرة...

 

ان الوطن العربي قد ابتلي بالكيانات العربية الهزيلة سياسيا، ومن ناحية الحجم السكاني على وجه التحديد، حيث وصل الامر بسكان دويلة صغيرة من هذه الكيانات ان تطاولت على اكبر كيان عربي، وبكيان سياسي تافه.. حيث وضع ارض هذا الكيان الهزيل تحت تصرف العدوان الاجنبي ضد جاره العربي في الوقت الذي يتنافخ فيه هذا الكيان الهزيل بالديمقراطية والحرية، وهو الذي لا يعترف بحقوق الالاف من ابنـاء الوطن ولا يقر لهم بالمواطنة ، في نفس الوقت يعمل افراد عائلته المغتصبة التي تدعي الحكم منذ الازل على تبديد الثروة وصرفها على القوات الاجنبية.

 

أما بالنسبة للرياض، فقد كان الملك فهد شخصيا له موقف متموج، فهومن ناحية ‏يؤيد العراق كليا في موضوع الأسعار ومع العراق جزئيا من ناحية موضوع ‏الحدود، لأن السعودية لها إشكال مماثل مع الكويت من أيام الخط الشهير لبيرسي ‏كوكس، وضد العراق كليا في التهديد بالقوة لأن استخدامها يضع سابقة لا يمكن ‏قبولها، كما انه كان يخشى أن يتحول صدام حسين الى زعيم الخليج بسبب القوة ‏الهائلة للجيش العراقي التي لم تتوفر في اي دولة من دول الخليج، - على كل حال كان صدام حسين زعيما - ولا زال-  شاء فهد ام ابى - أما بالنسبة لعهرة ال الانبطاح، فقد  كانت لديهم حسابات ومعلومات تستبعد استخدام القوة، وكانوا يعتقدون أن ‏التهديد العراقي حرب أعصاب ليس إلا، ومع هذا، فقد كانو قلقين  من الاسلحة غير ‏التقليدية التي يمتكلها العراق، ولاشك انهم قاموا بالكثير من الاتصالات بهذا الخصوص مع واشنطن...أما بالنسبة لعمان ، فقد كان حسين ساخطا وغاضبا على شيوخ الخليج بالجملة وبلا ‏استثناء، فقد كانت بلاده تمر بأزمة خانقة تعصرها والاثرياء لا يساعدونها بالقدر ‏المنتظر، ويروى أنه سمع كلاما قاسيا ومهينا من جابر حينما جاء اليه يوما ما ‏يطلب مساعدة لأجل تحديث شبكة الهاتف في بلاده، وكان حسين يشعر في ‏أعماقه ان شيوخ البدو هؤلاء الذين كانوا يتطلعون إلى أجداده باعتبارهم أشراف ‏الشيوخ الهاشميين صاروا الآن بموقع من يعطي ويمنع، وربما لم يكن يضايقه ‏كثيرا أن يشعر هؤلاء الشيوخ بخطر ماحق ينزل بهم يعيدهم الى طبقات الأرض، ‏بعد أن حلقوا بلا أجنحة الى طبقات السحاب بفضل الثروة التي نزلت عليهم بلا ‏حساب.... ولم يحسنوا استغلالها على الشكل المطلوب...أما بالنسبة للقاهرة، فقد كان حسني يقول انه مع صدام في طلباته المشروعة من حيث ‏أسعار البترول وموضوع الحدود، وضد صدام في استخدام القوة، وعلى كل حال ‏هو لم يكن يشعر براحة من شخصية صدام حسين والافكار التي دائما ما ‏يطرحها بالنسبة للصراع العربي الصهيوني، فقد كان حسني – يظن عن جهل -  ان صدام يصعد ‏الى دور اقليمي عربي يكون على حسابه شخصيا وعلى حساب مصر التي يجب ‏ان تكون عند زعم مبارك قائدة للعرب.... أما بالنسبة لدمشق وحافظ الاسد، فقد كانت دمشق على اية حال بعيدة قليلا عن ‏هذه الأزمة وان كان الأسد قد صرح مرارا وتكرارا بأن حل مشاكل العرب يجب ‏ان يكون بين العرب أنفسهم دون تدخل خارجي أبدا، ولا شك أن الصحف ‏السورية التي صدرت في ذلك الوقت والتي كانت ناطقة باسم الحكومة السورية ‏بالطبع، كانت تحث على حل المشاكل بطريقة ودية أخوية، على أن الأسد أبدى ‏استعداده غير مرة للقيام بما يطلب منه في سبيل انهاء الأزمة.

