بغداد بين سقوطين
الطريق إلى بغداد

شبكة البصرة

بعد أن سقطت الدولة الخوارزمية في يد المغول هدأت الأوضاع قليلاً، وانشغل أمراء البيت الحاكم المغولي بصراعاتهم حول اختيار خان المغول الجديد بعد وفاة جنكيز خان، وبعد سلسلة من حكام المغول آلت السلطة إلى "منكوقا آن بن تولوي بن جنكيز خان"، فتولى عرش المغول في (ذي الحجة 648هـ= مارس 1250م)، وعزم على توسيع دولته، وإرسال حملات الغزو إلى الصين ومنطقة جنوب شرق آسيا، وإلى العالم الإسلامي.

جهز "منكوقا آن" حملة كبيرة بقيادة أخيه هولاكو، وعهد إليه بالقضاء على طائفة الإسماعيلية -وهي من فرق الشيعة- وإخضاع الخليفة العباسي في بغداد، وكانت بغداد آنذاك أعظم مدينة في العالم حضارة ومجدًا.

وجرت مفاوضات لقيام تحالف مغولي مسيحي ضد العالم الإسلامي، غير أنها فشلت أمام غطرسة المغول الذين كانوا يرفضون قيام تحالف مع أي جهة تظن أنها على قدم المساواة بهم، بل يجب أن تكون خاضعة لهم، غير أن "هيثوم" ملك دولة أرمينيا الصغرى قبل التحالف مع المغول على هذا المبدأ، ورضي أن يكون تابعًا لهم.

خرج هولاكو على رأس جيش كبير يبلغ 120 ألف جندي من خيرة جنود المغول المدربين تدريبًا عاليًا في فنون القتال، والمزودين بأقوى أسلحة الحرب وأدوات الحصار، وتحرك من "قراقورم" عاصمة المغول سنة (651هـ=1235م) واتجه نحو الغرب تسبقه شهرته الحربية وسمعة جنود في الفتك والتدمير.

وفي (غرة ذي الحجة 653هـ=2 من يناير 1256م)، عبر هولاكو بجيشه نهر جيحون (يمر داخل الجمهوريات الإسلامية بآسيا الوسطى)، وتقدم نحو قلاع فرق الإسماعيلية في إيران، وكانت قلاعًا حصينة تستعصي على الاقتحام، وظل هولاكو عامًا يحاصر هذه القلاع حتى نجح في الاستيلاء عليها وقتل زعيم هذه الفرقة بعد أن استمرت 170 عامًا تثير الرعب والفزع في بلاد العالم الإسلامي كافة، وأشاعت المفاسد والمنكرات، وكان الملوك والسلاطين يخشون بأسها.

أحلام السيادة بين بوش وهولاكو

هذا ما كان من أمر هولاكو الذي حدد هدفه بالسيطرة على العالم الإسلامي، والاستيلاء على "بغداد" درة مدائن العالم. أما "بوش الابن" أو هولاكو العصر، فقد دنا ببصره نحو العراق وعزم على اقتطافه ثمرة ناضجة، والاستيلاء على ثرواته وموارده الغنية، وإضعاف المنطقة العربية، وفتح الطريق أمام إسرائيل للتوسع والسيطرة.

وكل منهما قد مهد له أسلافه الطريق لنجاح مهمته، أما هولاكو فقد نجح جده جنكيز خان وأبناؤه في السيطرة على شرقي العالم الإسلامي وإشاعة الفوضى بين ربوعه، وإضعاف الثقة في القدرة على المواجهة، وأما بوش الابن فقد نجح أبوه ومن تلاه في أن جعلوا للولايات المتحدة الأمريكية قدمًا راسخة في منطقة الخليج العربي والتأثير على سياسة حكامه، حتى لم يعد لهم القدرة على المواجهة والتحدي أو المعارضة.

وقبل أن يصبح هولاكو على أبواب بغداد اكتسح في طريقه قلاع الإسماعيلية في إيران، وكذلك فعل بوش الابن، فقبل أن يبعث بقواته إلى العراق كان قد دمر أفغانستان وأزال حكومتها الشرعية بدعوى أنها تساند الإرهاب في العالم، واتفق الاثنان في أن كليهما قد مارس أقسى أساليب الحرب وحشية وتدميرًا، فمارسها هولاكو في إيران، واتبعها بوش الابن في أفغانستان.

