|
الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة) في المؤامرة على العراق بدءا من عام 1990 شبكة البصرة د. صباح محمد سعيد الراوي |
|
الفصل الثاني من الجزء الخامس تشيني في السعودية اذا نتابع موضوعنا، وقد توقفنا عند مقدم تشيني الى السعودية. لدى اخواننا اللبنانيين مثل عامي يقول (كرمى لعين تكرم مرج عيون)، ومرج عيون قرية صغيرة في جنوب لبنان، كانت يوما ما مقرا لقيادة ميليشا انطوان لحد العميلة لاسرائيل، وعلى ما يبدو اطلق عليها تسمية مرج عيون لكثرة عيون المياه العذبة التي فيها، والظاهر ان المقصود من هذا المثل انني مثلا لاجل عين فلان من الناس سأعطيه مرج من العيون.. والله اعلم.... على ان ما يعنينا في هذا المثل هو ان تشيني حين ذهب الى السعودية، فقد ذهب ليس حبا بالسعودية او بحكامها، وانما بالدرجة الاولى لتأمين حماية امريكية مباشرة وعلى الارض لاسرائيل التي ينتمي اليها روحيا وعقائديا وفكريا وماليا ايضا، فلا يخفى على أحد أن شركة هاليبرتون التي يترأس مجلس ادارتها هي شركة صهيونية من الالف الى الياء...
في الطائرة التي اقلته من واشنطن، جلس تشيني يقرأ تقريرا كاملا عن اسرة ال سعود وعن الاعضاء الرئيسيين فيها، والذين يشكلون العمود الرئيسي للحكم، كما قرأ تقريرا عن الملك فهد وطباعه وعاداته وروتين حياته اليومي، وكذلك قرأ تقريرا كاملا عن الدين الاسلامي والمناسبات الاسلامية المقدسة كالحج والصوم، وكذلك عن الاماكن الطاهرة في ارض الحجاز مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة، اضافة الى تقرير عن تاريخ مملكة ال سعود وتأسيسها، اضافة الى انه صار يجري بروفة في الطائرة عن كيفية لقائه بفهد وماذا سيقول له هو وشوارزكوف، وقد كرر البروفة اكثر من مرة حتى حفظها عن ظهر قلب. وبينما هو في الطائرة تلقى خبرا يقول ان العراق بدأ بسحب قواته من الكويت بعد تشكيل حكومة مؤقتة من ضباط شبان قادوا ثورة على ال الصباح، ايضا تلقى رسالة من بيكر نقل له فيها مشروع القرار الامريكي (الجائر والوقح) الذي عرض على مجلس الامن وحمل رقم 661 والذي فرض عقوبات اقتصادية على العراق لم يسبق لها مثيل في تاريخ فرض العقوبات الدولية على اي طرف. على أن أخطر بند في هذا القرار كان هذا الذي يقول بوقف صادرات العراق من البترول تماما. وغني عن القول ان هذا القرار الجائر صيغ وكأنه قميص حديدي محكم يخنق العراق خنقا بطيئا. كان ايضا يتذكر انه اثناء العدوان المجوسي على العراق، حاولت امريكا اخافة ال سعود من ايران، وادعت يومها أن صور الاقمار الاصطناعية تشير الى تحشـدات ايرانيـة هدفهـا اختراق الفاو فالكويت فالسعودية....... كذلك كـان يتذكـر وصيـة مـن " الصهيوني حتى النخاع" وولفويتز... بأن عليه اقناع ال سعود ان غزو العراق للسعودية أمر حتمي، وأن لدينا معلومات مؤكدة حول هذا الموضوع.
بالواقع لقد ذهب تشيني الى مقابلة الملك فهد وهو مسلح بطريقة لا تسمح له الا ان يربح، فما الذي يريده فهد اكثر مما يحمله تشيني معه: التزام امريكي كامل تجاه السعودية مضمونا من بوش نفسه، ووقفة حازمة من العالم كله تفرض على العراق عقوبات لم يسبق لها مثيل، وسوف تبدأ تدريجيا في قتل اطفاله وخنقه اقتصاديا، ثم غطاء عربي اسلامي يحمي موقفه الديني باعتباره :" خادم... الحرمين الشريفين" ويا لهذين الحرمين كم تعرضا للظلم، حين يخدمهما شخص منصاع حتى الثمالة للاوامر الامريكية.....