 

بالنسبة لباقي العواصم العربية، فقد كانت متموجة في مواقفها، فمن هو مستفيد من ال الانبطاح – كدويلات الخليج الاخرى – فانها بالطبع اتخذت مواقف مؤيدة لهم – وخصوصا الامارات – شريكتها في المؤامرة على العراق، اما باقي عواصم الوطن العربي وخصوصا في دول المغرب العربي، فقد كانت ولاشك مؤيدة للعراق في مواقفه وترى ان مطالبه عادلة، وهذا بالواقع ما عكسته الصحف الصادرة في تلك الدول، والتي كانت ترد الى مختلف الجهات الحكومية العراقية باستمرار، وما كان يرسله سفراء العراق في تلك العواصم من تقارير...

 

في صباح يوم 31/7/1990 توجه السيد عزة ابراهيم للقاء الرئيس صدام حسين واستئذانه بالسفر الى جدة، وبعد تبادل التحيات بين الرجلين الصديقين الحميمين، تمنى الرئيس صدام التوفيق للوفد الذي كان مكونا ايضا من السيد سعدون حمادي والسيد علي حسن المجيد، ثم قال الرئيس صدام لـ عزة ابراهيم : اذا الكويتيين اظهروا عنادهم المعروف عنهم، وما راضين بشروطنا، قل لهم عدنا صور فوتوغرافية لسور الطين القديم حول الكويت، وهذا هو خط الحدود اللي احنا مستعدين نعترف به.... ثم تبادل الرجلان العناق والتقبيل وودع كل منهما الاخر.

 

اقول، العلاقة بين الرئيس صدام حسين – فك الله اسره – وبين المجاهد ابواحمد الدوري، نصره الله، هي علاقة اخوين وليست علاقة مسؤولين في القيادة العراقية، ولعل الرئيس صدام عبر عنها حين قال للمحامي - الذي التقاه في عرينه - الاستاذ خليل الدليمي: انني لو حظيت بأبواحمد لاطبقت عليه جفوني، وذلك من شدة المحبة والاحترام الذي يكنه كل واحد منهما للاخر، وكم كانت وسائل الاعلام العربية العميلة حقيرة في موقفها من المجاهد ابو احمد حين سريان اشاعة توقيفه من قبل العلوج الخنازير( في العام الماضي 2004) فقد اساءت كثيرا للرجل وشوهت صورته، لم يعلموا ان غبار حذائه وغبار حذاء صدام حسين يساوي رؤوس كل ال الانبطاح ومعظم الحكام العرب العملاء المتأمركين الخونة المنبطحين على اعتاب بني صهيون.

 

في مساء يوم 31/7/1990 وصل الى جدة السيد عزة ابراهيم، يرافقه السيدان سعدون حمادي وعلي حسـن المجيد، وكان في اسـتقبالهم ‏الأميـر عبد الله بن عبد العزيز، الذي كان قد استقبل من قبل وفد كاظمة برئاسة سعد وكان معه وزير الخارجية ووزير العدل، الذي وللانصاف، كان قد أظهر حكمة وبعد نظر في خطابه اثناء اجتماع مجلس الوزراء قبل ذلك بثلاثة عشر يوما، حين نصح الحكومة بالاستجابة الى المطالب العراقية كاملة، ثم استقبل الملك فهد الوفدين معا، ‏واقترح عليهما فترة يستريح كل منهما من عناء السفر إلى جدة، ثم يعقدان ‏اجتماعا أوليا، على أن ينضما لاحقا إلى العشاء على مائدة فهد يحضرها بقية ‏أعضاء الوفدين والأمراء، وبدا أنه استبشر خيرا حين لاحظ أن عزة وسعد ‏تصافحا بطريقة العناق والتقبيل، وكذلك ابدى ملاحظة قال فيها انه لا داعي لان يحضر اي من افراد اسرة ال سعود الاجتماع بين الوفدين، ويفضل ان تترك لهما الفرصة وحدهما يتحاوران معا بكل الحرية اللازمة.