وتشاء الأقدار في أن يكون لكل منهما تابع يأتمر بأمره ويخدم أهدافه؛ فقد تحالف هيثوم ملك أرمينيا الصغرى مع هولاكو في حملته، وتحالف "بلير" رئيس وزراء بريطانيا مع بوش في حملته على العراق.

مراسلات بين هولاكو والمستعصم

بعد أن نجح هولاكو في تحقيق هدفه الأول بالقضاء على فرقة الإسماعيلية، وجعلها عبرة لغيرهم ممن يفكرون في المقاومة، شق طريقه إلى "همدان" وعسكر فيها ليكون قريبًا من العاصمة العباسية.

وكان أول عمل قام به هو إرسال رسالة إلى الخليفة العباسي المستعصم بالله في (رمضان 655هـ=مارس 1257م) كلها تهديد ووعيد، ومما جاء فيها قوله للخليفة: "... فعليك أن تهدم الحصون وتطم الخنادق، وتسلم ابنك المملكة، ثم تتوجه لمقابلتنا... فإذا أطعت أمرنا فلا حقد ولا ضغينة، ونبقي لك ولايتك وجيشك ورعيتك، وأما إذا لم تنتصح وسلكت طريق الخلاف والجدال، فأعد جيشك وعين جبهة للقتال، فإننا مستعدون لمحاربتك، واعلم أنني إذا غضبت عليك وقدت الجيش إلى بغداد فسوف لا تنجو مني ولو صعدت إلى السماء، أو اختفيت في باطن الأرض...".

وجاء رد الخليفة العباسي على رسالة هولاكو شديدا، ودعاه إلى الإقلاع عن غروره، والعودة إلى بلاده، قائلاً له: "... إذا كنت مثلي تزرع بذور المحبة، فما شأنك بخنادق رعيتي وحصونهم؟! اسلك طريق الود وعد إلى خراسان. وإن كنت تريد الحرب والقتال، فلا تتوان لحظة ولا تعتذر، فإن لي ألوفًا مؤلفة من الفرسان والرجال هم على أهبة الاستعداد للقتال...".

وكان الخليفة العباسي واهمًا في رده على هولاكو؛ لأنه كان يعلم حقيقة العالم الإسلامي وأنه يعاني من الأثرة والأنانية والتفكك والانحلال، ولن يهبّ لنجدته كما كان يتصور، فالأيوبيون في الشام والمماليك في مصر يشغلهم الصراع فيما بينهم، وتمنعهم المشكلات المشتعلة بينهم من النهوض لمساعدة بغداد، ولن يتحرك الترك والفرس لمساندة الخليفة بعد أن استبد بهم الخوف والرعب من المغول.

ولهذا لم تُجْد تهديدات الخليفة العباسي، ولم يتأثر بها هولاكو، فبعث برسالة أخرى أشد تهديدًا من الأولى وأكثر وعيدًا قائلاً له: "... وإذن فعليك أن تكون مستعدًا للحرب والقتال، فإني متوجه إلى بغداد بجيش كالنمل والجراد...".

إصرار هولاكو على غزو بغداد

ولما عرضت الرسالة الأخيرة على الخليفة العباسي تملكه الخوف والفزع، وجمع حاشيته وأركان دولته واستشارهم فيما يفعل، فأشار عليه وزيره الشيعي مؤيد الدين ابن العلقمي بأن يبذل الأموال والنفائس في استرضاء هولاكو وأن يعتذر إليه، وأن يذكر اسمه معه في الخطبة، وأن ينقش اسمه على النقود، فمال الخليفة إلى هذا الرأي في بداية الأمر، غير أن مجاهد الدين أيبك المعروف بالدويدار الصغير قائد الجيش رفض هذا الاقتراح، وحمل الخليفة على معارضته، متهما ابن العلقمي بالخيانة والتواطؤ مع هولاكو، وأصر على المقاومة، فعدل الخليفة عن رأيه السابق ومال إلى مقاومة الغازي.