في مساء نفس اليوم، كان تشيني ومعه الوفد يدخلون الى غرفة الاجتماعات في
قصر جدة الصيفي،
وهي غرفة مخصصة لاجتماعات الاسرة، وكان في استقبالهم الملك فهد
ومعه عدد من كبار الاعضاء البارزين في الحكومة السعودية، كان منهم عبد الله
ولي العهد، نائب وزير الدفاع، وزير الخارجية، وعدد آخر من الامراء، على ان بندر
هو الذي تولى الترجمة بين الطرفين، حيث جلس بين عمه وتشيني. وفي حين جلس الجميع
كل في
مكانه، كان الامير عبد الله يجلس جانبا وحده في ناحية أخرى، وبدت على وجهه
علامات
الاستنكار والغضب!!
بدأ الملك فهد الحديث عن العلاقة الشخصية التي تربطه مع بوش، حين كان يشغل منصب وزير الداخلية ثم حين تولى ولاية العهد حيث كان بوش مندوبا في الامم المتحدة، ومديرا للسي آي ايه، ثم نائبا لريغان، وانه معجب جدا ببوش ومزاياه وأهمها الصدق فيما يقول ويفعل.!!!!! ثم سكت فهد، وهنا ادرك تشيني ان مهمته قد بدأت...
ثم ترك الحديث لشوارزكوف الذي كان اول ما قاله هو:
أقول، هل يمكن أن يصدق عاقل هذا الكلام السخيف والتافه ؟؟ اين الـ 21 طائرة وفي اي قاعدة توجد؟ وهل سبق ان زودت دولة عربية طائراتها القتالية بواسطة حاملات البترول ؟؟؟ من قبل، وفي عام 1986 أمر الجنرال حامد شعبان قائد القوات الجوية العراقية آنذاك، سربا من طائرات سوبر ايتندار الفرنسية الصنع بقصف ميناء النفط الايراني في جزيرة لاراك مقابل شبه جزيرة مسندم العمانية، وحين نجح الطيارين العراقيين بهذه المهمة الطويلة (مسافة طولها 1650 ميلا)، ثار الحديث يومها عن أن العراق زود تلك الطائرات بالوقود وهي في الجو، لكن الواقع عكس ذلك، كان بود العراق ان يفعل ذلك، لكنه لم يستطع، صحيح جرت محاولة باستخدام طائرات ركاب كحاملات للوقود إلا أنها فشلت، واضطرت الطائرات المقاتلة العراقية للتزود بالوقود في السعودية، وأمريكا تعلم هذا الكلام علم اليقين، وتعلم أن المحاولة فشلت، والبنتاغون أصدر تقريرا بهذا، نشر حينها في مجلة تدعى ( aviation week).
ألا تلاحظون أن هناك فرقا بين الوضع الفعلي والوضع الفرضي للقوات العراقية هناك ؟ لكن تشيني تجاهل متعمدا الاجابة عن هذا السؤال وراح يعدد النقاط التي أكدها الرئيس بوش ومنها، ان الولايات المتحدة مستعدة فورا لارسال قوة ضخمة لانجاز المهمة، و أن القوات ستعود الى بلادها حين زوال الخطر نهائيا.. فتنهد الامير عبد الله تنهيدة بصوت مسموع وقال: نأمل في ذلك. ثم تابع تشيني: سيكو الامر خطرا اذا انتظرنا، ارغب في ان احظى بموافقتكم على احضار القوات، نريد أن نعمـل سوية لاحضار مزيد من القوات الدولية والعربية والاسلامية... وانا احثكم على عدم الانتظار.. فرد فهد: تعاوننا معكم ليس ناجما عن الرغبة في مهاجمة الاخرين.. فأجاب تشيني: الاساس هو تهديد السعودية، نحن لم نخلق المشكلة بل خلقت المشكلة وعلينا أن نتساءل جميعا، لماذا يكثف صدام حسين كل هذه القوات ؟ ( عاد لاسلوب المراوغة والترهيب). فأجاب فهد: انفق كل امواله على التسليح بدلا من انفاقها على امور لمصلحة شعبه، يبدو انه يتطلع الى ما هو اكبر من الكويت، انه يرتكب خطأ كبيرا اذا كان يعتقد ذلك فعلا.... ثم زعم: اننا نقوم بالتعاون لا لاهداف عدوانية، بل للدفاع عن انفسنا، انني مسرور مما سمعت الان، وعلينا ان نقوم بتنفيذ الترتيبات لتحقيق ذلك. ثم استدار الى الامير عبد الله الذي كان متجهم الوجه وقال له: الكويتيون انتظروا طويلا والان لم يعد هناك كويت، فرد عبد الله بعصبية ظاهرة: بل هي موجودة، ما يزال هناك كويت.. فقال فهد : صحيح لكن جميع الكويتيون يعيشون عندنا في الفنادق.