يجدر القول ان المفاوضات الفعلية بين الوفدين لم تتجاوز فترة الساعة ونصف الساعة، اي من الساعة السادسة الى السابعة والنصف في اليوم الاول، فقد رفعت الجلسة بسبب ذهاب الجميع لاداء فريضة صلاة العشاء.

 

حين بدأت الجلسة الافتتاحية، بـدأ السيد عزة ابـراهيم (المعروف بتدينه وحفظه للقرآن ‏الكريم كاملا) بتلاوة آيات من القرآن الكريم اختارها بعناية فائقة وكانت هذه ‏الايات هي التي ما يطلق عليها في القرآن الكريم آيات عقيدة الولاء والبراء، ثم ‏تلا على الحاضرين قائمة من الطلبات العراقية الموثقة المطلوبة من الكويت، وغلف ‏خطابه ايضا بصبغة دينية ايمانية، حتى ظن البعض انه يلقي خطبة الجمعة (وهو ‏المشهور عنه بلاغة اللسان) ولم يكن في نبرة كلامه اي جنوح للتهديد، بل على العكس كان يتحدث بكل هدوء ورزانة.

 

حاول سعد  تفنيد طلبات العراق، ولكنه لم يستطع، لأن العراقيين طرحوا طلبات ولم يطرحوا ادعاءات،‏ وحسب ما قاله عضو حضر تلك الجلسة، أن وجهه كان مكفهرا، ومع ذلك كان الجو السائد لا زال خاليا من الحدة، وحين جاء دور الحديث عن المال، طرح السيد عزة ابراهيم طلبه، بأنه وحسب تعليمات (السيد الرئيس القائد صدام حسين فإننا نطلب ‏من الأشقاء في الكويت بأن يدفعوا لنا عشرة مليارات دولار على شكل قرض إذا ‏لم يكن من الممكن تقديم هذا المبلغ كمنحة)...لكن  سعد قال انه على استعداد لدفع تسعة مليارات فقط وليس عشرة.... فرد ‏عزة ابراهيم بأن العراق لن يقبل بأقل من عشرة ....

 

بعد أن أنفضت الجلسة الأولى وذهب الجميع لأداء صلاة العشاء، كان الموعد ‏على مائدة فهد للعشاء بحضور الحسين، كان جو الكآبة مسيطرا على الوفدين ‏ولاحظ فهد بفراسته العربية ما يرتسم على الوجوه، فأدرك أن السماء ملبدة ‏بالغيوم وراح يحاول تلطيف الجو وتغيير مسار المناقشات التي كانت تدور في ‏الجلسة، فأخذ يتحدث عن مباهج العيش مع الخيول العربية الأصيلة وتوالدها، كانت الاحاديث تدور في مجال والافكار في مجال آخر، وكان كل وفد يحاول ان يكتم غيظه امام الملك فهد الذي كان عالما بما يجري، فما كان منه الا ان  ‏قال مبتسما: المملكة العربية السعودية ستدفع المليار دولار المختلف عليه.... وهو سيكون هدية من بلادي الى العراق الشقيق... اعجب هذا الاقتراح الوفد العراقي، فراح السيد عزة ابراهيم ‏يشكره على موقفه النبيل... اذ يبدو ان الازمة في طريقها الى الحل...  فيما تبدت على وجه سعد أمارات الحيرة ‏والدهشة من هذا الكلام...

 

كان عبد الله بشارة- وهو الذي تولى لفترة امانة ما يسمى مجلس التعاون الخليجي -  يحضر مع وفد كاظمة، وفي فترة الاستراحة، اقترح على سعد خطة من اربع نقاط:

 

انهاء الحملات الاعلامية المتبادلة

تجميد وضع القوات على الحدود

اعادة بناء الثقة عبر محادثات وزيارات

الاتفاق على لقاء لاحق.