ولما يئس هولاكو من إقناع الخليفة العباسي بالتسليم عزم على الزحف إلى بغداد، لكنه كان متهيبًا من غزوها لمكانتها وتاريخها العريق وأنها لم تسقط من قبل في يد أحد من الغزاة، فاستشار أحد المنجمين وهو الفلكي حسام الدين -وكان مسلمًا سنيًا يعطف على الخليفة العباسي، ويحرص على أن يمنع هولاكو من الإقدام على غزو بغداد- فراح يؤكد له أن هذه الحملة ستحدث خللاً في الكون، وستكون وبالاً على المغول وخانهم الأعظم.

وبعد ذلك استشار هولاكو نصير الدين الطوسي، وهو من الإسماعيلية ضمه هولاكو إلى حاشيته بعد سقوط قلاعهم في إيران، فأشار عليه بمواصلة الغزو؛ فلا توجد موانع تحول دون إقدامه على ذلك. وكان نصير الدين يكره الخليفة العباسي ويعمل على إسقاطه، بل لعله هو الذي زين لهولاكو الاستيلاء على بغداد وتملكها.. فاستراح هولاكو لرأيه.

وتحركت جيوش المغول الجرارة التي تبلغ مائتي ألف صوب بغداد، ونجح هولاكو في استمالة بعض أمراء المسلمين ممن يحكمون المناطق المجاورة للعراق، فأمده بالمال والرجال كلٌ من بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، والأتابك أبي بكر سعد الدين حاكم إقليم فارس.. وهذا نفس ما حدث من دول الجوار حين قدمت لقوات الغزو الأمريكية مساعدات سخية ساعدتها في سقوط العراق.

بوش الابن يحاصر بغداد

توالت السنوات على العراق وهو يزداد ضعفًا على ضعف، وعيون العدو تراقبه عن كثب، تنتظر الفرصة المناسبة للانقضاض عليه دون أن يجد مقاومة تذكر في وجهه، ويهنأ بغنيمته دون أن يبذل فيها دماء غزيرة. ولم تكن هناك فرصة أسنح من أحداث سبتمبر سنة 2002م، حيث ارتفعت الأصوات إلى محاربة الإرهاب بكل صوره، واتهام دول معينة بإيوائه، وكانت أفغانستان أولى ضحايا الحملة الإعلامية التي قادتها الولايات المتحدة التي لم تترك لأحد فرصة التفكير والمراجعة.. فمن ليس مع الولايات المتحدة فهو ضدها!

ولم تتردد كثيرًا في توجيه حملة عسكرية ضارية على أفغانستان بمساعدة غربية وتعاون من بعض الدول العربية والإسلامية، حتى إذا فرغت من مهمتها بنجاح أعلنت أن العراق الذي ظل أسيرًا أكثر من عشر سنوات يمثل خطرًا داهمًا على جيرانه، وأنه يهدد الأمن والسلام العالميين، ولا بد من امتثاله للشرعية الدولية، فلما أعلنت دول الجوار أن العراق لا يمثل لها خطرًا عادت الولايات المتحدة وأعلنت أن العراق يهدد الأمن القومي الأمريكي ولا بد من إجباره على تدمير أسلحة الدمار الشامل التي يملكها، وأن يفتح بلاده دون شرط للجان التفتيش لتأكدها من خلو العراق من هذه الأسلحة.

وفي أثناء ذلك كانت الولايات المتحدة تستعد لتوجيه حملتها العسكرية، وتستعين بحلفائها من الدول الغربية والعربية لمساعدتها في احتلال العراق، وبدأت في التحرك بقواتها صوب العراق، في الوقت الذي قبل فيه العراق بأن يستقبل المفتشين الدوليين لجنوب العراق شرقًا وغربًا بحثًا عن أسلحة الدمار الشامل المزعومة وهي التهمة التي اتخذتها الولايات المتحدة ذريعة لغزو العراق بدعوى إجباره على التخلي عنها، وفي الوقت الذي كانت فيه هذه اللجان تقوم بعملها كانت قوات الغزو الأمريكية تستكمل حشودها حول العراق انتظارا لساعة الصفر لشن الهجوم الغاشم.

يوميات حصار بغداد

نعود إلى ما كان من أمر بغداد وهي تستقبل المغول الغزاة يومًا بعد يوم حتى سقطت في أيديهم.