ثم اختتم الملك حديثه بالقول: انه يقدم شكره الجزيل الى الرئيس ونائبه والى كل الوزراء والى مجلس الكونجرس والى تشيني شخصيا، حيث انك جئت الى هناك بهدف واحد وهو هدف مساعدة المملكة واني ارجو ان تنتهي المشكلة في المنطقة بسرعة لكي أجيء اليكم في الولايات المتحدة وأقدم الشكر للجميع بنفسي.
اقول، ان " فهد " خادم الحرمين الشريفين يقول عن الرئيس صدام انه انفق امواله على التسليح، هذا امر جيد ان ينفق الرئيس اموال بلده على الصناعة العسكرية وعلى تسليح جيشه وتدريبه تدريبا عالي المستوى، بدل ان ينفق امواله في شراء البيوت والقصور في اوربا وامريكا وآسيا، والتبرع بالملايين هنا وهناك، والانفاق السخي والغير محدود على صحف النفاق والدجل والكذب ووسائل اعلام الانحطاط والهبوط لاجل تلميع الصورة والطنطنة. ثم انه يريد ان يذهب بنفسه وجلالة قدره ليقدم الشكر للاعداء على تدمير بلد عربي له فضل عليه وعلى ابناء العروبة بعد الله عز وجل....ال سعود هم الذين لم ينفقوا على شعبهم وبلدهم وليس صدام حسين.. والدليل فليذهب اي شخص الى السعودية ليجد الفقر المدقع والعوز المبرح بين ابناء الشعب هناك... احياء بحالها بحاجة الى خدمات ومرافق تشعر فيها وكأنك في قلب مجاهل افريقيا وليس في اغنى دولة نفطية في العالم !!
ثم دارت مناقشات فرعية قال بعدها فهد: يا معالي الوزير نحن موافقون على المبدأ والله يساعدنا على ان نقوم بالعمل الذي يلزم.