 

عاد الوفدان إلى الاجتماع، وبادر سعد بالقول بأنه قبل الاتفاق على ‏تفاصيل الدفع، يجدر بنا طرح قضية الخط النهائي والثابت للحدود بين بلدينا، ‏ويمكن معالجة المسالة الآن وسوف يكون المال معكم!!!!! لاحظوا الوقاحة والابتزاز والسفالة والوضاعة في الحديث.... معالجة المسألة وسوف يكون المال معكم!!!! يريدون ان يفاوضونا على اراضينا اولاد الـ .....

 

لكن هذا الأمر كان غير مقبول الآن بالنسبة لدولة تعتبر هذه الدويلة كلها قطعة ‏منها، وأدى هذا الشرط إلى انفجار الموقف من جديد، فقال عزة ابراهيم غاضبا:‏ ولماذا صمتم كل هذا الوقت.. ألم يكن بمقدوركم طرح هذا الأمر منذ البداية إذا ‏كان هو الأهم ؟

فاجاب الوغد جوابا غريبا: تعليمات الأمير لدينا هي ألا نثير النزاع الحدودي من البداية...... وكانت ‏هذه حركة غير خافية على أحد على أن الوفد الكويتي منذ البداية لم يكن يرغب ‏بالحل وأن لا مجال لوساطة الملك فهد من جديد....‏يعني كانوا يريدون افشال الاجتماع بأي وسيلة كانت....على ان شبه الذكر سعد تفوه ببعض العبارات التي تشير إلى ((ضمانات حصلت عليها ‏الكويت من بريطانيا العظمى لحمايتنا)). ‏


تسربت من أعضاء الوفد العراقي المرافق لعزة ابراهيم بعض المناقشات التي ‏دارت، والتي استطاع أحد أعضاء الوفد تدوينها بسرعة، ويمكن تلخصيها فيما يلي:‏

 

عزة ابراهيم: ان المفاوضات القادمة ستتولى مسألة الحدود وان المفاوضات التي ‏أجريناها الآن مقتصرة على الاتفاق المالي فقط الذي يقول بدفع تسعة مليارات ‏دولار.‏

سعد: أنا لا أوافق على ذلك، إن المراحل القادمة ستتناول تطوير العلاقات الثنائية ‏بين البلدين والاتفاق على النواحي الأمنية وأنا أصر على اتفاق رسم الحدود قبل ‏الاتفاق بأي شكل على منح العراق تسعة مليارات دولار.‏

عزة ابراهيم: هل يعني هذا إن الاتفاق السابق ملغى ؟

سعد: ليس ملغى بل مشروط..

عزة ابراهيم: العراق لا يقبل ولن يقبل اشتراطات...

سعد: اذا انتم لا تريدون التسعة مليارات ؟

عزة ابراهيم: هذا المبلغ لايمكن أن يكون ثمنا للمساومة على بعض حقوقنا ‏الأخرى.... وأراكم تتراجعون عما تم الاتفاق عليه أمام الملك فهد..‏

سعد: أنتم تتحدثون دائما عن الحدود ونحن نصمم على عقد اتفاق جديد يحل هذه ‏المسألة...‏

عزة ابراهيم: عندي اقتراح (قالها باللهجة العراقية العامية) (أكو اقتراح عدنا) ‏بأن يعود كل منا إلى بلده ويطرح مسألة الحدود على قيادته السياسية ثم نناقش ‏ذلك في اجتماع بغداد المقبل....‏

سعد: أوافق بشرط أن تعتبروا مبلغ التسعة مليارات معلقا وكأننا لم نتفق عليه....‏

عزة ابراهيم: لانوافق على هذا وأقول لكم مالم ينفذ هذا الاتفاق فإننا قادرون على ‏تنفيذه بالطريقة التي لا تريحكم...‏

سعد: هذا تهديد باستخدام القوة ضدنا....