* في (التاسع من ذي الحجة سنة 655هـ) وصل هولاكو شاطئ نهر حلوان (بإيران حاليا) وعسكر هناك، وبقي إلى الثاني والعشرين من ذلك الشهر. وعندما علمت بغداد بتقدم هولاكو سار جيش الخلافة العباسية بقيادة "الدويدار" و"فتح الدين بن قمر"، وعسكر على مقربة من "بعقوبة" التي تبعد عن بغداد نحو خمسين كيلومترًا إلى الشرق.

ولما علم هذا الجيش بتقدم قوة من المغول نحو الضفة الغربية لنهر دجلة، سارع بعبور النهر ليتصدى لهم شمال بغداد، فأدى انسحابه إلى خلو الجهة الشرقية من الجند، وحاول الخليفة أن يحمل من بقي من أمراء العساكر على الخروج تحت قيادة "مرشد الخصبي" فرفضوا المسير تحت لوائه ولم ينفذوا أوامر الخليفة؛ وهو ما سهل مهمة هولاكو في الوصول إلى أسوار بغداد.

* وفي يوم (التاسع من المحرم سنة 656 هـ) التقى جيش الخلافة بطلائع المغول في حدود الأنبار على باب قصر المنصور على بعد تسعة فراسخ عن بغداد (نحو 50 كيلومترًا)، وقد اختلف المؤرخون في تقدير حجم هذه القوة المغولية، فقدرها بعض المؤرخين بعشرة آلاف، وبعضهم الآخر بثلاثين ألفا. ولجأ المغول إلى تطبيق أساليبهم المعروفة في الحرب فتظاهروا بالهرب أمام قوات الخليفة التي يقودها الدويدار، فاندفع وراءهم ولم يستمع إلى نصيحة فتح الدين بن قمر الذي أشار عليه بالثبات والاستعداد لمواجهتهم مرة أخرى، وكان المغول يهدفون إلى إبعاد قوات بغداد عن مواقعها في نفس الوقت الذي تقوم فيه فرقة منهم بتدمير السدود المقامة على نهر بشير المتفرع من الدجيل، لإغراق الأراضي وراء تلك القوات وحصرها فيها. وقد نجح المغول في تحقيق ذلك حين توقفوا عن التراجع وعادوا إلى الهجوم ثانية، حيث انحصرت قوات بغداد في المنطقة المغمورة بالماء، فهلك معظمها إلا من ألقى نفسه في الماء أو من دخل البرية ومضى على وجهه إلى الشام، وتمكن الدويدار من النجاة ودخول بغداد في عدد قليل من أصحابه.

* وفي (الحادي عشر من المحرم سنة 656 هـ) استكمل المغول حشودهم على الضفة الغربية لنهر دجلة، وتولى هذه الحشود ثلاثة من كبار أمرائهم، في حين كان هولاكو وكتبغا – أحد قادته الكبار – يضيقان الخناق على بغداد من الجانب الآخر، وبادر المغول بإقامة استحكاماتهم، فأقاموا على دجلة بأعلى المدينة وبأسفلها جسرين قائمين على السفن إمعانًا في تضييق الحصار على بغداد، وكي لا يدعوا لأهلها الفرصة في الرحيل عن طريق النهر.

* في (14 من المحرم سنة 656هـ) خرج الوزير ابن العلقمي في جماعة من مماليكه وأتباعه ينهون الناس عن الرمي بالسهام، ويقولون: سوف يقع الصلح.. فلا تحاربوا.

* في (15 من المحرم سنة 656 هـ) نجح المغول في الاستيلاء على الجانب الغربي من بغداد في محلة القرية مقابل دار الخلافة تمامًا، وكان هذا الجزء من بغداد قد خلا من أهله حيث التجئوا إلى بغداد الشرقية، ومن هناك أخذ المغول يرمون بالسهام الجانب الشرقي من بغداد.

* في (21 من المحرم 656هـ) نزل هولاكو إلى الجهة الشرقية من بغداد وحاصرها تمامًا، وأمر ببناء سور حول بغداد، كما بني المغول سورًا آخر في بغداد الغربية، ونصبت المجانيق (مدافع ذلك الزمان ترمي بالحجارة) بإزاء سور بغداد من جميع الجوانب. ومنع هولاكو وصول أي إمدادات تصل إلى المدينة المحاصرة.