عاد تشيني الى الفندق الذي كان يقيم فيه في جدة، ومن هناك اتصل عن طريق شبكة خاصة ببوش، الذي كان مجتمعا مع تاتشر (صاحبة اللسان السليط والتي لاتنتمي الى جنس الاناث بطبيعة الحال ولا تعي ماذا تعني كلمة انثى) فطلب تشيني قطع الاجتماع وتوصيله بالرئيس، وفور أن سمع صوته قال له بلهجة المنتصر:
وقد كان لقاؤهم بالملك في جدة، وهنا لا يخجل من ايراد كذبة لم يذكر مصدرها، ومفادها بأن فهد يفضل الاقامة في جدة بدلا من الرياض، لان منجما اخبره بأن اغتياله سيكون في الرياض! (ص 303). ثم يتولى وصف مكان اقامة الوفد والذهاب الي القصر، وكيف ان الملك امر له بكرسي عندما جثا علي ركبتيه ليعرض عليه خرائط وصور عن القوات العراقية واسلحتها، مع الزعم بأنها ترابط على الحدود السعودية وما الى ذلك من الهذيان، وخلاصته انهم يرجحون قيام العراق بهجوم على السعودية لان القوات العراقية في وضع هجومي، وان الامريكيين قد وضعوا خطة للدفاع عن السعودية (ص304). ثم يشير الي حديث تشيني المتضمن رسالة بوش الى فهد، ومفادها ان الولايات المتحدة مستعدة للدفاع عن السعودية اذا طلب الملك ذلك، وانها لا تريد قواعد دائمة، وتعد بخروج القوات الامريكية عندما يطلب منها. والعجيب في الامر هو ما قاله نورمان عن بدء الملك والامراء الحاضرين (بما فيهم ولي العهد ووزير الدفاع) بالتشاور حول العرض الامريكي، بحضور الوفد الامريكي. ويستطرد نورمان الى ذكر ايجابيات الموافقة على ذلك العرض وسلبياته، ورجح ان الموازنة في الحالتين تحتاج الى عدة ايام للدراسة من قبل الاسرة الحاكمة. ولكن الذي حصل ان المداولات لم تستغرق وقتا طويلا، وان الامير بندر بن سلطان الذي كان يترجم بين الملك والوفد الامريكي لم يترجم الى الانكليزية مضمون المداولات. ولاحظ نورمان ان الملك علق بحدة على ما قاله احد الامراء، فأسكته، والتفت الي تشيني وقال (ويا للعجب) باللغة الانكليزية، وبكل بساطة حسب قول نورمان Okay الامر الذي اثار تعجب الجميع ولا سيما جانب نورمان الذي قال لنفسه: لو كان هناك من اخذ صورته آنذاك لوجده ذا فم مفتوح على مصراعيه، اذ اخذه التعجب من اتخاذ ذلك القرار الخطير جدا خلال دقائق معدودة، وكأنه يتعلق بالخروج في نزهة على شاطيء الخليج. ويردف ذلك بالقول بأن فهد قد اتخذ يومذاك اجرأ قرار اتخذه في حياته! (ص305) اقول: ولا شك انه جريء فقط وخطير فقد ادى الي تدمير قطر عربي بأهله البالغين 24 مليونا، وقضى على كل طموح قد يحس به احد من قادة العرب لبناء قوة تتصدى للعدوان الصهيوني. وعلى اي حال فان من حق نورمان ان يأخذه العجب هو ومن معه. ويبدو ان فهد ومن معه من أهل بيته عندما ناقشوا الطلب الامريكي نسوا ان السفير الامريكي الذي يصحب وفد بلاده يحسن العربية كأبنائها. وقد اخبر الوفد بأن اغلب الامراء نصحوا بالحذر، ولكن الامر بلغ ذروته عندما قال احدهم بأن من الواجب عدم التسرع في اتخاذ اي قرار بهذا الصدد، الامر الذي اثار الملك فعاجله بالقول: ان الكويتيين لم يتسرعوا في اتخاذ القرار، وكان مصيرهم ان يتحولوا جميعهم الي ضيوف في فنادقنا..... وهكذا فتحت الابواب على مصراعيها امام الامريكيين، وعندها طير الوفد الخبر السعيد الي بوش وتعجل تشيني بالسفر الي القاهرة ليزف البشرى الى حسني مبارك، في حين كلف بعض القادة العسكريين بابلاغ حكام الخليج بما حصل، بينما صدرت الاوامر الى البحرية الموجودة في المحيط الهندي بالتوجه فورا الي السواحل السعودية. اما