عزة ابراهيم: فسره كيف ما تريد ولكن إذا أخللتم بالاتفاق فلن نخسر شيء ‏وستخسرون كل شيء....‏

سعد: لاتظنوا أن عملكم العسكري ضدنا سيمر بسهولة...

عزة ابراهيم:  نحن نعرف ونقدر ما نفعل....

سعد: إذا كانت قواتنا غير قادرة على مواجهتكم فإن لدينا أصدقاء أقوياء سيهبون ‏لمساعدتنا حالما تحصل تهديدات لأمننا وأرضنا...‏

‏(( هنا يؤكد أعضاء الوفد العراقي أن سعد حرك يده بطريقه استفزازية قائلا بما ‏معنا: بحركة مثل هذي بيدي نستطيع احضار الجيش الأمريكي إلى الخليج))‏

 

عزة ابراهيم: لاتنخذع يا سمو الامير بمن تسميهم أصدقاء وقدوم هؤلاء سيكون شر مستطير ‏عليكم وعلى بلدكم ومجتمعكم قبل أن يكون علينا...‏
سعد: أنتم واهمون وأنا أثق فيما أقول، وأؤكد لك أن الجيش الامريكي سيكون هنا ‏في ظرف 24 ساعة ولن تستطيعوا فعل شيء ضدنا وتذكروا التاريخ....‏

عزة ابراهيم: إذا فلتتحملوا النتائج...

سعد (بصوت مرتفع وبنبرة تحدي استفزازية للغاية) لا تهددنا...

عزة ابراهيم: نحن لانهدد، بل نحذركم فقط...‏

سعد: حتى التحذير لانقبله.... اعرف مع من تتكلم (ايضا بصوت مرتفع وبنبرة ‏تحدي أشد من الأولى)‏

عزة ابراهيم: أنت المسؤول عما وصلنا إليه الآن...‏

سعد: أنت المسؤول عن انهاء الاتفاق الذي حدث.

عزة إبراهيم: لم يحدث اي اتفاق ولن نطلب وساطة أحد لإرضائكم.....‏

سعد: ونحن لن نطلب أيضا.....‏

‏(( يؤكد أعضاء الوفد العراقي أن سعد هم بمغادرة قاعة الاجتماعات وهو يهدد ‏ويتوعد بالجيش الأمريكي كل من يحاول عبور حدود الكويت، معيدا إلى الأذهان ‏عام 1961))‏


كانت الساعة قد قاربت الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وافترق الوفدان بدون ان يدنس المجاهد ابواحمد الدوري يديه بمصافحة ذلك الوغد، وكان الملك فهد غارقا في نومه في ذلك الوقت، فقد نام مستريحا وهو يظن ان مبادرة بلاده بدفع المليار دولار المختلف عليه ستزيل الاحتقان وتضفي جو التفاهم على المفاوضات، لكنها كانت ايجابية بالنسبة للوفد العراقي وكارثة على وفد كاظمة، الذي جاء الى جدة ليزيد التصعيد وليخنق كل حل، ولاشك ان وفد كاظمة جاء الى جدة وفي ذهن اعضائه تعليمات شبه الرجل جابر التي وردت في التأشيرة اياها لسعد، وخصوصا عبارة ( اصروا في مفاوضاتكم نحن اقوى مما يتصورون)...

 

في صباح اليوم الاول من شهر آب/ أغسطس، وبينما كان السيد سعدون حمادي في غرفته بالفندق، تلقى مكالمة هاتفية من صباح الاحمد، اقترح عليه فيها اصدار بيان مشترك يذكر فيه النقاط التي اتفقوا عليها، ويشير بنفس الوقت الى احراز تقدم في المفاوضات، لكن السيد سعدون طلب منه الانتظار ريثما يتصل بالسيد عزة ابراهيم، فذهب سعدون الى غرفة عزة ابراهيم الذي قال له: " هذا مو صحيح.. ما قدرنا نوصل لشيء... و ما نقدر نسوي هالشي هاذا"... فاتصل سعدون حمادي بصباح الاحمد وابلغه ان كل وفد يصدر بيانه ويصرح للصحافة بما يشاء..