كانت الأسلحة التي تدافع عن عاصمة الخلافة ضعيفة، فحين نصب جنود الخلافة مجانيقهم وشرعوا في الرمي لم يصيبوا شيئًا ولا تعدى حجر إلى العدو، وقام الخليفة بمنحهم مالاً كثيرًا ليستحثهم على الثبات، لكن محاولته لم تنجح، فقد كانت وسائل بغداد الدفاعية ضعيفة لا تقوى على المقاومة.

* في يوم (الثلاثاء الموافق 22 من المحرم 656هـ = 2 من فبراير 1258م) بدأ المغول هجومهم الكبير على بغداد، وكان هولاكو في القلب معسكرًا في مقابل "برج العجمي لباب الحلبة"، وكان لنجاح المغول في الاستيلاء على هذا الجزء المهم من المدينة أثره السلبي على معنويات المدافعين وسكان بغداد، وكانت قوات مغولية أخرى في عرض المدينة في مواجهة بوابة سوق السلطان، وكان الهجوم الرئيسي للمغول من الجهة الشرقية من بغداد على برج العجمي، وهو موضع ضعيف من سور بغداد، كما كان أقصر أبراج السور.

وإزاء هذه الأوضاع المتردية حاول الخليفة المستعصم بالله الخروج من الأزمة، فأرسل وفدًا إلى هولاكو طالبًا الصلح وعدم مهاجمة بغداد، لكن هولاكو رفض هذا العرض، متعللاً بأن الوقت قد فات، وأصر على مواصلة الغزو.

في أثناء الحصار رمى هولاكو المدينة بوابل من السهام مربوط بها منشورات تقول: "كل من ليس يقاتل فهو آمن على نفسه وحريمه وأمواله"، "القضاة والعلماء والشيوخ والسادات والتجار وكل من لا يحاربنا لهم الأمان منا"، وكان القصد من هذه المنشورات إرهاب الناس وترويعهم وتحطيم معنوياتهم.

* في يوم (الجمعة الموافق 25 من المحرم سنة 656هـ) استطاع المغول أن يحدثوا ثغرة في برج العجمي.

* في يوم (الاثنين 28 من المحرم 656 هـ) تسلق جنود المغول السور من برج العجمي ونجحوا في القضاء على المقاومة التي كانت على أعالي السور. وفي مساء اليوم نفسه تمت سيطرة المغول على الأسوار الشرقية لمدينة بغداد بالكامل، وحاول عدد كبير من رجال الحامية الهرب، لكنهم وقعوا في قبضة المغول فأجهزوا عليهم، ولم يلبث الخليفة أن أعلن الاستسلام، وأرسل وفدًا مع بعض الهدايا لتقديمها إلى هولاكو طلبًا للأمان، إلا أنه لم يجبه إلى ذلك وعاد الوفد إلى بغداد يجر أذيال الخيبة.

* في يوم (الثلاثاء 29 من المحرم 656 هـ) عاود الخليفة طلب الأمان من هولاكو، فأرسل إليه وفدًا برئاسة ابنه الأوسط أبي الفضل عبد الرحمن حاملاً أموالاً عظيمة لاسترضاء هولاكو إلا أن هولاكو لم يقبل الوساطة، وأصر على حضور "الدويدار" وسليمان شاه اللذين كانا يتوليان قيادة المقاومة ضد المغول.

* في (غرة صفر 656 هـ) قرر الدويدار وسليمان شاه الخروج لمقابلة هولاكو، فطلب إليهما إصدار الأوامر إلى المدافعين عن بغداد بالانضمام إلى الجيش المغولي الذي سيتوجه إلى مصر والشام، فاستجابا لذلك، وخرج عدد كثير من الجند للالتحاق بالمغول، غير أن الموت كان في انتظارهم جميعًا خارج أسوار بغداد حيث قتلوا جميعًا ومعهم القائدات العسكريان.

* في يوم (الأحد الموافق 4 من صفر 656 هـ) لم يجد الخليفة المستعصم بدًا من الخروج لمقابلة هولاكو، فخرج ومعه أولاده وثلاثة آلاف من السادات والأئمة والقضاء والأكابر وأعيان المدينة، وطلب هولاكو من الخليفة أن يأمر أهل بغداد بوضع أسلحتهم والكف عن مقاومة المغول، فأرسل الخليفة من ينادي في المدينة بأن يضع الناس أسلحتهم، فلما فعلوا ذلك قام المغول بقتلهم جميعًا.