نورمان فانه باشر في تنفيذ الخطط المرسومة، وهو لا يزال في غرفته بفندق في الرياض، بل ان (طقم) القيادة كان مهيئا، ولم يصحب الوفد في عودته الى امريكا، ولم يكن احد منهم يتوقع ان يتخلف في السعودية وان موافقة الملك ستحصل بتلك السرعة الخاطفة، وقد اوعز اليهم بتنفيذ الخطة المعدة سابقا واتخاذ الترتيبات لوضع القوات عند تواردها مع اسلحتها ومعداتها في مواضعها المقررة (ص306). وهكذا لم تكن هناك مباحثات مع السعوديين حول حجم القوات ولا اماكن احتشادها، ولاتحديد اهدافها، وانما وضعت البلاد بأسرها تحت تصرف القوات الامريكية تحت شعار الكرم العربي القائل: يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا نحن الضيوف وانت رب المنزل وسيأخذ العجب القراء اذا ما عرفوا ان ذلك كله قد حصل قبل اليوم السادس من اب (اغسطس) 1990 وهذا واضح من الامر الذي اصدره نورمان ظهر يوم 1990/8/6 الى مقر قيادته في امريكا بارسال بعض قطعات الفرقة 82 المحمولة جوا الي السعودية (ص 306 ـ 307). وهذه الحقيقة لا تترك مجالا للشك بأن اللجوء الى خيار الحرب قد سبق صدور اي قرار من الامم المتحدة. اما كتاب المفكرة الخفية لحرب الخليج لـ " اريك لوران وبيار سالينجر"،(استعنت ببعض فقراته) فقد عرض لهذه المحادثات على عجل فقال:
كان قد جرى التمهيد إلى حد كبير لمحادثات بوش التلفونية مع الملك بحضور الجنرال شوارزكوف وروبرت غيتس، وأخو الملك ووزير الدفاع الأمير سلطان، الذي كان قد قطع رحلة استجمام في مراكش، وعبد الله بن عبد العزيز ولي العهد ؛ ونائب رئيس الوزراء ورئيس الحرس من البدو، وكان عبد الله طوال الوقت اكثر شكا في الاميركيين من فهد، وعليه فقد كان هو الذي ينبغي اقناعه. لكنه درس بعناية تقارير المخابرات الاميركية السرية والصور الفوتوغرافية التي التقطتها الاقمار الصناعية، والتي تشير بالتفصيل إلى الحشود العراقية في الكويت وعلى الحدود السعودية، وتحدث مطولا مع شوارزكوف وتشيني عن المواقع التي يمكن تمركز القوات الاميركية عليها، وقال له تشيني : " هذا كل ما نستطيع تقديمه لكم " . فقال فهد أخيرا : " حسنا ، سأقبل ذلك كله " . وكان السعوديون قد اشترطوا مسبقا وقبل أن يعربوا عن موافقتهم النهائية أنه " مما لا يقبل الجدل أنه لن يجري إنشاء قواعد عسكرية دائمة على أرضنا " وكان الأميركيون قد توقعوا هذا فاقترحوا بروتوكولا سريا : انسحاب القوات الاميركية من الاراضي السعودية حالما تسمح الاحداث بذلك، ولكن اقامة قواعد دائمة ومساكن للقوات الاميركية، والقوات المتعددة الجنسيات في إمارة البحرين وداخل الكويت. لقد عوّل الاميركيون على عدم رضى الزعماء السعوديين إذ كانت هناك اولا مشكلة الملك فهد، الذي كان يتزايد عجزه عن الاقدام على أي عمل، ويقول احد المقربين منه والمطلعون على الامور : " لا تكاد تظهر المشكلة حتى يهرب الملك منها " واخذ يطيل اعتكافه في قصره، ويتجنب مستشاره ورجال اسرته، ثم ان الزعماء السعوديين كانوا يدركون مواطن ضعفهم : إذ كانوا قد اشتروا خلال السنوات القليلة الماضية ما قيمته 150 بليون دولار من الاسلحة المتطورة، ومع هذا فقد كانوا يعترفون بأنهم لا يستطيعون صد عدوان جيش قوي كجيش العراق عليهم، كما أن السعودية كانت تستخدم دخلها الهائل البالغ خمسين بليون دولار في السنة في محاولة عقد التحالفات الاقليمية وتحييد اولئك الذين قد يصبحوا أعداء لهم. على أن أزمة الخليج كشفت عن نواحي قصور هذه الاستراتيجية.