 

اقول، كان السيد عزة ابراهيم في المفاوضات يحترم الطرف الاخر كثيرا، بينما الطرف الاخر كان لايستحق المعاملة الا بالحذاء، وكم كان السيد ابوحمد الدوري على قدر كبير من الصبر والحكمة وهذا نابع من خلقه وادبه، بينما الطرف الاخر كان يتصرف بكل سوء ادب ووقاحة وسفالة، ولو ان اي عراقي آخر – وليكن انا مثلا – جالس في القاعة وسمعت هذا الوغد يتحدث بهذا الشكل مع اسياده، لما اخترت الا البصاق في وجهه وضربه بالنعال على رأسه حتى يموت... نبرة التحدي والاستفزاز كانت واضحة في حديثه، والوفد العراقي صبر عليه كثيرا، وحاول جهده حل الخلاف بطريقة ودية، لكن التعليمات لديهم كانت تقضي بإفشال هذا الاجتماع لاجل اكمال تنفيذ المؤامرة على العراق بالشكل المطلوب، لذلك كان ذلك الوغد يتحدث بصوت مرتفع وبنبرة تحدي، بينما ابواحمد الدوري خاطبه بكل ادب واكثر من مرة بكلمة سمو الامير... وهو لا يستحق حتى ان ينادى الا بكلمة يا وغد....

 

في صباح نفس اليوم الاول من آب/ أغسطس، أيضا كان الشاذلي القليبي في القاهرة،  وكان قد وصل إليها قبل ذلك بيومين للمشاركة في مؤتمر إسلامي يهدف حسب ما زعموا إلى العودة إلى وحدة الصف العربي، متناسين على ما يبدو ان اول من شرخ الصف العربي والاسلامي هي مصر انور السادات واكملها حسني، ورهن هذا الشعب الكريم العظيم الى الصهيونية العالمية... وعندما أفاق في صباح ذلك اليوم، قرأ في أخبار الصباح أن قمة جدة لم تسفر عن أي اتفاق،  وكان قبل ذلك على يقين بأن الاجتماع سيسفر عن التوصل إلى اتفاق ذلك ان العراقيين اكدوا به بأنهم ذاهبين الى جدة لحل خلاف ليس إلا،  فأقلقته الأخبار الواردة من السعودية،  فرفع سماعة التلفون واتصل بصباح الاحمد، الذي زعم بأن اجتماع جدة لم يكن سوى اجتماع بروتوكولي وأنه سيكون هناك في الرابع من أغسطس اجتماع آخر ببغداد حيث ـ كما أضاف ـ سيجري التوصل فيه إلى حل.... فأعاد القليبي السماعة إلى مكانها وهو يشعر بتفاهة ما سمعه- وهو الذي يعرف جيدا حقارة ووضاعة وسفالة وكذب ال الانبطاح -  فأجرى مكالمة ثانية مع الأمير عبد الله بالسعودية ، وسأله عما جرى في اليوم السابق..  وجاء الجواب صريحا : " كان أصدقاؤنا العراقيون كالكويتيين في غاية التشدد... وما هذا سوى البداية .... فلننتظر ما سيجري في بغداد " ... ولم يكن هذا التحليل صحيحا، فالامير يعلم جيدا ان العراقيين استبشروا خيرا حين تولى الملك فهد دفع المليار دولار المختلف عليه، وان الطرف المتشدد الذي لا يريد الحل كان الطرف الاخر... ولو كان العراقيون متشددين كما زعم الامير، لما جاؤوا الى جدة اصلا، ولأرسلوا جيشهم على الفور لتأديب ال الانبطاح والدوس على رؤوسهم...

 

غادر الوفد العراقي جدة، بعد أن توقفوا قليلا في المدينة المنورة بناء على طلب من السيد سعدون حمادي، حيث قاموا بالسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم.