* في يوم (الأربعاء الموافق 7 من صفر 656 هـ) دخل الغزاة إلى المدينة، وقاموا بنهبها وحرقها وقتل كل من يصادفهم من أهلها، وألقوا بكتب العلم في دجلة، وبنوا إسطبلات الخيول وطولات المعالف بكتب العلماء عوضًا عن الطوب اللبن.

وجدير بالذكر أن القوات الأمريكية الغازية دخلت بغداد يوم (الأربعاء الموافق 7 من صفر 1424 هـ) بعد الانهيار المفاجئ للقوات العراقية والتي لا يعرف لها سبب،  حتى كتابة هذه السطور.

* في يوم (الجمعة التاسع من صفر سنة 656 هـ) دخل هولاكو مدينة بغداد لمشاهدة قصر الخليفة، وجلس هناك مع أمرائه، وأمر بإحضار الخليفة المستعصم فأحضر بين يديه، وطلب منه أن يدله على جميع ممتلكاته الظاهرة للعيان والمختبئة، فأعطاه الخليفة كل ما يملك من ذهب وفضة وأحجار كريمة، فوزعها هولاكو على أمرائه وقادة جيشه وفرسانه البارزين.

* وفي (اليوم الرابع عشر من صفر 656 هـ) أمر هولاكو بقتل الخليفة المستعصم مع أولاده وأعمامه وأقاربه وجماعة من الأعيان، ثم أعلن أن من بقي على قيد الحياة أصبح من رعاياه.

وقد اختلف المؤرخون في تقدير عدد القتلى على أيدي المغول، فقدرهم معظمهم بنحو مليون قتيل أو ما يزيد، والأرقام لا تخلو من مبالغة، لكنها دالة على الأعداد الهائلة التي لقيت مصرعها في هذه الغزوة البريرية.

وبعد أن أعلن هولاكو إيقاف القتال أمر بدفن الموتى ورفع جثث الحيوانات من الطرقات والأسواق بعد أن فسد الهواء ببغداد وانتشر الوباء في أرجائها، وقبل أن يغادر بغداد أمر بتنظيم الأمور في العراق، وترك في بغداد قائدين من المغول في ثلاثة آلاف جندي، ثم رحل إلى همدان في جمادى الأولى من سنة 656 هـ.

مشاهد وصور مفزعة

أما مشهد الناس يوم سقوط بغداد فهو مشهد مؤلم يدمي القلب، فالنساء والأطفال خرجوا من بيوتهم يحملون المصاحف على أكفهم ويتضرعون إلى الجنود الغزاة كي يبقوا على حياتهم، غير أن الخيل وطئت أجسادهم بحوافرها قبل السيوف.

- دمرت الكنوز الفنية والأدبية التي جمعها الخلفاء العباسيون عبر خمسة قرون.

- غرقت شوارع بغداد طوال ثلاثة أيام بالدماء، واصطبغت مياه دجلة بالحمرة.

- خربت المساجد بقصد الحصول على قبابها المذهبة، وهدمت القصور واستلب ما فيها من تحف نادرة.

- لم يسلم المرضى من القتل، فقد أعمل السيف في رقابهم في المستشفيات.

- التهمت النيران الكتب في الخزائن والمكتبات والمجامع العلمية، أو ألقيت في نهر دجلة.

- وصف ابن الطقطقي في كتابه الفخري في الآداب السلطانية هذه المأساة بقوله: "وقد ذبح المغول السواد الأعظم من الأهلين كما تذبح الشاة، وأضرموا النيران في المدينة.. حتى سالت الدماء بنهر دجلة، وكأنما زلزلت الأرض زلزالها وقامت الساعة في ذلك اليوم".