أقول، انني ربما استفضت بالحديث عن جولة هذا الوغد تشيني ايام الازمة، لان هذه الزيارة كانت حاسمة فعلا في تلك الايام، بل انها هي التي قطعت الطريق على اي حل عربي كان يمكن ان يتخذ لاجل انهاء الامر بالطريق السلمية والودية. والحقيقة ان هذه الجولة كانت غطاء كاملا لمؤتمر القاهرة الذي كان بحق مؤامرة عربية (مصرية خليجية) على العراق نفذت وصايا تلك الجولة، عدا عن ان الاتصالات الرسمية بين القيادة العراقية والمسؤولين في السعودية انقطعت تماما، فلم يعد هناك اي اتصال بين الطرفين رغم محاولة القيادة العراقية اجراء مثل تلك الاتصالات، لكن الاوامر كانت قاطعة بعدم الرد على اي اتصالات من جانب العراق.
والحقيقة ان حال العالم العربي وخصوصا دول الخليج ومصر تغير كليا بعد جولة تشيني، بل حتى لهجة الاعلام تغيرت، فكما قلنا سابقا ان سعود الفيصل في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة بعد الازمة بيوم وقف يتحدث عن العلاقات الحميمة التي تربط بلاده مع العراق، وعن العلاقة الخاصة التي تربط صدام حسين مع فهد، لكن هذه اللهجة تغيرت تماما مع مجيء تشيني وما تلاه من تدفق القوات الامريكية على الحجاز. حتى ان الاعلام السعودي في تلك الفترة يتبعه الاعلام الخليجي بالمطلق (اذا استثنينا عمان للانصاف) كان يتعامل مع الازمة بمنطق الهدوء وعدم التصعيد والخوف ان لم اكن مبالغا بالكلمة !!! لكن ما ان جاء تشيني وانهى مهمته حتى انقلبت الصورة سواء سياسيا او اعلاميا او حتى جماهيريا...
ان المتابع لجولة تشيني تلك سيلاحظ حتما التشابه الكبير والتطابق بينها وبين الجولة التي قام فيها قبل العدوان الصهيوصليبي المغولي على العراق، والذي وقع في شهر 03/2003، فهناك روجوا على انها زيارة عمل عادية هدفها التوصل الى حل للازمة، لكن انكشف الغطاء مع بدء تدفق القوات الامريكية وغيرها من دول التحالف الثلاثيني الى السعودية وباقي مشيخات الخليج. وفي جولته (تشيني) قبل العدوان على العراق، كان الاعلام العربي بلا استثناء يردد جملة ان البلد العربي الفلاني ضد ضرب العراق ؟؟ وأن الحاكم العربي كذا ابلغ تشيني ان بلاده لا توافق على ضرب العراق ؟؟؟ لاحظوا الوقاحة.. استخدموا عبارة "ضرب العراق"... وكأن هذا البلد العظيم الذي له فضل على الانسانية جمعاء ولد عاق حتى يضرب!!!!! تحاشوا استخدام كلمة عدوان..... واستبدلوها بكلمة ضرب.... المترجمة اصلا عن الانجليزية (STRIKE)اللهم الا بعض وسائل الاعلام العربية المنصفة التي تعاملت بإنصاف وعدل مع العدوان على العراق.. اذا في الوقت الذي كانوا يكذبون فيه ويقولون انهم ضد "ضرب" العراق ويخبرون تشيني بهذا، فإنهم بالواقع كانوا يقولون له في السر اذهبوا ونحن معكم وافعلوا ما تريدون، وتجلى دور حسني مبارك القذر بكل وضوح، كما تجلى دوره الدنيء ايام الازمة اياها... فقد اثبت انه مخلب امريكي صهيوني زرع في جسد الامة العربية والاسلامية لتفتيتها وتمزيقها وبسط السيطرة الصهيونية المطلقة عليها. وينطبق هذا الكلام بالطبع على مشيخات الخليج وحكامها، فهم اصلا العوبة بيد أمريكا. يتبع... Ibnbaghdad_3@hotmail.com د. صباح محمد سعيد الراوي كييف – أوكرانيا الاربعاء 11/5/2005 |
|
الدور الدنيء لال الصباح
في المؤامرة على العراق
(الفصل الاول من
الجزء
الخامس) |
|
شبكة البصرة |
|
الاربعاء 2 ربيع الثاني 1426 / 11 آيار 2005 |
|
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس |