عودة السيد السيستاني ومستقبل النجف

شبكة البصرة

عراق النجفي

يرى بعض المراقبين ان مستقبل حسم الازمة في النجف سيرسم معالم مستقبل العراق (الجديد)، ويحدد في خارطة اللعبة العبثية دورا للمرجعية الشيعية غاب عنها منذ نحو خمسة عقود.

هؤلاء المراقبون يضعون رؤيتهم هذه طبقا لما ينشر في وسائل الاعلام وتصريحات لشخوص عبر الفضائيات، لكن الوقائع على الارض وكما يعرفها النجفيون ـ برغم اختلاف الغالبية منهم ـ مع طريقة واسلوب تعامل السيد مقتدى الصدر وجيش المهدي تحمل في طياتنها اكثر من معنى، وتؤشر مستوى الخنوع والخيانة والارتماء في حضن الاجنبي.

يعرف النجفيون جميعهم ان محافظ النجف عدنان الزرفي كان السبب في احتراق المدينة المقدسة وليس السيد مقتدى الصدر، عندما عمل جاهدا على تطوير وتوسيع الشجار الذي   نشب بين احد عناصر الشرطة من افراد حمايته مع احد عناصر جيش المهدي، الى مشكلة السيطرة على الصحن الحيدري الشريف، وطلب من مكتب الشهيد الصدر تسليمه ضريح الامام علي بحجة ان وجود جيش المهدي في الضريح يمنع زيارة الوفود الرسمية الى النجف.. فما كان من مكتب الشهيد الصدر الا رفض الامر جملة وتفصيلا، باعتبار ان للمرجعية الحق في ادارة العتبات المقدسة فما كان من المحافظ الا التهديد بجلب القوات الامريكية لمقاتلهم.. ومساء الخميس29/ تموز سرت في النجف شائعة مفادها ان السيد مقتدى الصدر امر باخلاء المدينة تحسباً هجوم امريكي جديد، وما ان اشرق صباح الثلاثين من تموز حتى كانت الشائعة قد سرت في اوساط المدينة كسريان النار في الهشيم..

هكذا اذن اندلعت الازمة وانتهكت المدينة المقدسة التي يضم ثراها بطل العروبة والاسلام علي بن ابي طالب (ع).. لكن العارفين ببواطن الامور من النجفيين يؤكدون ان تحرشات عدنان الزرفي محافظ النجف الحالي والمترجم السابق لدى قوات الاحتلال، تنطلق من رغبة المحافظ في الحصول على جزء من الكعكة العراقية اسوة بما فعله سلفه (حيدر الميالي) محافظ المدينة السابق الذي استحوذ بالنهب والسرقة على ملايين الدولارات، التي مكنته من شراء عمارة وفيللا في طهران التي عاد اليها بعد طرده من منصبه.

الازمة اذن التي تسببت في اراقة دماء العراقيين بايد عراقية لا تعدو كونها جشع المحافظ الزرفي ورغبته في استعادة الحكومة المؤقتة التي يمثلها السيطرة على الصحن الحيدري الشريف الذي تبلغ ايراداته كما اعلن رئيس الوقف الشيعي (100) مليون دينار شهريا و 500 مليون دينار خلال المناسبات الدينية.

في خضم العمليات العسكرية بين جيش المهدي والقوات الامريكية فوجئ العالم اجمع بمغادرة المرجع الأعلى للشيعة في العراق آية الله العظمى السيد علي السيستاني مدينة النجف مقر الحوزة العلمية، وهو الذي فرض على نفسه عزلة واقامة اجبارية منذ اكثر من عشر سنوات لم يقم خلالها ولو بزيارة واحدة الى مرقد الامام علي (ع) الذي لا يبعد عن منزله سوى 500 متر، بل ان المقربين منه يعرفون انه كان يمنع حتى زوجته من الخروج وزيارة الامام علي (ع) ويطلب منها ان تزوره من سطح الدار.

لماذا اذن غادر السيستاني النجف؟! سؤال مازال من دون اجابة برغم كل المبررات التي سيقت عن علاجه ورحلته الاستشفائية، لكننا هنا يمكننا القول ان المرجع الشيعي الاعلى كان ضحية لعبة سياسية مخادعة ومضللة، لعبة شاركت فيها اطراف شيعية مع حكومة اياد علاوي لتصفية (الشيعي العاق) مقتدى الصدر وانهاء التيار الصدري الذي خرج على اتفاقات لم يكن طرفا فيها (ونقصد هنا تفاهمات لندن وصلاح الدين) ووقف ضد الاحتلال الامريكي..

ويؤكد هذا الرأي ايفاد حكومة اياد علاوي سرا عضو مجلس الحكم المنحل نصير الجادرجي الى العاصمة البريطانية لندن لمنع السيد السيستاني ولو بالقوة من العودة الى النجف الا بعد حسم الازمة واستباحة المدينة المقدسة. لكن حسابات الحقل لم تطابق حسابات البيدر، فقد استطاع التيار الصدري وجيش المهدي الصمود في ازقة وحواري البلدة العتيقة، حتى وصول السيستاني الى البصرة، برغم ضراوة القصف وضخامة الالة العسكرية الامريكية، باعتمادهم  ستراتيجية حرب الشوارع التي حدت بشكل ما من التفوق العسكري الامريكي واثبتت ان مقاتلي جيش المهدي هم جنود متمرسون يجيدون استخدام السلاح واستثمار المواقع.

الان وبعد ان عاد السيستاني لحفظ ماء وجه حكومة علاوي اولا هل يمكن للمرجعية الشيعية ان تلعب دورا فاعلا في توجيه الحياة السياسية في عراق ما بعد صدام حسين؟..

ان قراءة متأنية للبنود الخمسة التي تشكل العمود الفقري لمبادرة السيد السيستاني تؤكد ان سماحته قد حفظ فعلا لحكومة علاوي ماء وجهها في ثلاث محاور ولم يكن حظ اهالي النجف والكوفة وغالبيتهم من مقلديه واتباعه سوى دعوته الى تعويض جميع المتضررين في المدنيين جراء الاشتباكات..

من هنا يبدو ان حسم ازمة النجف سترسم معالم (عراق جديد)، من خلال تقليم اظافر اولئك الذين يعارضون الاحتلال، ويرون في الحكومة المؤقتة هراوة امريكية وغطاء مهلهلا للاحتلال سواء كانت المعارضة شيعية او سنية وما الغارات الوحشية التي شنت غلى الفلوجة بالتزامن مع العمليات العسكرية واسعة النطاق في النجف سوى تأكيد على نهج حكومة علاوي الفاشل في احتواء التيارات السياسية العراقية المختلفة، أوالتعاطي مع الازمات التي افرزها احتلال العراق أو تلك التي سببتها الحكومة نفسها.

عراق النجفي/ كاتبة عراقية من الداخل باسم مستعار

 شبكة البصرة

الخميس 10 رجب 1425 / 26 آب 2004