قراءة في أسباب سقوط بغداد

هناك أسباب كثيرة أدت إلى سقوط الخلافة العباسية ووقوع بغداد زهرة المدائن في أيدي المغول، وهذه الأسباب تذكرنا بسقوط بغداد الآن في أيدي قوات الغزو الأمريكية.. تشابهت الأسباب وتوحدت النتيجة، تأكيدًا على صدق السنن الكونية التي تحكم حياة الإنسان.. ومن هذه الأسباب:

* تحديد الهدف بدقة من قبل العدو والسعي إلى تحقيقه بكافة الوسائل، مستغلا حالة الضعف والترهل التي عليها الطرف الآخر، فكان هدف هولاكو هو القضاء على الخلافة العباسية في بغداد ونهب ثرواتها ومد النفوذ المغولي إلى هذه المنطقة، والانطلاق منها نحو السيطرة على العالم كله، وهذا الهدف هو الذي حرك الولايات المتحدة الأمريكية؛ فهي لا تخفى رغبتها في السيطرة على ثروات العراق الغنية وتكريس هيمنتها على العالم الإسلامي، والقضاء على أسباب قوته وتأمين وجود إسرائيل في المنطقة.

* لم يكن الخليفة العباسي على قدر الحدث وتحمل مسئوليته، فقد كان ضعيف الهمة، مترددًا، سهل الانقياد، يميل إلى الملذات، غير مدرك لعواقب الأمور. وصفه ابن أيبك الدواداري في كتابة "كنز الدرر" بأنه "كان فيه هوج وطيش وظلم، مع بله وضعف وانقياد إلى أصحاب السخف، يلعب بطيور الحمام، ويركب الحمير المصرية غير ناظر إلى مصالح المسلمين".

واشتهر عنه أنه كتب إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل يطلب منه جماعة من ذوي الطرب، وفي تلك الحال وصل رسول السلطان هولاكو إليه يطلب منه منجنيقات وآلات الحصار، فقال بدر الدين: "انظروا إلى المطلوبين وابكوا على الإسلام وأهله".

بينما انشغل صدام حسين ببناء قصوره الرئاسية المتعددة، ولم يستعد جيدًا للحظة الحاسمة، ولم يتصالح مع شعبه ويركن إليه بل نكل به سنين طويلة، وأضاع ثروة وطنه دون حكمة أو روية.

* لم تكن الجبهة الداخلية لبغداد متماسكة عند اجتياح المغول لها، فقد نشبت فتنة في آواخر عهد المستعصم، ترتب عليها قتال بين الشيعة والسنة، فعهد الخليفة إلى ابنه أبي بكر بفض هذا النزاع، فأغار أبو بكر على مقر الشيعة في الكرخ، وارتكب كثيرًا من الفظائع، فقتل الرجال وسبى النساء وسفك الدماء، وهتك الأعراض واستباح الحرمات، فكان لهذا التصرف أسوأ الأثر في نفوس الشيعة، وكان سكان بغداد من أهل السنة والشيعة على خلاف دائم، وجاء هذا الموقف الأهوج من الخليفة ليزيد الفتنة اشتعالاً، ويفرق بين أبناء بغداد.

* الدور المشبوه الذي قام به مؤيد الدين العلقمي وزير الخليفة العباسي، حيث نسبت إليه أغلب المصادر الإسلامية تهمة الخيانة، وتدخله في أمر محاصرة بغداد لصالح المغول، وتحريضه على قتل الخليفة. وترجع هذه المصادر سبب ذلك إلى حادثة نهب الكرخ وتخريب مشهد الإمام موسى الكاظم على يد أبي بكر بن المستعصم، وما تبع ذلك من قسوة وإهانة لحقت بالسكان الشيعة، فتأثر الوزير الشيعي أشد التأثر وصمم على مساعدة هولاكو في الاستيلاء على بغداد، والقضاء على الخلافة العباسية، ولهذا كان يرسل الرسل سرًا إلى هولاكو ليطلع المغول على ضعف الخليفة ويهون لهم من شأنه ويسهل لهم مهمة الاستيلاء على بغداد.

* ضعف الاستحكامات الدفاعية لبغداد وعجزها عن الصمود أمام هجمات المغول المتوالية، فعلى الرغم من الأخبار التي كانت تصل الخليفة تباعًا باقتراب جيوش المغول، فإنه لم يستعد لمواجهتهم قبل أن يستفحل خطرهم، ولم يبذل الأموال في شئون الدفاع عن المدينة، وتحصين دفاعاتها لمواجهة العدو القادم، وكلما استحث أحدٌ الخليفة على تقوية دفاعات بغداد قال له: "إن بغداد تكفيني وهي مصونة بعناية الله، ومن قصدها بسوء أباده الله".

اسلام اون لاين