 

اقول، بعض المستعربين الانذال يقول عن سعدون حمادي انه شيعي، وانا اقول ان هذا المسلم الشيعي العراقي لهو افضل مليون مرة من مليون سني مرجف عميل للاستعمار يدعي الاسلام والاسلام والمذهبين السني والشيعي منه براء... ان السيد سعدون حمادي اثبت انه مخلص لدينه ثم لوطنه ثم لقائد وطنه، هذا هو المسلم الشيعي الحق الذي نفخر به في العراق، هؤلاء هم اخوتنا الشيعة العراقيين، وليس امثال السيستاني الوغد او بحر الخيانة او آل اللئيم... يعيبون على سعدون حمادي انه شيعي... طيب هذا شيعي لكنه مخلص، ما الفائدة من عشرة ملايين سني عملاء للاستعمار وخدم لدى بسطاراتهم ؟ الم يقم ال الانبطاح وغيرهم من عملاء الخليج – الذين يتباهون بأنهم من اهل السنة – بموالاة الكفر والكفار ومساندة اهل الصليب في العدوان على العراق ؟ هل هذا من الاسلام في شيء ؟؟ لذلك لا يتفلسفن احد بالقول التافه ان هذا شيعي وهذا سني، المسألة ليست مسألة مذهب بقدر ما هي مسألة مبدأ... قد يكون الملحد المخلص المقاتل للاستعمار والمدافع عن وطنه افضل من مسلم متعاون مع الاحتلال ومؤيد له..

 

ثم واصل الوفد رحلته، فوصل بغداد في الرابعة بعد الظهر،  وتوجه عزت ابراهيم – بعد أداء صلاة ركعتي السنة - على الفور للاجتماع بالرئيس صدام حسين الذي كان ينتظره بفارغ الصبر، فأطلعه على أسباب فشل الاجتماع بالتفصيل، واخبره بما دار من الالف الى الياء... مبينا له ما عرضه فهد ومبينا بنفس الوقت ما تفوه به سعد من تهديد ووعيد للعراقيين،  فشعر الرئيس صدام بالغضب الشديد من هذا الكلام، ويروى انه قال: الله يلعن ال الصباح... انذال.... كلاب...  ثم طلب اعضاء مجلس قيادة الثورة لاجتماع عاجل....

 

بنفس الوقت، وصل وفد كاظمة اليها، وفي الطريق كان سعد يقول لمن معه: انني ارى في الافق شبح كارثة، ويروى ان وزير العدل الذي كان مرافقا له بدت عليه امارات الحزن، حيث لم يكن يريد هذه النهاية، وكان بحسه، يدرك ان هناك خطرا قادما لا محالة.

 

اذا افشل ال الانبطاح الاجتماع، وحبس العالم العربي انفاسه...

يتبع....

د. صباح محمد سعيد الراوي

كييف – أوكرانيا

السبت 23/4/2005
 

الدور الدنيء لال الصباح في المؤامرة على العراق الفصل الاول من الجزء الرابع
الدور الدنيء لال الصباح في المؤامرة على العراق الفصل الخامس من الجزء الثالث
الدور الدنيء لال الصباح في المؤامرة على العراق الفصل الرابع من الجزء الثالث
الدور الدنيء لال الصباح في المؤامرة على العراق الفصل الثالث من الجزء الثالث
الدور الدنيء لال الصباح في المؤامرة على العراق الفصل الثاني من الجزء الثالث
الدور الدنيء لال الصباح في المؤامرة على العراق الفصل الاول من الجزء الثالث
الدور الدنيء لال الصباح في المؤامرة على العراق ف5/ الجزء الثاني
الدور الدنيء لال الصباح في المؤامرة على العراق ف4/ الجزء الثاني
الدور الدنيء لال الصباح  في المؤامرة على العراق ف3/ الجزء الثاني
الدور الدنيء لال الصباح  في المؤامرة على العراق ف2 / الجزء الثاني
الدور الدنيء لال الصباح في المؤامرة على العراق ف1 /الجزء الثاني
الدور الدنيء لال الصباح في المؤامرة على العراق تتمة الجزء الأول
الدور الدنيء لال الصباح في المؤامرة على العراق الجزء الأول

شبكة البصرة

السبت 14 ربيع الاول 1426 / 23 نيسان 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس